محمد البريكي: الحداثة تولد من رحم التراث... والحلم يجعلني أحلِّق كالطير

رئيس «بيت الشعر» في الشارقة قال إن الشعراء يصعب إرضاؤهم لكنه يجيد التعامل معهم

الشاعر محمد البريكي
الشاعر محمد البريكي
TT

محمد البريكي: الحداثة تولد من رحم التراث... والحلم يجعلني أحلِّق كالطير

الشاعر محمد البريكي
الشاعر محمد البريكي

بين المنصب الإداري والعمل الإعلامي والشعر تتوزع تجربة الشاعر محمد البريكي، فهو رئيس «بيت الشعر» بالشارقة، وانتقل من العمل الصحافي المكتوب إلى تقديم برنامج تلفزيوني باسم «ديوان العرب» على قناة الشارقة الفضائية، بينما تتوالى قصائده وأعماله الشعرية، ومنها «مدن في مرايا الغمام» و«بدأت مع البحر» و«بيت آيل للسقوط». وفي النقد الأدبي صدر له «على الطاولة - قراءة في الساحة الشعبية الشعرية» و«بيوت الشعر - شهادات وإضاءات» و«تراسل الشعر العربي مع الفنون».
هنا حوار معه حول تجربته ورؤيته للدور الذي يقوم به «بيت الشعر» بالشارقة ونظرائه بعدد من البلدان العربية.

> بداية حدثنا عن المنابع الأولى، كيف أثّرت في شعرك البيئة القروية التي نشأت في أحضانها؟
- عندما كنت أستند برأسي إلى حائط وأنظر إلى البيوت المتراصة، أرى العجب في شوارعها الممتدة، وفي صباحاتها ولياليها المقمرة وطيبة أهلها، وهو ما لون حياتي بالخيال، وجعلني أرقب الشجر والعشب، وأبحث دائماً عن الربيع، وأصبحت حياتي كلها مبنية على الحلم، وأضحت فصول السنة كلها مواعيد أنتظرها لأقتبس منها الجمال، ما بسط روح الشعر في قلبي، وجعلني أكثر ارتباطاً بحياة القرى، وما تنطوي عليه من أشياء يستحيل أن تراها في أي مكان سواها، فالقرى صديقة الشعراء وأنفاسهم في كل صباح وليل، وكل مغامرة غير مألوفة، إنها الحرية التي يطلبها الشعراء في أي زمان، فنيران الشعر لا تخمد أبداً بين طيات القرى، فالشاعر بوسعه أن ينهل منها كل ما يعمق الجمال في روحه.

