قمة فرنسية ـ بريطانية اليوم بعد انقطاع 5 سنوات

مصادر رئاسية في باريس كشفت طموحات واسعة على الأصعدة الدفاعية والأمنية والطاقة

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك في شرم الشيخ في 7 نوفمبر 2022 (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك في شرم الشيخ في 7 نوفمبر 2022 (رويترز)
TT

قمة فرنسية ـ بريطانية اليوم بعد انقطاع 5 سنوات

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك في شرم الشيخ في 7 نوفمبر 2022 (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك في شرم الشيخ في 7 نوفمبر 2022 (رويترز)

منذ خمس سنوات لم تنعقد أي قمة فرنسية - بريطانية لمجموعة من الأسباب، أبرزها اثنان: الأول التوتر الذي خيم على العلاقات الأوروبية - البريطانية بسبب قرار بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي والتعقيدات التي رافقت هذا الملف المتفجر من الجانبين، والثاني تدهور العلاقات الفرنسية - البريطانية بسبب التباعد بين باريس ولندن بشأن ملفات الهجرة المتدفقة على الشاطئ الإنجليزي انطلاقا من الجهة المقابلة من بحر المانش «القنال الإنجليزي».
يضاف إلى ما سبق الحنق الفرنسي من الدور الذي لعبته لندن في نسف «عقد القرن» الذي كان مبرما بين فرنسا وأستراليا لتزويدها بغواصات تعمل بالدفع التقليدي لصالح شرائها غواصات أميركية - بريطانية تعمل بالدفع النووي، وما تبع ذلك من إقامة تحالف ثلاثي أسترالي - أميركي - بريطاني سمي «أوكوس» واستبعدت منه فرنسا. ثم إن العلاقات الشخصية بين الرئيس ماكرون ورؤساء الحكومات البريطانية الثلاث (بوريس جونسون وتيريزا ماي وليز تراس) كانت في أسوأ حال.
أما اليوم، وبعد التوقيع في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي على اتفاقية جديدة بشأن إدارة ملف الهجرة، والتغلب على الخلافات المرتبطة بملف الصيد الفرنسي والأوروبي في المياه البريطانية، وخصوصا وصول ريشي سوناك إلى رئاسة الحكومة في بريطانيا، سهل ذلك العودة إلى علاقات «طبيعية» بين العاصمتين.
وتأتي قمة اليوم التي يستضيفها قصر الإليزيه من أجل توطيد الملفات الشخصية بين ماكرون وسوناك من جهة، ولإعادة اللحمة وتسهيل العمل المشترك بينهما إزاء القضايا الرئيسية التي تشكل تحديات للطرفين، وأولها الحرب الروسية على أوكرانيا.
وستتوج هذه المرحلة بزيارة الدولة التي سيقوم بها الملك تشارلز الثالث والملكة كاميليا إلى فرنسا ما بين 27 و30 الشهر الحالي، وهي أول زيارة من نوعها للملك الجديد إلى الخارج منذ صعوده إلى العرش في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي.
ولأن القمة بهذه الأهمية، فإن سوناك يصل صباح اليوم إلى باريس مصحوبا بسبعة وزراء (الخارجية والدفاع والاقتصاد والطاقة والداخلية والنقل والبيئة).
وأفادت مصادر قصر الإليزيه بأن لقاء مغلقا سيجمع ماكرون وسوناك سيشكل نقطة انطلاق القمة، وستوازيه لقاءات ثنائية بين الوزراء من المعنيين من الجانبين قبل اجتماع عام بحضور ماكرون وسوناك. وسيكون الملف الأوكراني رئيسيا في المحادثات، يليه مصير المجموعة السياسية الأوروبية التي طرح مشروعها الرئيس الفرنسي، والتي ستلتئم في الأول من يونيو (حزيران) المقبل في العاصمة المولدافية. وسيسعى المسؤولان إلى تحديد المراحل اللاحقة لعمل المجموعة التي ستستضيفها لندن في قمتها الرابعة، في الفصل الأول من العام 2024.
