سكان كييف يستعيدون شريط الذكريات المؤلمة بعد عام من الحرب

«الشرق الأوسط» تتحدث لبعض من بقوا في العاصمة الأوكرانية رغم وطأة المعارك

سفياتا واحدة من سكان ضواحي كييف (الشرق الأوسط)  -  رسلان يعمل موظفاً للاستقبال في أحد فنادق العاصمة (الشرق الأوسط)
سفياتا واحدة من سكان ضواحي كييف (الشرق الأوسط) - رسلان يعمل موظفاً للاستقبال في أحد فنادق العاصمة (الشرق الأوسط)
TT

سكان كييف يستعيدون شريط الذكريات المؤلمة بعد عام من الحرب

سفياتا واحدة من سكان ضواحي كييف (الشرق الأوسط)  -  رسلان يعمل موظفاً للاستقبال في أحد فنادق العاصمة (الشرق الأوسط)
سفياتا واحدة من سكان ضواحي كييف (الشرق الأوسط) - رسلان يعمل موظفاً للاستقبال في أحد فنادق العاصمة (الشرق الأوسط)

بعد عام على الحرب في أوكرانيا، يستعيد سكان العاصمة كييف، شريط الأحداث وخزان الذكريات المؤلمة، مستذكرين اللحظات الأولى التي استفاقوا فيها على دوي صافرات الإنذار والضربات الصاروخية، ورسائل الأخبار العاجلة التي تدفقت على هواتفهم الجوالة؛ بينما غرقت شاشات الفضائيات بالأخبار العاجلة المنبئة عن بدء اندلاع الحرب؛ حينها، دفعت الحرب ملايين الأوكرانيين إلى الفرار من مناطقهم، باحثين عن أماكن أكثر أمناً بعيداً عن جبهات القتال التي اشتعلت في شوارع مدنهم وبين أحيائهم، وبالقرب من منازلهم.
صبيحة اندلاع الحرب يوم الرابع والعشرين من فبراير (شباط) العام الماضي، وجد سكان العاصمة كييف أنفسهم محاصرين بآلات الحرب وأهوالها، إذ طالت الضربات الجوية أحياء المدينة، ووصل القتال إلى شوارعها؛ بينما سارع عشرات الآلاف من السكان حينذاك إلى حزم أمتعتهم، وحمل أحبتهم، للرحيل إلى وجهات أخرى بعيدة عن دوي الانفجارات ولهيب المعارك الضارية. ورغم نزوح مئات الآلاف من أحيائهم بالعاصمة التي باتت شبه خالية هرباً من ويلات الحرب التي اشتدت وتيرتها وارتفعت أكلافها، ثمة من آثروا البقاء في العاصمة؛ رغم خطورة البقاء، حيث رووا لـ«الشرق الأوسط»، تفاصيل اللحظات الأولى التي عاشوها بعيد اندلاع شرارة الحرب في البلاد، والخيارات الضيقة التي باتوا مضطرين للتعامل معها.
سفياتا؛ واحدة من سكان ضواحي كييف، تعود بالذاكرة إلى اللحظات التي تلقت فيها نبأ اندلاع الحرب، تقول إنها كانت فجر ذلك اليوم نائمة في بيتها يوم عطلتها، وتضيف: «تلقيت اتصالاً من صديقتي وطلبت مني أن أقرأ الأخبار، على الفور فتحت هاتفي وعلمت بما يجري حولنا، استفاق صديقي على صوت هاتفه أيضاً وعلم بما يجري، شعرت في تلك اللحظات بحالة من الصدمة وشعور بالارتباك».
تعود سفياتا إلى الأجواء التي خيمت على البلاد في تلك الآونة التي كانت تؤشر إلى احتمال اندلاع حرب، لكنها اعتقدت أن ذلك أمر قد لا يحدث. تقول: «حينها قدّرنا أن كل شيء سيكون على ما يرام، لكن للأسف لم يكن تقديرنا في محله».
في تلك الأثناء، كان عشرات الآلاف من سكان العاصمة قد حزموا أمتعتهم وشرعوا في رحلة طويلة ومضنية ومحفوفة بالمخاطر للرحيل بعيداً عن عاصمتهم نحو وجهات أخرى. تقول سفياتا إنها حاولت التفكير بما يجب عليها فعله، بيد أن خياراتها بدت محدودة. تقول: «كانت العاصمة تشهد فوضى عارمة؛ الاختناقات المرورية في كل شارع والطوابير طويلة في محطة القطارات، خيار مغادرة العاصمة بالنسبة لنا حينها لم يكن مطروحاً لأسباب عملية، فنحن لا نمتلك سيارة وليس بوسعنا المغادرة فوراً، والحال في محطة القطارات غير معقول، كما أنه لم يكن بوسعنا الذهاب إلى بيت عائلتي كونها بشرق البلاد وتعاني وضعاً خطيراً أيضاً».
تحكي سفياتا تفاصيل الساعات والأيام التي تلت ذلك، إذ قررت هي وصديقها البقاء في كييف. تقول إنهما أمضيا الليلة الأولى في محطة المترو تحت الأرض، إذ «كانت المحطات مكتظة بالمدنيين، بينما لم تكف صافرات الإنذار عن التحذير من الصواريخ التي تضرب العاصمة».