> ما العوامل الأخرى التي وجّهت بوصلتك روحياً وإبداعياً نحو الشعر؟
- لم أدرِ حين اكتشفت الشاعر في روحي أنني سأظل أعيش على حافة الدهشة والفضول والتفاؤل ولذة الاكتشاف، وربما أكثر الأشياء التي تستثير قلبي وتدفعني للكتابة البحر والأماكن الخضراء، كالذي يعيش على السراب، لا تعييه المسافات ولا يفكر في الوصول أبداً، فرأسي به ملايين الأفكار، وكلما ظننت أنني قادر على الإمساك بفكرة أجدني قادراً على التحليق مثل أي طير. وتقريباً كل عناصر الطبيعة هي مرشدتي إلى الشعر، ومن ثم التعكز على الريح، وكل ما أبصره في الكون ويستريح له بصري ويرهف له سمعي أرنو إليه وأنتظره لكي أصنع منه خبز الشعر وخبز المحبين لدفقات الكلام، إنني أصير إنساناً آخر حين أرى مشاغبات الشعر تشتبك بالخيال وتعطره لتخرج القصيدة وهي راسخة في الوجدان.
> على ذكر التعكز على الريح، من يتأمل عناوين دواوينك كما في «عكاز الريح» و«سكون العاصفة» و«ساحة رقص» يلمس دوماً هذا الإيحاء القوي بالحركة والأصوات واستلهام مفردات الطبيعة... ما الذي يحدد خيارات عناوينك؟
- أرى أحلامي دائماً مشروعة تقود للفرح أو للحزن، لذلك أسافر مع الأحلام الجامحة حتى لا أنفصل عن الوحدة الموضوعية لنصوصي، ومن المفيد حقاً أن أنتصر للشاعر في روحي، أصغي لحركة الأمواج في وجداني، وألتصق أكثر بعناصر الطبيعة، لأنني أجد في مفرداتها كل الرغبات التي تبحث عنها القصيدة. لقد حملت في ذاتي العالم ومضيت نحو قمم مجهولة، وأسرجت التناقض في نفسي، فما خسرت شيئاً وإنما ربحت في النهاية شعري، واستطعت بمفردات صادقة أن أشكل عناوين دواويني وأسبح ضد تيار الرتابة والاصطناع والزيف، فالقصيدة تحب هذا الالتحام التلقائي بالصخب، وتحمل خصوصيتها من حركيتها المنبعثة من حركة الحياة، فالمنابع كلها واحدة.
> يرى كثير من النقاد أن ما يميز تجربتك الشعرية هو المزج الدائم بين الأصالة والحداثة، إلى أي حد تتفق مع هذا الرأي؟
- الأصالة روح كل شاعر، فلن تتشكل التجارب دون ثقافة واطلاع ومعرفة السابق والمؤسس، فالموروث والغوص في تفاصيله هو الفطرة الشعرية، أما التجديد فهو أفق لا يغيب عن الشاعر الذي يتعامل مع قضاياه بديمقراطية وأناة؛ ولم تزل الفكرة تراوده وهو يفكر كيف يروضها وفق مقتضيات العصر حتى تنغمس في أفق غير محدود. هكذا تولد الحداثة من رحم التراث، وتتشكل المعاني والأفكار وفق رؤية الشاعر في البحث عن احتمالات بكر لبناء نص ممتزج بالألفة والمحبة والجنوح للإنسانية، وبرأيي هذا المزج من صميم شعري لأنني مؤمن بهذه الفلسفة في الألفة والإيلاف حيث المزج بين الحاضر والماضي هو ما يجعلني أرى القصيدة من أبعاد أخرى.
> تكتب أيضاً الشعر الشعبي «النبطي» إلى جوار شعر الفصحى. كيف ترى ثنائية «الفصحى والشعبي» في تجربتك الإبداعية؟
- الشاعر كالطفل لديه ولع بتجريب كل شيء، وأنا ابن منطقة جُبلت على كتابة الشعر النبطي وأبدعت فيه، كونه تأريخاً لحياة شعوب أهل الخليج يرصد بعفوية نظرتهم للجمال ويقتبس مفرداته من هالات مضيئة، لذا فمن الطبيعي أن تجد أغلب شعراء الفصيح يكتبون الشعر النبطي بجدارة، والطيران بهذين الجناحين هو دليل استمتاع بمقدرات البيئة الإبداعية التي ينتمي إليها الشاعر، ومحاولة صادقة لاحتضان الشمس والقمر في وقت واحد.
لقد كتبت قصائد كثيرة من وحي بيئتي ومن وحي مفرداتها التي يتغنى بها الناس في كل مكان. وفي الوقت نفسه اندمجت مع القصيدة الفصيحة، وعشت معها تجربة أعتز بها وهو ما جعلني أعيش برؤية متسعة تتوافق مع نشأتي وبيئتي وانتمائي للجذور.
> «الشارقة - غواية الحب الأبدي» عنوان لافت لأحد مؤلفاتك المهمة... ما الذي يميز تلك المدينة برأيك؟
