قلق في جنوب العراق من انحسار مياه دجلة والفرات

خسارة 70 في المائة من حصصه المائية بسبب سياسات دول الجوار

انخفاض حاد في منسوب مياه نهر الفرات بالناصرية في 26 فبراير 2023 (أ.ف.ب)
انخفاض حاد في منسوب مياه نهر الفرات بالناصرية في 26 فبراير 2023 (أ.ف.ب)
TT

قلق في جنوب العراق من انحسار مياه دجلة والفرات

انخفاض حاد في منسوب مياه نهر الفرات بالناصرية في 26 فبراير 2023 (أ.ف.ب)
انخفاض حاد في منسوب مياه نهر الفرات بالناصرية في 26 فبراير 2023 (أ.ف.ب)

رغم موسم الأمطار الجيدة نسبياً التي هطلت على العراق خلال هذا الشتاء، قياساً بمواسم الجفاف الثلاثة الماضية وما خلفتها من تأثيرات كارثية على مواسم الزراعة والبيئة بشكل عام في البلاد، فإن المسؤولين والمهتمين لا يخفون مخاوفهم بشأن إمكانية عدم كفاية الموارد المائية المتاحة للشرب والسقي، خصوصاً مع تأكيد المسؤولين في وزارة المواد المائية، أن العراق خسر 70 في المائة من حصصه المائية بسبب السياسات التي تمارسها كل من تركيا وإيران، وإلى حد ما سوريا.
وما زاد من قلق ومخاوف المزارعين في محافظات وسط البلاد وجنوبها خلال الأيام الأخيرة، الانخفاض الذي طرأ على مناسيب نهري دجلة والفرات، خصوصاً في محافظتي ميسان وذي قار، ما دفع وزارة الموارد المائية إلى توضيح أسباب الانخفاض، اليوم (الأحد).
وقالت الوزارة في بيان، إن «الانخفاض الحاصل في الحصص المائية ببعض المحافظات الجنوبية خلال هذه الأيام، يعود سببه لقلة الإيرادات المائية الواردة إلى سد الموصل على دجلة، وسد حديثة على الفرات، من الجارة تركيا».
وذكرت أن ذلك «أدى إلى انخفاض حاد في المخزون المائي بالبلاد تزامناً مع قلة الأمطار وزيادة الطلب على المياه لتأمين ري المحاصيل الزراعية للموسم الشتوي الحالي التي تجاوزت الخطة المقررة».
وأنحى بيان الوزارة باللائمة على «عدم التزام المزارعين بالمساحات الزراعية المقررة وفق الخطة الزراعية التي أُقرت على المياه السطحية، وعدم الالتزام بتطبيق نظام المراشنة. كل ذلك أدى إلى تأثر بعض المناطق في المحافظات الجنوبية بقلة الإيرادات المائية». وأشارت إلى أنها «اتخذت إجراءات بشأن إطلاق كميات من المخزون المتاح في سد دوكان لتعزيز واردات نهر دجلة، وقد وصلت بوادر الزيادة إلى سد الكوت».
ورأت الوزارة أن «كميات المياه المؤمنة في نهري دجلة والفرات تغطي الحاجة وكل المتطلبات الزراعية ومياه الشرب وكل المتطلبات الأخرى، ولكن بسبب ما ذُكر أعلاه من تجاوزات، أدى ذلك إلى انخفاض في معدل الكميات الواصلة إلى تلك المحافظات».
ولوحت الوزارة في بيانها، إلى عزمها «اتخاذ عدة إجراءات وبالتنسيق مع قيادات العمليات لإزالة تلك التجاوزات، سواء على الحصص المائية أو بحيرات الأسماك المتجاوزة أو التجاوز على المساحات الزراعية المقررة، وفق الخطة الزراعية للموسم الشتوي الحالي».
وطمأنت المواطنين بأن «كميات الثلوج الساقطة في حوض دجلة والزاب الأعلى والزاب الأسفل جيدة، وستؤمن كميات جيدة من المياه في حالة ذوبانها وتعزيز المخزون المائي في سدودنا بالربيع المقبل».
كان المتحدث باسم وزارة الموارد المائية خالد شمال، قال لوكالة الأنباء العراقية، أول من أمس، إن «انخفاض مناسيب النهر، سواء كان دجلة أو الفرات، في أي محافظة بالعراق هو إجراء يخص الوزارة، وإن المخزون المائي الآن وصل إلى مراحل حرجة ولا تستطيع الوزارة ضخ مياه كبيرة للأنهر».
وأضاف أن «الوزارة تضخ إطلاقات مائية للإيفاء بغرضين مهمين؛ الأول تحقيق الري الزراعي، والآخر تأمين مياه الشرب. والإيرادات المائية التي تأتي للعراق اليوم من دول المنبع (تركيا وإيران) هي 30 في المائة من استحقاقه الفعلي و70 في المائة لا تصل» (من حاجة العراق إلى الماء).
وأشار شمال إلى أن «الحكومات السابقة لم تبرم أي اتفاق يلزم تركيا وإيران بتأمين حصص العراق المائية، حيث إن 70 في المائة من مياه العراق تأتي من الدول المجاورة».
وغالباً ما اشتكى العراق خلال السنوات الماضية، من السياسات المائية التي تنتهجها تركيا وإيران حياله، خصوصاً بعد بناء أنقرة سدوداً كبيرة على منابع النهر، ومنها سد «اليسو». وتتهم بغداد طهران بحرف مسار أكثر من 30 نهراً على جيرانها، وصولاً إلى الأراضي العراقية.
وخلال السنتين الأخيرتين، تعرضت مناطق شاسعة من أهوار جنوب البلاد إلى الجفاف والتصحر، ما دفع مئات الأسر التي تعيش على الزراعة وتربية الحيوانات هناك إلى النزوح إلى المدن ومناطق أخرى، بعد أن فقدت مزارعها وحيواناتها نتيجة الجفاف.
وطبقاً لتصنيفات المناخ الدولية، فإن العراق يُعَدُّ من بين أكثر 5 دول في العالم تأثراً بالتغيرات المناخية وتداعياتها على البيئة والسكان. كان البنك الدولي، دعا في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، العراق، إلى اعتماد نموذج تنمية «أكثر اخضراراً ومراعاة للبيئة» لمواجهة التحدي المناخي.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

