العليمي: نشجع الوساطة السعودية مع الحوثيين... وأي اتفاق سيكون بين «الشرعية» والانقلابيين

رئيس مجلس القيادة قال لـ«الشرق الأوسط» إن الحرس الإيراني سبب مشاكل المنطقة

الدكتور رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني
الدكتور رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني
TT

العليمي: نشجع الوساطة السعودية مع الحوثيين... وأي اتفاق سيكون بين «الشرعية» والانقلابيين

الدكتور رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني
الدكتور رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني

يلخص الدكتور رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، مشكلة اليمن السياسية في أمرين: الإقصاء والتهميش. ويرى أن علاج ذلك يتمثل في رافعتين: التوافق والشراكة. وهذا ما كان يدفع نحوه حتى قبل أن يتولى قيادة مجلس القيادة الرئاسي اليمني.
ويدعم العليمي الوساطة السعودية مع الحوثيين بمشاركة عمانية، ويؤكد تلقي الحكومة اليمنية تحديثات مستمرة من الجانب السعودي بشأن مسار المحادثات، قائلاً، إن أي اتفاق في نهاية المطاف سيكون بين الحكومة والحوثيين.
مرّ 300 يوم على نقل السلطة في اليمن من الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي إلى مجلس قيادة رئاسي برئاسة العليمي وسبعة أعضاء من مختلف القوى السياسية والتشكيلات العسكرية المناهضة للحوثيين.
توجهت «الشرق الأوسط» إلى بروكسل، العاصمة البلجيكية ومركز صنع القرار الأوروبي التي بدأ منها العليمي جولة أوروبية، وأجرت حواراً موسعاً مع رئيس المجلس.
أبرز ما جاء في الحوار تمثل في تشجيع الرئاسة اليمنية وتوضيح موقفها من الوساطة السعودية مع الحوثيين، إلى جانب تأكيدات رئاسية بأن قوات «درع الوطن» التي جرى الإعلان عنها حديثاً لن تحل مكان أي قوات أخرى، فضلاً عن توضيحات واستدلالات وجوانب اجتماعية وسياسية رسم خلالها الدكتور العليمي الذي يقف على عتبة السبعين من العمر جانباً من أفكاره وتصوراته، حاملاً همَّ 30 مليون يمني، يعمل ونوابه وحكومته ليل نهار، لإنهاء كابوس الانقلاب، واستعادة اليمن الذي يعاني ويلات الحرب منذ انقلاب الحوثيين، الجماعة المدعومة من إيران في سبتمبر (أيلول) 2014 وحتى اليوم.
عدا عن تصالحه الشديد مع ذاته، والذي تمثل في انتقاده نفسه إبان عمله مع «المؤتمر الشعبي العام» لانتزاع «الغالبية المريحة» في البرلمان، وإقصاء بعض القوى، تدور أحاديث الدكتور العليمي على 3 مراكز: الشعب، التاريخ، التجربة.
فإذا تحدث عن نقطة سياسية أخذ يستشهد بقصة أحد أفراد الشعب، أو صديق، أو شخصيات معروفة.
ولا يناقش الصراع من دون الاستشهاد بالتاريخ، بل يصل إلى مرحلة انتقاد أعمال كان مشاركاً فيها إبان توليه مناصب ومهام حزبية إلى جانب المهام الحكومية.
أما التجربة، فتكفي النزاعات التي ألّف حولها كتاباً، وعمل ميدانياً على محاولة حلها، القبلية منها والأخرى التي ترتبط بالدولة كتمرد الحوثيين في الحروب الست، ومن مناصبه المختلفة، نائب رئيس الوزراء وزيراً للإدارة المحلية، أو وزيراً للداخلية أو رئيساً لمصلحة الهجرة والجوازات والجنسية، وغيرها من المناصب الأخرى التي كان العامل المشترك فيها ارتباطه المباشر وغير المباشر بشرائح مجتمعية عديدة.

وساطة السعودية مع الحوثيين؟
عند سؤاله عن التقارير التي تتحدث عن تقدم الوساطة السعودية بمشاركة عمانية مع الحوثيين، استهل الرئيس إجابته بالقول «هذه ليست للمرة الأولى، فقد كانت هناك (تفاهمات ظهران الجنوب) وانقلب الحوثيون على تلك التفاهمات والنقاشات، حتى قبل أن أكون في مجلس القيادة الرئاسي باعتبار عملي السابق كنت مستشاراً للرئيس السابق (عبد ربه منصور هادي) نعرف أن هناك تواصلاً وقنوات اتصال».
علمت «الشرق الأوسط» أن مجلس القيادة الرئاسي اليمني اطلع من التحالف على النقاشات التي تجري. يضيف رئيس مجلس القيادة «نعتقد أن النقاشات والتواصل عمل إيجابي؛ لأنه سيخدم عملية السلام والاستقرار في اليمن... الأمر الآخر، سمعناه من الأشقاء في المملكة، وهو أنه لن يكون هناك اتفاق سعودي - حوثي، وإذا كان هناك اتفاق فسيكون بين الحكومة اليمنية والانقلابيين. وإن أسفرت المحادثات عن خريطة طريق تبدأ بتمديد الهدنة، ووقف إطلاق النار، والدخول في مشاورات شاملة تشمل الجانب السياسي والأمني والعسكري والطرق والأسرى وكل القضايا، فهذا سيكون بين الحكومة والحوثيين».
ثم عاد بالتأكيد على تشجيع ذلك، وكرر القول «نحن نرحب به ونعتبر أنه جهد جيد تبذله المملكة وندعمه لأننا نبحث عن السلام والاستقرار لليمن وإنهاء الحرب».

