إسقاط أجسام طائرة «مجهولة»... حرب مُلتبسة بين العلم والسياسة

خبراء يرجحون أنها مناطيد لمراقبة الطقس ويستبعدون «التجسس»

بحارة يستعيدون المنطاد الصيني الذي تم إسقاطه في 4 فبراير 2023 (أ.ب)
بحارة يستعيدون المنطاد الصيني الذي تم إسقاطه في 4 فبراير 2023 (أ.ب)
TT

إسقاط أجسام طائرة «مجهولة»... حرب مُلتبسة بين العلم والسياسة

بحارة يستعيدون المنطاد الصيني الذي تم إسقاطه في 4 فبراير 2023 (أ.ب)
بحارة يستعيدون المنطاد الصيني الذي تم إسقاطه في 4 فبراير 2023 (أ.ب)

بينما لم يصدر عن الولايات المتحدة الأميركية أي تفاصيل تتعلق بثلاثة أجسام طائرة «مجهولة»، تم الإعلان عن إسقاطها أيام 10 و11 و12 فبراير (شباط) الجاري، استبق خبراء التحقيقات التي تجريها واشنطن، ورجحوا أن هذه الأجسام لا تخرج عن كونها «مناطيد لمراقبة الطقس».
وذهب الخبراء إلى أنه «منذ أسقطت الولايات المتحدة الأميركية في 4 فبراير الجاري، المنطاد الصيني، أصيبت على ما يبدو بـ(فوبيا)، ما جعلها تتعامل مع كل جسم طائر باعتباره وسيلة للتجسس، إلى أن تثبت الفحوصات التي سيتم إجراؤها لاحقاً العكس».
ويملك الخبراء من الدلائل ما يجعلهم يبرئون الأجسام الثلاثة من أي أغراض غير علمية، من بينها الارتفاع؛ حيث كانت على ارتفاعات أقل من تلك التي كان عليها المنطاد الصيني. ويقول أوين بريان تون، الأستاذ بقسم علوم الغلاف الجوي والمحيطات بجامعة كولورادو الأميركية لـ«الشرق الأوسط»، إن «المنطاد الصيني الكبير الذي تم إسقاطه أخيراً، كان عند مستوى قياسي من الارتفاع (أعلى من 60 ألف قدم)»، وعلى الرغم من أن تون لا يعرف الغرض من المنطاد الصيني؛ فإنه «لا يستبعد استخدامه لأغراض علمية»، ويشير إلى أن «المناطيد تستخدم على نطاق واسع في أبحاث الغلاف الجوي، عندما تكون على ارتفاعات عالية».
لكن السلطات الأميركية التي انتشلت أجهزة الاستشعار الخاصة بالمنطاد الصيني من المحيط الأطلسي، وصفته بأنه «منطاد للتجسس»، قبل أن تفحص أجهزته.
وفي المقابل يرى تون أن الأجسام الطائرة الثلاثة الأخرى، كانت أصغر في الحجم وعلى ارتفاعات منخفضة، وهو ما يجعله يميل إلى ترجيح أن تكون «مناطيد للطقس»؛ حيث يتم إطلاق هذه النوعية بأعداد كبيرة يومياً في جميع أنحاء العالم، للحصول على بيانات الطقس.
وأسقطت الولايات المتحدة الجسم الأول في 10 فبراير، قبالة شمال ألاسكا، بينما تم إسقاط الثاني فوق إقليم يوكون الكندي، على بعد نحو 100 ميل (160 كيلومتراً) من الحدود الأميركية، على ارتفاع (40 ألف قدم)، وكان الجسم الثالث عندما تم استهدافه، فوق بحيرة هورون على الحدود الكندية على ارتفاع 20 ألف قدم.
ويشير هذا التعاقب لعملية الإسقاط إلى أن «مثل هذه الأجسام لم يعد يتم تجاهلها، في ظل ما يبدو أنه نوع من (الفوبيا)»، كما يقول روبرت شيفر، وهو مؤلف وكاتب مستقل ومتخصص في التحقق من الادعاءات الزائفة، في تقرير نشره الثلاثاء موقع «سبيس».
ويوضح شيفر أن المعلومات بخصوص المنطاد الصيني محدودة للغاية، ولا توجد أي معلومات بخصوص الأجسام الثلاثة الأخرى؛ مشيراً إلى أن هناك حالة من «القلق» غير المفهومة، تعكسها تصريحات المسؤولين الأميركيين.
وقال الجنرال جلين فانهيرك، قائد القيادة الشمالية للولايات المتحدة في تصريحات صحافية، الاثنين، إن الولايات المتحدة عدلت رادارها حتى تتمكن من تتبع الأجسام البطيئة، موضحاً أنه «مع بعض التعديلات، تمكنوا من الحصول على تصنيف أفضل لمسارات الرادار الآن». وأعرب عن اعتقاده أن هذه هي المرة الأولى داخل المجال الجوي للولايات المتحدة التي تتخذ فيها القيادة الشمالية للولايات المتحدة «إجراء حركياً ضد جسم محمول جواً».
وأشارت مساعدة وزير الدفاع الأميركي لشؤون الدفاع الوطني والأمن العالمي، ميليسا دالتون، إلى أن الولايات المتحدة أصبحت «أكثر يقظة»، وقالت في تصريحات صحافية، الاثنين: «لقد قمنا بفحص مجالنا الجوي من كثب على هذه الارتفاعات، بما في ذلك تعزيز الرادار، وهو ما قد يفسر عدد الأجسام التي تم استهدافها».