ولن يغيب الملف الاقتصادي عن اهتمامات القمة من زاوية المبادلات والاستثمارات المتقاطعة بين البلدين إن على الصعيد الرسمي أو على صعيد رجال الأعمال والمستثمرين من الطرفين. وستوفر المناسبة اجتماعا لما يسمى بـ«منتدى الأعمال الفرنسي - البريطاني»، وللقاء غير رسمي لقادة المستقبل من الشباب من الطرفين، الذين سيعرضون رؤيتهم لمستقبل العلاقات الثنائية من على ضفتي بحر المانش والعلاقات بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي.
وسوف تنتهي القمة بمؤتمر صحافي مشترك لماكرون وسوناك اللذين سبق لهما أن التقيا وجها لوجه في شرم الشيخ الخريف الماضي بمناسبة «قمة المناخ».
سيصدر عقب انتهاء الاجتماعات «إعلان مشترك» قالت المصادر الرئاسية إن باريس تريده أن يتضمن على الأقل ستة مواضيع رئيسية، أولها التعبير عن وحدة الموقف بين باريس ولندن في توفير الدعم لأوكرانيا، علما بأن بريطانيا هي من أشد العواصم حماسة لمد كييف بكافة أنواع الأسلحة المتطورة؛ لتمكينها من الخروج منتصرة من الحرب الدائرة منذ أكثر من عام على أراضيها.
وتريد باريس أيضا أن يتم دفع ملف المجموعة السياسية الأوروبية إلى الأمام، لا أن يبقى مشروعا هلاميا. وتحرص باريس على تحقيق تقدم وإطلاق مبادرات جديدة فيما يتعلق بالملف الدفاعي والأمني، خصوصا ما تعلق منه بالصناعات الدفاعية؛ تنفيذا لاتفاقيات سابقة بين الطرفين. ولا يمكن أن يفهم إصرار باريس على هذه النقطة بعيدا عن التوتر القائم بينها وبين ألمانيا بعد قرار برلين الدفع باتجاه «درع فضائية» أوروبية تضم حتى اليوم 14 دولة أوروبية، ليس بينها فرنسا، ويعتمد ذلك إلى حد بعيد على التكنولوجيا الأميركية والإسرائيلية، بينما تدفع باريس باتجاه «الاستقلالية الاستراتيجية» الأوروبية.
وترى باريس أن الظروف اليوم تدفع البلدين للتعاون الدفاعي المعزز، باعتبار أن البلدين هما الدولتان النوويتان الوحيدتان في أوروبا، وباعتبار أن قواتهما المسلحة هي الأقوى، فضلا عن أنهما مدعوان للعب دور رائد، فيما الولايات المتحدة الأميركية تشيح نظرها باتجاه الصين وشرق آسيا، وأخيرا بسبب تطورات الملف الإيراني متعدد الأشكال إن فيما يخص البرنامج النووي الإيراني والتخوف من تحول طهران إلى قوة نووية، أو سياسة إيران المزعزعة للاستقرار، أو لدورها في دعم المجهود الحربي الروسي في أوكرانيا.
أما على صعيد الطاقة، فإن الطرفين يسعيان إلى إطلاق مشاريع تعاونية جديدة تتناول بشكل أساسي الإنتاج الكهربائي من الطاقة النووية، حيث تلعب «شركة كهرباء فرنسا» الدور الأساسي. وسيكون هذا الملف رئيسيا في الاجتماعات المتخصصة بين الرسميين وبين الصناعيين، حيث إن الطرفين يسعيان إلى «شراكة استراتيجية» في ميدان الطاقة على أنواعها.
يبقى ملف الهجرة، فمنذ الاتفاق الذي وقعه وزيرا داخلية البلدين في الخريف الماضي يسعى الجانبان، وفق المصادر الرئاسية الفرنسية، إلى وضع اللمسات الأخيرة على تعزيز التعاون الميداني بين القوى الأمنية، ورفع المساهمة المالية البريطانية لزيادة عديد أفراد الشرطة والدرك، لمنع أو على الأقل للحد من عمليات انتقال المهاجرين غير الشرعيين بحرا إلى الشاطئ الإنجليزي. وتجدر الإشارة إلى أن 45 ألف مهاجر نجحوا في الوصول إليه العام الماضي ما يشكل زيادة رئيسية لما كانت عليه الأرقام في السنوات السابقة. وثمة «تدابير أخرى» سيتم إقرارها، بيد أن المصادر الفرنسية لم تكشف عن تفاصيلها.


