محطة جديدة في معركة «لي الذراع» بين الحكومة الفرنسية والنقابات

دعوات لتصعيد التعبئة وإضرابات مفتوحة... وقطاعا النقل والتعليم الأكثر تضرراً

سائقو حافلات حكومية في باريس في تحرك لحشد الدعم لمظاهرات اليوم (أ.ف.ب)
سائقو حافلات حكومية في باريس في تحرك لحشد الدعم لمظاهرات اليوم (أ.ف.ب)
TT

محطة جديدة في معركة «لي الذراع» بين الحكومة الفرنسية والنقابات

سائقو حافلات حكومية في باريس في تحرك لحشد الدعم لمظاهرات اليوم (أ.ف.ب)
سائقو حافلات حكومية في باريس في تحرك لحشد الدعم لمظاهرات اليوم (أ.ف.ب)

ما زالت معركة «لي الذراع» قائمة بين الحكومة الفرنسية والنقابات بشأن مشروع إصلاح قانون التقاعد الذي يناقش حالياً في مجلس الشيوخ قبل أن يعود مجدداً إلى مجلس النواب.
وتسعى النقابات إلى التوصل لأعلى درجة من التعبئة في سادس يوم تعرفه البلاد من الحراك الاجتماعي، الذي يتم على خلفية تدهور الأوضاع الاقتصادية، مع استفحال الغلاء وانهيار القدرة الشرائية للشرائح الأكثر هشاشة، وبلوغ التضخم مستويات غير مسبوقة منذ أكثر من ثلاثة عقود.
وتدل كل المؤشرات المتوافرة على أن الفرنسيين سيعرفون «يوم ثلاثاء أسود» بسبب اتساع الدعوات للإضراب الذي سيطال قطاعات أساسية، على رأسها النقل متعدد الأشكال.
الجديد اليوم أن الدعوات تتكاثر لإضرابات مفتوحة وسط مخاوف من الأجهزة الأمنية من أن تبلغ التعبئة مستويات مرتفعة تتداخل مع مظاهرات وتجمعات مرتقبة تعد بالعشرات.
وفق ما جاء في مذكرة صادرة عن المخابرات الداخلية، فإن ما بين 1.1 و1.4 مليون متظاهر سينزلون اليوم إلى الشوارع، وأن المظاهرة الرئيسية ستشهدها العاصمة باريس، حيث يتوقع أن تصل أعداد المتظاهرين إلى مائة ألف شخص. بيد أنه تتعين الإشارة إلى ميل الهيئات الرسمية إلى التقليل من أعداد المتظاهرين أو المضربين، وأحياناً تتغير الأرقام من واحد إلى عشرة.
حتى اليوم، ما زالت النقابات الثماني الرئيسية على تماسكها لجهة سعيها لدفع الحكومة إلى سحب مشروع القانون الذي تمت مناقشته لأسبوعين في المجلس النيابي. وطيلة 14 يوماً، شهد المجلس المذكور حفلات هرج ومرج بسبب المعارضة الجذرية التي أبدتها أحزاب المعارضة اليسارية (الاشتراكيون والشيوعيون ونواب حزب فرنسا المتمردة)، إضافة إلى «الخضر» إلى درجة أنه لم يتم التصويت على مشروع القانون فيما يسمى «القراءة الأولى» قبل أن ينتقل إلى مجلس الشيوخ، حيث تهيمن الأحزاب اليمينية التي نجحت في الحصول على بعض التعديلات الطفيفة، وأحياناً ضد إرادة الحكومة.
بيد أن نقطة الخلاف الرئيسية ما زالت مكانها، وتتمثل في رغبة الرئيس إيمانويل ماكرون، والحكومة، رفع سن التقاعد المعمول به حالياً، من 62 عاماً إلى 64، ووضع حد لما يدعى «أنظمة التقاعد الخاصة». وتشمل هذه الأنظمة الوظيفة العمومية والجيش والقوى الأمنية وقطاع النقل وموظفي المصرف المركزي وعمال المناجم وأصحاب المهن الصعبة وقطاع الطاقة والنواب... وهؤلاء يتمتعون بميزات لا يتمتع به الخاضعون لنظام التقاعد العام.