علاقة «الشرعية» والتحالف
كانت هناك انتقادات يمنية لعلاقة الحكومة والتحالف، وربما كانت هناك بعض الأصوات في مشاورات الرياض قد تطرقت إلى ذلك، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
بدأ العليمي إجابته بالتذكير بأن التحالف تشكل بدعوة من الرئيس اليمني (السابق) لاستعادة الدولة اليمنية، واستعادة الشرعية الدستورية التي انقض عليها الانقلابيون، بعد حصار الرئيس وقتل المرافقين وحصار الحكومة وضرب قصر المعاشيق بالطيران، وخروج الرئيس السابق وطلبه التدخل بشكل مشروع وقانوني.
يتابع: تدخل تحالف دعم الشرعية، وهناك من ينتقد أن 8 سنوات من العمل المشترك بين التحالف والحكومة الشرعية لم تسفر عن استعادة الدولة، لكننا نقول بالعكس، لولا هذا التدخل لكان الحوثيون يسيطرون على اليمن كاملاً، ولكانت إيران اليوم هي التي تسيطر على الممرات المائية في باب المندب وبحر العرب، بالإضافة إلى التهديدات المستمرة في مضيق هرمز، وهناك كثير من الناس الذين يتناسون هذا المنجز. على الأقل تمت المحافظة على جزء كبير من اليمن، كما تم الحفاظ على شرعية الدولة، وهي مصلحة وطنية.
يطرح رئيس المجلس في سياق حديثه سؤالاً: لماذا هي مصلحة وطنية، ثم يجيب قائلاً «دعنا نستعرض نموذجاً، انظر كيف بقي الصومال نحو 30 عاماً بلا هوية ومواطنوه بلا جوازات سفر ولا حكومة. على الأقل اليمنيون الآن لديهم سفارات في الخارج، وتمثيل دولي، واعتراف إقليمي ودولي. يسافر اليمني اليوم بجواز سفر يحمل اسم الجمهورية اليمنية».
وللتأكيد على ما قاله، رسم رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني «سيناريو افتراضياً»، فقال «تخيل أن الحوثيين سيطروا على اليمن كاملاً، أنا متأكد أن المجتمع الدولي والإقليمي لن يعترف بحكومة الانقلابيين، وسيقاوم اليمنيون بلا هوادة، كما حدث في الصومال، وقد تستمر معاناة اليمنيين ربما أسوأ مما هي عليه الآن بمراحل، لولا التدخل من قبل التحالف».
«وبغض النظر عن السلبيات وهي موجودة»، يقول العليمي «إن أبرز المنجزات الحيلولة دون استيلاء الحوثيين على كل الأراضي اليمنية، والمحافظة على الممرات المائية تحت سلطة الحكومة اليمنية، والحفاظ على شرعية الدولة والهوية اليمنية».
أما الجوانب الأخرى، «فنستطيع القول كانت هناك أخطاء من الحكومة والتحالف، وهي أخطاء تحصل لأنك تعمل، ومن لا يعمل لا يخطئ، ولكن اجتهد الجميع، وصوّبوا الأخطاء وهي بالنسبة لنا عبرة، عبر وجود استراتيجية واضحة لما ينبغي فعله في المستقبل».
كما يشيد العليمي بكل الدعم المالي والتنموي الذي تقدمه دول التحالف، ولعل آخرها تمثل في بيان أعقب وديعة سعودية بمليار دولار دعماً للاقتصاد اليمني قبل يومين؛ إذ شكر القيادة السعودية، وعدّ ذلك نموذجاً للتضامن، وتأكيداً سعودياً على رؤية مسؤولة تجاه اليمن وهويته وشعبه.

العملية السياسية
يؤمن رئيس المجلس بأن جل مشاكل اليمن التي يعاني منها خلال أزمته، من مشاكل اقتصادية وحرب ونزاعات داخلية وفقر مدقع وحالة إنسانية غير مسبوقة في العالم، سببها واحد؛ عرقلة العملية السياسية.
«قلت للملك اليوم (ويقصد فيليب ملك بلجيكا)، وبدأت له القصة من أحداث 2011. كان رزيناً ورائعاً في إنصاته». يقول العليمي «استعرضت المبادرة الخليجية التي جاءت لتحقن دماء اليمنيين بعد حرب وشيكة قد تستمر لسنوات، وكيف تجاوزت ذلك بعمل حل للمعارضة والمشاركة في حكومة مناصفة ونقل للسلطة بطريقة معينة، ودخلنا في الحوار الوطني الذي شارك فيه الحوثيون ثم لجنة الدستور وكنا على وشك الاستفتاء على الدستور، وكنا سننتخب رئيساً جديداً وبرلماناً جديداً، ثم حصل الانقلاب، وهو خلاصة المشهد (...) قلت للملك هذا المشهد الكامل، الحرب والقضية الإنسانية وكل شيء جاء بعد ذلك كله هو نتيجة لوقف العملية السياسية».
وبسؤاله عما قبل المجلس الرئاسي، حين شكل تحالفاً من 17 حزباً يمنياً مناهضاً للحوثيين. أجاب الرئيس «عندما كنا نفكر في تحالف الأحزاب اليمنية، كنت مع الراحل الدكتور عبد الكريم الإرياني (وزير الخارجية اليمني الأسبق ومستشار الرئيس اليمني السابق) نفكر بالطريقة التي أوصلتنا إلى هذا الحال في اليمن. وجدنا أن المشكلة الرئيسية تكمن في مسألتين: الأولى: الإقصاء، الأخرى: التهميش. ولكي نحل المشكلتين نحتاج إلى رافعتين: التوافق والشراكة».
«بدأنا نفكر في تشكيل تحالف سياسي بين المكونات السياسية اليمنية تقوم على المبدأين. دعونا (الإصلاح) كأول حزب. وقلنا لهم إن القصة باختصار أن ما أوصلنا إلى هنا هو الإقصاء والتهميش، ولا بد من استحداث تحالف للأحزاب، وبدأنا نكتب وثيقة ذلك التحالف، وشكلنا فريقاً لإعداد الورقة وكان من المؤتمر الشعبي أحمد بن دغر، وعبد الوهاب الآنسي من (الإصلاح)، وسلطان العتواني من (الناصري)، وعبد الرحمن السقاف من (الاشتراكي)، ومجموعة أخرى... وبدأنا فكرة التحالف السياسي، واختلفنا لاحقاً لأنه كان لا بد من وجود برنامج لهذا التحالف. استغرقنا عاماً كاملاً حتى خرجنا بالبرنامج، ثم اجتمعنا في سيئون وانتخبوني رئيساً للتحالف واستمررنا حتى جاء تشكيل مجلس القيادة الرئاسي».

