«طفلة الرعد»... معركة العقل مع الخرافة

غادة الخوري تستعيد سردية الاقتتال الأهلي اللبناني

«طفلة الرعد»... معركة العقل مع الخرافة
TT

«طفلة الرعد»... معركة العقل مع الخرافة

«طفلة الرعد»... معركة العقل مع الخرافة

التأتأة التي تعانيها هيلانة، الشخصية الرئيسية في رواية غادة الخوري، «طفلة الرعد» (دار الآداب)، هي ارتجاف النفس البشرية أمام المواجهة المُحتكمة إلى العقل. ففي قرية تمضي نساؤها أيامهن في النميمة، ويغرف أبناؤها فهمهم للحياة من منابع الخرافة، تُقوّض الكاتبة اللبنانية ظَهر بطلتها بصخرة سيزيف في مسار صعودها الشاق نحو الانعتاق.
كانت أيام عزّ الراديو وما سبق دخول الهاتف الثابت إلى المنازل بخجل. زمن الرواية هو سبعينات القرن الماضي، في قرية اتخذت لها اسم ديرزوفا تصديقاً لـ«معجزة» حلّت بالدير فنبتت عشبة الزوفا من قلب الصخر، وبات الأطباء يزجّونها في كل وصفة لكل مرض. حتى التأتأة المُصابة بها هيلانة جراء استجابة معاكسة لقهر طبع طفولتها؛ وحين سألت عن علاج لعاهتها استهتر طبيب القرية بالعلم ونصح بشرب الزوفا عسى الحنجرة تتمرد على أقفاصها!
كنقيض فاضح لما يجري حولها، حيث يسلّم الجميع بالأجوبة الجاهزة، تنقّب هيلانة داخل أسئلة «محرّمة»، وتنبش في ماضٍ بعضه مُبهم وبعضه الآخر يتغذى بشائعات يتلهّى بها أصحابها لكسب جولة في ترويض الضجر. تجرّ وراءها عيون الناس المحدّقة بعاهتها، سخرية رفاق المدرسة وأغنية التأتوءة؛ إلى ديرزوفا، مسقط زوجها صالح الذي خفف عنها وطأة يُتْمها المبكر حين قالت «نعم» لحياة مجهولة.
تتقدّم قرية «تقدّس الشبه» من كونها مجرد مسرح روائي، لتنوط بدور حاسم في رسم مسار الأحداث وترنّح هيلانة على حافة القدر. تضع الكاتبة اختلافها أمام جحافل من النسخ البشرية عديمة الفرادة. موقعها على الهامش، يدفعها إلى الاقتحام. تهذي بكابوس التأتأة اللامتناهي ليقودها هذيانها إلى الصحوة المرتقبة.
شغف هيلانة بالكتب ليس عبثياً في تركيبة شخصية تواقة إلى رؤية خلاصية للذات والعالم. تحبس ما تريد قوله وتكتفي بما يمكنها أن تقوله، باستعمال حيل للكلمات تدرّبت عليها وطوّرتها، خشية على طفلتها الوحيدة هبة من وراثة عذاب التحضير المسبق لولادة الجملة. وحدها دهشتها بروايات كـ«آنا كارنينا» للروسي ليو تولستوي و«رجال في الشمس» للفلسطيني غسان كنفاني، جنّبت عقلها تصديق خزعبلات يسبح بها أهل ديرزوفا الأميّون بغالبيتهم، الذين يستلقون في كهوف الجهل.
فكُّ لغز قرية صدّق أهلها أنّ الشمس تسطع في الليل، وانشغلوا بحكايات العار المُتناقل في السر والعلن، والأخبار العجيبة عن نساء دُفعن إلى ارتكاب المعاصي، يجعل هيلانة تخرج من فقاعتها بحثاً عن وجود حقيقي ينافي زيف الدمى. لم تكن كتب جارها الأستاذ نبيل ولا فصاحته الملتوية ما دمل عقدة نقصها، ولا الأخوّة الضاربة في التباين التي تجمعها بشقيقتها فادية الثرثارة وزوجها «الكتائبي»، وأخيها فريد بقناعاته القومية. ردم الهامش بعد اتساعٍ كاد يبتلعها، مردّه أسرار راحت تنكشف موقظة علاقتها القديمة بالصدمة المتأصلة؛ وتحولات مسّتها كفرد واعٍ يعاند انفعال الجماعة.
