معرض مسقط الدولي للكتاب... برنامج ثقافي متنوع وحضور فسيح لعالم الطفل

الدورة الـ27 شهدت ارتفاعاً في مشاركة الدول ودور النشر والفعاليات

عماني اصطحب أطفاله إلى معرض مسقط الدولي للكتاب (العمانية)
عماني اصطحب أطفاله إلى معرض مسقط الدولي للكتاب (العمانية)
TT

معرض مسقط الدولي للكتاب... برنامج ثقافي متنوع وحضور فسيح لعالم الطفل

عماني اصطحب أطفاله إلى معرض مسقط الدولي للكتاب (العمانية)
عماني اصطحب أطفاله إلى معرض مسقط الدولي للكتاب (العمانية)

تميزت الدورة الحالية من «معرض مسقط الدولي للكتاب»؛ وهي الدورة الـ27 التي افتتحت في 22 فبراير (شباط) الماضي وتستمر حتى 4 مارس (آذار) الحالي، بزيادة عدد الدول المشاركة فيها؛ إذ بلغ 33 دولة؛ منها المملكة العربية السعودية، والعراق، ومصر، ولبنان، وسوريا، والإمارات العربية المتحدة، وقطر، والمغرب، والأردن، والسودان، والكويت، والبحرين، والجزائر. أما من الدول الأجنبية؛ فقد شاركت المملكة المتحدة، وإيطاليا، والسويد، وروسيا، وتركيا، والصين... وغيرها. وارتفع معه عدد دور النشر المشاركة؛ إذ تجاوز 826 داراً؛ منها 656 بشكل مباشر، و170 داراَ بشكل غير مباشر؛ خاصة وعامة، طرحت 543633 عنواناً؛ منها 338133 عنواناً عربياً، و195500 كتاباً أجنبياً، احتلت 1194 جناحاً، إضافة إلى مشاركة البلد المضيف التي بلغت 22952، أما الإصدارات الحديثة؛ فقد بلغت 7653 كتاباً.
بينما لم تشارك في دورة 2022 سوى 27 دولة، والمشاركات الرسمية بلغت 41 دولة، في حين كان عدد الدور المشاركة 715 داراً، وعدد الأجنحة المخصصة 981 جناحاً.
أما عدد الفعاليات الثقافية فيبلغ 165 فعالية.
وكما في معظم معارض الكتب العربية، ووفق الوقت المتاح؛ وهو ضيق غالباً، فلا بد من الاختيار بين هذه الفعالية وتلك، وهي مشكلة لا يبدو أن هناك حلاً لها، وقدمت مقترحات عدة لتجاوزها؛ منها تقليص عددها إلى حد معقول لتحقيق الفائدة منها، وإتاحة فرصة أكبر للجمهور لحضورها، إذ يلاحظ الزائر أن عدد الحضور في كثير من المحاضرات متواضع، كما أن أغلبها يقام في فضاء مفتوح وسط ضجيج الزائرين. ويبدو أن إدارات هذه المعارض مضطرة إلى ذلك، لعدم وجود عدد كاف من الصالات المغلقة، نتيجة للعدد الكبير من المحاضرات، إضافة إلى النشاطات الأخرى، مثل تواقيع الإصدارات الجديدة، وعدد من المعارض المصاحبة، رغم تخصيص 4 قاعات للبرامج الثقافية، وقاعة لبرامج الأطفال، والإذاعات الرسمية والخاصة.
ومن المحاضرات التي أتيح حضورها؛ ندوة عن صناعة الكتاب وما يتصل بها من طباعة وتوزيع وتسويق ورقابة ومنع في هذا البلد العربي أو ذاك لأسباب سياسية أو اجتماعية، أدارها محمد رشاد، وشارك فيها محمد أغري أقجا، وبشار صلاح الدين شبارو.
ودعا المشاركون في الندوة إلى «اعتماد مبدأ الإباحة؛ فهو الأصل»... أمام واقع كهذا، بالإضافة إلى ضعف السوق، توقع شبارو أن «تنهار صناعة الكتاب في الوطن العربي، ما لم تتدخل الحكومات بشكل فعلي بدعم الكتاب، وعدم معاملته على أنه سلعة، ومن خلال إنشاء المكتبات العامة في المدن والبلدات وفي المدارس، كما في البلدان المتقدمة، التي بإمكانها أن تستوعب كميات كبيرة من الكتاب المطبوع، وكذلك تساعد على تنمية عادة القراءة عند الجيل الجديد». ومن المقترحات الأخرى التي قدمت في الندوة لإنقاذ صناعة الكتاب، «اندماج دور نشر بعضها مع بعض، كما يحدث أيضاً في البلدان الغربية، للتغلب على الصعوبات المادية، التي تواجه بعض دور النشر، خصوصاً الصغيرة».