الحوثيون والنضج السياسي
يتألم العليمي من مسألة أن «الحوثيين تجاوزوا كل القيم العرفية التي عرفها الشعب اليمني طوال التاريخ»، ويعتبر أن أفعالهم ضربت النسيج الاجتماعي اليمني. ويعتقد بأنه لو جرت انتخابات برعاية الأمم المتحدة في اليمن اليوم، فإن الحوثيين لن ينالوا صوتاً واحداً، مستدلاً بعدم فوزهم إلا مرة واحدة بمقعد واحد، وذلك خلال تسعينات القرن الماضي.
في العام 2018، قال السفير الأميركي الأسبق لدى اليمن ماثيو تولر لـ«الشرق الأوسط»، إن الحل السياسي اليمني لن يأتي إلا إذا نضج الحوثيون سياسياً. سألت «الشرق الأوسط» رئيس المجلس: متى سينضج الحوثيون سياسياً؟
كانت إجابة الدكتور العليمي رشيقة ومختزلة؛ إذ بدأ مازحاً «قد ينضجون بعد سن الأربعين» (في إشارة إلى أن زعيم الميليشيات لم يبلغ سن الأربعين بعد). وأكمل قائلاً «إذا توفر شرطان من الممكن أن نقول إن هناك بداية لنضج سياسي لدى الجماعة، الأول: أن يتخلوا عن فكرة الاصطفاء الإلهي لحكم البشر، لأن اليمنيين لن يقبلوا بذلك، فاليمنيون أنفسهم قاتلوا ألف سنة لهذا الغرض. وهناك انتقادات لهذه الفكرة حتى من المحسوبين على الميليشيات». وحكى قصة من كتاب ابن الأمير وعصره، حيث رفضوا حصر الإمامة في البطنين، وهي مشكلة تاريخية مزمنة.
الشرط الآخر «أن يتخلوا عن المشروع الإيراني الفارسي التوسعي في المنطقة. فالإيرانيون يريدون تفريغ الدين الإسلامي من محتواه الحقيقي لأهداف سياسية».

إيران... والموقف الأوروبي
لاحظ المهتمون بشؤون أزمات المنطقة أن تزويد إيران روسيا بالطيران المسيّر في الحرب، أسهم في فتح أبواب النقاش عن مخاطر الطائرات الإيرانية من دون طيار. ويشتكي اليمن ومعه المنطقة العربية كاملة من إيران ومشروعها في المنطقة. وبسؤال رئيس المجلس الرئاسي اليمني، قال الدكتور العليمي «كنا نتحدث عنها سابقاً ولم تعرنا تلك الدول أي اهتمام، لكن عندما وصلت إلى أوكرانيا بدأ الغربيون والأميركيون يفكرون بهذه المشكلة لأن مصالحهم الرئيسية الآن تضررت (...) ولذلك، أعتقد أن الموقف الأوروبي تغير، ورب ضارة نافعة، نحن لسنا مع الحرب في أي منطقة حول العالم، لكن لعلها رسالة تجعل المجتمع الغربي والدولي يشعر بالمخاطر التي سبق وأن حذرنا منها، فمن كان يتوقع أن دولاً أوروبية تطالب اليوم بإدراج (الحرس الثوري) الإيراني في قوائم الإرهاب».
وكشف رئيس مجلس القيادة، عن أن اجتماعات الجانب اليمني في بروكسل ركزت على هذا الأمر. «قلت لرئيس الاتحاد الأوروبي هذا الموقف متقدم ونشيد بهذه الخطوة فنحن متضررون منهم، و(الحرس الثوري) الإيراني هو سبب كل مشاكل منطقتنا، فهناك غرفة عمليات واحدة هي التي تدير هذا المشهد من لبنان إلى سوريا والعراق واليمن، وعبر الحدود ربما لمواقع أخرى. كما قلت له نحن لا نريد أن نقول لكم إن هذا هو الموقف الصحيح، لكننا نعتقد أن هذا هو الموقف الصحيح الذي يجب أن يتخذ من قبل الاتحاد الأوروبي».

الهدنة وتعاطي الحكومة
شهد اليمن هدنة برعاية أممية ودعم من تحالف دعم الشرعية في اليمن. بدأت الهدنة في أبريل (نيسان) وجرى تمديدها أكثر من مرة حتى الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) عندما رفض الحوثيون تجديدها ببنود إضافية ومدة ستة أشهر.
كانت الهدنة قائمة على أربعة بنود: وقف النار، فتح مطار صنعاء، فتح معابر تعز (المحاصرة من الحوثيين)، وتدفق الوقود للحديدة.
التزمت الحكومة اليمنية بكل البنود، بل قدمت تنازلات عديدة وكان بإمكانها عرقلة بعض التقدم، لكنها آثرت خدمة الشعب، في حين لم تلتزم الميليشيات الحوثية بأي من البنود خاصة في معابر تعز، وحتى وقف النار شهد خروقات حوثية واسعة بشكل يومي تقريباً، بحسب اتهامات الحكومة ومنظمات المجتمع المدني اليمنية التي رصدت قناصة يقتلون مدنيين بينهم أطفال ونساء في تعز وفي مناطق أخرى.
ورغم انتهاء الهدنة، فإن الحكومة اليمنية لم تعطل وقف النار، ولم توقف رحلات صنعاء ولا تدفق الوقود للحديدة، بينما ارتكب الحوثيون جملة انتهاكات بعضها تمثل في هجمات صنفها مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي والخارجية الأميركية بهجمات إرهابية، وهي تلك الهجمات التي طالت موانئ تصدير واستيراد النفط.
سألت «الشرق الأوسط» رئيس المجلس، لماذا استمررتم في السماح لرحلات مطار صنعاء، لأن ذلك قد يبدو مكسباً سياسياً حوثياً؟ إجابة الدكتور العليمي كانت مفاجئة، إذ لم يعتبر ذلك مكسباً للحوثيين، بل مكسباً للحكومة، وأوضح أنه لا يفكر هنا أصلاً في المكاسب بقدر ما كان منشغلاً بمصلحة الشعب اليمني. وقال، إن «الهدف بالنسبة لنا ليس الحوثيين، ولكن مراعاة أهلنا في صنعاء وغيرها من المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، من مرضى والمضطرين إلى السفر، فنحن في النهاية مسؤولون عنهم؛ لأننا حكومة كل اليمنيين... ولا أعتبر هذا مكسباً سياسياً للحوثيين، بالعكس، هو مكسب للحكومة اليمنية، والأهم أنه مكسب لكل اليمنيين».
يضيف رئيس المجلس «كانت هناك مشاكل حرصت الحكومة على تجاوزها، لأننا نريد رفع المعاناة عن أهلنا في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين. نريد أن يتنفسوا من ذلك الضغط والظلم والارتهان والسجن الكبير الذي يعيشون داخله، وتجاوزنا كثيراً ليس من أجل الحوثيين ولكن من أجل أهلنا في تلك المناطق».