- الشارقة فضاؤها أخضر، تمهد كل الدروب للشعر، تمنحنا أملاً جديداً في أن يكون الشعر شامخاً وعزيزاً. هذه المدينة ذات الظلال والتاريخ المشرف في عالم الشعراء هي ركن أصيل في الإضاءة على التجارب الشعرية الجامحة، وهي من وجهة نظري مدينة المدن المتفوقة في كل شيء، فلا تشبهها مدن ولا يتقارب معها شيء لأنها متفردة وعظيمة. وعندما وضعت مؤلفي هذا عنها عبرت عن مواجيدي تجاه ألقها الذي لا يحد، وصباحاتها الشعرية الآسرة وأماسيها المسكونة أيضاً بالشعر.
> لك تجربة واسعة في العمل محرراً بالصحافة المكتوبة... هل أثرت تلك التجربة سلباً أم إيجاباً على خصوصية اللغة الشعرية لديك؟
- لا شك أن كتابة أي نوع من الأدب أو اقتصاص مفردات الشاعر في مقالات يأخذ كثيراً من وقت الشعر، وقد حدث مع كثير من الشعراء أنهم انخرطوا في العمل الإعلامي ونسوا الشعر، فالشعر لا يحب شريكاً آخر وهذه حقيقة مسلم بها، لكن مهما بعدت المسافات فأنا لا أنسى شعري تحت وطأة ضغوطات العمل، وأرى أنه من حسن حظي أني أعمل في ميدان قريب من الشعر ويساعد على الإبداع، فكلما اقترب الشاعر من العوامل التي تساعده على التواصل الجمالي مع الشعر يستطيع أن يعيد ترتيب حياته، ومن ثم البحث عن حديقة يلمس في محيطها الخيال المثير، كما أنني أستعيد ثقافتي بالقرب من «بيت الشعر» وأواصل مسيرتي مع القصيدة بحب ودهشة.
> قمت بإعداد وتقديم عدد من البرامج التلفزيونية... ألا يحتاج الشعر إلى لحظات من الخلوة والهدوء، ألا يمكن أن تكون مساحة أضواء العمل الإعلامي مضرة بالشاعر؟
- قدمت برنامجاً شعرياً بامتياز هو «ديوان العرب» عبر قناة الشارقة الفضائية، فكنت أحاور الشعراء كما لو كنت أشارك في ندوة شعرية، أناقش في أدق التفاصيل الخاصة بالضيف، طوال الوقت نتحدث عن الشعر، وهكذا كنت أعيش مع الشعر والجمال وكل ما تحبه نفسي، ولا أعتقد أن هذا النوع من العمل الإعلامي يمكن أن يضر أبداً بالشاعر، لأنه يجعله ينزلق إلى مساحات الإبداع ويحركه إلى الإمام فلا يلتفت لشيء سوى الشعر.
> تعمل مديراً لـ«بيت الشعر» بالشارقة... ما الذي يميزه عن غيره من بيوت الشعر ببلدان العربية؟ وكيف من موقعك ترى عالم الشعراء؟
- إرضاء الشاعر أمر صعب، وتحقيق طموحاته وأحلامه صعب أيضاً، ومحاولة ترويض جموحه مسألة فيها نظر، لكن لكوني شاعراً أزعم أنني لا أجد تلك المشقة في التواصل مع الشعراء، ومن ثم محاولة تذليل الصعوبات. وبكل صدق اسم «بيت الشعر» هو الذي يمنح الألق ويجعل الشعراء في حالة محبة، فهذا البيت التابع لدائرة الثقافة في الشارقة هو بيت الشعراء الذي وجّه به الشيخ سلطان القاسمي حاكم الشارقة ورعاه رعاية كريمة حتى وصل إلى هذا المستوى المبهر. وبالمناسبة، أؤكد أن «بيت الشعر» بالشارقة لا ينفصل عن هموم نظرائه في بلدان عربية، فنحن نسعى إلى التواصل معهم، ونطمح إلى عمل مشترك لخدمة الشعر والثقافة، ولعل ما يميز «بيت الشعر» بالشارقة هو وجوده في فضاء عام محب للثقافة والفن والإبداع.
> ماذا عن جائزة «الأمير عبد الله الفيصل» التي حازها «بيت الشعر» عن «أفضل مشروع لخدمة الشعر»؟
- ننعم بحرية العمل تحت ظلال الشعر، واتسعت رقعة الجمال بداخلنا، لذلك سعدنا بهذه الجائزة التي هي نتاج طبيعي لكل عمل خلاق في ظل هذه الظروف المتوائمة والمناخ الشعري الثقافي الصحي الجميل.
> أخيراً، كيف تنظر إلى حصولك على الدكتوراه الفخرية في مجال الإدارة والعلاقات العامة من إحدى الجامعات الأميركية؟
- كانت مفاجأة سارة أن تمنحني جامعة «الشمال الأميركي للدراسات العليا» هذه الثقة، غمرتني بفرحة ووضعتني أمام مسؤولية ضخمة تجاه ذاتي، فقد مدت شراعاً لكي أواصل عبوري إلى الجهة الأخرى من التعب المفيد لعملي وطموحاتي وطبيعتي المحبة لكل جد ومثابرة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

