الكارثة تقرب أرمينيا إلى تركيا بعد اليونان... وستولتنبرغ إلى أنقرة اليوم

اليوم العاشر... بدء العمل على خطط تجاوز الفاجعة

رجال إنقاذ يحملون جثة انتُشلت من تحت الأنقاض في هاتاي (أ.ف.ب)
رجال إنقاذ يحملون جثة انتُشلت من تحت الأنقاض في هاتاي (أ.ف.ب)
TT

الكارثة تقرب أرمينيا إلى تركيا بعد اليونان... وستولتنبرغ إلى أنقرة اليوم

رجال إنقاذ يحملون جثة انتُشلت من تحت الأنقاض في هاتاي (أ.ف.ب)
رجال إنقاذ يحملون جثة انتُشلت من تحت الأنقاض في هاتاي (أ.ف.ب)

دخلت كارثة الزلزال في تركيا يومها العاشر... وتحولت الأنظار إلى ما بعد الفاجعة، وبدأ الحديث عن خطط إعادة الإعمار ومواعيد البدء بها، في الولايات العشر المتضررة من زلزالي 6 فبراير (شباط) المدمرين.
بدأ رفع الأنقاض في بلدة إلبيستان في كهرمان ماراش، التي كانت مركز الزلزال الثاني الذي بلغت قوته 6.7 درجة على مقياس ريختر، بينما لا يزال العمل مستمراً من جانب فرق البحث والإنقاذ في بازارجيك في الولاية ذاتها والتي كانت مركز الزلزال الأول بقوة 7.7 درجة في الوقت الذي يتم أيضاً رفع الأنقاض التي انتهت عمليات البحث فيها، ونقلها إلى مركز تجميع ناءٍ.
وأعلن وزير البيئة والتخطيط العمراني التركي مراد كوروم، أن أعمال إعادة الإعمار في المناطق المنكوبة جراء الزلزالين ستبدأ نهاية الشهر الحالي، وأنه تم تحديد 41 ألفاً و791 مبنى تضررت من الزلزالين في الولايات العشر، وتخطط الحكومة لاستكمال تقييم الأضرار خلال أسبوع، مشدداً على ضرورة «ألا يأخذ المواطنون الأشياء من منازلهم إلا بتنسيق مع إدارة الكوارث والطوارئ».

مواطن تركي يقف إلى جانب شجرة عُلِّقت عليها صورة طفل مفقود في زلزال كهرمان ماراش (رويترز)

وقال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، في إفادة صحافية عقب ترؤسه اجتماع الحكومة في مقر «مركز إدارة الكوارث والطوارئ» في أنقرة ليل الثلاثاء - الأربعاء، إن الحكومة ستبدأ مطلع مارس (آذار) المقبل بناء 30 ألف وحدة سكنية للمتضررين من الزلزال.
وأضاف إردوغان: «اكتملت عملية التعامل مع 15 ألف مبنى مدمَّر من أصل 19 ألفاً في مناطق الزلزال... سنقوم ببناء كل منزل ومقر عمل تهدم أو أصبح غير صالح للاستخدام بسبب الزلزال وسنسلمه لصاحبه... الأشهر القادمة ستشهد وبشكل متدرج بناء جميع الشقق السكنية بعيداً عن خطوط الصدع».
وتابع الرئيس التركي أن «98% من المباني التي دمَّرها الزلزال تم بناؤها قبل عام 1999 الذي شهد كارثة زلزال مرمرة المدمر الذي أودى بحياة أكثر من 17 ألف شخص». وقال إن كل خبراء الزلازل في العالم «يُجمعون على أن زلزالَي كهرمان ماراش كارثة طبيعية استثنائية من حيث قوتهما وحجم الدمار الذي سبباه»، مشيراً إلى أن عدد ضحايا الزلزالين ارتفع إلى 35 ألفاً و418 قتيلاً وأكثر من 105 آلاف مصاب.
وكرر إردوغان وصف الزلزالين بأنهما «كارثة العصر»، مشيراً إلى أن الخبراء المختصين حول العالم يستخدمون الوصف نفسه، مؤكداً أن «تركيا وشعبها سينهضان من جديد بعد هذه الكارثة، وسيتجاوزان هذه المحنة كما تجاوزا محناً أخرى مشابهة في الماضي».
ولفت إردوغان إلى «أن 250 ألف موظف حكومي يشاركون في جهود مكافحة آثار الزلزال، وأن أعمال البحث والإنقاذ مستمرة على قدم وساق حتى انتشال آخر ضحية من تحت الأنقاض».
في السياق ذاته، أكد وزير الداخلية سليمان صويلو أن فرق البحث والإنقاذ «لن تتوقف عن عملها، ومستمرة بلا تباطؤ حتى العثور على آخر ناجٍ تحت الأنقاض». وقال، في إفادة صحافية في كهرمان ماراش (الأربعاء): «إن واحداً من كل منزلين في منطقة أنطاكيا في هاتاي دُمِّر تماماً، سنواصل تحديد الأضرار بسرعة، وسنحدد مَن الذي أخطأ في تشييد المبنى وإذا كانت هناك تعديلات تم القيام بها بعد الإنشاء».