فلسفة نقل السلطة
تم تشكيل مجلس الرئاسة لأهداف ثلاثة. الأول: استعادة الدولة، وجمع الكل تحت هذا الإطار. بهذا يستهل العليمي حديثه عن فكرة مجلس القيادة الرئاسي. «الأمر الآخر، منع الصراعات الداخلية»، ويقول، إن «معالجة القضايا تقتضي منع نشوب أي صراعات قد تظهر داخل مناطق الحكومة الشرعية. وهذه الصراعات لا تخدم أحداً باستثناء الحوثيين».
«هذه فلسفة نقل السلطة، لماذا سبعة نواب والثامن رئيس المجلس... كان من الممكن أن يكون رئيس المجلس مع نائب أو اثنين أو ثلاثة؟» يعلل رئيس المجلس «نحن جمعنا هؤلاء جميعاً لكي نواجه المشروع الإيراني في اليمن. وبالتالي، فإن أي خلل أو مساس لهذا الهدف سيصب في خدمة الحوثيين، وأول مشكلة هي الصراعات البينية في المحافظات المحررة، والصراعات هنا ليست العسكرية وحسب، بل حتى السياسية تخدم الحوثيين».
الهدف الثالث يعتبره الرئيس «رئيسياً ومهماً»، ويتمثل في القضية الجنوبية. «نؤمن تماماً بأنها قضية عادلة. والحديث عنها في هذه اللحظة أو نقاش حلها في هذا الوقت قد يكون غير مناسب». يقول العليمي «عندما نستعيد الدولة، سنضع كل شيء على طاولة الحوار والنقاش ونضع المعالجات بالحوار وليس بالعنف، أو بالفرض».
ويقول الرئيس، إن «معالجة القضية الجنوبية يجب أن تكون في إطار حلول النظام السياسي، مضمون الدولة، وشكل النظام السياسي المستقبلي».
كان لافتاً أنه لم يتحدث عن قضية حساسة من دون وجود ضمانات، إذ قال العليمي «يجب أن نتأكد أن هناك ضمانات إقليمية، الإخوة الجنوبيون يقولون أحياناً ما هي الضمانات؟ ونحن نقول هناك ضمانات إقليمية لحل القضية الجنوبية وفقاً لهذا الإعلان، وبالتالي عندما يقال هذا الكلام فهو يشكل ضماناً رئيسياً لحقوق جميع الأطراف».

درع الوطن
جرى الإعلان نهاية يناير (كانون الثاني) 2023 عن تشكيل قوات «درع الوطن»، وشهد ذلك سجالاً كبيراً يعي رئيس المجلس أنه من باب التعبير عن الرأي. وبسؤاله عن القوات ومهامها، أجاب الرئيس بالقول «قوات (درع الوطن) كانت في الأساس تتشكل قبل حتى إصدار قرار نقل السلطة إلى مجلس القيادة الرئاسي في أبريل 2022، كانت هناك ألوية اليمن السعيد، وهذه الألوية ساهمت في الدفاع عن مأرب عندما كانت تحت حالة حصار شديد، حيث ساهمت بعض كتائب ألوية اليمن السعيد في تماسك مأرب وصمودها».
الأمر الآخر «كنا نفكر في مجلس القيادة تحت إطار خطتنا العسكرية المقبلة، حول ضرورة وجود قوة احتياطية مع الدولة؛ لأن هناك آلاف الشهداء في مختلف الجبهات، في الجوف والضالع ولحج والحديدة وصعدة ومأرب وتعز وشبوة وغيرها، وكثير من الجرحى أيضاً. لذا كان لا بد من وجود دماء جديدة، و(درع الوطن) تمثل هذه الدماء الجديدة. وهي قوة احتياط لا تؤدي أي مهام عوضاً عن أي قوات أخرى، سواء حرس جمهوري أو حرس رئاسي. هي قوة احتياطية لتنفيذ أي مهام يتم توجيهها من قبل مجلس القيادة الرئاسي».

التواصل مع الشعب
يحرص العليمي على إرسال رسائل للشعب اليمني من خلال خطاباته خلال المناسبات الوطنية، لكنه أيضاً يخصص جزءاً كبيراً من خطاباته التي يلقيها على المستوى الدولي في إرسال رسائل للشعب اليمني كاملاً، في المناطق المحررة أو في مناطق سيطرة الحوثيين.
يقول رئيس المجلس «إن الشعب اليمني يعاني في الداخل، ويعاني في الخارج، ويشعر الشخص بألم شديد بالتشرد الذي يعانيه اليمنيون في العالم بحثاً عن اللجوء، أو بحثاً عن لقمة العيش. فتخيل كم من فرد التقيت يبحث عن لجوء، ضباط سابقون وقيادات وأكاديميون ومسؤولون. اليوم قضيت ساعات وهي من أهم واجباتي في استقبال المواطنين الذين قدموا، سواء مسؤولين سابقين أو مواطنين عاديين كانوا معززين مكرمين».
يكمل قائلاً «الألم الأشد الذي نشعر به أيضاً هو عن المواطنين في الداخل، فالذين في الخارج على الأقل هناك أمل بسيط لهم، لكن في الداخل وفي مناطق سيطرة الحوثيين يعيشون مأساة حقيقية وكبيرة. لا رواتب، ولا مداخيل، وقمع شديد. وسنكتشف لاحقاً ما هو أسوأ بكثير... هناك معاناة كبيرة في قمع النساء داخل مناطق سيطرة الحوثيين، أيضاً المعاقون لا يوجد من يهتم بهم، إلى جانب ضحايا الألغام، الأطفال ومأساة تجنيدهم أو عدم دخولهم المدارس. الناس تعيش مأساة حقيقية».