بين الاكتفاء بالعائلة والعزلة... لماذا قد تشعر بأنك لست بحاجة لأصدقاء؟

بعض الأشخاص يعتمدون على شريك الحياة أو أفراد الأسرة بوصفهم المصدر الأساسي للدعم (بيكسلز)
بعض الأشخاص يعتمدون على شريك الحياة أو أفراد الأسرة بوصفهم المصدر الأساسي للدعم (بيكسلز)
TT

بين الاكتفاء بالعائلة والعزلة... لماذا قد تشعر بأنك لست بحاجة لأصدقاء؟

بعض الأشخاص يعتمدون على شريك الحياة أو أفراد الأسرة بوصفهم المصدر الأساسي للدعم (بيكسلز)
بعض الأشخاص يعتمدون على شريك الحياة أو أفراد الأسرة بوصفهم المصدر الأساسي للدعم (بيكسلز)

ثمة أسباب عديدة قد تدفعك إلى القول: «لستُ بحاجة إلى أصدقاء»، أو إلى التساؤل ببساطة: «لماذا ليس لديّ أصدقاء؟». أحد التفسيرات المحتملة هو شعورك بأن الصداقة لا تضيف قيمة كبيرة إلى حياتك. وتفسير آخر قد يكون أنك تحظى بالفعل بدعم اجتماعي كافٍ من عائلتك، فلا ترى حاجة إلى تكوين دائرة واسعة من الأصدقاء أو المعارف، بحسب موقع «فيري ويل هيلث».

ومهما تكن أسبابك، فقد يكون من المفيد أن تتعرّف إلى مصدر هذا الشعور بعدم الحاجة إلى أصدقاء (أو إلى أسباب عدم وجود أصدقاء لديك)، وأن تدرك مدى شيوع هذه التجربة، إلى جانب الاطلاع على بعض فوائد تكوين الصداقات.

أسباب شعورك بعدم الحاجة إلى أصدقاء

إذا كنت تشعر بأنك لا تملك أصدقاء في حياتك، فهناك عدة عوامل قد تفسّر هذا الشعور، من بينها:

تفضيل العزلة: يفضّل بعض الأشخاص قضاء الوقت بمفردهم على الوجود بصحبة الآخرين، ولا سيما مَن يميلون إلى الانطواء.

الخوف من خيبة الأمل: كغيرها من العلاقات الاجتماعية، تنطوي الصداقة على توقعات متبادلة وعلى قدر من الأخذ والعطاء. فإذا كنت تخشى عدم قدرتك على تلبية هذه التوقعات، أو تعتقد أن الآخرين قد يخيّبون ظنك، فقد تتجنب الصداقات لتقليل احتمالات الإحباط أو خذلان الآخرين.

القرب من العائلة: قد تشعر بأن أفراد عائلتك يقومون مقام الأصدقاء في حياتك. فإذا كانوا يوفّرون لك التواصل والدعم اللذين تحتاج إليهما، فقد لا ترى ضرورة للبحث عن صداقات خارج هذا الإطار.

الخوف من التعرّض للأذى مجدداً: إذا مررت بتجربة مؤلمة مع صديق في الماضي، فقد تنشأ لديك صعوبات في الثقة بالآخرين. ونتيجة لذلك، قد تتردد في بدء صداقات جديدة.

الانشغال الشديد: يتطلب بناء الصداقات والحفاظ عليها وقتاً وجهداً. وإذا كنت منشغلاً بالتزامات أخرى، مثل العائلة أو العمل أو الدراسة، فقد تشعر بأنك لا تملك الوقت أو الطاقة الكافيين لتخصيصهما للأصدقاء.