موت عائلة صالح، ثم اختفاؤه، راحا يقشّران جلدها الميت طبقة تلو الأخرى. لسعة العقرب المُسببة لاختفائه في المرة الأولى، في الحقل ذاته الشاهد على تراجيدية اندلاع النيران في جسد أخته وردية؛ ليس كالاختفاء الكبير كأحد تداعيات الاقتتال الطائفي وإيقاظ الفتن. تتساقط الأقنعة أمام هيلانة المُدركة متأخرة حجم المؤامرة ضدها، بالإجماع على إخفاء الحقائق عنها كأنّ نقصها يجعلها لا تحتملها؛ وعلى طريقة الفراشات في رفضها الأبدي لشرنقتها، تعود مرئية بألوانها وطلاقتها ونفضها عزلتها المطوَّقة بالصمت والخوف.
تختزلها بئر غرقت فيها والدتها خلال محاولتها انتشال مركب ورقي لها وهي طفلة في السادسة؛ بظلمتها ووجهها المقفل الحائل دون رغبة أحد في النظر إلى قلبها. هذه رواية عن ضريبة الإبقاء على الجهل وثمن الوصول إلى الحقيقة، وما بينهما من وعي شاق ونور باهظ. ورواية الأقدار الخارجة على السيطرة حين تهتزّ الأرض تحت أقدام مُشعلي حرائقها. تنطلق هيلانة بشعور لذيذ بالخفة وعيش مغامرة اللامبالاة، وهي تندم على عمر أضاعته خلف الجدران. أرادت التخلص من صوتها الذي يردّد لها أنها «جبانة». انعتاقها مكلف كخروج أمم من الظلمات إلى الضوء.
بحريق الأحراج ووقوع جريمة وإجهاض بطلتها، تمهّد غادة الخوري لاستعادة سردية الاقتتال الأهلي اللبناني المندلع في العام 1975، كجرج أدبي لبناني لا مهرب من رائحته على الورق. ديرزوفا المسيحية وبقاع نبعا المسلمة، قريتان توائمان معارك شطرت بيروت إلى شرقية وغربية، كاختزالات لمّاعة لأثر فورة الغرائز في تعميم الخراب والعتم المطبق.
ورغم أنّ صالح فلاح أُلحق اسمه بلائحة طويلة تضمّ أسماء شخصيات «مهمّة» لها أولوية السؤال عن اختفائها؛ يؤكد خطفه امتداد «كبش المحرقة» ليطال أبرياء ظلّوا أوفياء لوطن منحوه ولاء نبيلاً. عشقه الغاضب لأرض رفض دسّ مواد كيميائية في محصولها، ومقولته إنها «بتفهم وعندها حكمة، ومش على ذوقنا بتمشي»، لم يجنّباه مآل مصير مفتوح على المجهول.
يحلّ خطف صالح كفعل مطرقة تهدم النسخة القديمة من هيلانة التأتوءة العاجزة عن تغيير واقع كرّسه ماضيها العليل. بحثها عن مبررات للتأتأة في ذاكرتها المفقودة وسخرية الآخرين، لم يفضِ سوى إلى تغذية عدائها لنفسها. ها هي، ذات شتاء بلون الدم إثر مجازر عمّت لبنان، تجد صوتها ينطلق بحرّية فيما أصوات الآخرين تُكبّل بالرضوخ، فتصرخ للحق في وجه الظلم ولقدسية تعاطي صالح مع الأرض ضد شرذمة أبنائها.
تنجلي العبرة: «العجز قرار والحرية أيضاً قرار!»، فتشهد هيلانة على ولادتها بعد معركة حاسمة. يصمد صوتها كتردّدات رعد جديد أمام الرشاش ونافورة الدم، لتدرك أنها أضاعت العمر في الخوف من نفسها، وأنّ الوعي هو بوابة خلاصها. «الجهل شقاء»، تكتب لصالح في رسالة قد لا تصله، معلنة موت وحش أسود أثقل كتفيها طوال حياتها، ليفتك وحش أشدّ سواداً بالوطن كله ويمزّقه.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«موسم الرياض» يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
TT

