محمد البريكي: الحداثة تولد من رحم التراث... والحلم يجعلني أحلِّق كالطير

رئيس «بيت الشعر» في الشارقة قال إن الشعراء يصعب إرضاؤهم لكنه يجيد التعامل معهم

الشاعر محمد البريكي
الشاعر محمد البريكي
TT

محمد البريكي: الحداثة تولد من رحم التراث... والحلم يجعلني أحلِّق كالطير

الشاعر محمد البريكي
الشاعر محمد البريكي

بين المنصب الإداري والعمل الإعلامي والشعر تتوزع تجربة الشاعر محمد البريكي، فهو رئيس «بيت الشعر» بالشارقة، وانتقل من العمل الصحافي المكتوب إلى تقديم برنامج تلفزيوني باسم «ديوان العرب» على قناة الشارقة الفضائية، بينما تتوالى قصائده وأعماله الشعرية، ومنها «مدن في مرايا الغمام» و«بدأت مع البحر» و«بيت آيل للسقوط». وفي النقد الأدبي صدر له «على الطاولة - قراءة في الساحة الشعبية الشعرية» و«بيوت الشعر - شهادات وإضاءات» و«تراسل الشعر العربي مع الفنون».
هنا حوار معه حول تجربته ورؤيته للدور الذي يقوم به «بيت الشعر» بالشارقة ونظرائه بعدد من البلدان العربية.

> بداية حدثنا عن المنابع الأولى، كيف أثّرت في شعرك البيئة القروية التي نشأت في أحضانها؟
- عندما كنت أستند برأسي إلى حائط وأنظر إلى البيوت المتراصة، أرى العجب في شوارعها الممتدة، وفي صباحاتها ولياليها المقمرة وطيبة أهلها، وهو ما لون حياتي بالخيال، وجعلني أرقب الشجر والعشب، وأبحث دائماً عن الربيع، وأصبحت حياتي كلها مبنية على الحلم، وأضحت فصول السنة كلها مواعيد أنتظرها لأقتبس منها الجمال، ما بسط روح الشعر في قلبي، وجعلني أكثر ارتباطاً بحياة القرى، وما تنطوي عليه من أشياء يستحيل أن تراها في أي مكان سواها، فالقرى صديقة الشعراء وأنفاسهم في كل صباح وليل، وكل مغامرة غير مألوفة، إنها الحرية التي يطلبها الشعراء في أي زمان، فنيران الشعر لا تخمد أبداً بين طيات القرى، فالشاعر بوسعه أن ينهل منها كل ما يعمق الجمال في روحه.