ومن الأسباب الرئيسية التي قد تجعل بعض الناس يمتلكون عدداً قليلاً من الصداقات اعتمادُ الكثيرين على شريك الحياة أو أفراد الأسرة بوصفهم المصدر الأساسي للدعم. وتشير الدراسات الاستقصائية إلى أن الناس باتوا يعتمدون على الأصدقاء كمصدر رئيسي للدعم بدرجة أقل مما كان عليه الحال في الماضي. فعلى سبيل المثال، في عام 1990، أفاد 26 في المائة من البالغين بأنهم سيلجأون أولاً إلى صديق مقرّب عند مواجهة مشكلة شخصية، بينما في عام 2021، قال 16 في المائة فقط إنهم سيتحدثون إلى صديق قبل أي شخص آخر.

لماذا ليس لديك أصدقاء؟

لماذا يُبلّغ العديد من الشباب عن قلة أصدقائهم أو انعدامهم؟ على الرغم من أن الأسباب الدقيقة لا تزال غير واضحة تماماً، فإن تزايد استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي قد يؤدي دوراً رئيسياً في ذلك.

فقد أظهرت الأبحاث أن الأشخاص الذين يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة يميلون إلى الشعور بمستويات أعلى من الاكتئاب والوحدة.

كما أسهمت جائحة «كوفيد-19» في تغيير واقع الصداقة لدى كثير من البالغين في الولايات المتحدة. فقد أفاد نحو 60 في المائة من الشابات بفقدان التواصل مع بعض الصديقات خلال الجائحة، بينما ذكرت 16 في المائة أنهن فقدن التواصل مع معظم أو جميع صديقاتهن.

وتشير استطلاعات الرأي كذلك إلى أن الشباب قد يواجهون صعوبة في بناء علاقات اجتماعية وثيقة؛ إذ لا يملك 28 في المائة من الرجال دون سن الثلاثين أي علاقات شخصية قريبة.

هل من الطبيعي ألا يكون لديك أصدقاء؟

إذا كنت تردد في نفسك: «ليس لدي أصدقاء»، فقد تتساءل عما إذا كان هذا الأمر طبيعياً. ورغم أن الدراسات تؤكد أهمية الصداقة للصحة النفسية، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن تكون محاطاً بالآخرين أو أن تمتلك قائمة طويلة من الأصدقاء المقرّبين كي تكون سعيداً أو تتمتع بصحة جيدة.

يتوقف تأثير قلة الأصدقاء في صحتك النفسية على نظرتك الشخصية إلى الأمر ومشاعرك حياله. وبعبارة أخرى، ثمة فرق كبير بين أن تقول: «لست بحاجة إلى أصدقاء»، وأن تشعر: «ليس لدي أصدقاء».

إذا كنت سعيداً وراضياً من دون أصدقاء، فقد لا يكون لذلك أثر سلبي عليك. بل إن للوحدة جوانب إيجابية أيضاً؛ إذ ربطت بعض الدراسات بين العزلة وقضاء الوقت منفرداً وبين آثار مفيدة، مثل:

- زيادة الإبداع

- تحسين التركيز والذاكرة

- تعزيز الوعي الذاتي

- رفع مستوى الإنتاجية

- إتاحة مزيد من الوقت للنمو الشخصي

كما تشير أبحاث إلى أن قضاء الوقت بمفردك قد يسهم في تحسين العلاقات القائمة. فقد أظهرت بعض الدراسات أن الأشخاص ذوي الذكاء العالي، كلما زاد الوقت الذي يقضونه مع الأصدقاء، انخفض مستوى رضاهم. ومن ثم، قد يتيح لك القيام ببعض الأمور بمفردك شعوراً أكبر بالرضا والسعادة تجاه علاقاتك بالآخرين في حياتك.


اكتشاف أثري... البشر اصطادوا وأكلوا أسماك القرش قبل 7 آلاف عام

سمكة قرش تسبح في المياه (أرشيفية - رويترز)
سمكة قرش تسبح في المياه (أرشيفية - رويترز)
TT

اكتشاف أثري... البشر اصطادوا وأكلوا أسماك القرش قبل 7 آلاف عام

سمكة قرش تسبح في المياه (أرشيفية - رويترز)
سمكة قرش تسبح في المياه (أرشيفية - رويترز)

كشفت أبحاث جديدة أن سكان جنوب الجزيرة العربية في العصور القديمة كانوا يتناولون أحد أبرز المفترسات البحرية - أسماك القرش.