«موسم الرياض» يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)

كشف المستشار تركي آل الشيخ رئيس «الهيئة العامة للترفيه» السعودية عن إنجاز جديد حققه «موسم الرياض»، بعد تصدّره قائمة العلامات التجارية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وحصوله على المركز الأول ضمن جوائز Loeries العالمية المتخصصة في الإبداع الإعلاني، فيما تصدّر الشريك الإبداعي للموسم BigTime Creative Shop قائمة الوكالات الإبداعية في المنطقة.

وجاء ذلك في منشور للمستشار تركي آل الشيخ عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس» قال فيه: «(موسم الرياض) يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ويحصد المركز الأول ضمن جوائز LOERIES، فيما يتصدر شريكه الإبداعي BigTime Creative Shop قائمة الوكالات الإبداعية في المنطقة. إنجاز يعكس قوة الإبداع السعودي، ويؤكد حضوره المؤثر عالمياً».

تصدر «موسم الرياض» العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (هيئة الترفيه)

ويُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة، ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً، من خلال محتوى متنوع وتجارب عالمية المستوى، وشراكات إبداعية وتسويقية أسهمت في بناء علامة تجارية سعودية ذات حضور دولي، وقدرة تنافسية عالية في كبرى المحافل العالمية.

من جانبها، رسّخت BigTime Creative Shop مكانتها كإحدى أبرز الوكالات الإبداعية في المنطقة، من خلال تطوير وتنفيذ حملات نوعية لموسم الرياض، جمعت بين الطابع الإبداعي والتأثير الواسع، وأسهمت في إيصال رسالة الموسم إلى جمهور عالمي بلغات وأساليب معاصرة.

وتُعد جوائز Loeries من أعرق وأهم الجوائز المتخصصة في مجالات الإعلان، والاتصال التسويقي، والإبداع المؤسسي في أفريقيا والشرق الأوسط، حيث تأسست عام 1978، وتُمنح وفق معايير دقيقة تعتمد على جودة الفكرة، والابتكار، والتنفيذ، والأثر الإبداعي. ويُنظر إلى الفوز بها بوصفه اعترافاً دولياً رفيع المستوى بالتميّز والريادة في الصناعات الإبداعية.


كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
TT

كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)

أصبح الشباب مؤخراً يستقون نصائحهم الغذائية من وسائل التواصل الاجتماعي. فقد أظهر استطلاع نُشر حديثاً أن مستخدمي تطبيق «تيك توك» يختارون ما يأكلونه وأين يأكلونه بناء على الوجبات والوصفات التي يعرضها التطبيق على المستخدمين أثناء تصفحهم لمحتوى المنصة، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

ويقول الباحث أرتور سترتسيليكي، من جامعة كاتوفيتشي للاقتصاد في بولندا: «يمكن للاتجاهات الغذائية المعروضة في فيديوهات (تيك توك) أن تحدد ما سيأكله الشباب، والمطاعم التي يرتادونها، وكيف يقيمون الوصفات المعروضة».

وكان سترتسيليكي ضمن فريق أجرى استطلاعاً لمستخدمي «تيك توك» في العام الماضي، وخلص إلى أن التطبيق «أداة فعالة في تشكيل تفضيلات المستهلكين الغذائية وسلوكياتهم».

ويؤكد سترتسيليكي أنه «في الوقت الحاضر، يميل الشباب إلى جعل معظم عاداتهم الغذائية متوافقة مع المحتوى الذي قد يشاهدونه على وسائل التواصل الاجتماعي».

وأشارت دراسة نُشرت في المجلة الدولية لدراسات المستهلك، إلى أن «الآليات الخوارزمية» لمنصة «تيك توك» تعد عاملاً رئيسياً في تحديد ما يراه المستخدمون، والذي غالباً ما يقدمه المؤثرون الذين يتقاضون أجراً مقابل الترويج للعلامات التجارية والأماكن.

ووفقاً لبرونو لوريو، مؤلف كتاب «تاريخ علم التغذية - من أبقراط إلى مؤشر التغذية» المنتظر صدوره قريباً، فإن النصائح الغذائية المُعاصرة تعاني من «جو من القلق» وتتأثر بـ«انتشار قادة الرأي».

وكان لوريو يتحدث إلى المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، ناشر الكتاب، حيث أشار إلى أن مجموعة من «الخبراء، وأشباه الأطباء، ومنظمات المستهلكين، والمؤثرين» يقدمون نصائح حول الطعام والنظام الغذائي على وسائل التواصل الاجتماعي.

كما كشفت دراسة أن «تيك توك» هي أكثر منصات التواصل الاجتماعي استهلاكاً لوقت المستخدمين، حيث يقضي المستخدمون عليها ما معدله 97 دقيقة يومياً، وفقا لمنصة «بلايرزتايم» للتوعية بمخاطر القمار، بينما تأتي «يوتيوب» في المرتبة الثانية بـ85 دقيقة يومياً.


عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
TT

عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)

كثيراً ما نعدّ عادات مثل شرود الذهن أو لحظات «الذهول التلقائي» عيوباً. ويرى معظم الناس أنها علامات على ضعف التركيز، أو قلة الانضباط، أو حتى تراجع القدرات الإدراكية، لكن ما نغفل عنه غالباً هو أن تصوراتنا تتأثر بثقافة الإنتاج المتواصل والمكافآت المادية التي تحيط بنا.