الشوق إلى صنعاء؟
«هل اشتقت إلى صنعاء؟» سألت «الشرق الأوسط» فأجاب العليمي «أكيد. كثير من الناس يقولون لي إن بيتك أصبح مركزاً لوجيستياً للحوثيين، ومطبخاً، ومقر اجتماعات. فرددت عليهم بالقول: ستعود، إذا عاد الوطن ستعود المنازل».
ثم عدل الرئيس من جلسته وحكى بصوت أهدأ قليلاً: كثير من الإخوة الذين وقفوا في منطقة رمادية من مسألة الشرعية والحوثيين، تحت مبرر الظروف العائلية أو الممتلكات وغيرها. كاشفت أحدهم مرة: هل تستطيع العودة لبيتك في صنعاء الآن وتستمتع بالحرية وتجلس في باحة المنزل بشكل طبيعي في صنعاء؟ قال: لا، فأجبته، بالتأكيد لأن الوطن هو المختطف وليس المنازل، وعندما نستعيد الوطن سنستعيد المنازل، هذه كومة حجار ليس لها معنى أمام الحرية والمواطنة المتساوية، الحقوق، العدالة... هنا يكمن الفرق.


مقالات ذات صلة

بن حبريش لـ«الشرق الأوسط»: حضرموت أمام عهد جديد... ولن نسمح بعودة الإرهاب

خاص الشيخ عمرو بن حبريش وكيل أول محافظة حضرموت (الشرق الأوسط) play-circle

بن حبريش لـ«الشرق الأوسط»: حضرموت أمام عهد جديد... ولن نسمح بعودة الإرهاب

بعد نحو 500 يوم أمضاها في الجبال والمرتفعات، عاد الشيخ عمرو بن حبريش، وكيل أول محافظة حضرموت قائد قوات حماية حضرموت.

عبد الهادي حبتور (المكلا - اليمن)
العالم العربي أطفال اليمن أُجبروا على مغادرة مقاعد الدراسة ويفتقرون لمساحات الترفيه (غيتي)

دوريات بأسماء القتلى... تعبئة حوثية من بوابة الرياضة

حوَّل الحوثيون الرياضة من ترفيه إلى أداة تعبئة ونظموا دوريات وفعاليات بأسماء قتلاهم بغرض استهداف الأطفال والشباب، في مقابل التضييق والسيطرة على الأندية المستقلة

وضاح الجليل (عدن)
خاص حشود من أبناء المكلا في وقفة شكر للمملكة العربية السعودية على دعمهم في الأحداث الأخيرة (الشرق الأوسط) play-circle 02:09

خاص شخصيات حضرمية: الموقف السعودي تاريخي ويؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار

أكد عدد من وجهاء وأعيان حضرموت أن الوقفة السعودية تؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية في المحافظة الواقعة شرق اليمن.

عبد الهادي حبتور (المكلا (اليمن))
خاص أركان قطاع بلفقيه في لواء النخبة الحضرمي رائد الجابري (الشرق الأوسط) play-circle 02:22

خاص الجابري يكشف لـ«الشرق الأوسط» عن أحداث المكلا التي أعقبت «الهروب الكبير»

مع تفاقم الأوضاع الأمنية في حضرموت، على خلفية المواجهات بين قوات «درع الوطن» التابعة للحكومة اليمنية، مع قوات المجلس الانتقالي، وتراجع الأخيرة ميدانياً.

عبد الهادي حبتور (المكلا)
خاص محافظ حضرموت سالم الخنبشي (الشرق الأوسط) play-circle 00:56

خاص الخنبشي لـ«الشرق الأوسط»: الموقف السعودي كان حاسماً... وتشغيل المطارات قريباً

أكد محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، أن الأوضاع في المحافظة، وادياً وساحلاً، بدأت تعود إلى طبيعتها، في أعقاب التطورات الأخيرة.

عبد الهادي حبتور (المكلا (اليمن))

انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

جرت مياه جديدة في مسار اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بأول اجتماع في القاهرة لـ«لجنة التكنوقراط» المعنية بإدارة القطاع، بعد تشكيلها بتوافق فلسطيني، وترحيب واشنطن، وعدم ممانعة رسمية إسرائيلية بعد تحفظات سابقة.

وجاء الاجتماع الأول بعد ساعات من قتل إسرائيل 8 فلسطينيين، واتهام «حماس» لها بـ«تخريب الاتفاق»، وهو ما يجعل خبراء «إزاء تفاؤل حذر بمسار الاتفاق، في ضوء تلك المتغيرات واستمرار الاستهدافات الإسرائيلية». وشددوا على «أهمية موقف أميركي حاسم لاستكمال استحقاقات المرحلة الثانية التي بدأت بتشكيل لجنة إدارة القطاع، وتشهد عقبات رئيسية منها إدخال المساعدات، وانسحاب إسرائيلي، ونزع سلاح (حماس)».

وتحدثت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، الجمعة، عن بدء أول اجتماع تعقده اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، في العاصمة المصرية، برئاسة الفلسطيني علي شعث.

وفي أول ظهور إعلامي له، قال رئيس اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، علي شعث، إن اللجنة بدأت رسمياً أعمالها من العاصمة المصرية، وهي مكونة من 15 شخصية فلسطينية مهنية وطنية. ولفت إلى أن اللجنة تلقت دعماً مالياً، ووُضعت لها موازنة لمدة عامين هي عمر عمل اللجنة، وطالب بإنشاء صندوق في البنك الدولي لإعمار وإغاثة غزة، مشيراً إلى أن «هناك وعوداً من الدول الوازنة في المنطقة، لتقديم دعم مالي كبير وملموس».

وأوضح شعث أن خطة الإغاثة تستند إلى الخطة المصرية التي أقرّتها جامعة الدول العربية في مارس (آذار) 2025، (وتستغرق 5 سنوات بتكلفة نحو 53 مليار دولار)، ولقيت ترحيباً من الاتحاد الأوروبي، مؤكداً أن «أول خطوة تبنتها لجنة إدارة قطاع غزة هي توريد 200 ألف وحدة إيواء مسبقة الصنع للقطاع».