> ما العوامل الأخرى التي وجّهت بوصلتك روحياً وإبداعياً نحو الشعر؟
- لم أدرِ حين اكتشفت الشاعر في روحي أنني سأظل أعيش على حافة الدهشة والفضول والتفاؤل ولذة الاكتشاف، وربما أكثر الأشياء التي تستثير قلبي وتدفعني للكتابة البحر والأماكن الخضراء، كالذي يعيش على السراب، لا تعييه المسافات ولا يفكر في الوصول أبداً، فرأسي به ملايين الأفكار، وكلما ظننت أنني قادر على الإمساك بفكرة أجدني قادراً على التحليق مثل أي طير. وتقريباً كل عناصر الطبيعة هي مرشدتي إلى الشعر، ومن ثم التعكز على الريح، وكل ما أبصره في الكون ويستريح له بصري ويرهف له سمعي أرنو إليه وأنتظره لكي أصنع منه خبز الشعر وخبز المحبين لدفقات الكلام، إنني أصير إنساناً آخر حين أرى مشاغبات الشعر تشتبك بالخيال وتعطره لتخرج القصيدة وهي راسخة في الوجدان.
> على ذكر التعكز على الريح، من يتأمل عناوين دواوينك كما في «عكاز الريح» و«سكون العاصفة» و«ساحة رقص» يلمس دوماً هذا الإيحاء القوي بالحركة والأصوات واستلهام مفردات الطبيعة... ما الذي يحدد خيارات عناوينك؟
- أرى أحلامي دائماً مشروعة تقود للفرح أو للحزن، لذلك أسافر مع الأحلام الجامحة حتى لا أنفصل عن الوحدة الموضوعية لنصوصي، ومن المفيد حقاً أن أنتصر للشاعر في روحي، أصغي لحركة الأمواج في وجداني، وألتصق أكثر بعناصر الطبيعة، لأنني أجد في مفرداتها كل الرغبات التي تبحث عنها القصيدة. لقد حملت في ذاتي العالم ومضيت نحو قمم مجهولة، وأسرجت التناقض في نفسي، فما خسرت شيئاً وإنما ربحت في النهاية شعري، واستطعت بمفردات صادقة أن أشكل عناوين دواويني وأسبح ضد تيار الرتابة والاصطناع والزيف، فالقصيدة تحب هذا الالتحام التلقائي بالصخب، وتحمل خصوصيتها من حركيتها المنبعثة من حركة الحياة، فالمنابع كلها واحدة.
> يرى كثير من النقاد أن ما يميز تجربتك الشعرية هو المزج الدائم بين الأصالة والحداثة، إلى أي حد تتفق مع هذا الرأي؟
- الأصالة روح كل شاعر، فلن تتشكل التجارب دون ثقافة واطلاع ومعرفة السابق والمؤسس، فالموروث والغوص في تفاصيله هو الفطرة الشعرية، أما التجديد فهو أفق لا يغيب عن الشاعر الذي يتعامل مع قضاياه بديمقراطية وأناة؛ ولم تزل الفكرة تراوده وهو يفكر كيف يروضها وفق مقتضيات العصر حتى تنغمس في أفق غير محدود. هكذا تولد الحداثة من رحم التراث، وتتشكل المعاني والأفكار وفق رؤية الشاعر في البحث عن احتمالات بكر لبناء نص ممتزج بالألفة والمحبة والجنوح للإنسانية، وبرأيي هذا المزج من صميم شعري لأنني مؤمن بهذه الفلسفة في الألفة والإيلاف حيث المزج بين الحاضر والماضي هو ما يجعلني أرى القصيدة من أبعاد أخرى.
> تكتب أيضاً الشعر الشعبي «النبطي» إلى جوار شعر الفصحى. كيف ترى ثنائية «الفصحى والشعبي» في تجربتك الإبداعية؟
- الشاعر كالطفل لديه ولع بتجريب كل شيء، وأنا ابن منطقة جُبلت على كتابة الشعر النبطي وأبدعت فيه، كونه تأريخاً لحياة شعوب أهل الخليج يرصد بعفوية نظرتهم للجمال ويقتبس مفرداته من هالات مضيئة، لذا فمن الطبيعي أن تجد أغلب شعراء الفصيح يكتبون الشعر النبطي بجدارة، والطيران بهذين الجناحين هو دليل استمتاع بمقدرات البيئة الإبداعية التي ينتمي إليها الشاعر، ومحاولة صادقة لاحتضان الشمس والقمر في وقت واحد.
لقد كتبت قصائد كثيرة من وحي بيئتي ومن وحي مفرداتها التي يتغنى بها الناس في كل مكان. وفي الوقت نفسه اندمجت مع القصيدة الفصيحة، وعشت معها تجربة أعتز بها وهو ما جعلني أعيش برؤية متسعة تتوافق مع نشأتي وبيئتي وانتمائي للجذور.
> «الشارقة - غواية الحب الأبدي» عنوان لافت لأحد مؤلفاتك المهمة... ما الذي يميز تلك المدينة برأيك؟