«في اليوم التالي عدنا لبيتنا، بيد أننا أمضينا الليالي السبع التالية في الملجأ القريب، كنا ننام في الملجأ وفي الصباح نعود للمنزل للاستحمام، ولتناول بعض الطعام، وتغيير ملابسنا وحاجياتنا، قبل أن نعود مجدداً إلى الملجأ».
وبعد عام كامل أمضته سفياتا في العاصمة على وقع الحرب، تقول إنها لم تفكر أبداً في ترك مدينتها، فلا مكان آخر تذهب إليه، مضيفة: «قررنا الحفاظ على هدوئنا والتمسك بقرارنا بالبقاء في كييف، كان لدينا إيمان بأن العاصمة ستظل قوية ومحمية لذلك آثرنا البقاء هنا».
رسلان، واحد من سكان العاصمة ويعمل موظفاً للاستقبال في أحد فنادقها، يتذكر تفاصيل اللحظات التي عاشها فور نشوب الحرب في البلاد، فقد كان على رأس عمله عند الرابعة صباحاً يوم الرابع والعشرين من فبراير الماضي، يروي كيف بدأ نزلاء الفندق يتدفقون على مصاعده للمغادرة دون أن يقوموا بإجراءات الخروج المعتادة أو حتى طلب إلغاء لياليهم المتبقية وتعويضهم ثمنها، يقول: «لم أشعر بالخوف في تلك اللحظات، لكنني لم أفهم ما الذي يجري حولي فعلاً، كان هناك دون شك شعور عام بأن الحرب قد تبدأ لكني لم أتوقع أن يحدث الأمر في ذلك اليوم». ويضيف: «بقيت على رأس عملي وحاولت مساعدة بعض النزلاء قبل مغادرتهم، لكن غالبيتهم غادروا فوراً دون الحديث معنا في قسم الاستقبال».
وحول ما إذا فكَر بما يجب عليه فعله بعد إنهاء عمله، قال إنه لم يفكر بشيء في تلك اللحظات، متسائلاً حينها: كيف جرى ذلك؟ وكيف صارت العاصمة تحت القصف؟ وكيف بدأت الدبابات الروسية الدخول إلى المناطق الأوكرانية؟ مضيفاً: «كان هذا مربكاً للغاية». بعد ذلك، يسرد يومياته في الملجأ، إذ مكث هناك لبعض الوقت؛ «طيلة الأيام التي تلت بدء الهجوم لم أفكر بالخروج من العاصمة أو مغادرة البلاد، في النهاية أنا أوكراني وهذه بلدي. صحيح لا أستطيع أن أكون جندياً، لكن يمكنني البقاء هنا ومساعدة الناس قدر استطاعتي، كان هذا جانباً مهماً بالنسبة لي».
تدهور الأوضاع الأمنية مع استمرار القصف وصعوبة الحياة وسط تداعيات الحرب قد يدفع بمن قرروا البقاء في العاصمة بالشعور بالندم على قرارهم، إلا أن رسلان يقول: «لم أندم على قراري البقاء هنا، صحيح أن الحياة صعبة مع استمرار الحرب وتفاقم آثارها علينا وعلى الاقتصاد وعلى جوانب حياتنا، لكننا لا نزال هنا، نعمل ونمارس الحياة ونحب من حولنا ولهذا لن يستطيعوا هزيمتنا».
ومنذ أشهر، يحاول سكان العاصمة العودة إلى يوميات حياتهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، رغم الأكلاف العالية التي خلفتها الحرب، بينما تعاني العاصمة حالها حال باقي المدن من تبعات صعبة للحرب، سواء بالدمار الذي خلفه القتال في أحيائها، أو الضربات التي طالت البنى التحتية الرئيسية، لا سيما الحيوية منها.
أواخر العام الماضي، طالت الضربات الروسية محطات الطاقة الرئيسية في كييف، ما أدخل العاصمة في العتمة، وضاعف من أعباء الحرب على السكان قبل أن تعود الخدمات تدريجياً إلى طبيعتها. وعلى الرغم من التداعيات الصعبة مع دخول الحرب عامها الثاني، بدت حركة عودة السكان إلى مدنهم ومناطقهم نشطة، عمدة كييف فيتالي كليتشكو، كان قال في حديث صحافي أواخر العام الماضي، إن عدد سكان العاصمة كييف عاد إلى مستوى ما قبل اندلاع الحرب بنحو 3.6 مليون شخص، وذلك وفقاً لبيانات استخدام الهواتف، بعد أن انكمش بداية الحرب لنحو مليون فقط، بينما وقفت الدبابات على عتبات المدينة. ومع دخول الحرب عاماً جديداً يقول سكان العاصمة اليوم؛ إن عودتهم لأحيائهم، وممارسة حياتهم، رغم نذر التصعيد التي تلوح في الأفق؛ تعدان شكلاً من أشكال المقاومة للغزو الروسي لبلادهم؛ في مسعى منهم للتمسك بالحياة رغم ما ألقته الحرب عليهم من ظلال كئيبة، وما حفرته في نفوسهم من ندوب عميقة لن تسقط من ذاكرتهم.