مساعدات جمعها القبارصة اليونانيون في طريقها الى تركيا (إ.ب.أ)

ولا تزال فرق الإنقاذ تواصل العمل على مدار الساعة، على أمل حدوث مفاجآت جديدة خلال عملها في المناطق التي ضربها زلزالا كهرمان ماراش اللذان وقعا الاثنين قبل الماضي، وجاء مركزاهما في بلدتي بازاجيك وإلبيستان في كهرمان ماراش بقوة 7.7 و7.6 درجة، وضربا ولايات كهرمان ماراش، وهاتاي، وعثمانية، وكيليس، وأضنة، وأديامان، ومالاطيا، وشانلي أورفا، وغازي عنتاب، وديار بكر.
وأعلنت «وكالة الكوارث والطوارئ» وقوع هزة ارتدادية بقوة 4.7 على مقياس ريختر، صباح الأربعاء، مركزها كهرمان ماراش.
ونجحت فرق البحث والإنقاذ في كهرمان ماراش في انتشال مليكة إمام أوغلو، البالغة من العمر 42 عاماً، من تحت الأنقاض بعد مرور 222 ساعة على وقوع الزلزالين، بعد أن التقطت صوتها وهي تستغيث.
كما نجحت في إخراج رمضان يوجال (45 عاماً) من تحت الأنقاض في حي أليطاش في أديامان بعد 207 ساعات.
وتمكنت فرق الإنقاذ في كهرمان ماراش أيضاً من إنقاذ عائشة غُل بايي (35 عاماً) من تحت أنقاض منزلها المهدم جراء الزلزال في حي «12 شباط» بعد مضيّ 205 ساعات.
ووصف قائد الفريق الأسترالي المشارك في عمليات البحث والإنقاذ بولاية هاتاي غرانت رايس، حجم كارثة الزلزال جنوب تركيا بأنه «لا يصدَّق»، مشيراً إلى أن الزلزال ألحق أضراراً كبيرة بالمنطقة، وأنه أُعجب بقدرة الشعب التركي على الصمود. وعبّر عن اعتقاده بأن تجاوز الأضرار الناجمة عن الزلزال سوف يستغرق وقتاً طويلاً.
وقالت «وكالة الكوارث»، إن عدد أفراد فرق البحث والإنقاذ القادمين من دول أخرى بلغ 9 آلاف و456 فرداً. ولفتت إلى أن إجمالي العاملين في منطقة الزلزال من مختلف المؤسسات والجهات الرسمية وغير الرسمية، بلغ 249 ألفاً و89 شخصاً.
وتواصل طائرات عسكرية تركية شحن المساعدات الإنسانية التي ترسلها دول مختلفة إلى مطار أتاتورك في إسطنبول، إلى المناطق المتضررة من الزلزال.
وقال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، إن 100 دولة قدمت المساعدة لبلاده عقب الزلزال المدمّر. وأضاف في مؤتمر صحافي مع نظيره البوسني إلمدين كوناكوفيتش (الأربعاء)، إن 100 دولة قدمت المساعدة، و76 دولة أرسلت فرق إنقاذ إلى تركيا، وأن 34 سفارة تقدم الدعم والمساعدة في مناطق الزلازل، ومؤسسات الدولة جميعاً تعمل على إيواء متضرري الزلازل.
وفي مؤتمر صحافي ثانٍ عقب لقائه نظيره الأرميني أرارات ميرزويان في أنقرة، قال جاويش أوغلو: «إن أرمينيا مدّت يد الصداقة لشعبنا في هذا الوقت الصعب». وبدوره، قال ميرزويان: «أنا هنا في تركيا في هذه الأوقات الصعبة لأؤكد مرة أخرى رغبتنا في بناء السلام».
إلى ذلك، قال رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لدى تركيا، السفير نيكولاس ماير لاندروت، إنه «لا يمكن تصور ما حدث لمدينة هاتاي ولمدن أخرى»، مشيراً إلى أن فرق الإنقاذ الأوروبية احتشدت منذ البداية بناءً على طلب السلطات التركية، وأن أكثر من 1650 شخصاً شاركوا في عمليات الإنقاذ ونواصل دعمنا في المراحل التالية من الكارثة.
وأضاف أن «مرحلة الإنقاذ انتهت لسوء الحظ، والآن يجري التركيز على الإيواء والمساعدات الطبية»، لافتاً إلى أن 12 دولة أوروبية وفّرت 50 ألف خيمة شتوية و100 ألف بطانية و50 ألف مدفأة، وأن الدول الأعضاء تعمل أيضاً على إنشاء مشافٍ ميدانية.
وتابع أن «مركز تنسيق الاستجابة للطوارئ» التابع للاتحاد الأوروبي، حشد وحدات سكنية للإغاثة، بالإضافة إلى 2000 خيمة و8000 سرير قدمها أعضاء مختلفون، وستنظم المفوضية الأوروبية مؤتمراً للمانحين الدوليين، في مارس في بروكسل للمساهمة في إعادة تأهيل الأشخاص المتضررين من الزلزال، وأن فريق الحماية المدنية التابع للاتحاد الأوروبي موجود على الأرض لتقييم الوضع.
وفي خطوة لتأكيد دعم حلف شمال الأطلسي (ناتو)، أعلن الأمين العام للحلف ينس ستولتنبرغ أنه سيزور أنقرة اليوم (الخميس) تأكيدا لدعم الحلف بعد الزلزال المدمر الذي ضرب هذا البلد، وللدعوة إلى المصادقة على انضمام السويد وفنلندا إلى الحلف.
وقال ستولتنبرغ، خلال مؤتمر صحافي في بروكسل في ختام اجتماع لوزراء دفاع دول الحلف أمس: «أزور تركيا غدا تأكيدا لتضامن الحلف خلال مباحثاتي مع الرئيس رجب طيب إردوغان وسأتطرق أيضاً إلى مسألة انضمام السويد وفنلندا إلى الحلف... سأطلب منهم المصادقة على بروتوكولي الانضمام معا، لكن تركيا ستقرر ما إذا كانت تريد التصديق على البروتوكولين أو أحدهما».
وكان إردوغان أعلن مطلع فبراير (شباط) الحالي أن البرلمان التركي قد يصادق على عضوية فنلندا دون المصادقة على طلب السويد الذي قُدم في الوقت نفسه، وذلك بسبب احتجاجات لأنصار حزب العمال الكردستاني ضده إضافةً إلى حوادث حرق نسخ من القرآن الكريم لم تمنعها حكومة السويد.