ووفق تقرير نشرته شبكة «فوكس نيوز»، تركّز الدراسة، التي نُشرت أخيراً في مجلة «Antiquity»، على مقبرة في وادي نفون، وهو موقع أثري في سلطنة عُمان يعود تاريخه إلى الألفية الخامسة قبل الميلاد.

وجاء في بيان صحافي صدر في يناير (كانون الثاني) عن المعهد الأثري التابع لأكاديمية العلوم التشيكية (ARUP) في براغ أن المقبرة الميغاليثية توفّر «أدلة مفصّلة حتى الآن عن النظام الغذائي وحركة مجتمعات العصر الحجري الحديث في المنطقة».

عمل علماء الآثار في الموقع منذ عام 2020، في ظل مناخ قاحل لم يحفظ سوى القليل جداً من البقايا العضوية.

وبناءً على ذلك، جمعوا عينات من الأسنان وأخضعوها للتحليل في جمهورية التشيك.

قال عالم الأنثروبولوجيا ييري شنيبرغر إن الفريق استخدم تحليل النظائر المستقرة لإعادة بناء النظام الغذائي للسكان القدماء - وهو ما أشار، بحسب البيان، إلى احتمال تناول لحم القرش.

وأضاف: «استناداً إلى النتائج الأولية لتحليل النظائر المستقرة المستخدم لإعادة بناء النظام الغذائي، نرجّح أن السكان الذين درسناهم ربما اعتمدوا على لحم القرش بوصفه أحد مصادرهم الرئيسية للغذاء والتغذية».

وقالت ألجبِيتا دانييليسوفا، عالمة الآثار في «ARUP» وقائدة البعثة، إن هذه الدراسة هي الأولى من نوعها.

وقالت دانييليسوفا: «للمرة الأولى على الإطلاق، تمكنَّا من توثيق صيد متخصّص لمفترسات بحرية استناداً إلى بيانات من العلوم الطبيعية، مباشرة من خلال تحليل المجتمع المحلي المدفون».

وأضافت: «ارتباط هذه الجماعة المدفونة بأسماك القرش مثير للاهتمام للغاية، ويمثّل اكتشافاً جديداً - ليس فقط لمرحلة ما قبل التاريخ في الجزيرة العربية، بل لجميع ثقافات العصر الحجري الحديث في المناطق القاحلة». وقالت: «نحن نعلم أن هذه لم تكن مجرد بروتينات عادية، بل بروتينات من قمة السلسلة الغذائية».

ويعتقد مسؤولون أن للدراسة تداعيات دولية، فيما لا تزال الأبحاث حول الموقع - والأسنان التي عُثر عليها فيه - مستمرة.

وقال الباحثون إن النتائج حتى الآن تُعد دليلاً على «استراتيجية معيشية شديدة المرونة والتكيّف - تجمع بين الصيد وجمع الثمار والرعي والاستغلال المنهجي للموارد البحرية».

وأضاف البيان أن «النتائج تُظهر، على نطاق عالمي، كيف تكيَّف البشر مع مجموعة واسعة من الظروف البيئية والمناخية».

وتابع: «كما تؤكد أن وادي نفون كان يعمل لأكثر من ثلاثة قرون كموقع طقوسي مركزي وحَّد مجموعات مختلفة في أنحاء المنطقة».


الحب بتوقيت «لينكد إن»... من منصة مهنية إلى تطبيق تَعارُف ومواعدة

تُستخدم «لينكد إن» مؤخراً كمنصة تعارف بعد أن ارتبطت بالمحتوى المهني والوظيفي (بكسلز)
تُستخدم «لينكد إن» مؤخراً كمنصة تعارف بعد أن ارتبطت بالمحتوى المهني والوظيفي (بكسلز)
TT

الحب بتوقيت «لينكد إن»... من منصة مهنية إلى تطبيق تَعارُف ومواعدة

تُستخدم «لينكد إن» مؤخراً كمنصة تعارف بعد أن ارتبطت بالمحتوى المهني والوظيفي (بكسلز)
تُستخدم «لينكد إن» مؤخراً كمنصة تعارف بعد أن ارتبطت بالمحتوى المهني والوظيفي (بكسلز)