من هنا، يمكن فهم الأسباب التي تدفع موظفي قطاع النقل إلى التمسك بالمواقف الأكثر تشدداً، بما فيها التهديد بمواصلة الإضراب في قطاعهم، ما يعني تدافعاً في محطات القطارات وأرصفة المترو واختناقاً مرورياً. اللافت أن النقابات التي تحظى بدعم أحزاب اليسار والخضر وبعض اليمين لا تخفي رغبتها في «تعطيل» النشاط الاقتصادي والحياتي في البلاد، معتبرة أن الحكومة لا تحاور وتصم أذنيها عن الاستماع لشكواهم ومطالبهم. وتلاحظ الوسائل الإعلامية على اختلاف مشاربها، أن الرئيس ماكرون أخلى الساحة لرئيسة الحكومة إليزابيت بورن، وأنه لا يشارك في النقاش الجاري على المستوى الوطني، رغم أن مشروع القانون ترجمة لبند رئيسي في برنامجه الانتخابي الذي طرحه أثناء المعركة الرئاسية في الربيع الماضي. وكان منتظراً أن تتحدث بورن ليلاً على إحدى القنوات التلفزيونية للدفاع عن المشروع الإصلاحي الذي يلقى معارضة أكثرية من الفرنسيين وفق ما تظهره استطلاعات الرأي.
تقول النقابات إن اجتماعاً تنسيقياً سيلتئم بين قادتها مساء اليوم لتقرير الخطوات اللاحقة بناء على مستوى التعبئة الذي سيبرز بالطبع في العاصمة، لكن أيضاً في المدن الرئيسية والأرياف. وحسب مذكرة من أحد الأجهزة الأمنية، والمرجح أن يكون المخابرات الداخلية، فإن 325 مظاهرة وتجمعاً ستحصل طيلة اليوم مع التخوف من حصول مناوشات مع مجموعات متطرفة من أقصى اليسار وأقصى اليمين بالتوازي مع تخوف من عودة «السترات الصفراء» إلى الشارع.
ودعا لوران بيرجيه، الأمين العام للفيدرالية الديمقراطية للعمال، المواطنين، إلى «النزول بكثافة إلى الشوارع للتظاهر»، داعياً الرئيس ماكرون إلى الاستماع لمطالبهم، ومضيفاً أنه «لا يستطيع أن يواصل صم أذنيه» عما يطالبون به. وبالمقابل، فإن رئيسة الحكومة وعدة وزراء عادوا لمطالبة النقابيين بـ«التحلي بالمسؤولية». بيد أن تصريحاً لوزير العمل أوليفيه دوسو، الذي وصف مشروع القانون بأنه «يساري الهوى» أثار ردوداً عنيفة عليه انطلاقاً من مبدأ أن اليمين هو الذي يدعم ماكرون ويدعوه، كما فعل برونو روتايو، رئيس مجموعة اليمين في مجلس الشيوخ، إلى «عدم التراجع» عن خطته.
حقيقة الأمر أن ماكرون وبورن نجحا في اجتذاب اليمين التقليدي ممثلاً بحزب «الجمهوريون» الذي يقوده راهناً النائب أريك سيوتي، مقابل تعديلات هامشية إلى قبول التصويت لجانب مشروع القانون عندما يعود مجدداً إلى مجلس النواب، حيث لا يحظى حزب ماكرون «النهضة» وحلفاؤه بالأكثرية اللازمة.
من هنا، يرى المراقبون أن مشروع القانون سوف يتم تبنيه في الأسابيع المقبلة، إلا إذا كانت التعبئة في الشارع قوية إلى درجة تدفع السلطة التنفيذية للتراجع. ولن تكون المرة الأولى التي ينجح الشارع في لي ذراع السلطة. من هنا، أهمية متابعة وتقييم ما سيحصل اليوم وما سيقرره قادة النقابات مساء.
وحتى كتابة هذه السطور، كان بيناً أن قطاع النقل سيكون الأكثر تضرراً. ومنذ السابعة من مساء أمس، نبهت إدارة الشركة الوطنية للسكك الحديد من انطلاق الإضراب الذي دعت إليه النقابات كافة على اختلاف مشاربها، الذي تريده متواصلاً. أما بالنسبة إلى حركة الملاحة الجوية، فإن المديرية العامة للطيران المدني طلبت من شركات الطيران إلغاء ما بين 20 في المائة و30 في المائة من رحلاتها الثلاثاء والأربعاء، تحسباً لإضراب المراقبين الجويين.
ونبه وزير النقل كليمان بون، من أن البلاد «أصعب الأيام التي يمكن أن تعرفها». ومنذ مساء الأحد، بدأ سائقو الشاحنات تحركاً لإغلاق مناطق صناعية بكاملها، فيما شهد قطاع الطاقة (معامل التكرير والتخزين والنقل) إضراباً جزئياً، والأمر نفسه يصح على المحطات النووية لإنتاج الطاقة الكهربائية، حيث خفض العاملون في هذه المحطات من إنتاج الكهرباء، ما ألزم شركة كهرباء فرنسا شراء الطاقة من بلدان الجوار لضمان الاستهلاك المحلي.