مقالات ذات صلة

زلزال بقوة 6.6 درجة يضرب وسط تشيلي

أميركا اللاتينية صورة تُظهر جانباً من مدينة سانتياغو في تشيلي (رويترز-أرشيفية)

زلزال بقوة 6.6 درجة يضرب وسط تشيلي

قال المركز الألماني لأبحاث علوم الأرض إن زلزالاً بقوة 6.6 درجة ضرب وسط تشيلي، يوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (سانتياغو)
آسيا مرشد سياحي في منطقة باهالغام بالشطر الهندي من كشمير (أرشيفية - أ.ب)

قتيل وأضرار جراء زلزال بقوة 6 درجات في شمال باكستان

لقي شخص حتفه وانهارت منازل عدة بعدما ضرب زلزال بقوة ست درجات ‌كشمير بشمال ‌باكستان، الاثنين، ⁠حسبما ​أفاد ‌مسؤول والمركز الأوروبي المتوسطي لرصد الزلازل.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
أميركا اللاتينية لم ترد على الفور أي معلومات عن وقوع خسائر محتملة أو أضرار ناجمة عن الزلزال (رويترز)

زلزال بقوة 5.6 درجات يضرب جنوب المكسيك

أفادت الهيئة الوطنية المكسيكية لرصد الزلازل، الجمعة، بوقوع زلزال بقوة 5.6 درجات على مقياس ريختر بولاية كينتانا رو جنوب المكسيك.

«الشرق الأوسط» (مكسيكو)
المشرق العربي العاصمة الأردنية عمان (أرشيفية - بترا)

هزة أرضية بقوة 4.1 درجة تضرب الأردن

وقعت هزة أرضية بقوة 4.1 درجة على مقياس ريختر، شعر بها سكان مناطق مختلفة من الأردن، منها محافظتا عمان والبلقاء، صباح اليوم.

«الشرق الأوسط» (عمان)
شؤون إقليمية عناصر من الجيش الإسرائيلي (أ.ب)

تفعيل صافرات الإنذار في إسرائيل عقب زلزال بجنوب البلاد

أعلن الجيش الإسرائيلي تفعيل صافرات الإنذار في مدينة عراد بجنوب البلاد، وفي البحر الميت، نتيجة لوقوع زلزال، اليوم (الخميس).

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.