المشرق العربي الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

حثت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لدى العراق، جينين هينيس بلاسخارت، أمس (الخميس)، دول العالم، لا سيما تلك المجاورة للعراق، على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث التي يواجهها. وخلال كلمة لها على هامش فعاليات «منتدى العراق» المنعقد في العاصمة العراقية بغداد، قالت بلاسخارت: «ينبغي إيجاد حل جذري لما تعانيه البيئة من تغيرات مناخية». وأضافت أنه «يتعين على الدول مساعدة العراق في إيجاد حل لتأمين حصته المائية ومعالجة النقص الحاصل في إيراداته»، مؤكدة على «ضرورة حفظ الأمن المائي للبلاد».

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

أكد رئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني، أمس الخميس، أن الإقليم ملتزم بقرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل، مشيراً إلى أن العلاقات مع الحكومة المركزية في بغداد، في أفضل حالاتها، إلا أنه «يجب على بغداد حل مشكلة رواتب موظفي إقليم كردستان». وأوضح، في تصريحات بمنتدى «العراق من أجل الاستقرار والازدهار»، أمس الخميس، أن الاتفاق النفطي بين أربيل وبغداد «اتفاق جيد، ومطمئنون بأنه لا توجد عوائق سياسية في تنفيذ هذا الاتفاق، وهناك فريق فني موحد من الحكومة العراقية والإقليم لتنفيذ هذا الاتفاق».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني أن علاقات بلاده مع الدول العربية الشقيقة «وصلت إلى أفضل حالاتها من خلال الاحترام المتبادل واحترام سيادة الدولة العراقية»، مؤكداً أن «دور العراق اليوم أصبح رياديا في المنطقة». وشدد السوداني على ضرورة أن يكون للعراق «هوية صناعية» بمشاركة القطاع الخاص، وكذلك دعا الشركات النفطية إلى الإسراع في تنفيذ عقودها الموقعة. كلام السوداني جاء خلال نشاطين منفصلين له أمس (الأربعاء) الأول تمثل بلقائه ممثلي عدد من الشركات النفطية العاملة في العراق، والثاني في كلمة ألقاها خلال انطلاق فعالية مؤتمر الاستثمار المعدني والبتروكيماوي والأسمدة والإسمنت في بغداد.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

أكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»، داعياً الشركات النفطية الموقّعة على جولة التراخيص الخامسة مع العراق إلى «الإسراع في تنفيذ العقود الخاصة بها». جاء ذلك خلال لقاء السوداني، (الثلاثاء)، عدداً من ممثلي الشركات النفطية العالمية، واستعرض معهم مجمل التقدم الحاصل في قطاع الاستثمارات النفطية، وتطوّر الشراكة بين العراق والشركات العالمية الكبرى في هذا المجال. ووفق بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء، وجه السوداني الجهات المختصة بـ«تسهيل متطلبات عمل ملاكات الشركات، لناحية منح سمات الدخول، وتسريع التخليص الجمركي والتحاسب الضريبي»، مشدّداً على «ضرورة مراعا

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

بحث رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مع وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو العلاقات بين بغداد وروما في الميادين العسكرية والسياسية. وقال بيان للمكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي بعد استقباله الوزير الإيطالي، أمس، إن السوداني «أشاد بدور إيطاليا في مجال مكافحة الإرهاب، والقضاء على عصابات (داعش)، من خلال التحالف الدولي، ودورها في تدريب القوات الأمنية العراقية ضمن بعثة حلف شمال الأطلسي (الناتو)». وأشار السوداني إلى «العلاقة المتميزة بين العراق وإيطاليا من خلال التعاون الثنائي في مجالات متعددة، مؤكداً رغبة العراق للعمل ضمن هذه المسارات، بما يخدم المصالح المشتركة، وأمن المنطقة والعالم». وبي

حمزة مصطفى (بغداد)

عام دراسي «استثنائي»... أهالي جنوب لبنان يحسمون خياراتهم على هاجس الحرب

متطوعون في «الصليب الأحمر» ينظمون نشاطات لأطفال نازحين في مدينة كميل شمعون الرياضية التي تحولت إلى مركز للنزوح خلال الحرب الأخيرة (رويترز)
متطوعون في «الصليب الأحمر» ينظمون نشاطات لأطفال نازحين في مدينة كميل شمعون الرياضية التي تحولت إلى مركز للنزوح خلال الحرب الأخيرة (رويترز)
TT

عام دراسي «استثنائي»... أهالي جنوب لبنان يحسمون خياراتهم على هاجس الحرب

متطوعون في «الصليب الأحمر» ينظمون نشاطات لأطفال نازحين في مدينة كميل شمعون الرياضية التي تحولت إلى مركز للنزوح خلال الحرب الأخيرة (رويترز)
متطوعون في «الصليب الأحمر» ينظمون نشاطات لأطفال نازحين في مدينة كميل شمعون الرياضية التي تحولت إلى مركز للنزوح خلال الحرب الأخيرة (رويترز)

لم يعد قرار تسجيل الأولاد في المدرسة بالنسبة إلى كثير من أهالي جنوب لبنان قراراً يحسم مع نهاية العام الدراسي، كما جرت العادة؛ فمع اقتراب شهر سبتمبر (أيلول)، لا تزال عائلات كثيرة مترددة في اختيار المدرسة التي سيتابع فيها أبناؤها تعليمهم، فيما تراقب تطورات الوضع الأمني وتستعيد ما حصل خلال العامين الماضيين، حين وجد آلاف التلامذة أنفسهم خارج مدارسهم، واضطرت عائلات إلى النزوح، فيما انتقلت مدارس من التعليم الحضوري إلى التعليم عن بُعد.

وفي ظل هذا الواقع، تختلف الخيارات. عائلات قررت تسجيل أبنائها في مدارس مناطق النزوح، وأخرى تتجه إلى المدارس الرسمية ذات الأقساط المتدنية تحسُّباً لإقفال المدارس، فيما تبحث عائلات ثالثة عن مدارس في مناطق أكثر أماناً، لم تقفل أبوابها خلال الحرب الماضية.