ولا ينكر شيفر أن الخوف من «مناطيد» التجسس له ما يبرره؛ حيث أصبحت «إحدى الأدوات الرائجة في هذا العمل؛ لأنها تقدم مزايا لا تتحقق مع الأقمار الصناعية».
وكان جون بلاكسلاند، أستاذ دراسات الأمن الدولي والاستخبارات في الجامعة الوطنية الأسترالية، قد أشار إلى هذه المزايا في كتابه «كشف الأسرار»، ومنها أن «إرسال قمر صناعي إلى الفضاء يتطلب استخدام صواريخ إطلاق فضائية، تكلف مئات الملايين من الدولارات، بينما الأمر مع المناطيد لا يتكلف كثيراً، هذا فضلاً عن أن الأموال التي تم إنفاقها على الأقمار الصناعية يمكن أن تضيع بسهولة؛ لأنه بعد اختراع الليزر أو الأسلحة الحركية، أصبح استهداف الأقمار الصناعية ممكناً».
ويوضح في كتابه أن «مناطيد التجسس، وإن كانت لا تقدم المستوى نفسه من المراقبة المستمرة مثل الأقمار الصناعية؛ فإنها أسهل في الاسترداد، كما أنها تكون عادة على ارتفاع من 24 إلى 37 ألف متر، وهذا يجعلها قادرة على تغطية مساحات واسعة من الأراضي من مكان أقرب، ويمكنها قضاء مزيد من الوقت فوق منطقة مستهدفة، وهو ما يجعلها قادرة على التقاط صور أوضح وأدق».
وتاريخياً، كان الفرنسيون «أول» من استخدم مناطيد التجسس في حربهم ضد القوات النمساوية والهولندية، والتي عرفت باسم «معركة فلوروس»، قبل نحو 229 عاماً، وتحديداً عام 1794، وتبع ذلك رواج تلك الأداة؛ حيث استخدمتها الولايات المتحدة تاريخياً في ستينات القرن التاسع عشر، في أثناء الحرب الأهلية الأميركية، عندما كان رجال الاتحاد يجمعون المعلومات حول النشاط الكونفدرالي، وبعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، استخدمها الجيش الأميركي في الخمسينات من القرن الماضي «للتجسس» على أراضي الكتلة السوفياتية، ثم تراجع الاهتمام بهذه الأداة على مدى العقود القليلة الماضية لصالح الأقمار الصناعية، غير أنه تم إعادة إحياؤها مجدداً في السنوات الأخيرة.
ويقول أشرف شاكر، رئيس قسم الفلك في المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية بمصر، لـ«الشرق الأوسط»، إنه «إضافة إلى التوظيف القديم لها بوصفها أداة للتجسس على الآخرين، تستخدمها أميركا لمراقبة الحدود الوطنية، كما تستخدم على نطاق واسع في البحث العلمي، لجمع المعلومات عن الطقس».
وبسبب الارتفاعات البسيطة التي كانت عليها الأجسام الثلاثة التي أعلنت أميركا استهدافها مؤخراً، مقارنة بالمنطاد الصيني، يميل شاكر إلى ترجيح أنها عبارة عن مناطيد لجمع معلومات عن الطقس.
ومناطيد الطقس يتم إطلاقها في وقت واحد من نحو 900 موقع حول العالم، وتحتوي على أداة تسمى «المسبار اللاسلكي»، لقياس الضغط ودرجة الحرارة والرطوبة النسبية، في أثناء صعود البالون إلى الغلاف الجوي، وغالباً ما تتحمل هذه الأجهزة درجات حرارة تصل إلى (-139 درجة فهرنهايت، أي -95 درجة مئوية)، والرطوبة النسبية من 0 إلى 100 في المائة، وضغط الهواء الذي يزيد عن سطح الأرض بضعة آلاف، والجليد، والمطر، والعواصف الرعدية، وسرعات رياح تقارب 200 ميل في الساعة.
ويقول شاكر إن «أداة الإرسال بالمسبار اللاسلكي، ترسل البيانات مرة أخرى إلى معدات التتبع على الأرض كل ثانية إلى ثانيتين، ومن خلال تتبع موضع المسبار اللاسلكي، يمكن حساب سرعة الرياح واتجاهها، وهذا يعد من المصادر الرئيسية لبيانات الطقس فوق سطح الأرض».
ولا يميل أستاذ الفلك لتفسيرات ترى أن الأجسام الثلاثة التي تم إسقاطها دون تحديد هويتها، هي «كائنات فضائية»، ويقول إنه «تاريخياً كانت المناطيد مصدراً شائعاً للتقارير التي تتحدث عن الأجسام المجهولة».
وانتشر في 2018 فيديو لجسم يتحرك بسرعة عالية فوق المحيط، وخرجت تفسيرات حينها تقول إنه «كائن فضائي»؛ لكن تبين لاحقاً أنه «منطاد ضل طريقه».
وحسمت السلطات الأميركية، الثلاثاء، جدل «الكائنات الفضائية»، وقالت كارين جان بيار، المتحدثة باسم البيت الأبيض الأميركي، في إفادتها الصحافية اليومية، إنه «لا يوجد أي مؤشر على وجود كائنات فضائية أو نشاط خارج كوكب الأرض».