وفي حين قالت حركة «حماس»، الجمعة، إنها جاهزة لتسليم القطاع لإدارة التكنوقراط، ونبهت، في بيان، إلى أن «المجازر» التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي بغزة باستهداف 9 فلسطينيين بينهم سيدة وطفلة جراء غارات وإطلاق نيران صوب خيام النازحين، تؤكد استمرار تل أبيب في «سياسة تخريب اتفاق وقف الحرب، وتعطيل الجهود المعلنة لتثبيت الهدوء في القطاع».

ولفتت إلى أن تلك المجازر «تصعيد خطير» يأتي مع «إعلان الوسطاء تشكيل حكومة تكنوقراط، والدخول في المرحلة الثانية من الاتفاق (في بيان الأربعاء)، وكذلك مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، تشكيل مجلس السلام»، مطالبة الوسطاء والدول الضامنة للاتفاق بالوقوف أمام مسؤولياتها في ممارسة الضغط على إسرائيل لوقف انتهاكاتها، وإلزامها بما جرى الاتفاق عليه.

خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة بينما تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)

والخميس، أعلن ترمب، تأسيس «مجلس السلام» المعني بغزة، مشيراً إلى أنه تم الدخول رسمياً إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة. بينما قال المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، في بيان الخميس، إن إسرائيل ارتكبت 1244 خرقاً لوقف إطلاق النار في مرحلته الأولى؛ ما أسفر عن مقتل وإصابة واعتقال 1760 فلسطينياً، منذ سريان الاتفاق.

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، يرى أن انطلاق عمل اللجنة مهم للغاية، ويعدّ إنهاءً لإحدى ذرائع إسرائيل بشأن وجود «حماس»، خصوصاً أن اللجنة تكنوقراط ومحل توافق، لافتاً إلى أنه رغم إبطال إنهاء تلك الذرائع وإنهاء «حماس» لسلطتها السياسية، فإنه يجب التعامل بحذر مع تطورات المشهد الذي يجب أن يُستكمَل بقوات الاستقرار وشرطة فلسطينية حال لم توجد عراقيل إسرائيلية جديدة.

وفي ضوء ذلك، يبدي المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، تفاؤلاً حذراً أيضاً، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن هناك تحديات كبيرة تواجهها اللجنة، خصوصاً أنها تدير منطقة مدمرة كلياً، وأمامها تعقيدات إسرائيلية مرتبطة بسلاح المقاومة، ورفض الإعمار الكامل والانسحاب.

أطفال فلسطينيون يقفون بالقرب من حفرة في مخيم البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

في المقابل، هناك جهود لا تزال مستمرة من الوسطاء، وتلقّى وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، اتصالاً هاتفياً من المبعوث الأميركي للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، بشأن الخطوات والإجراءات المقبلة بعد الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترمب.

وشهد الاتصال الهاتفي بحسب بيان لـ«الخارجية المصرية» الجمعة، «التأكيد على ضرورة المضي قدماً في تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية، بما في ذلك بدء عمل لجنة التكنوقراط الفلسطينية عقب إعلان تشكيلها، ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من القطاع، وبدء مرحلة التعافي المبكر، وإعادة الإعمار».

حسن أكد لـ«الشرق الأوسط» أن الدور المصري مهم، ويواصل حرصه على استكمال الاتفاق وعدم عرقلته من جانب إسرائيل، خصوصاً أن فتح معبر رفح لم يتم من المرحلة الأولى ويتواصل التلكؤ في نشر قوات الاستقرار التي ستشرف على المعابر، مشدداً على أن واشنطن ستحاول أن تستكمل الاتفاق؛ حرصاً على مصداقيتها ألا تُفقَد.

في حين يعتقد الرقب أن أي تقدم في المرحلة الثانية وعدم تكرار جمود المرحلة الأولى، يتوقف على الدعم الأميركي لإنجاز استكمال الاتفاق، خصوصاً انسحاب إسرائيل وليس فقط نزع السلاح.


وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
TT

وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)

أمام فحم مشتعل على عربة قديمة، يقف الستيني محمد مرسي لشواء ذرة وبيعها، عين على عربته وأخرى على الشارع يتأمل المتجولين، وبينهم العديد من أبناء الجالية السودانية التي تسكن منطقة المساحة في شارع فيصل (جنوب العاصمة)، ممن باتوا مكوناً رئيسياً في التركيبة الديموغرافية للمنطقة التي تسكنها طبقات دُنيا ووسطى.

يتمركز بائع الذرة الستيني في المكان نفسه منذ 38 عاماً، فبات مرجعاً للمنطقة. يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد السودانيين ما زالت كبيرة، رغم عودة بعضهم للسودان»، مقدراً أعداد الباقين إلى العائدين بنسبة 85 إلى 15 في المائة. يقول ذلك فيما تقترب الشابة السودانية فاطمة (23 عاماً) من عربته لتسأل عن سعر الذرة، وتمضي دون أن تشتري لارتفاع سعره بالنسبة لها. فاطمة واحدة ممن اتخذوا قرار العودة بعد عامين من الإقامة بمصر، منتظرة دورها في مبادرة «العودة الطوعية»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

مصريون وسودانيون يتجولون في شارع فيصل (الشرق الأوسط)

ومكنت مبادرة «العودة الطوعية»، التي أطلقتها منظومة الدفاعات السودانية بالتعاون مع وزارة النقل المصرية في 21 يوليو (تموز) الماضي، مئات الآلاف من السودانيين خصوصاً محدودي الدخل من العودة، خلال قطارات تنقلهم من القاهرة إلى أسوان، ثم حافلات تصل بهم إلى المدن السودانية بالمجان، ورغم ذلك يظل الحضور السوداني لافتاً في الشارع المصري، خصوصاً في المناطق الشعبية مثل فيصل، وأخرى في مدينة العاشر من رمضان (شمال القاهرة) حيث أبرز نقاط تمركز السودانيين بمصر.