امرأة نازحة مع أطفالها تجلس خارج مدرسة في بيروت تحولت إلى ملجأ في الحرب الأخيرة بين «حزب الله» وإسرائيل (رويترز)

في الظروف الطبيعية، تنهي معظم المدارس في لبنان، لا سيما الخاصة منها، تسجيل التلاميذ مع نهاية العام الدراسي السابق، بحيث تبدأ السنة الجديدة ولوائح الطلاب مكتملة. لكن الوضع الحالي دفع عدداً من المدارس إلى إبقاء باب التسجيل مفتوحاً خلال الأسبوعين الأولين من سبتمبر (أيلول)، في ظل تردد الأهالي وعدم قدرتهم على حسم خياراتهم.

وتقول عبير، وهي أم لثلاثة أولاد: «سجّلتُ أولادي في المدرسة، لكن حتى الآن لم أشترِ الكتب. أنظر كل يوم إلى لوائح الكتب وأنا في حيرة من أمري: هل أتريث أم أدفع ثمنها ويحصل كما حصل في العامين الماضيين؟ سأنتظر حتى منتصف سبتمبر حتى أتخذ القرار».

أما مريم، فاختارت أن يكون قرب المدرسة من منزلها هو عامل الأمان الأساسي. وتقول: «ابني سنة أولى، سجّلته في المدرسة الرسمية القريبة مني في القرية. هكذا عندما يحصل أي شيء يمكنني إحضاره بسرعة والهروب في أي لحظة».

ويبحث عدد من الأهالي، لا سيما الذين يتحدرون من المناطق الحدودية، ولا يتوقعون العودة إلى منازلهم في وقت قريب، عن مدارس في مناطق النزوح. فيما يفضّل آخرون المدارس الرسمية، المعروفة بأقساطها المتدنية، باعتبار أن دفع قسط مرتفع، في ظل احتمال إقفال المدارس مجدداً قد يتحول إلى خسارة إضافية.

مواطن في مركز للنزوح بمنطقة صيدا جنوب لبنان خلال الحرب الأخيرة (رويترز)

وفي المقابل، تبحث عائلات أخرى عن مدارس في مناطق أكثر أماناً، لكن بشرط أساسي: أن تكون قد حافظت على التعليم الحضوري خلال الحرب الماضية؛ الأمر الذي جعلها اليوم خياراً مفضلاً لدى عائلات لا تريد تكرار تجربة التعليم عن بُعد.

وتقول أم أحمد: «اتخذنا قراراً بأن نبقى في المنطقة التي نزحنا إليها. لذلك بحثت عن مدرسة لم تقفل أبوابها خلال الحرب، وسجّلت أبنائي فيها، لأنني أعتبر أن التعليم عن بعد ليس ذا فائدة كالتعليم الحضوري، إضافة إلى الوضع النفسي السيئ الذي ينعكس على أولادي، وعلينا نحن الكبار خلال الحرب على حد سواء. لذلك أعتبر أن الحضوري أفضل ما دام ذلك ممكناً».

المدارس تتحضر للاحتمالين

وفي موازاة قرارات الأهالي، تتحضر مدارس جنوبية عدة تقع خارج المناطق التي تتعرض للقصف لبدء العام الدراسي، لكنها لا تتعامل مع التعليم الحضوري باعتباره خياراً مضموناً طوال السنة؛ فقد جاء في رسالة وجهتها إحدى المدارس الخاصة في النبطية إلى الأهالي أنها تستعد لـ«اعتماد التعليم الحضوري متى سمحت الظروف الأمنية بذلك»، بما يعكس استعداد المدارس نفسها للتعامل مع الاحتمالين، وفق تطورات الوضع على الأرض.

وهذا التوجه ينسجم أيضاً مع خطة وزارة التربية للعام الدراسي 2026 - 2027، التي تقوم على استمرارية التعليم وفق ظروف كل منطقة، مع اعتماد التعليم الحضوري حيث تتوفر شروط السلامة والجهوزية، والتعليم عن بعد في المناطق المتأثرة بالأوضاع الأمنية.

بين المدرسة والبيت... الأمان أولاً

في المقابل، اتخذت عائلات أخرى القرار المعاكس تماماً، واختارت التعليم عن بُعد باعتباره الخيار الأكثر أماناً.