- الشارقة فضاؤها أخضر، تمهد كل الدروب للشعر، تمنحنا أملاً جديداً في أن يكون الشعر شامخاً وعزيزاً. هذه المدينة ذات الظلال والتاريخ المشرف في عالم الشعراء هي ركن أصيل في الإضاءة على التجارب الشعرية الجامحة، وهي من وجهة نظري مدينة المدن المتفوقة في كل شيء، فلا تشبهها مدن ولا يتقارب معها شيء لأنها متفردة وعظيمة. وعندما وضعت مؤلفي هذا عنها عبرت عن مواجيدي تجاه ألقها الذي لا يحد، وصباحاتها الشعرية الآسرة وأماسيها المسكونة أيضاً بالشعر.
> لك تجربة واسعة في العمل محرراً بالصحافة المكتوبة... هل أثرت تلك التجربة سلباً أم إيجاباً على خصوصية اللغة الشعرية لديك؟
- لا شك أن كتابة أي نوع من الأدب أو اقتصاص مفردات الشاعر في مقالات يأخذ كثيراً من وقت الشعر، وقد حدث مع كثير من الشعراء أنهم انخرطوا في العمل الإعلامي ونسوا الشعر، فالشعر لا يحب شريكاً آخر وهذه حقيقة مسلم بها، لكن مهما بعدت المسافات فأنا لا أنسى شعري تحت وطأة ضغوطات العمل، وأرى أنه من حسن حظي أني أعمل في ميدان قريب من الشعر ويساعد على الإبداع، فكلما اقترب الشاعر من العوامل التي تساعده على التواصل الجمالي مع الشعر يستطيع أن يعيد ترتيب حياته، ومن ثم البحث عن حديقة يلمس في محيطها الخيال المثير، كما أنني أستعيد ثقافتي بالقرب من «بيت الشعر» وأواصل مسيرتي مع القصيدة بحب ودهشة.
> قمت بإعداد وتقديم عدد من البرامج التلفزيونية... ألا يحتاج الشعر إلى لحظات من الخلوة والهدوء، ألا يمكن أن تكون مساحة أضواء العمل الإعلامي مضرة بالشاعر؟
- قدمت برنامجاً شعرياً بامتياز هو «ديوان العرب» عبر قناة الشارقة الفضائية، فكنت أحاور الشعراء كما لو كنت أشارك في ندوة شعرية، أناقش في أدق التفاصيل الخاصة بالضيف، طوال الوقت نتحدث عن الشعر، وهكذا كنت أعيش مع الشعر والجمال وكل ما تحبه نفسي، ولا أعتقد أن هذا النوع من العمل الإعلامي يمكن أن يضر أبداً بالشاعر، لأنه يجعله ينزلق إلى مساحات الإبداع ويحركه إلى الإمام فلا يلتفت لشيء سوى الشعر.
> تعمل مديراً لـ«بيت الشعر» بالشارقة... ما الذي يميزه عن غيره من بيوت الشعر ببلدان العربية؟ وكيف من موقعك ترى عالم الشعراء؟
- إرضاء الشاعر أمر صعب، وتحقيق طموحاته وأحلامه صعب أيضاً، ومحاولة ترويض جموحه مسألة فيها نظر، لكن لكوني شاعراً أزعم أنني لا أجد تلك المشقة في التواصل مع الشعراء، ومن ثم محاولة تذليل الصعوبات. وبكل صدق اسم «بيت الشعر» هو الذي يمنح الألق ويجعل الشعراء في حالة محبة، فهذا البيت التابع لدائرة الثقافة في الشارقة هو بيت الشعراء الذي وجّه به الشيخ سلطان القاسمي حاكم الشارقة ورعاه رعاية كريمة حتى وصل إلى هذا المستوى المبهر. وبالمناسبة، أؤكد أن «بيت الشعر» بالشارقة لا ينفصل عن هموم نظرائه في بلدان عربية، فنحن نسعى إلى التواصل معهم، ونطمح إلى عمل مشترك لخدمة الشعر والثقافة، ولعل ما يميز «بيت الشعر» بالشارقة هو وجوده في فضاء عام محب للثقافة والفن والإبداع.
> ماذا عن جائزة «الأمير عبد الله الفيصل» التي حازها «بيت الشعر» عن «أفضل مشروع لخدمة الشعر»؟
- ننعم بحرية العمل تحت ظلال الشعر، واتسعت رقعة الجمال بداخلنا، لذلك سعدنا بهذه الجائزة التي هي نتاج طبيعي لكل عمل خلاق في ظل هذه الظروف المتوائمة والمناخ الشعري الثقافي الصحي الجميل.
> أخيراً، كيف تنظر إلى حصولك على الدكتوراه الفخرية في مجال الإدارة والعلاقات العامة من إحدى الجامعات الأميركية؟
- كانت مفاجأة سارة أن تمنحني جامعة «الشمال الأميركي للدراسات العليا» هذه الثقة، غمرتني بفرحة ووضعتني أمام مسؤولية ضخمة تجاه ذاتي، فقد مدت شراعاً لكي أواصل عبوري إلى الجهة الأخرى من التعب المفيد لعملي وطموحاتي وطبيعتي المحبة لكل جد ومثابرة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)