عودة مئات الآلاف

وقدّرت القنصلية السودانية في أسوان أعداد العائدين إلى السودان عبر المنافذ البرية حتى الأسبوع الأول من يناير (كانون الثاني) الحالي، بـ428 ألفاً و676 شخصاً، حسب القنصل عبد القادر عبد الله، قائلاً خلال مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي، إن مشروع العودة سيستأنف رحلاته بمجرد توفير التمويل اللازم لذلك، بعد أن انطلقت 45 رحلة خلال الشهور الماضية.

ويفسر أمين الجالية السودانية في العاشر من رمضان، إبراهيم عز الدين، كثافة الحضور السوداني رغم ما تشير إليه الإحصاءات من سفر مئات الآلاف إلى أن «بعض من سافروا عادوا مرة أخرى بعدما وجدوا ظروف الحياة في السودان صعبة»، مشيراً إلى أن هؤلاء ممن تعتبر ظروفهم المادية جيدة، أما الأفقر فلا يستطيعون تحمل مصاريف السفر. ويرى عز الدين، في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، أن أعداد من بقوا في مصر بمدينة العاشر أكبر ممن قرروا المغادرة.

بعض العائدين في الرحلة رقم 42 (مشروع العودة الطوعية المجانية للسودانيين - فيسبوك)

وتسببت الحرب الداخلية بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو مليون ونصف مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. وتقدر الحكومة مجمل أعداد السودانيين في مصر بنحو 4 ملايين سوداني.

توافد مستمر

لا يلاحظ الشاب الثلاثيني محمود صلاح، وهو يعمل في مطعم بمنطقة فيصل، انكماشاً في الحضور السوداني، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «السودانيين ما زالوا يتوافدون لمصر»، مدللاً على كثرتهم في منطقته باستمرار الأثر الأبرز لحضورهم بارتفاع الإيجارات، قائلاً: «أقل إيجار في شقة متواضعة بحارة جانبية 3 آلاف جنيه (الدولار يساوي 47.30 جنيه بالبنوك المصرية)».

عكسه يشعر الشاب العشريني فارس إسماعيل، وهو بائع ملابس متجول، بتراجع أثر السودانيين على عمله مع عودة «كثيرين منهم»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «الشغل نام (راكد) فقد كانوا زبائن أساسيين»، يقول ذلك بينما تقف الشابة السودانية حفصة محمد أمام عربته تختار بعض الملابس الشتوية.

تقول حفصة لـ«الشرق الأوسط» إنها لا تفكر في العودة حالياً في ظل عدم تحسن الأوضاع المعيشية هناك، خصوصاً أنها تعمل في مصر برسم الحناء للفتيات، ويوفر ذلك لها دخلاً جيداً تعيش منه أسرتها، فيما تشكو حفصة من استمرار ارتفاع الإيجارات في المنطقة، رغم سفر مئات الآلاف من السودانيين، موضحة أنها تدفع إيجار 5 آلاف جنيه.

وشهدت أسعار الإيجارات ارتفاعاً كبيراً مع توافد السودانيين إلى مصر، وقدّر سماسرة سبق أن تحدثت معهم «الشرق الأوسط» الارتفاعات بعدة أضعاف. وهدأت الأسعار نسبياً عن ذي قبل مع توفر أكبر للشقق، لكنها لم تعد إلى مستوى الأسعار قبل قدومهم.

834 ألف لاجئ سوداني

وتعدّ مصر واحدة من أكثر الدول استقبالاً للوافدين، وسط مطالب حكومية متكررة بزيادة الدعم الدولي لها للمشاركة في استيعاب أعباء اللاجئين. ووفق آخر إحصائية لمفوضية شؤون اللاجئين في يناير الحالي، تتجاوز أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء بمصر حتى نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي مليوناً و98 ألف شخص، من 60 جنسية مختلفة، يتصدرهم السودانيون بـ834 ألفاً و201 طلب.

مئات السودانيين في محطة رمسيس ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (وزارة النقل المصرية)

يرصد المتجول في شارع فيصل أو منطقة الدقي والمهندسين وغيرها من مناطق بقاء السودانيين في مصر وجودهم اللافت؛ داخل المواصلات العامة، وفي الشوارع، والمطاعم، وداخل عيادات الأطباء، رغم أن الإحصائيات تشير إلى عودة مئات الآلاف منهم، في مؤشر على ضخامة أعدادهم الفعلية الوافدة إلى مصر.

شعبياً تأقلم كثير من المصريين على وجود الوافدين، بما يحمله ذلك من آثار إيجابية لبعضهم، وسلبية لآخرين، ورسمياً تظل الشكاوى الحكومية من «ثقل حمل الوافدين»، مع التمسك بوصفهم «ضيوفاً». وقدّرت تكلفة استضافة نحو 10 ملايين وافد أجنبي بنحو 10 مليارات دولار سنوياً.


اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال» يعزز التنسيق العسكري بين القاهرة ومقديشو

مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)
مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)
TT

اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال» يعزز التنسيق العسكري بين القاهرة ومقديشو

مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)
مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)

يسلط اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» الانفصالي دولةً مستقلةً، مع الرفض المصري اللافت لهذه الخطوة، الضوء على التفاهمات والاتفاقات الأمنية التي أبرمتها القاهرة سابقاً مع حكومة مقديشو، وسط حديث وسائل إعلام إسرائيلية عن تعزيز «مصر وجودها العسكري» في الصومال.

وأكد خبراء عسكريون مصريون في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن الخطر الإسرائيلي جراء خطوة الاعتراف «بالإقليم الانفصالي» يتطلب تعزيزاً للتنسيق العسكري بين القاهرة ومقديشو، غير أنَّ أشكال هذا التنسيق تبقى مختلفةً عمّا تحاول أن تُروِّج إليه وسائل الإعلام الإسرائيلية التي تسعى لادعاء مظلومية تشي بوجود تهديدات مصرية لإسرائيل.

ونقلت مواقع عبرية متعددة بينها صحيفة «جيروزاليم بوست» وموقع «إيه آي 24» ما نشرته صحيفة «ذا ناشيونال» الأسبوع الماضي، بشأن «قيام مصر بتعزيز وجودها العسكري في الصومال عقب اعتراف إسرائيل بـ (صومالي لاند)، خشيةً من النفوذ الإسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي الاستراتيجية».