هذا ما قامت به ليلى، التي كان أولادها يتعلمون في ثانوية في بلدة تول في قضاء النبطية، قبل أن تقرر نقلهم إلى مدرسة أخرى في بلدة زبدين، بعدما أعلنت المدرسة الأولى اعتماد النظام الحضوري العام المقبل، فيما أعلنت المدرسة الجديدة منذ الآن اعتماد التعليم عن بعد، وتقول: «سأبقيهم معي في المنزل، ذلك سيكون أكثر أماناً بالنسبة لي».

نازحون في إحدى المدارس التي تحولت إلى مركز للنزوح (رويترز)

أما عائلة ترحيني، فقد اختارت المغادرة إلى أفريقيا منذ اندلاع الحرب، وسجّلت أولادها في إحدى المدارس التي تعتمد نظام التعليم عن بُعد في لبنان، بانتظار استقرار الوضع.

ويقول الوالد: «الوقائع السياسية والميدانية لا تبشر بالخير، ويبدو أن الحرب ستعود بلا شك»، مؤكداً أن الخيار الذي اتخذته العائلة أكثر اطمئناناً بالنسبة إليه في هذه المرحلة.


مساعٍ لفصل الشأن الخدمي عن السياسي في السويداء السورية

«معبر المتونة» بين السويداء ودمشق (سانا)
«معبر المتونة» بين السويداء ودمشق (سانا)
TT

مساعٍ لفصل الشأن الخدمي عن السياسي في السويداء السورية

«معبر المتونة» بين السويداء ودمشق (سانا)
«معبر المتونة» بين السويداء ودمشق (سانا)

تبذل الحكومة السورية جهوداً مكثفة لإنجاز التحضيرات اللوجستية والميدانية لإجراء امتحانات الدورة الاستثنائية لشهادتي التعليم ‏الأساسي والثانوية العامة لطلاب السويداء نهاية الشهر الحالي، وذلك فيما يشهد معبر «المتونة» في ريف المحافظة الشمالي، حركة عبور نشطة للمدنيين والآليات ذهاباً وإياباً، وسط أنباء عن مساعٍ لفصل الملف الخدمي عن الملف السياسي في محاولة لحل الاستعصاء السياسي.

وقال مدير منطقة شهبا طارق عدوان، السبت، إن الأيام الماضية «شهدت ارتفاعاً ملحوظاً بحركة ‏الدخول والخروج من محافظة السويداء عبر حاجز المتونة في منطقة شهبا الذي يربط ‏المحافظة بالعاصمة وريفها، وذلك قياساً بالفترات السابقة، نتيجة التسهيلات والإجراءات المتخذة من قبل المؤسسات ‏الأمنية والإدارية في المنطقة».‏ وأضاف عدوان، في تصريحات لوكالة الأنباء السورية (سانا) أن الحركة التجارية بدورها شهدت «إقبالاً شديداً أيضاً بسبب ازدياد الشعور بالأمان لدى المواطنين، وانتشار ‏أمن الطرق على طول الأوتوستراد المؤدي إلى السويداء».‏

من حركة النقل عبر «معبر المتونة» (سانا)

‏في موازاة ذلك، وفي إطار حالة من الانفراجات، تواصل وزارة التربية ومحافظات السويداء وريف دمشق ودرعا، بذل جهود مشتركة مكثفة لاستكمال عملية التحضير لامتحانات الدورة الاستثنائية لطلاب الشهادتين الثانوية والإعدادية بفروعها المتعددة. وقالت محافظة السويداء عبر معرفاتها الرسمية، السبت، إن رئيس هيئة الأبنية المدرسية بوزارة التربية، وعدد من المسؤولين في المحافظة، قاموا بجولة لتفقد جاهزية المدارس والمراكز الامتحانية، و«توفير بيئة ملائمة وآمنة للطلاب»، ومن المقرر أن تستمر فرق المتابعة في جولاتها خلال الفترة المقبلة، لرصد أي احتياجات إضافية واستكمال الاستعدادات قبل موعد الامتحانات المرتقب نهاية الشهر الحالي.

وصدر المرسوم الرئاسي رقم 163 لعام 2026 القاضي بإجراء دورة امتحانات استثنائية لمنح فرصة لطلبة السويداء الذين حُرموا من التقدم إلى امتحانات الدورة الأساسية، أو الذين لم يتمكنوا من تقديم كل المواد.