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
TT

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي

تنطلق «قمة الإبداع» (Creative Summit)، المهرجان الرائد للإبداع في السعودية، من 3 إلى 5 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، في حي جاكس بالعاصمة الرياض، للعام الثاني، ضمن شراكة استراتيجية بين الجانبين، في واحدة من أبرز الوجهات الثقافية والإبداعية في المملكة.

وتُقام نسخة العام الحالي تحت شعار «وراء كل ذكاء... إنسان»، لمناقشة إحدى أبرز القضايا التي تشغل الصناعات الإبداعية اليوم، وهي العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، في ظل التطور التقني المتسارع وتأثيره المتزايد في أساليب العمل والإنتاج.

وتؤكد القمة من خلال شعارها أن التقنية، مهما تطورت، تظل أداة قوية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الروح الإنسانية والحدس والإبداع والتجارب التي تصوغ أفكار الإنسان وقصصه.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، تقدم القمة مسارات تتجاوز النقاشات العامة، وتركز على الأدوات العملية والحوارات المعمقة بشأن دمج الذكاء الاصطناعي في الصناعات الإبداعية، وتعزيز استدامتها، وابتكار حلول قابلة للتطبيق في قطاع الأعمال.

ويعكس اختيار حي جاكس مقراً للقمة لمكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي، ودوره بوصفه وجهة تجمع القادة والمبدعين والممارسين والمؤسسات الناشطة في مختلف المجالات الإبداعية.

كما تسهم الشراكة بين القمة وحي جاكس في ربط مجتمع الاقتصاد الإبداعي السعودي بالوكالات الإقليمية وقادة الأسواق العالمية، وتوفير مساحة تجمع المبدعين وصنّاع القرار والخبراء لتبادل المعرفة والتعاون وبناء علاقات مهنية فاعلة.

اختيار حي جاكس مقراً للقمة يعكس مكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي

وقالت مي سلامة، الشريكة المؤسسة لـ«قمة الإبداع»: «نسعد كثيراً بإقامة المهرجان في الرياض، ولا يوجد مكان نفضل استضافته فيه أكثر من حي جاكس، فهو ليس مجرد موقع للفعاليات، بل القلب النابض للنهضة الثقافية والفنية التي تشهدها المملكة».