ليس من المستغرَب مؤخراً أن يتحوّل طلب المتابعة على «لينكد إن» إلى طلب مواعدة. فالمنصة التي ارتبطت وما زالت بالمحتوى المهني والوظيفيّ تتحوّل شيئاً فشيئاً إلى مساحة خصبة للتلاقي العاطفي. هنا، ما عاد البحث جارياً فقط عن الشراكات المالية والاستثمارية والمهنية، بل عن شريك حياة.

لطالما نُظِرَ إلى «لينكد إن»، منذ تأسيسها عام 2002، على أنها أكثر منصّات التواصل الاجتماعي جدّيّةً. اقتصر استخدامها على الراغبين في التطوّر مهنياً أو في الحصول على وظيفة، لكنّ السنتَين الأخيرتَين شاهدتان على تواصل من نوعٍ آخر على المنصة. تتعدّد أسباب هذا التحوّل، على رأسها التعب والملل من تطبيقات المواعدة المعروفة، إضافةً إلى ميزة لدى «لينكد إن» هي أنها أكثر المنصّات مصداقيةً من حيث المعلومات المنشورة عن المستخدمين.

إدارة «لينكد إن» لم تُرِد لنفسها هذا المصير بدليل التصريح الذي أدلت به إلى مجلّة «نيوزويك» الأميركية عام 2024، تعليقاً على لجوء الناس إليها بحثاً عن شركاء عاطفيين. «(لينكد إن) مجتمع مهني، ونحن نشجع المستخدمين على المشاركة في حوارات هادفة وصادقة»، قال متحدّث باسم الشركة. وأضاف: «يُعدّ التحرش العاطفي أو أي شكل من أشكال المضايقة انتهاكاً لقواعدنا. ويمكن للمستخدمين الإبلاغ عن أي حالة تحرّش، ما يسمح لنا باتخاذ الإجراءات اللازمة».

لماذا تحوّلت «لينكد إن»؟

* مصداقيّة المنصة

غالباً ما يعتمد مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي الزيفَ والنفاق في التعريف عن أنفسهم. ليس أسهل من استخدام صورة شخصية مزيّفة على «إنستغرام»، أو ادّعاء منصب مهني على فيسبوك، أو انتحال شخصية على «إكس». إلا أن «لينكد إن» ليس مكاناً مناسباً للهو، وهنا يكمن أحد عناصر جاذبيّته بالنسبة للساعين إلى علاقة عاطفية جادّة.

ما يضاعف عنصر المصداقية أن هذا الموقع المخصص للتواصل المهني، يطلب من المستخدمين ربط صفحاتهم الشخصية بصفحات أصحاب العمل الحاليين والسابقين.

تتميز «لينكد إن» عن سواها من منصات في المصداقية بعرض المعلومات الشخصية (لينكد إن)

يقول خبير الإعلام الرقمي ومنصات التواصل بشير التغريني في هذا الإطار، إنّ «المعلومات الشخصية على (لينكد إن) غالباً ما تكون دقيقة، من هنا تأتي ثقة المستخدم الباحث عن علاقة جادّة». لكن التغريني يلفت لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه مقابل الباحثين عن شريك عبر «لينكد إن» عن سابق إدراك، «ثمة مَن يفعلون ذلك من دون وعيٍ بماهيّة المنصة بل لمجرّد رواجها مؤخراً».

* سهولة الاختيار والتواصل

من بين الأسباب التي فتحت الطريق إلى التواصل العاطفي على «لينكد إن»، أنّها المساحة الافتراضية الأقرب إلى الواقع. هنا، يستطيع المستخدم تعزيز فرَصِه والاختيار على أساس المواصفات الشخصية والمهنية التي تناسبه. بكبسة زرّ واحدة، يمكنه الاطّلاع على السيرة الذاتية بتفاصيلها، بما فيها الدراسة والوظائف والهوايات والاهتمامات والأنشطة الإنسانية والخيريّة.