وحرم نحو 95 في المائة من طلاب السويداء (14 ألف طالب) من التقدم إلى الامتحانات في الدورة الاساسية، بعد قرار وزارة التربية والتعليم في مايو (أيار) الماضي نقل مراكز امتحانات طلاب السويداء إلى دمشق وريف دمشق، على خلفية الأوضاع الأمنية في المحافظة، وفشل المنظمات الدولية في إقناع الفصائل المحلية المسيطرة في السويداء، بدخول فريق إشراف حكومي لمتابعة سير الامتحانات. وواجه الطلاب وعائلاتهم خيارات صعبة في ظل أجواء متوترة، ومخاوف أمنية وتكاليف مرتفعة للنقل خارج المحافظة، لم تتمكن عائلات كثيرة من تحملها.

تجهيز مدرسة في ريف السويداء لاستقبال طلاب الامتحانات (سانا)

ورغم الارتياح الذي أشاعه مرسوم الدورة الاستثنائية، فإنه أثار الجدل حول قصر فترة التحضير للامتحانات، وكثافة البرنامج، والقدرة الاستيعابية للمراكز التي يتم تجهيزها.

وبحسب مصادر إعلامية في السويداء، يتم تجهيز نحو 25 مركز امتحان، في قرى الريف الشمالي، بقدرة استيعابية تقدر بسبعة آلاف طالب، وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط»، إن أهالي الطلاب لا يريدون تضييع فرصة مواصلة أبنائهم التعليم، خصوصاً أنهم أمضوا عاماً دراسياً كاملاً في ظروف أمنية واقتصادية سيئة. مع الإشارة إلى أن نسبة من تمكنوا من تقديم الامتحانات في الدورة الأساسية، وكانت أقل من 5 في المائة، ومع ذلك ورغم ما أحاط بالطلاب وذويهم من ضغوط نفسية هائلة، حصلت نسبة جيدة منهم، على نتائج ممتازة.

ودعا مدير «مديرية إعلام السويداء» مرهف الشاعر، طلاب السويداء إلى «التركيز على مستقبلهم الدراسي»، وقال في تصريح لقناة «الإخبارية السورية» إن امتحانات السويداء «تواجه محاولات تشويش وترهيب تستهدف الطلاب وتعطل العملية التعليمية»، مشيراً إلى أن أهالي السويداء «متمسكون بالتعليم الرسمي، ويرفضون تسييس العملية التعليمية».

من التحضيرات الجارية لامتحانات طلاب السويداء (سانا)

وكان القاضي شادي مرشد، رئيس «مجلس الإدارة» في السويداء المعارض للحكومة، قد أكد في وقت سابق، أنهم (في المحافظة) ما زالوا يطالبون بإجراء الامتحانات داخل السويداء، لكنه أوضح في تصريح للإعلام المحلي، أنه في «حال إجراء الامتحانات بالريف الشمالي، سنترك القرار للطلاب والأهالي وسنقف بجانبهم».

وباشرت فرق «مديرية الطوارئ وإدارة الكوارث» في محافظة السويداء منذ 20 أغسطس (آب)، بالتنسيق مع وزارة التربية ومحافظة السويداء، تجهيز وتنظيف المراكز الامتحانية، ونقل الاحتياجات إليها، لدعم العملية التعليمية، بما يسهم في تهيئة الظروف الملائمة للطلاب خلال فترة الامتحانات.


لبنان بين مسارين متعاكسين: تفاوض معلّق وميدان يتسارع

جانب من إحدى جلسات المفاوضات بين إسرائيل ولبنان برعاية الولايات المتحدة في مقر وزارة الخارجية الأميركية (أرشيفية - أ.ف.ب)
جانب من إحدى جلسات المفاوضات بين إسرائيل ولبنان برعاية الولايات المتحدة في مقر وزارة الخارجية الأميركية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

لبنان بين مسارين متعاكسين: تفاوض معلّق وميدان يتسارع

جانب من إحدى جلسات المفاوضات بين إسرائيل ولبنان برعاية الولايات المتحدة في مقر وزارة الخارجية الأميركية (أرشيفية - أ.ف.ب)
جانب من إحدى جلسات المفاوضات بين إسرائيل ولبنان برعاية الولايات المتحدة في مقر وزارة الخارجية الأميركية (أرشيفية - أ.ف.ب)

