في بينالي الفنون الإسلامية بجدة، وجدت صور الحجاج القادمين للأماكن المقدسة التي التقطتها عدسة المصورة ريم الفيصل مكانها الطبيعي، فموضوع البينالي هو «أول بيت» ويدور حول الحج والمقدسات، وتوجت صورة التقطتها ريم الفيصل لأحد الحجاج وهو يجلس القرفصاء على إحدى المنصات الحجرية بصالة الحجاج الشمالية بمطار الملك عبد العزيز، العروض الخارجية، فهي تختصر المكان والموضوع والحالة الإنسانية الكامنة خلف مفهوم البينالي.
وإلى جانب البينالي، تقيم ريم الفيصل معرضاً ضخماً تعده استعادياً لأعمالها في مركز «جدة بارك»، تقدم من خلاله صوراً لم تعرض من قبل، سافرت من خلالها وعبر العدسة عبر بلاد كثيرة من السعودية لمصر وتركيا وسوريا والمغرب وإيران والولايات المتحدة واليابان وغيرها. أطلقت على معرضها عنوان «أحوال النور» ويدور حول الإنسان في أحواله المختلفة.

- عشق التصوير
تصحبني في جولة بين أعمالها، تتحدث عن الأماكن التي التقطت فيها وتصف الناس والطبيعة، تقول إن المعرض يضم الكثير من صورها التي لم تعرض من قبل وكان من الطبيعي أن أسألها «لماذا لم تعرض؟» تجيبني ببساطتها المحببة: «99 في المائة من أعمالي لم تعرض من قبل». الإجابة محيرة بالفعل، فالفيصل شقت طريقها كأول مصورة فوتوغرافية في المملكة تلتقط صوراً للحجاج في ميناء جدة وفي المشاعر المقدسة، وسافرت مع عدستها لأنحاء العالم لتسجل لقطات تسجل الحياة الإنسانية بكل بساطتها وعمقها. لا تحب العرض كثيراً، وتشير إلى أن معرضها الحالي كان بتشجيع من الفنان العراقي محمد الشمري الذي أعد معها المعرض ويساعدها حالياً في إعداد كتاب قادم. بالنسبة للفيصل فالأمر يتلخص في أمر واحد: «أحب التقاط الصور وما يحدث بعد ذلك لا يهمني كثيراً».

- المملكة بالألوان
خلال فترة الجائحة، قررت ريم الفيصل القيام برحلة بين ربوع المملكة بالسيارة: «أردت أن أصور جميع أنحاء المملكة ولكن بالألوان هذه المرة، وسأنشر الصور في كتاب». لمن يعرف أعمال الفيصل يعرف أنها مخلصة للتصوير بالأبيض والأسود، هل كان التحول أمراً صعباً؟ تقول: «لا، لكنه مختلف، عندما أصور بالأبيض والأسود فأنا أتعامل مع الضوء والظل وأيضاً مع (نسيج) الصورة، فهذه هي الطريقة التي أرى بها اللقطة وكيف أترجمها للرائي. أثناء رحلاتي في السعودية حاولت استخدام ذات الوسيلة ولكنها لم تناسبني، كان هناك شيء لم أستطع رؤيته وهكذا بدأت التركيز في التصوير بالألوان وكان أمراً مختلفاً. في السابق، كنت أرى الأشياء بالأبيض والأسود، أما مع الألوان فأنا أرى اللون نفسه وليس المنظر أو الأشياء، أصبحت الألوان هي موضوعي الأساسي». هل تجذبك الألوان أكثر من الأشكال؟ أسألها وتجيب: «لا، عيني تتجه مباشرة لشكل اللون والمزيج بين اللون والمساحات وطبقات اللون».
الألوان التي تتحدث عنها الفيصل ألوان هادئة: «لا أحب الألوان الفاقعة، ألواني المفضلة هي درجات (الباستيل)».
تعد حالياً الكتاب الذي يضم رحلتها المصورة في السعودية: «اخترت له عنوان (ومضات سعودية)، هو عن روح المكان».