كما أنّ المقاربة على «لينكد إن» ليست معقّدة ولا هي مدعاة للإحراج، إذ يمكن أن يتّخذ التواصل الأول شكل طلب نصيحة مهنية أثناء احتساء فنجان قهوة. وهكذا مقاربة تَقي من الضغوط والارتباك المصاحِبة عادةً للمواعدة.

تأسست «لينكد إن» عام 2002 بهدف تسهيل العثور على فرص عمل (رويترز)

* الإرهاق من تطبيقات المواعدة

يشتكي عدد كبير من مستخدمي تطبيقات المواعدة مؤخّراً من إرهاق، وخيبة، وملل من تلك المنصات المخصصة للبحث عن شركاء عاطفيين. ومن دون الغوص في تفاصيل الأسباب المتراوحة بين عدم الجدّيّة، والاختفاء المفاجئ، والابتزاز، وعدم التكافؤ الفكري، يفرض «لينكد إن» نفسه منصة عاطفية بديلة.

يشرح التغريني أن «الناس باتوا متردّدين في التعامل مع منصات المواعدة المعروفة مثل (تيندر) و(بامبل) وغيرهما، كما أنهم يُبدون حذَراً تجاه تلك المنصات تفادياً للصدمات السلبية والابتزاز الجنسي».

مستخدمو تطبيقات المواعدة مرهَقون منها ووجدوا البديل في «لينكد إن» (بكسلز)

* «ميكس» العمل والتسلية

فرض الجيل زد أو «الجيل الرقمي» خلال العقد الماضي تحوّلاً في العقلية الرقمية. لا يعترف هذا الجيل بالحدود المرسومة للمنصات وهي كلّها متداخلة وفق نظريته. قد يستخدم أبناء هذا الجيل «إنستغرام» مثلاً كمنصة لإيجاد فرص عمل وبناء شبكاتٍ مهنية، ويتعامل مع «لينكد إن» كرديفٍ لتطبيقات التعارف مثل «بامبل» و«تيندر». لا يمانع الجيل الجديد الدمج ما بين العمل والتسلية، وهذا ما فرض التحوّل المستجدّ على «لينكد إن».

* «لينكد إن cool»

منذ مدّة تشهد منصة «لينكد إن» على تحوّلاتٍ تجعلها تبدو أقلّ جدّيةً وصرامة، فالنشر عليها ما عاد ينحصر بالوظائف الشاغرة والإنجازات المهنية. تجد المقولات الملهمة هنا والصور والفيديوهات الطريفة هناك، إلى جانب ظهور مؤثّرين على «لينكد إن» كما هي الحال على المنصات الأخرى مثل «إنستغرام» و«تيك توك»، والتي تُعتبر cool مقارنةً مع «لينكد إن».

تقترب «لينكد إن» مؤخراً من المنصات الأخرى لناحية المحتوى الخفيف وانتشار ظاهرة المؤثرين (بيكساباي)

أخلاقيّات الحبّ على «لينكد إن»

في وجه هذا الاجتياح العاطفي لـ«لينكد إن»، ثمة عدد كبير من المستخدمين المستهجنين لما يحصل. يجدون أنه من المتطفّل وغير اللائق استعمال المنصة وسيلةً للعثور على شركاء عاطفيين.

أما الأخطر من ذلك فهو المزج بين العاطفي والمهني في مساحة مخصصة أصلاً للأعمال والوظائف. وثمة قناعة بأنّ مَن يتجاوزون الهوية المرسومة للمنصة يُخاطرون بعلاقاتهم المهنية وسُمعتهم، فالأمرُ أَشبَه بالمغازلة في المكتب.

يوافق التغريني هذا الرأي معتبراً أنّ «مقاربة شخص على (لينكد إن) بهدف التعارف ليس بالأمر المهني». ويضيف خبير الإعلام الرقمي أن «المحترفين والعارفين بهويّة تلك المنصة من المستبعد أن يستجيبوا أو أن يستسيغوا فكرة أن يتقرب منهم أحد لأسباب عاطفية على (لينكد إن) تحديداً». هذا بصورة عامة، أما عندما يتعلّق الأمر بموظّفين في الشركة نفسها فيصبح أكثر تعقيداً.