تتسع في لبنان الفجوة بين مسار تفاوضي يتحرك ببطء وميدان تتسارع تطوراته، مع استمرار العمليات الإسرائيلية مقابل تعثر الترتيبات التي يفترض أن تقود إلى الجولة الثامنة من المفاوضات برعاية أميركية، مما يثير مخاوف من أن تصل الأطراف إلى الجولة المقبلة أمام وقائع جديدة فرضتها التطورات العسكرية.

وتزداد الضغوط مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية في أكتوبر (تشرين الأول)، وتوقف المحادثات الأميركية-الإيرانية، في حين لا يزال لبنان ينتظر موعد الجولة الجديدة وحسم آلية التحقق والانتقال إلى مرحلة جديدة من «المناطق التجريبية».

حفرة خلّفتها غارة جوية إسرائيلية استهدفت منزلاً في بلدة البرج الشمالي قرب مدينة صور بجنوب لبنان يوم 6 أغسطس 2026 بالتزامن مع تصعيد ميداني واستمرار المحادثات اللبنانية-الإسرائيلية في روما برعاية أميركية (أ.ف.ب)

التفاوض تحت النار

وقال النائب بلال الحشيمي لـ«الشرق الأوسط»: إن «المسار التفاوضي القائم حالياً لا يمكن أن يتقدم إذا لم يمارس الأميركيون ضغطاً فعلياً على إسرائيل، خصوصاً لجهة بدء الانسحاب من بعض المناطق، بما يمنح المفاوضات صدقية، ويعطي الحكومة اللبنانية ورئيس الجمهورية قوة في إدارة هذا المسار».

وأضاف الحشيمي: «إذا لم يحصل أي تحرك في هذا الاتجاه، ولم تبدأ إسرائيل بالانسحاب، فستبقى المفاوضات في مكانها. وعامل الوقت مهم جداً، لأن استمرار المراوحة يجعل الأمور أكثر تعقيداً، خصوصاً أن (حزب الله) يراقب مسار الأمور والوقت الذي تستغرقه المفاوضات».

ورأى أن «إسرائيل تعمل اليوم على التفاوض تحت النار، فالضرب مستمر، والدمار مستمر، والقتل مستمر، وفي اعتقادي لا يمكن للمفاوضات أن تستمر بهذه الطريقة»، محذراً من أن «استمرار التصعيد الميداني قد يعرقل المفاوضات ويمهد لجولة جديدة من الحرب، خصوصاً أن المسار التفاوضي لم يصل حتى الآن إلى نتيجة ملموسة».

وأشار إلى أن «لبنان لا يزال عند مرحلة المناطق التجريبية، وحتى في المناطق التي جرى الحديث عنها، مثل زوطر ومحيطها، لا تزال النيران الإسرائيلية تصل إليها، ولم تعطِ إسرائيل حتى الآن الضوء الأخضر الذي يسمح للجيش اللبناني بتنفيذ ما هو مطلوب منه بالكامل، وبالتالي نحن لا نزال أمام أزمة حقيقية».

ولفت الحشيمي إلى أن «الانتخابات الإسرائيلية باتت على الأبواب، وموضوع لبنان وأمن إسرائيل يمكن أن يتحول إلى شعار قوي في الحملات الانتخابية»، معتبراً أن «نتنياهو قد يستفيد من التصعيد أو حتى من حرب جديدة لتعزيز موقعه السياسي وموقع حزبه»، ومشدداً على أن «هناك خطراً جدياً من الذهاب إلى الحرب».

وأضاف: «إذا قام (حزب الله) بردود قوية تجاه إسرائيل، فقد ندخل في مواجهة واسعة وطويلة، ولا سيما في ظل التوتر القائم بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما يزيد حساسية الوضع في لبنان وتعقيده».