تعتبره بمثابة توثيق «لمن سيأتي بعدي، لست مغرورة ولكني أصعب ناقد لفني، أريد أن أقدم الأفضل للجمهور، لأحس بأني وفيت». هل يهمك سماع آراء المشاهدين لأعمالك؟ تقول: «بالطبع يهمني، قد يرى البعض ما أريد نقله عبر الصور، لا شيء يسعدني أكثر من ذلك».
- روح المكان
الرحلة والمشروع استغرقا ثمانية أشهر، بحسب ما تقول، تصف الفترة بأنها كانت «من أكثر اللحظات إمتاعاً في حياتي. السعودية بلد مدهش، كبير المساحة ومختلف. يتصور الناس أن السعودية لها وجه واحد، صحراء ضخمة. لكن الأمر مختلف، حتى الصحراء ليست متماثلة من مكان لآخر، بل هي صحراوات متعددة كل منها لها «حالة خاصة»، وضوء مختلف ولون مختلف. أماكن كثيرة ساحرة مثل تبوك وجبل اللوز وتيماء! هناك أيضاً الجوف وحائل وقرية حاتم الطائي والباحة وذي عين... وغيرها. إنها روح الأرض والناس».
أسألها: «هل جذبتك الأماكن الأثرية أكثر أم الأجواء والطبيعة؟» تقول: «نحن نتوه في المدن، نفقد هويتنا ولكن عندما نخرج منها للمدن الصغيرة نرى روح المكان، أمر مختلف... المدن تتغير وتذهب لكن تبقى روح المكان... هناك هوية تبقى».

- أحوال النور
نلتفت حولنا للصور الموزعة في القاعة وموضوعاتها المختلفة، منها ما عرض من قبل ومنها ما لم يعرض، وبينهما لقطات مدهشة بالفعل، تختطف لحظات ونفحات إنسانية، من ذلك الشاب الذي يمشي في احتفال فلكلوري في مراكش بالمغرب وخلفه تبدو دمية ضخمة بعينين براقتين تنفذان من إطار اللوحة للمتلقي مباشرة، نرى نفس الدمية في صورة أخرى على جدار آخر من القاعة، مع مجموعة أخرى من الصور. في صور الحجاج هناك دائماً اللمعة في العين والبسمة التي تتوج الشفاه، الحاجة التي تحمل على رأسها كيساً يضم متاعها وعلى وجهها ترتسم السعادة، هناك المصلون الذين يقفون على تراب أرض عرفات بحراماتهم. تاجر في جدة يجلس على كومة من السجاد في دكانته ويدخن من أرجيلة، أو سكان منطقة البلد بجدة الذين يجلسون على المقاعد الخشبية العالية أمام إحدى البنايات بديعة الشكل. «هذه البناية تهدمت منذ فترة!»، تشير الفيصل وتصرف نبرة أسى صدرت مني بعبارة حكيمة: «لا شيء يدوم على هذه الأرض». تعترف بأنها لا تحمل ما يسمى الحنين للماضي، ترى الأشياء بواقعية، ويهمها فقط الإنسان: «صوري لا تحمل الحنين للماضي، لأن الأمر المؤكد هو أن لا شيء يبقى كما هو، كل شيء يتغير و(دوام الحال من المحال). هناك شيء واحد فقط دائم وهو الروح. أريد أن أظهر الحالة الإنسانية في عالم دائم التغير». أعود لسؤالها عما تراه في الأماكن، مثالنا هنا كان صوراً لمنطقة البلد بجدة: «ما الذي ترين في مكان كهذا؟» تقول: «هو جانب من الحالة الإنسانية، لا شيء يبقى، كله يمضي. هنا بالطبع أرى مبنى جميلاً، كان جزءاً من التاريخ، ما يهمني هنا هو مَن الناس الذين سكنوه فقط».
- هشاشة الإنسان وضالته
الصور الموزعة على جدران القاعة الضخمة تختلف في خلفياتها، في سنوات التقاطها وفي الأماكن التي تصورها، ولكنها تشترك في عامل أساسي وهو الإنسان. تقول إن صورها يمكن اعتبارها تحية للإنسان... للمعاناة، و«لما يمر بنا عبر الحياة. الناس هم الأبطال الحقيقيون، قد لا ترينهم في الصور ولكنهم دائماً هناك. هذا ما يقدمه عملي: بطولة العيش، الحياة وطقوسها البسيطة».