أكد فهد الجلاجل وزير الصحة السعودي، الثلاثاء، أن «نموذج الرعاية الصحية» في المملكة انتقل من مرحلة التصميم إلى التطبيق الفعلي، وبات اليوم يحظى باهتمام جهات عدة داخل البلاد وخارجها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أعقب رعايته وحضوره «ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026» في الرياض، أوضح الوزير أن النموذج بدأ تطبيقه وإجراء الكثير من المسارات وصولاً إلى اسمه الحالي، وأصبح ينفّذ في 20 تجمّعاً صحياً بالمملكة، وتتبنّاه الكثير من الجهات، وأخرى استفسرت عن تفاصيله بهدف تبنّيه في دول أخرى.

وأضاف الجلاجل أن الهدف الأساسي من النموذج يتمثل في خدمة المواطن ورفع جودة الخدمات، مشيراً إلى ارتباطه المباشر بمستهدفات «رؤية السعودية 2030»، مردفاً أنه يهدف «لتقديم الخدمات بأفضل جودة لرفع متوسط عمر الإنسان في المملكة، ورفع السنوات الصحية للمواطن وتقديم أفضل خدمه له».

شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)

وأعرب الوزير عن عدم ممانعة بلاده في استفادة أي دولة من تجارب «نموذج الرعاية الصحية السعودي»، غير أن الهدف الأساسي هو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» عبر مجتمع حيوي ووطن طموح، وإيصال الخدمات للمواطنين بشكل أفضل.

وحول وجود 7 مستشفيات سعودية ضمن تصنيف «براند فاينانس»، منها 4 ضمن أفضل 100 مستشفى عالميّاً، نوَّه الجلاجل بأن ما تحقق حتى الآن يُمثِّل مرحلة ضمن مسار مستمر من التطوير، لافتاً إلى أن طموحات المملكة هي تحقيق الريادة العالمية في عدد من التخصصات الطبية.

وتطرق الوزير إلى مسعى السعودية في أكثر من مدينة طبية ومستشفى تخصصي للريادة العالمية، وحققت أكثر من إنجاز في إجراء عمليات تعدّ الأولى عالمياً، مشدداً على أن «هذا الإنجاز سيتواصل، وسنرى المستشفيات السعودية تحقق نجاحات أكثر».

شهد الملتقى حضور نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين (وزارة الصحة)

وفي سياق متصل، قال الجلاجل إن التحول الصحي في السعودية لا يقتصر على الجوانب الطبية فقط، بل يشمل تكاملاً واسعاً بين مختلف القطاعات الحكومية.

وتعليقاً على سؤال «الشرق الأوسط» حول أبرز الإجراءات الصحية التي ساهمت في تقليل نسب وفيات الحوادث المرورية، قال الوزير إنها «ليست إجراءات صحية في حقيقتها ولكنها تكاملية، وأحد أهداف هذا التحول الصحي و(رؤية المملكة) هو أن تتكامل جميع القطاعات».

وتابع الجلاجل: «اليوم هناك لجنة السلامة المرورية فيها كل الجهات الحكومية، ابتداءً من وزارات (الداخلية، النقل، البلديات، التعليم) لوضع خطة شمولية، والكل اليوم يتناغم في هذا لإيصال هذه الرسالة»، مستدركاً: «قد يكون دور القطاع الصحي هو تخفيض الوفيات ورئاسة هذه اللجنة، لكن الدور الحقيقي والمؤثر هو للجهات كافة والشركاء الذين تعاونوا في إيصال هذه الخدمات، وكل جهة من الجهات قامت بدورها، ولدينا قائمة من الإجراءات التي قامت بها للحفاظ على صحة المواطن».

ناقشت الجلسات العلمية سبل الابتكار في المنظومة الصحية (تصوير: تركي العقيلي)

وتعليقاً على قرار مجلس الوزراء تشكيل لجنة دائمة تعنى بكل ما يتصل بمادة «الأسبستوس» ومتابعة حظرها، أبان الوزير أن بلاده تتعامل مع المخاطر الصحية بشكل استباقي عبر سياسات واستراتيجيات واضحة، وتعمل على درئها، مؤكداً: «أي خطر نرصده على المواطنين، فإن الحكومة تعمل على إيجاد الأدوات اللازمة لدرئه، والاستمرار في زيادة جودة الحياة».

وخلال كلمته اليوم في الملتقى، كشف الجلاجل عن انخفاض عدد السنوات التي يعيشها المواطن السعودي في المرض بمقدار 3 سنوات، مضيفاً أن نموذج الرعاية الصحية ساهم في أن يصبح متوسط العمر المتوقع في المملكة 79.7.

وأشار الوزير إلى انخفاض وفيات «حوادث الطرق» بنسبة 60 في المائة، و«الأمراض المزمنة» 40 في المائة، و«الأمراض المعدية» 50 في المائة، و«الوفيات الناجمة عن الإصابات» 30 في المائة، مشدداً على أن ما تحقَّق حتى اليوم في القطاع هو «ثمرة عمل جماعي، ورسالة واضحة بأن التحول الصحي في السعودية يسير بثبات وسنواصل على هذا النهج».

جانب من جلسة حوارية على هامش ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026 في الرياض الثلاثاء (وزارة الصحة)

وشهدت أعمال الملتقى، الذي تنظمه «الصحة القابضة» بنسخته الثالثة، الثلاثاء، حضورَ نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين، وإقامةَ عدة جلسات علمية ناقشت سبل الابتكار في المنظومة الصحية، واستعراضَ أحدث الدراسات والأبحاث؛ لتعزيز صحة المجتمع والوقاية من الأمراض؛ تحقيقاً لمستهدفات برامج «رؤية 2030».


بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.


«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».