وأضافت: «من خلال جمع مجتمع الاقتصاد الإبداعي في المنطقة تحت مظلة المهرجان، نبني مساحة للحوار والتواصل وتبادل المعرفة. وتحمل نسخة العام الحالي أهمية خاصة بالنسبة إلينا؛ لأن شعار (وراء كل ذكاء... إنسان) يذكّرنا بوضوح بأن إنسانيتنا ستظل أهم ما نملكه في عالم يزداد اعتماداً على الخوارزميات والأتمتة».

وتابعت: «نجتمع هذا العام للاحتفاء بالقادة والمبدعين والمستثمرين ورواد الأعمال وصنّاع الأفلام والعاملين في الصناعات الإبداعية».

من جانبها، قالت آية البكري، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة بينالي الدرعية: «يحتضن حي جاكس مجتمعاً متنامياً من القادة والمبدعين العاملين في مجالات الفنون والتصميم والإعلام والحرف. وتجمع قمة الإبداع العاملين في الصناعات الإبداعية، وتتيح لهم حواراً مباشراً داخل المنظومة التي تدعم أعمالهم على مدار العام».

وأضافت: «يسعدنا استقبال قمة الإبداع في حي جاكس للعام الثاني، ونتطلع إلى ما ستنتجه أيامها الثلاثة من أفكار وفرص جديدة للتواصل».

وعلى مدى 13 عاماً من حضورها في المشهد الإبداعي بالمنطقة، أسهمت القمة في تمكين الأفراد وتطوير الأعمال ودعم نمو الاقتصاد الإبداعي، وتركت أثراً واضحاً في صناعات عدة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وحققت نسخ القمة السابقة أكثر من 280 مليون ظهور رقمي، وأسهمت في بناء مجتمع إبداعي إقليمي واسع يضم آلاف المتحدثين ومئات الآلاف من الحضور، فيما سجلت النسخة الماضية وحدها حضوراً قياسياً بلغ 21 ألف زائر خلال 3 أيام.


حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
TT

حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)

تسبَّب اللحن التراثي المصري «زوروني كل سنة مرة»، لـ«فنان الشعب» الموسيقار المصري الراحل سيد درويش، في إثارة جدل حول حقوق الأغنية وأصلها، خصوصاً بعد تقديم الفنانة السورية أصالة نصري أغنية «على روض الحبيب»، خلال إحيائها حفلاً في بلدها سوريا بعد سنوات من الغياب. وأكدت أصالة أمام الحضور أن اللحن من تراث اللاذقية، رغم تشابهه مع لحن «زوروني كل سنة مرة»، وفقاً لنقاد ومتابعين.

ورفض الجمهور والنقاد، في تعليقات ومشاركات كثيفة على مواقع التواصل الاجتماعي، ما قالته أصالة في المقطع الذي جرى تداوله على نطاق واسع خلال اليومين الماضيين، معبّرين عن استيائهم مما حدث. وأكدوا أن اللحن من التراث المصري، وموثَّق باسم سيد درويش الذي رحل منذ أكثر من قرن، مطالبين الفنانة السورية بإثبات حديثها بوثائق رسمية، بدلاً من الكلام المرسل.

وبدورها، أصدرت جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية، السبت، بياناً أكدت فيه متابعتها ما أُثير حول أغنية «على روض الحبيب»، التي أدَّتها أصالة، وما أُعلن بشأن نسبة لحنها إلى التراث السوري، وتحديداً إلى تراث اللاذقية.

وأكدت الجمعية أن تناولها هذا الموضوع لا يستهدف أصالة، لكن إعلانها أن اللحن من التراث السوري يحمّلها مسؤولية مهنية في تحرّي الدقة والتثبّت من صحة هذه النسبة، والأساس الذي استندت إليه في الجزم بأنه من التراث السوري، وما إذا كان ذلك يستند إلى دليل موثوق به.

ورأت الجمعية المصرية أن الأمر لا يقتصر على تشابه عابر، بل إن «البنية اللحنية» الأساسية تتطابق بصورة واضحة مع لحن «زوروني كل سنة مرة» لسيد درويش، مع بعض «التحويرات والتنويعات» في الصياغة؛ إذ تظل الملامح الأساسية للحن حاضرة من حيث البناء، والمسار النغمي، والتفعيلات الزمنية والإيقاعية، والإطار المقامي، والعلاقات بين الجمل الموسيقية.