مقالات ذات صلة

زيلينسكي: التركيز العالمي على الشرق الأوسط ليس في مصلحة أوكرانيا

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث إلى طلاب في باريس

زيلينسكي: التركيز العالمي على الشرق الأوسط ليس في مصلحة أوكرانيا

​قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم الجمعة، إنه ‌يتفهم تحول انتباه ‌العالم إلى ​الشرق ‌الأوسط، ⁠لكن ​ذلك «ليس في ⁠مصلحة أوكرانيا».

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا المستشار الألماني لدى عقده مؤتمراً صحافياً في قاعدة «باردوفوس» بالنرويج يوم 13 مارس (أ.ف.ب)

المستشار الألماني ينتقد قرار واشنطن إعفاء النفط الروسي من العقوبات

وصف المستشار الألماني فريدريش ميرتس قرار واشنطن اعتماد إعفاءات على صادرات النفط الروسي، بأنه «خاطئ»، داعياً إلى عدم التلهي بالحرب في إيران لتخفيف دعم أوكرانيا.

راغدة بهنام (برلين)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (رويترز) p-circle

ماكرون يشدد على أن الحرب الإيرانية لن تخفف الضغط على روسيا

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الجمعة، خلال استقباله نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن روسيا «تُخطئ» إذا اعتقدت أن الحرب على إيران ستخفف الضغط عليها.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (أ.ب)

ترخيص أميركي «مؤقت» يسمح للدول بشراء النفط الروسي العالق في البحر

أصدرت وزارة الخزانة الأميركية ترخيصا مؤقتاً يسمح للدول بشراء النفط الروسي العالق حالياً في البحر لزيادة النطاق العالمي للإمدادات الحالية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا الرئيس ​الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (إ.ب.أ) p-circle

موفد بوتين يعقد «اجتماعاً مثمراً» مع ويتكوف... وزيلينسكي يلتقي ماكرون في باريس

موفد بوتين يعقد «اجتماعاً مثمراً» مع ويتكوف... وزيلينسكي يلتقي ماكرون في باريس، وأوكرانيا تنتظر موافقة البيت الأبيض على اتفاق لإنتاج المسيّرات.

«الشرق الأوسط» (لندن)

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.