مقالات ذات صلة

شرطة لندن تقبض على «مسلّح» أمام قصر باكنغهام

العالم شرطة لندن تقبض على «مسلّح» أمام قصر باكنغهام

شرطة لندن تقبض على «مسلّح» أمام قصر باكنغهام

أعلنت شرطة لندن، الثلاثاء، توقيف رجل «يشتبه بأنه مسلّح» اقترب من سياج قصر باكينغهام وألقى أغراضا يعتقد أنها خراطيش سلاح ناري إلى داخل حديقة القصر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق شاشة لتوفير خصوصية خلال اللحظة الأهم في تتويج الملك تشارلز

شاشة لتوفير خصوصية خلال اللحظة الأهم في تتويج الملك تشارلز

قال قصر بكنغهام وصناع شاشة جديدة من المقرر استخدامها خلال مراسم تتويج الملك تشارلز الأسبوع المقبل إن الشاشة ستوفر «خصوصية مطلقة» للجزء الأكثر أهمية من المراسم، مما يضمن أن عيون العالم لن ترى الملك وهو يجري مسحه بزيت. فالشاشة ثلاثية الجوانب ستكون ساترا لتشارلز أثناء عملية المسح بالزيت المجلوب من القدس على يديه وصدره ورأسه قبل وقت قصير من تتويجه في كنيسة وستمنستر بلندن في السادس من مايو (أيار) المقبل. وقال قصر بكنغهام إن هذه اللحظة تاريخيا كان ينظر إليها على أنها «لحظة بين الملك والله» مع وجود حاجز لحماية قدسيته.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم استقالة رئيس هيئة «بي بي سي» على خلفية ترتيب قرض لجونسون

استقالة رئيس هيئة «بي بي سي» على خلفية ترتيب قرض لجونسون

قدّم رئيس هيئة «بي بي سي» ريتشارد شارب، أمس الجمعة، استقالته بعد تحقيق وجد أنه انتهك القواعد لعدم الإفصاح عن دوره في ترتيب قرض لرئيس الوزراء آنذاك بوريس جونسون. وقال شارب، «أشعر أن هذا الأمر قد يصرف التركيز عن العمل الجيد الذي تقدّمه المؤسسة إذا بقيت في المنصب حتى نهاية فترة ولايتي». تأتي استقالة شارب في وقت يتزايد التدقيق السياسي في أوضاع «بي بي سي».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد كبير الاقتصاديين في «بنك إنجلترا»: على البريطانيين القبول بصعوباتهم المالية

كبير الاقتصاديين في «بنك إنجلترا»: على البريطانيين القبول بصعوباتهم المالية

أكد كبير الاقتصاديين في «بنك إنجلترا»، اليوم (الثلاثاء)، أنه يتعين على البريطانيين القبول بتراجع قدرتهم الشرائية في مواجهة أزمة تكاليف المعيشة التاريخية من أجل عدم تغذية التضخم. وقال هيو بيل، في «بودكاست»، إنه مع أن التضخم نجم عن الصدمات خارج المملكة المتحدة من وباء «كوفيد19» والحرب في أوكرانيا، فإن «ما يعززه أيضاً جهود يبذلها البريطانيون للحفاظ على مستوى معيشتهم، فيما تزيد الشركات أسعارها ويطالب الموظفون بزيادات في الرواتب». ووفق بيل؛ فإنه «بطريقة ما في المملكة المتحدة، يجب أن يقبل الناس بأن وضعهم ساء، والكف عن محاولة الحفاظ على قدرتهم الشرائية الحقيقية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
«التنمر» يطيح نائب رئيس الوزراء البريطاني

«التنمر» يطيح نائب رئيس الوزراء البريطاني

قدّم نائب رئيس الوزراء البريطاني، دومينيك راب، استقالته، أمس، بعدما خلص تحقيق مستقلّ إلى أنّه تنمّر على موظفين حكوميين. وفي نكسة جديدة لرئيس الوزراء ريشي سوناك، خلص تحقيق مستقلّ إلى أنّ راب، الذي يشغل منصب وزير العدل أيضاً، تصرّف بطريقة ترقى إلى المضايقة المعنوية خلال تولّيه مناصب وزارية سابقة. ورغم نفيه المستمر لهذه الاتهامات، كتب راب في رسالة الاستقالة الموجّهة إلى سوناك: «لقد طلبتُ هذا التحقيق، وتعهدتُ الاستقالة إذا ثبتت وقائع التنمّر أياً تكن»، مؤكّداً: «أعتقد أنه من المهم احترام كلمتي». وقبِل سوناك هذه الاستقالة، معرباً في رسالة وجهها إلى وزيره السابق عن «حزنه الشديد»، ومشيداً بسنوات خدمة

«الشرق الأوسط» (لندن)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