ومن هذا المنظور، تبدو هذه العادات الذهنية وكأنها عوامل تشتيت تحتاج إلى تصحيح، بدلاً من كونها عمليات إدراكية تحتاج فقط إلى فهم، وفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية.

وتُشير الأبحاث النفسية إلى أنه في ظل الظروف المناسبة قد تعكس هذه السلوكيات التي تبدو غير مُنتجة، مرونة معرفية وقدرة على حل المشكلات بطرق إبداعية ومهارة دماغية في التكيف مع أنماط التفكير المختلفة.

بعبارة أخرى، بدلاً من كونها خللاً ذهنياً، قد تكون هذه السلوكيات علامات على الذكاء وعلى عقل نشط يقوم بمهام أساسية مهمة. وفيما يلي سلوكان شائعان يتجاهلهما الكثيرون أو يحاولون كبتهما، رغم أنهما قد يكونان مفيدين، وكيفية التعامل معهما بفهم أعمق للفروق النفسية الدقيقة.

عادة شرود الذهن

لطالما عُدّ شرود الذهن، أو انصراف الانتباه عن المهمة الحالية نحو أفكار ذاتية، علامة واضحة على قلة التركيز، إلا أن الدراسات الحديثة تُظهر أنه قد يُسهم أيضاً في تعزيز التفكير الإبداعي والمرونة المعرفية.

فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة، أُجريت عام 2025 وشملت أكثر من 1300 بالغ، أن شرود الذهن المتعمد (أي سماح الشخص لنفسه عمداً بالتفكير في أحلام اليقظة) يُنبئ بأداء إبداعي أعلى. وأشارت بيانات التصوير العصبي إلى أن هذا التأثير مدعوم بزيادة الترابط بين شبكات الدماغ واسعة النطاق المسؤولة عن التحكم التنفيذي وشبكة الوضع الافتراضي، وهي نظام مرتبط بالتفكير الذاتي والخيال.

كما يُظهر الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن التلقائي أداءً أفضل في نماذج تبديل المهام، مما يعني قدرتهم على تغيير أنماط تفكيرهم بسرعة أكبر، وهو دليل واضح على مرونة التفكير. أيضاً يرتبط الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن بقدرة أكبر على التفكير التلقائي.

مع ذلك، من المهم ملاحظة أن شرود الذهن ليس حلاً سحرياً، ولن تظهر فوائده إلا عند موازنته مع التحكم في الانتباه. وإذا وجدت ذهنك شارداً في كثير من الأحيان، وكنت تتمتع أيضاً بتركيز جيد ووعي ذاتي، فقد تكون بذلك تستخدم نمطاً ذهنياً يدعم الإبداع والتفكير المرن وحل المشكلات.

عادة التحدث مع النفس

قد يبدو التحدث مع النفس، سواءً كان صامتاً أو بصوت خافت، غريباً من وجهة نظر الآخرين. مع ذلك تشير الأبحاث النفسية الحديثة إلى أن الحديث الداخلي مع الذات يُمكن استخدامه لدعم التنظيم الذاتي والتخطيط والتفكير التأملي (أي التفكير في أفكارك).

ووفقاً لدراسة أُجريت عام 2023 على طلاب جامعيين، توجد علاقة وثيقة بين استخدام الحديث الداخلي ومقاييس التنظيم الذاتي ووضوح مفهوم الذات. بعبارة أخرى، يُظهر الأفراد الذين يتحدثون مع أنفسهم أكثر من غيرهم وضوحاً أكبر في هويتهم الذاتية، فضلاً عن تنظيم ذاتي أفضل.

وهذا لا يعني بالضرورة أن الحديث مع النفس يدل على ذكاء أعلى، بل يُشير إلى أن الحديث الداخلي قد يعمل بوصفه دعامة معرفية، أو وسيلة لتنظيم الأفكار المعقدة، وتسلسل الأفعال، ومتابعة الأهداف.

هذا يعني أنه من خلال التعبير عن الأفكار داخلياً أو بصوتٍ خافت، قد يجد الدماغ سهولةً أكبر في تقليل التشويش الذهني، ونتيجةً لذلك قد يُرتب أيضاً المشكلات بكفاءة وفاعلية أكبر.

مع ذلك، وكما هو الحال مع شرود الذهن، فإن الحديث مع الذات لا يُفيد إلا باعتدال، فالحديث المفرط أو السلبي مع الذات، خصوصاً في صورة اجترار الأفكار أو النقد الذاتي القاسي، يُمكن أن يُضعف التركيز والصحة النفسية. أما عند استخدامه بشكل بنّاء فإن هذا الحوار الداخلي نفسه يُمكن أن يُحوّل الأفكار غير المكتملة إلى خطط قابلة للتنفيذ.