إلا أن محمد حسن سيد درويش، حفيد «فنان الشعب»، دخل على خط الأزمة بموقف مغاير، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن ما صدر عن جمعية المؤلفين والملحنين كان يهدف إلى الدفاع عن الحقوق بوجه عام. وأضاف: «بصفتي حفيداً لسيد درويش، والحارس القضائي على تراثه الفني، واستناداً إلى دراستي الموسيقية، أوضح أنه، بمقارنة ما تغنَّت به أصالة في لحن (على روض الحبيب) بلحن (زوروني كل سنة مرة)، يتبيّن أنه لا يمت إليه بأي صلة».

وأضاف حفيد «فنان الشعب»: «يتفق اللحن الأول مع الثاني من حيث المقام الموسيقي والإيقاع، لكنه لا يرتبط بالنوتة الموسيقية الخاصة به». وأشار إلى أن أصالة أوضحت على المسرح أن اللحن يحمل روح التراث وعبقه، ويعود إلى أجواء الموسيقى القديمة، مثل موسيقى سيد درويش.

أصالة قدمت حفلاً في سوريا بعد فترة غياب طويلة (حسابها على «فيسبوك»)

وأكدت «ساسيرو» في بيانها أن موقفها «لا يأتي لمجرد أن سيد درويش أحد أعضائها، وإنما ينطلق من مسؤوليتها عن حماية التأليف الموسيقي المصري، وصون تراثه، والدفاع عن حقوق مبدعيه».

ورداً على أنباء اعتزامه اتخاذ إجراءات قانونية ضد الفنانة السورية، أوضح حفيد سيد درويش أنه لم يقصد أصالة، التي يكنّ لها كل تقدير واحترام، بهذا التصريح، بل كان يتحدث بصورة عامة، قبل أن يوضع حديثه في سياق مختلف. وأضاف أن «استخدام أي لحن لسيد درويش من دون الرجوع إليه، بصفته الحارس القضائي على تراثه، والحصول على موافقة كتابية موثَّقة في الشهر العقاري، حفاظاً على حقوق الورثة، سيدفعه إلى اتخاذ إجراءات قانونية ضد المخالفين».

بدوره، كشف الدكتور مدحت العدل، رئيس جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين»، لـ«الشرق الأوسط»، أن اتخاذ الجمعية إجراءات قانونية لا بد أن يكون بناءً على طلب العضو، وهو ما لم يحدث، مؤكداً اكتفاء الجمعية بإصدار البيان الرسمي.

وعن أصل أغنية «زوروني كل سنة مرة»، أوضح الناقد الفني المصري أحمد السماحي، لـ«الشرق الأوسط»، أن الأغنية أثارت جدلاً كبيراً منذ سنوات طويلة، رغم شهرتها بألحان سيد درويش وكلمات محمد يونس القاضي. وكان حامد مرسي أول من قدَّمها عام 1917، ثم أصبحت لاحقاً واحدة من أشهر كلاسيكيات الغناء العربي، وغنّاها محمد عبد الوهاب، ورياض السنباطي، وفيروز، وفرق الموسيقى العربية في مصر والعالم العربي.

ونوَّه السماحي إلى أن بعض الباحثين قالوا إن الأغنية تعود إلى الموسيقار والمنشد العراقي الملا عثمان الموصلي، وإنها كانت تُؤدَّى في سياق ديني بكلمات مختلفة، أبرزها «زُرْ قبر الحبيب». لكنه أشار إلى أن لحن الموصلي ظهر عام 1925، ومن ثمَّ لا علاقة له بلحن سيد درويش، خلافاً لما يردّده البعض، مؤكداً أن «زوروني كل سنة مرة» تعود إلى التراث المصري دون سواه.


نوافذ تتكيف مع الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة

النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
TT

نوافذ تتكيف مع الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة

النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)

أظهرت دراسة دولية أن نوافذ ذكية تستجيب تلقائياً لتغير درجات الحرارة يمكن أن تساعد في خفض استهلاك المباني للطاقة وتحسين الراحة الحرارية، من دون الحاجة إلى مصدر كهرباء خارجي أو أجهزة استشعار وأنظمة تحكم معقدة.