وادعت التقارير أن «القوات المصرية، البالغ قوامها 10 آلاف جندي، أُعيد توزيعها وتوسيع نطاق مهامها الأمنية لمواجهة التهديد الجيوسياسي المتنامي».

ووقَّعت مصر والصومال، في أغسطس (آب) 2024، بروتوكول تعاون عسكري، واتفق البلدان حينها على مشاركة مصر في البعثة الأفريقية لحفظ السلام خلال الفترة من 2025 إلى 2029، ودعمت القاهرة مقديشو بمعدات عسكرية في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وعبَّرت مصر عن رفضها الخطوة الإسرائيلية في إقليم «أرض الصومال» وكانت شريكةً في مواقف منفردة وجماعية في التأكيد على «الدعم الكامل لوحدة الصومال وسلامة أراضيه»، ورفضت «أي خطوات أحادية تمس السيادة، أو تفرض واقعاً سياسياً جديداً خارج الأطر القانونية الدولية».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصومالي حسن شيخ محمود في لقاء سابق بالقاهرة (الرئاسة المصرية)

وأكد الخبير العسكري اللواء سمير فرج، أن الخطر الإسرائيلي في «صومالي لاند» يتطلب تعزيز التعاون العسكري مع الصومال، وأن القاهرة تركز بالأساس على تدريب القوات الصومالية وتجهيزها لضمان بسط كامل سيادة الدولة على الأراضي الصومالية، مشيراً إلى أن التعاون والتنسيق مستمر منذ عام 2024 وليس الآن.

وأوضح فرج في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن التحركات الإسرائيلية الأخيرة في منطقة القرن الأفريقي تخلق بؤر توتر عدة في منطقة حساسة للغاية، كما أن قرب إقليم «أرض الصومال» من ممرات الملاحة الدولية في البحر الأحمر، وتأثيراته على «قناة السويس» يجعل مصر تنظر للأوضاع هناك بوصفها جزءاً أصيلاً من أمنها القومي، وأن أي وجود عسكري غير شرعي في هذه المنطقة يصعب تجاهله.

ومع الاعتراضات الإثيوبية التي برزت عند توقيع الاتفاق الأمني بين مصر والصومال قبل عام 2024، أكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في ذلك الحين أن «القوات المصرية ستشارك بالصومال بناء على طلب الحكومة الصومالية، وترحيب من مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي».

وفي سبتمبر الماضي، أنهى وفد مصري مهمةً استطلاعيةً تمهيداً لانتشار قوات من الجيش المصري ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم واستقرار الصومال (أوصوم)؛ بهدف الإسهام في تعزيز الأمن، ومكافحة الإرهاب، وترسيخ دعائم الاستقرار في الصومال والمنطقة.

ويرى المستشار «بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا»، اللواء عادل العمدة، «أن التعاون العسكري بين مصر والصومال ليس وليد اللحظة، بل قائم منذ توقيع اتفاقية الدفاع العربي المشترك في خمسينات القرن الماضي، والآن هناك حاجة لتعزيز هذا التعاون في ظل مساعي إسرائيل لإثارة الأزمات بالمنطقة، وهي تتحالف مع إثيوبيا للإضرار بالمصالح المصرية والتحكم في ملاحة البحر الأحمر بما لدى ذلك من تأثيرات سلبية على قناة السويس».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن تعزيز التعاون العسكري مع الصومال لا يشمل فقط القاهرة، بل إن هناك تنسيقاً مع المملكة العربية السعودية في هذا الإطار من أجل تقديم الدعم اللازم لمقديشو في مواجهة التدخلات الخارجية، مشيراً إلى «أن برتوكول التعاون الدفاعي يسير في اتجاهه القائم منذ التوقيع عليه، وهناك قوات مصرية منتشرة في إطار بعثة الاتحاد الأفريقي، وأخرى في إطار منفصل لتأهيل القدرات العسكرية الصومالية وتدريب العناصر الأمنية».

يفسر العمدة الاهتمام الإسرائيلي بالتعاون بين مصر والصومال كونه يستهدف «ادعاء مظلومية يُصدِّر من خلالها الإعلام الإسرائيلي صورةً مضللةً عن التهديد الذي يمثله الجيش المصري لإسرائيل، رغم أن الحكومة اليمينية المتطرفة قامت بخرق القانون الدولي عبر الاعتراف بإقليم انفصالي»، مشيراً إلى أن المزاعم الإسرائيلية «تأتي في سياق أكاذيب كثيرة اعتاد عليها الإعلام العبري بشأن الوجود المصري في سيناء، وخرق (اتفاقية السلام)، والتهريب عبر الحدود».

وزير الدفاع المصري عبد المجيد صقر يناقش سبل التعاون العسكري مع نظيره الصومال أحمد معلم في سبتمبر الماضي بالقاهرة (المتحدث العسكري المصري)

وذكر موقع «واللا نيوز» العبري أن مصر عزَّزت مؤخراً وجودها العسكري في الصومال، رداً مباشراً على الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، وهو الأول منذ إعلانها استقلالها الفعلي عن مقديشو عام 1991.

وأكد التقرير العبري أن «القاهرة تخشى من أن تستغل إسرائيل نفوذها في أرض الصومال لبناء تعاون إقليمي مع إثيوبيا، الدولة التي تخوض معها مصر نزاعاً طويل الأمد حول سد النهضة ومياه نهر النيل».

ولفت أستاذ العلوم الاستراتيجية في «الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا»، اللواء نصر سالم، إلى أن توطيد التعاون العسكري مع مقديشو طبيعي في ظل التهديدات الإسرائيلية، مضيفاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «لن تقف القاهرة مكتوفة الأيدي في ظل تهديدات متصاعدة في الصومال وإريتريا من جانب دول معادية، وذلك في إطار مناطق تقع في الإطار الحيوي للأمن القومي، ما يتطلب وجوداً يمكن أن يحمي الحدود والمصالح المصرية».

وأكد سالم أن اتفاق التعاون الأمني ممتد ما دامت تحافظ عليه كل من القاهرة ومقديشو، ومن الممكن تطويره وفقاً لمتقضيات التهديدات التي تجابه الدولتين.