وانتقد الحشيمي في الوقت نفسه غياب الدعم السياسي الملموس للدولة اللبنانية، قائلاً: «المشكلة الأساسية أن الحكومة ورئاسة الجمهورية لا تتلقيان حتى الآن المساعدة المطلوبة من المجتمع الدولي، خصوصاً من الأميركيين. الدولة تحتاج إلى أن تحصل على شيء ملموس يمكن أن تقدمه إلى اللبنانيين، وعلى الأقل تحتاج إلى انسحاب إسرائيلي من بعض المناطق».

وتابع: «مرّ نحو شهر أو شهرين على مسار المفاوضات، ولم يتغير شيء حتى الآن، بل إن الأمور تزداد سوءاً، ولذلك بدأ الناس يسألون: لماذا نستمر في المفاوضات إذا لم تكن هناك نتائج؟».

واعتبر أن «من الأخطاء التي ارتكبناها أننا قدمنا الكثير من دون الحصول في المقابل على شروط واضحة تتعلق بالانسحاب الإسرائيلي ووقف إطلاق النار، وحتى بعدما انتقلنا إلى مفاوضات مباشرة، لم نحصل على نتيجة ملموسة حتى الآن».

وأشار إلى أنه «لا يوجد حتى الآن موعد محدد لجولة جديدة من المفاوضات»، مضيفاً: «الجميع يتوقع أن يحصل تطور ما في أي لحظة، لكننا نتمنى ألا نذهب إلى الحرب، لأن الوضع في لبنان، اقتصادياً ومعيشياً، مأساوي جداً، والمواطن اللبناني هو من يدفع الثمن الأكبر في نهاية المطاف».

مقر سفارة الولايات المتحدة في روما بإيطاليا حيث عُقدت الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية (أ.ب)

للميدان حسابات أخرى

في المقابل، يفصل النائب أديب عبد المسيح بين المسارَيْن، ويرفض اعتبار الميدان صانعاً لشروط الجولة المقبلة.

وقال عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط»: «يجب فصل المسار التفاوضي عن الميدان، لأن للميدان حسابات أخرى. ومما لا شك فيه أن إسرائيل تستخدم عدم نزع سلاح (حزب الله) لتقوم باعتداءات أكثر، وتستفيد سياسياً من هذه الاعتداءات في ملفاتها الداخلية المرتبطة بالانتخابات المقبلة».

وأضاف: «أما التفاوض الذي تسير فيه الدولة فمن المبكر الحديث عن نتائجه، لأنه إذا لم تكن له انعكاسات أو نتائج، فلا يكون ناجحاً. لكن من الممكن أن نتحدث عن هذا الموضوع لأنه، بكل بساطة، لا يوجد شيء آخر غيره، حتى لو كان الوضع متأزماً».

وتابع عبد المسيح: «المسار التفاوضي، أو مسار واشنطن الذي اتبعه رئيس الجمهورية، ليس هناك أي بديل عنه». وسأل: «ما البديل؟ العودة إلى حضن إيران؟ مهما كان هذا المسار صعباً إذا لم ينجح اليوم فسينجح غداً، وإذا لم ينجح قبل الانتخابات فسينجح بعدها، لكن من الضروري جداً عدم إفلات هذه الورقة».

وقال: «قد لا نربح هذه الورقة الآن، لكن بالتأكيد سنربحها لاحقاً»، معتبراً أن الميدان لا يصنع شروط الجولة المقبلة، وأضاف: «الميدان الآن هو الأولوية بالنسبة إلى إسرائيل، وهذا واضح، ولديها حساباتها الخاصة في هذا الموضوع».

وأشار إلى أن «الأولوية بالنسبة إلى إسرائيل في الميدان مرتبطة بعدم إفلات ورقة الجيش الإسرائيلي من يد نتنياهو، لأنه بحاجة إلى عشرة أو اثني عشر صوتاً أو مقعداً نيابياً، كي يحصل على الأكثرية في الداخل الإسرائيلي، والجيش ضروري، ويلعب دوراً في هذا الموضوع».

وختم عبد المسيح بالقول: «الملف التفاوضي اليوم هو ورقة ضامنة لأمور مهمة جداً للبنان، منها أن إسرائيل ستنسحب يوماً ما، وأن الإدارة الأميركية مضطرة إلى دعم الجيش اللبناني، وأن صاحب القرار في لبنان هو الدولة اللبنانية».