تعدد البلدان والمدن التي التقطت فيها الصور «المغرب ومكة والمدينة وجدة ومصر وسوريا وأميركا والصين واليابان والإمارات»، خلاصة أكثر من 30 عاماً. تلفتني بعض الصور ويبدو من خلالها أن هناك قصصاً وحكايات ضمن ثناياها، منها صور لأشخاص يتضاءلون لجانب أبنية ضخمة أو أمام بحر ممتد، شخص يجلس في أحد المساجد، يبدو مثل النقطة الصغيرة تحت سقف مهيب متعدد الأقواس، هناك دائماً الإحساس باتساع المكان وصغر حجم الإنسان حياله، تقول: «دائماً أتحدث عن هشاشة الإنسان وضالته».

- روح الأماكن وهويتها
رحلات كثيرة تجسدها الصور في بلدان تحمل لها الفيصل الكثير من المودة والحب، تشير لها وتقول إن ما يبقى من الأماكن هو الهوية: «أرى الأماكن كأشخاص لكل منها هوية وشخصية. لا تتغير المدن كثيراً»، تضيف: «في السعودية الشخصية والهوية دائماً موجودتان، نحن بلد عريق بالتقاليد وبالقبائل ولنا تاريخ يعود لآلاف السنين. مصر تظل هي مصر رغم الاحتلال والثقافات، والعراق والشام أيضاً، ما يبقى عبر الزمن هو الهوية».
«هل هذا ما تحبين التقاطه بعدستك؟» تجيب: «أتحدث دائماً عن الأبدية، عن الإنسان». تشير لصورة حاج يجلس القرفصاء في مطار جدة: «هذا الرجل يمكنك تخيله جالساً في منطقة جبلية في أفغانستان، سيجلس بالطريقة نفسها، أتى لهنا في مطار الحجاج وهذه هي هويته، يمكنك رؤية الثقافة التي انحدر منها». في صور الحج نرى التشابهات والاختلافات، ولدينا من المتشابهات ما يفوق الاختلافات، الحالة الإنسانية واحدة، انظري له عندما يصلي أو يجلس أو عندما ينظر، هي نفس الحالة الإنسانية».
تبدو بعض اللقطات متفردة: «بماذا تشعرين عندما تلتقط عدستك اللحظة التي تريدينها؟»، ترد: «أشعر بالسعادة، لأنها ثانية، وأيضاً بأني محظوظة باقتناص تلك اللحظة». نقف أمام صورة لشخص جالس ورأسه منحنٍ، بيننا وبينه حاجز وقضبان معدنية: «هنا كنت محظوظة باقتناص اللحظة».
«هل تفاجئك بعض اللقطات؟» تجيب: «لا، بشكل ما لا أفاجأ، فأنا أبحث عن هذه اللحظة. ومن عادتي إقصاء الكثير من الصور». تلك الصور التي تقصيها هل ستجد طريقها للعرض في يوم من الأيام؟» إجابتها حاسمة: «لا، سأحرقها، هناك مصورة مشهورة حرقت جميع النيجاتيف الخاصة بها قبل وفاتها حتى لا يرى أحد ما لم ترد نشره، أيضاً المصور الشهير كارتييه بريسون حرق جميع النيجاتيف قبل وفاته».
- صور بلا عناوين
يلفتني أن الكثير من الصور من الممكن أن تكون في أي مكان، تعلق: «من أجل ذلك لا أضع عناوين لصوري، كثيرون سألوني عن ذلك، الأمر ليس عن المكان على الإطلاق ولا عن الموضع، بل عن أحوال النور، عن الإنسان وهو عالق بين النور والظل، حياتنا كلها كذلك، ليست عن المكان ولا الزمان».
«هذا يجعل الناظر هو من يكتب الحكاية لكل صورة؟» بالضبط، هذا ما أريد، أن أمنحه الحرية لا أريد أن أفرض عليه، أنا لدي موضوع عام (أحوال النور)».