وأوضح باحثون من جامعة ساوث إيست الصينية وجامعة كونكورديا الكندية، أن هذه النوافذ يمكن أن تصبح عنصراً نشطاً في التحكم بدرجة حرارة المباني، بما يفتح المجال أمام تقليل الطاقة اللازمة للتبريد والتدفئة، مع الحفاظ على الاستفادة من الضوء الطبيعي. ونشرت نتائج المراجعة، الجمعة، في دورية «Science Bulletin».

وتمثل النوافذ جزءاً مهماً من المباني، إذ تسمح بدخول الضوء الطبيعي، وتوفر إطلالات على الخارج، لكنها في الوقت نفسه تعد من نقاط الضعف في غلاف المبنى، ويمكن أن تتسبب في فقدان الحرارة أو اكتسابها بصورة غير مرغوبة، ما يزيد الحاجة إلى أنظمة التدفئة والتهوية وتكييف الهواء.

وأجرى الفريق مراجعة لرصد التطورات الرئيسية في تقنية تعرف باسم «النوافذ المتغيرة حرارياً»، إلى جانب التحديات التي لا تزال تعوق استخدامها على نطاق واسع.

وتعتمد هذه النوافذ على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة؛ ففي الظروف الباردة، تصبح أكثر شفافية، بما يسمح بدخول مزيد من الضوء الطبيعي والاستفادة من الحرارة الآتية من أشعة الشمس، بينما تقلل في الأجواء الحارة من نفاذ الطاقة الشمسية إلى داخل المبنى، خصوصاً الأشعة القريبة من الأشعة تحت الحمراء. ويمكن لهذه الخاصية أن تحد من اكتساب المبنى للحرارة خلال الفترات الحارة، وبالتالي تخفف الحمل الواقع على أنظمة التبريد، من دون الحاجة إلى تشغيل النافذة بالكهرباء بصورة مستمرة. وتتغير الخصائص البصرية لهذه النوافذ عند بلوغ درجة حرارة معينة، فتتبدل قدرتها على السماح بمرور الضوء والطاقة الشمسية، وتختلف آلية عملها حسب المواد المستخدمة.

وشملت المواد التي تناولتها المراجعة «ثاني أكسيد الفاناديوم»، و«بيروفسكايت الهاليد»، والمواد الهلامية المائية، والبلورات السائلة، والسوائل الأيونية.

ووفقا للباحثين، تتمتع هذه المواد بخصائص مختلفة؛ فبعضها يمتلك قدرة جيدة على التحكم في الأشعة القريبة من الأشعة تحت الحمراء، بينما يوفر بعضها الآخر تغيراً قوياً في الخصائص البصرية، أو يسمح بضبط درجة الحرارة التي تبدأ عندها عملية التحول.

لكنّ الباحثين أوضحوا أن نقل هذه التقنية من المختبر إلى المباني يواجه تحديات عدة، من بينها ارتفاع درجة حرارة التحول في بعض المواد، وتغير لون الزجاج، والضبابية، والحساسية للرطوبة، والإجهاد الميكانيكي، وعدم الاستقرار على المدى الطويل.

كما تعتمد فاعلية النوافذ المتغيرة حرارياً بدرجة كبيرة على المناخ، واتجاه واجهة المبنى، ونوعه، وتصميم الزجاج. وقد تكون أكثر فائدة في المناطق التي تسود فيها الحاجة إلى التبريد، بينما يمكن لتصميم غير مناسب أن يحجب الحرارة الشمسية المفيدة في المناطق التي تحتاج إلى التدفئة.

ويرى الباحثون أن تطوير هذه التقنية يجب ألا يركز على تحسين المواد وحدها، بل ينبغي أن يتجه أيضاً إلى دمج النوافذ في أنظمة المباني، بما يشمل التدفئة والتهوية وتكييف الهواء والإضاءة ووسائل التظليل.

وأكد الباحثون أن هذه النتائج لا تعني أن النوافذ المتغيرة حرارياً يمكن أن تحل محل أجهزة التكييف، وإنما تشير إلى إمكانية استخدامها لتقليل كمية الحرارة التي تدخل المبنى، وبالتالي خفض الطاقة التي تحتاج إليها أنظمة التبريد، مع اختلاف الفائدة المتوقعة وفقاً للظروف المناخية وتصميم المبنى.