مقالات ذات صلة

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي»  بالألعاب النارية

طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي» بالألعاب النارية

يستخدم فريق أساليب جديدة بينها الألعاب النارية ومجموعة أصوات لطرد الطيور من مطار أورلي الفرنسي لمنعها من التسبب بمشاكل وأعطال في الطائرات، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتطلق كولين بليسي وهي تضع خوذة مانعة للضجيج ونظارات واقية وتحمل مسدساً، النار في الهواء، فيصدر صوت صفير ثم فرقعة، مما يؤدي إلى فرار الطيور الجارحة بعيداً عن المدرج. وتوضح "إنها ألعاب نارية. لم تُصنّع بهدف قتل الطيور بل لإحداث ضجيج" وإخافتها. وتعمل بليسي كطاردة للطيور، وهي مهنة غير معروفة كثيراً لكنّها ضرورية في المطارات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

تتجه الأنظار اليوم إلى فرنسا لمعرفة مصير طلب الموافقة على «الاستفتاء بمبادرة مشتركة» الذي تقدمت به مجموعة من نواب اليسار والخضر إلى المجلس الدستوري الذي سيصدر فتواه عصر اليوم. وثمة مخاوف من أن رفضه سيفضي إلى تجمعات ومظاهرات كما حصل لدى رفض طلب مماثل أواسط الشهر الماضي. وتداعت النقابات للتجمع أمام مقر المجلس الواقع وسط العاصمة وقريباً من مبنى الأوبرا نحو الخامسة بعد الظهر «مسلحين» بقرع الطناجر لإسماع رفضهم السير بقانون تعديل نظام التقاعد الجديد. ويتيح تعديل دستوري أُقرّ في العام 2008، في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، طلب إجراء استفتاء صادر عن خمسة أعضاء مجلس النواب والشيوخ.

ميشال أبونجم (باريس)
«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

عناصر أمن أمام محطة للدراجات في باريس اشتعلت فيها النيران خلال تجدد المظاهرات أمس. وأعادت مناسبة «يوم العمال» الزخم للاحتجاجات الرافضة إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟


الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
TT

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

استخدمت الشرطة في مدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم الاثنين، مع متظاهرين مشاركين في مَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورشّت الشرطة المتظاهرين ومراسلين صحافيين برذاذ الفلفل، أثناء محاولة المَسيرة المؤيدة للفلسطينيين الخروج من المنطقة المحدَّدة للتظاهر بها.

تجمّع متظاهرون في ساحة قاعة المدينة للاحتجاج على زيارة الرئيس إسحاق هرتسوغ الرسمية إلى أستراليا (رويترز)

وتظاهر الآلاف في أنحاء أستراليا احتجاجاً على زيارة هرتسوغ. وفي سيدني، تجمع الآلاف في ساحة ‌بحي الأعمال المركزي ‌بالمدينة، واستمعوا إلى خطب ورددوا شعارات مؤيدة للفلسطينيين.

وقال ‌متظاهر ⁠يبلغ ​من ‌العمر 30 عاما من سيدني «كانت مذبحة بونداي مروعة، لكن قيادتنا الأسترالية لا تعترف بالشعب الفلسطيني وسكان غزة»، وفق «رويترز».
وأضاف «يتهرب هرتسوغ من جميع الأسئلة المتعلقة بالاحتلال وقال إن هذه الزيارة تتعلق بالعلاقات بين أستراليا وإسرائيل، لكنه متواطئ».
وكان هناك وجود مكثف للشرطة مع طائرة هليكوبتر تحلق في السماء ودوريات ينفذها أفراد من الخيالة.

وبدأ هرتسوغ زيارة لأستراليا، اليوم الاثنين، لتكريم ضحايا هجوم بونداي الذي أودى بحياة 15 شخصاً كانوا يحتفلون بعيد الأنوار اليهودي «حانوكا» على الشاطئ الشهير في سيدني، وتقديم دعم للجالية اليهودية. وقال الرئيس الإسرائيلي إن زيارته تهدف إلى «التعبير عن تضامنه ومنح القوة» للجالية اليهودية، بعد الهجوم الذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً في 14 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تجمَّع متظاهرون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

وفي مواجهة دعوات إلى الاحتجاج أطلقها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين، حضّت السلطات على الهدوء، وحشدت قوة أمنية كبيرة في سيدني، حيث يقوم هرتسوغ بزيارة مُدّتها أربعة أيام.

ودعت مجموعة «بالستاين أكشن» إلى تظاهرة، بعد ظهر الاثنين، أمام مبنى بلدية سيدني، ورفضت طلب الشرطة بنقل التجمع إلى حديقة قريبة.

وتُندد المجموعة بـ«الإبادة الجماعية» التي تقول إن إسرائيل ترتكبها في قطاع غزة، وتدعو السلطات الأسترالية إلى التحقيق مع هرتسوغ بتهمة ارتكاب جرائم حرب باسم التزامات كانبيرا الدولية. وخلصت لجنة تحقيق مستقلة، مكلَّفة من الأمم المتحدة، عام 2025، إلى أن إسرائيل كانت ترتكب إبادة جماعية في غزة، منذ بداية الحرب على القطاع.