وعزا بعض الناشرين ارتفاع أسعار الكتب إلى هذه الصعوبات، و«اضطرارهم» إلى تحميل الكتاب نفقات أو قسماً من نفقات طبع نتاجاتهم، «فضعف السوق لا يسمح بأن يتحملوا تكلفة الطبع والورق والتسويق كاملة».
ماذا عن عملية الشراء في المعارض؟ تسمع الشكوى نفسها؛ فمعدل القراءة قد تراجع بشكل كبير، وما يجري بيعه لا يكاد يغطي تكاليف النقل والمشاركة وحجز المكان، إضافة إلى أن قسماً من معارض الكتب العربية ينظم في فترات زمنية متقاربة، فلا يفصل معرض مسقط عن معرض الدمام ومعرض أربيل سوى أيام قليلة؛ على سبيل المثال، مما يصعّب على قسم من الدور المشاركة في قسم من المعارض.
حضور ثقافة الطفل
تميز معرض مسقط أيضاً بحضور لافت للأطفال وتلاميذ المدارس الصغار، الذين خصصت لهم مساحة واسعة من نشاطات المعرض وندواته الثقافية وورشاته، وصلت إلى نحو 166 فعالية؛ موزعة بين ركن القراءة والكتابة والفنون، وركن العلوم، وركن مسرح الطفل، وركن متحف الطفل، بمشاركة 85 جهة رسمية وخاصة، و51 كاتباً وفناناً.
ومن الفعاليات الثقافية المخصصة: «ورشة الطفل الصغير»، «وإبداع طفلك طريق للإبداع»، وفعالية «تحدث لكي أراك»، و«حكايات من بلادي»، وفقرة حول «حقوق الطفل»، وعرض «مبادرات قرائية من تجارب المدارس»، و«أقصوصة وفن»، و«مواهب موسيقية، و«الدراما للأطفال» و«قراءة قصة مع الأطفال»... وغير ذلك من الفعاليات التي تهدف إلى تنمية وعي الطفل، وتقربيه من عالم القراءة والإبداع.
وضمن هذا التوجه، تضمن البرنامج الثقافي فعاليتين تهدفان إلى الارتقاء بخيال الطفل وتنميته؛ الأولى بعنوان: «أقصوصة وفن». أما الفعالية الثانية؛ فهي تناقش كتاب «أمي كولجهان... حكايات الظل والحرور» للكاتبة غنية الشبيبي.
برنامج ثقافي غني
أعدت اللجنة الثقافية بالمعرض برنامجاً ثقافياً وفعاليات على امتداد أيام المعرض؛ من بينها جلسة حوارية حول «المشترك الثقافي بين العرب وإسبانيا» بمشاركة المستشرق الإسباني إغناتيوس غوتيريت، وريم خليفة، وجلسة بعنوان «ذاكرة الصحراء» مع الروائي إبراهيم الكوني، ومحاضرة عن الأندلسيات و«تاريخ الخيمياء في الشعر العربي... من خالد بن زيد إلى صالح الدين الكوراني» بمشاركة الهواري الغزالي، وجلسة أدبية حول «التجربة الروائية لسنان أنطون»، ومحاضرة عن «تحولات الثقافة في الزمن الراهن» مع عيسى مخلوف، وأخرى بعنوان «اللهجات واللغات» للدكتورة إنعام الور، ومحاضرة عن «الرواية العربية والتاريخ»، وجلسة بعنوان «ذخيرة الذات... نصوص السيرة الذاتية في الأدب العربي»، وندوة عن «اللغة الشعرية في الرواية العربية».
وبالتعاون مع اللجنة الثقافية، كان لجامعة السلطان قابوس، ممثلة في كلية الآداب والعلوم الاجتماعية، حضورها عبر مجموعة من الفعاليات؛ منها: ندوة حول «الهوية والاندماج الثقافي: تجربة تنظيم كأس العالم في قطر نموذجاً»، وفعالية «ساعة مع مقطوعات من الموسيقى والأغاني العُمانية الأصيلة»، وحلقة عمل حول «تهيئة الكتب الورقية إلى قارئ الشاشة للأشخاص ذوي الإعاقة».


مقالات ذات صلة

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً