معركة باخموت الأطول والأعنف منذ بداية الحرب في أوكرانيا

موسكو تريد تحقيق انتصارها الأول بعد أشهر من الانتكاسات

جنود أوكرانيون بغرفة العمليات العسكرية في باخموت (أ.ف.ب)
جنود أوكرانيون بغرفة العمليات العسكرية في باخموت (أ.ف.ب)
TT

معركة باخموت الأطول والأعنف منذ بداية الحرب في أوكرانيا

جنود أوكرانيون بغرفة العمليات العسكرية في باخموت (أ.ف.ب)
جنود أوكرانيون بغرفة العمليات العسكرية في باخموت (أ.ف.ب)

تتّجه سيارات الإسعاف مسرعةً نحو مركز يتجمّع فيه الجنود الأوكرانيون الجرحى، خارج باخموت (شرقاً) التي تعدّ مسرح المعركة الأطول والأكثر عنفاً في أوكرانيا منذ بدء الغزو الروسي. ينتظر سائق سيارة الإسعاف إيفان على جانب الطريق وصول الجرحى الذين يتزايد عددهم مع اشتداد المعارك. وسط ساحة، يتنهّد إيفان قائلاً: «هناك، إنها مثل فردان»، في إشارة إلى معركة دامية في شرق فرنسا في العام 1916 خلال الحرب العالمية الأولى.
تزداد معركة باخموت العنيفة رمزيةً مع اقتراب الذكرى الأولى لبدء الحرب في أوكرانيا في 24 فبراير (شباط)، إذ تريد موسكو تحقيق انتصارها الأول بعد أشهر من الانتكاسات، لكن كييف مصمّمة على الصمود. وبينما يسعى كلّ طرف إلى ترسيخ وجوده، طغت الخسائر البشرية بين القوّات المسلّحة والمدنيين على الأهمية الاستراتيجية للسيطرة على هذه المدينة الصناعية السابقة التي باتت أحياؤها الشرقية والشمالية والجنوبية دماراً.
يرى مارك كانسيان، المحلّل في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أنّ المقاربة المعتمدة من الطرفين، تعدّ «مشكلة كلاسيكية من الحرب العالمية الأولى». ويقول إنه بعد فشل المحاولات الروسية الأولى لمحاصرة باخموت، «واصلت (روسيا) الهجوم» رغم أنّ الانتصار «لا يعني شيئاً على المستوى العسكري والاستراتيجي».
ويضيف الضابط السابق في مشاة البحرية، الذي اعترف بأنّ خيارات أوكرانيا محدودة، أنه «بالتالي، هناك الكثير من الرمزية إذا سيطروا على باخموت، سيتظاهرون بأنّها مهمّة ولكنّها ليست كذلك».
من جهتها، تفيد أجهزة الاستخبارات البريطانية بأنّ التقدّم الروسي توقّف ولكن الضغط مستمرّ.
ويأتي ذلك فيما أعلنت مجموعة «فاغنر» الروسية المسلّحة، أمس (الأحد)، مسؤوليّتها عن السيطرة على كراسنا هورا، على مسافة بضعة كيلومترات شمالي باخموت. وهذا ما يبرّر دعوات الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، المتكرّرة للدول الغربية لتزويد أوكرانيا بالمزيد من الأسلحة. وقال زيلينسكي في بداية فبراير أمام عدد من المسؤولين الأوروبيين الكبار المجتمعين في كييف: «إذا تسارعت عملية تسليم الأسلحة، خصوصاً بعيدة المدى، لن يقتصر الأمر على عدم الانسحاب من باخموت، و(لكن) سنبدأ في إنهاء احتلال دونباس». وأضاف أنّ الجيش سيدافع عن باخموت «لأطول فترة ممكنة».
ولكن هذه المعركة لا تتعلّق فقط بأسلحة عالية الدقة. إذ يشير المحلّل العسكري الأوكراني أولكسندر كوفالينكو، إلى أنّ كييف تحتاج بشكل أساسي إلى مدفعية وذخيرة شائعة الاستخدام. ويقول لوكالة الصحافة الفرنسية: «إذا لم يحدث ذلك، سنواجه مشكلات خطيرة في باخموت».
على الأرض، يعرب الجنود الأوكرانيون عن الحاجة نفسها.
وكان يوري كريجبيرسكي، الجندي البالغ من العمر 37 عاماً، قد أوضح لوكالة الصحافة الفرنسية في نهاية يناير (كانون الثاني)، أنّ «العدو يملك ميزة كبيرة من حيث المدفعية». وأضاف: «يمكنكم الجلوس في قبو في فاسيوكيفكا (قرية شمال باخموت موجودة على الخط الأمامي أيضاً) لمدّة نصف ساعة وسماع مرور 40 قذيفة».
تتمثّل الميزة الثانية لدى روسيا في عدد المقاتلين الروس الذي يثير فضول هذا الرقيب الأوكراني المعروف باسمه الحركي «ألكور»، إذ قال: «نطلق النار، نطلق النار ثمّ نطلق النار، لكن بعد خمس دقائق، يظهر 20 رجلاً آخر أمامنا».
وتُتهم موسكو و«فاغنر» باستخدام مجنّدين غير مهيّئين «وقوداً للمدافع»، الأمر الذي يرفضه المحلّل العسكري الروسي ألكسندر خرامتشيخين، معتبراً أنها «دعاية غربية».
يبقى أنّ كييف تكبّدت خسائر فادحة. فقد أكد الرائد فولوديمير ليونوف، من قوات الدفاع الإقليمية الأوكرانية، سقوط نحو عشرة جرحى في صفوف قواته خلال ثلاثة أيام في يناير. كما قُتل خمسة من الجنود التابعين له، ولم يكن بالإمكان استرداد جثثهم. وقال للوكالة: «رجالنا متحمّسون، الجميع جاء للقتال»، مضيفاً: «لكن عندما لا يكون هناك دعم مدفعي، ولا توجد دبابات، يتمّ إطلاق النار عليك فقط، كما هو الحال في ميدان رماية».
لم يعلن أي من المعسكرَين عن خسائره ولكنَّ الأوكرانيين، كالروس، يصفون معركة باخموت بأنها الأعنف خلال الحرب. قرب الجبهة الشمالية، شاهد مراسلو الوكالة في نهاية يناير نحو عشر جثث يبدو أنها تعود لعناصر في «فاغنر» متروكة على الأرض الجليدية. يعلّق الجندي الأوكراني فلاديسلاف على الأمر قائلاً: «على ما يبدو، ليس لديهم الحق في الانسحاب»، مضيفاً: «لم يستردّوا حتى جرحاهم. وفي النهاية ماتوا هنا، في الحقول».
بالتوازي مع المواجهات في الميدان، تدور حرب كلامية بين الأوكرانيين والروس. فقد تحدّث المسؤول الموالي لروسيا في منطقة دونيتسك دنيس بوشيلين، أخيراً، عن «تحرير أرتيموفسك»، في إشارة إلى باخموت باسمها المستخدم خلال الحقبة السوفياتية حتى عام 2016.
وفي نهاية ديسمبر (كانون الأول)، تحدّث زيلينسكي عن «حصن باخموت»، خلال زيارته للمدينة التي كان يبلغ عدد سكانها 70 ألفاً والتي كانت تُعرف بمناجم الملح وبنبيذها.
من جهته، أشار يفغيني بريغوجين، رئيس مجموعة «فاغنر»، إلى أنّ القتال «الشرس» في الأحياء الشرقية من باخموت وقع في «كلّ شارع، كل منزل وكلّ سلّم».
تبدو آثار القتال في المدينة المحاصرة ظاهرة للغاية في كلّ مكان تقريباً، مثل المباني المحترقة، وبقايا القذائف، أو حتى الثلوج التي تناثرت عليها أشلاء بشرية.
حسب السلطات، فقد دُمّر أكثر من نصف مباني باخموت. كما أنّ الجسر الذي يمرّ فوق النهر الصغير الذي يعبر المدينة لم يعد أكثر من مجموعة متشابكة من الألواح الخشبية والإطارات والمنصّات النقّالة.
باتت ناتاليا شيفتشينكو، التي تستخدم الجسر كل يوم لجلب مياه الشرب، معتادة على دويّ القذائف. وتقول شيفتشينكو التي تعدّ واحدة من 6500 شخص اختاروا البقاء في باخموت: «أعيش في القبو في الوقت الحالي. عندما أخرج، أكون مثل الخلد، يجب أن أُعوّد عينيّ على الضوء». بدورها، توضح تيتيانا تشيتشرباك، وهي متطوّعة في مركز إنساني، أنّ مدنيين اثنين آخرين غادرا المدينة منذ اشتداد القتال.
عند نقطة انطلاق عمليات الإخلاء، ينتظر البعض طوال الليل حيث يتجمّعون قرب المواقد مع بعض الأغراض التي تمكّنوا من نقلها معهم. كما خرج آخرون من منازلهم بمساعدة متطوّعين تحدّوا القصف ووجدوا أنفسهم أحياناً في قلب المعارك.
يقول ميكولا، وهو متطوّع يبلغ من العمر 24 عاماً كان في كييف يشارك في مراسم نُظّمت لتأبين واحد من متطوَّعين بريطانيين اثنين قُتلا في سوليدار في يناير، إنّ البقاء على قيد الحياة هو إذاً «مسألة حظ».
في بداية فبراير، قُتل عامل إنساني أجنبي آخر في باخموت، هو الأميركي بيت ريد.
حاولت نتاليا ييفتوشنكو البالغة 38 عاماً، مرّتين مغادرة المدينة.
في المرة الأولى في أبريل (نيسان)، قُتل ابنها البالغ 16 عاماً مع 60 مدنياً آخر، بصاروخ أصاب محطّة القطار في كراماتورسك، المدينة الرئيسية التي تسيطر عليها كييف في المنطقة. وفي المرة الثانية، تعرّضت لحادث سيارة. تقول: «حاولت بما فيه الكفاية».
تعمل ييفتوشنكو حالياً متطوّعة في مراكز إنسانية في باخموت، حيث تساعد في إطعام وتدفئة السكان، بينما يجعل الشتاء هذه الحياة غير المستقرّة أكثر صعوبة.
في الخنادق الواقعة على الأطراف، لا يحظى الجنود بهذا الدعم. إنّهم يتحمّلون البرد القارس ويتشبّثون بالشموع التي صنعها متطوّعون، من دون أن يتمكّنوا أحياناً من النوم لعدّة أيام متتالية.
تستعد القوات الأوكرانية لهجوم جديد، عبر حفر خنادق في محاولة لاحتواء الهجوم الروسي. في سلوفيانسك الواقعة على مسافة نحو خمسين كيلومتراً إلى الشمال الغربي، دُفن أحد الجنود في الأرض المتجمّدة. وشُيِّعت جنازة أولكسندر كوروفني (28 عاماً)، أحد أفراد كتيبة آزوف الذي قُتل في باخموت. يشير أحد أصدقائه أولكسي ستوروغ إلى نصب تذكاري للحرب العالمية الثانية، ويقول: «التاريخ يعيد نفسه»، متسائلاً: «ما الهدف من كلّ هذا؟».


مقالات ذات صلة

أرباح «نوفاتك» الروسية للغاز المسال تتراجع بأكثر من 60 % في 2025

الاقتصاد منشأة لمعالجة الغاز الطبيعي في منطقة إيركوتسك الروسية (رويترز)

أرباح «نوفاتك» الروسية للغاز المسال تتراجع بأكثر من 60 % في 2025

قالت شركة «نوفاتك»، أكبر منتج للغاز الطبيعي المسال في روسيا، الأربعاء، إن صافي أرباحها لعام 2025 انخفض بأكثر من 60 في المائة إلى 2.37 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا صورة لمطار دوموديدوفو الدولي خارج موسكو (أرشيفية-أ.ف.ب)

روسيا تتجه إلى الهند بحثاً عن عمال وسط أزمة عمالية فاقمتها الحرب

تتجه موسكو إلى مصدر جديد من الحصول على عمالة أجنبية بعد تفاقم النقص بسبب ضغوط الحرب في أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا رجل إطفاء في أحد المواقع التي استُهدفت بقنابل روسية موجهة في سلوفيانسك (د.ب.أ)

أوكرانيا: مقتل أربعة أشخاص في ضربة روسية... وزيلينسكي يبحث تحسين الدفاعات الجوية

قتل أربعة أشخاص بينهم ثلاثة أطفال في ضربة جوية روسية استهدفت مدينة بوغودوخيف في شرق أوكرانيا، وفق ما أفاد مسؤول أوكراني الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أوكرانية تمشي وسط الدمار في كراماتورسك بدونيتسك يوم 8 فبراير 2026 (رويترز)

موسكو: الطريق لا يزال طويلاً أمام السلام الأوكراني

هوّن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من الضغوط التي يمارسها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أوروبا وأوكرانيا، مشيراً إلى أن الطريق لا يزال طويلاً أمام تحقيق.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا جنود روس في شبه جزيرة القرم (رويترز - أرشيفية)

رئيس استخبارات إستونيا: لا يمكن لروسيا مهاجمة «الناتو» هذا العام... لكنها تخطط لتعزيز قواتها

قال رئيس استخبارات إستونيا إن روسيا لا تستطيع شن هجوم على حلف «الناتو» هذا العام، لكنها تخطط لزيادة قواتها بشكل كبير على طول الجناح الشرقي للحلف.

«الشرق الأوسط» (تالين)

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
TT

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)

أفادت شبكة «سي بي سي نيوز» بمقتل عشرة أشخاص، بينهم المشتبه به في إطلاق النار، إثر حادث إطلاق نار في منطقة تامبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية يوم الثلاثاء.

وعُثر على ستة جثث داخل مدرسة ثانوية، وجثتين أخريين في منزل تعتقد الشرطة أنه مرتبط بالحادث، وتوفي شخص آخر في طريقه إلى المستشفى، وفقًا لما ذكرته «سي بي سي نيوز»، مضيفةً أنه تم تأكيد وفاة المشتبه به في وقت سابق. وأفادت الشبكة نقلاً عن الشرطة، أن 25 شخصا آخرين يتلقون العلاج من إصابات في مركز طبي محلي.

يذكر أن حوادث إطلاق النار في المدارس نادرة في كندا.

وتقع بلدة تامبلر ريدج، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 2400 نسمة، على بعد أكثر من 1000 كيلومتر شمال فانكوفر، بالقرب من الحدود مع ألبرتا. وقالت الشرطة الملكية الكندية في بيان: «كجزء من الاستجابة الأولية لإطلاق النار، دخلت الشرطة المدرسة لتحديد مصدر التهديد. وأثناء البحث، عثر الضباط على عدة ضحايا. كما عثر على شخص يعتقد أنه مطلق النار ميتا بجروح يبدو أنها ناجمة عن إصابة ذاتية».


حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
TT

حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)

تخاطر الحكومة في مقاطعة كيبيك الكندية التي يقودها «حزب التحالف من أجل مستقبل كيبيك» بوضع آلاف المهاجرين الوافدين أمام مصير مجهول عبر إصلاح نظام الهجرة؛ ما يقلل فرصهم في البقاء والحصول على الإقامة الدائمة، وفق تقرير لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

ويجد كثير من الطلبة الأجانب والعمال الوافدين مع عائلاتهم من شمال أفريقيا ومن أنحاء العالم، أنفسهم اليوم عالقين في المفترق بعد أن خسروا ما يملكون في دولهم بحثاً عن فرص أفضل للعمل والحياة في المقاطعة الناطقة بالفرنسية.

وعلّقت حكومة المقاطعة رسمياً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 «برنامج الخبرة الكيبيكية» الذي يتيح للطلبة المتخرجين الجدد والعمال الوقتيين الذين يتقنون اللغة الفرنسية، مساراً واضحاً للتقدم بطلب الإقامة الدائمة بعد استيفاء معايير محددة.

وبدلاً من ذلك طرحت الحكومة البرنامج الجديد، «برنامج اختيار العمال الكيبيكيين المهرة» الذي يعتمد على نظام النقاط من بين معايير أخرى، كسبيل وحيد للتقدم بطلب الإقامة الدائمة.

ويعني هذا التحول في سياسات الهجرة أن مصير الآلاف من المهاجرين الذين وصلوا إلى كيبيك قبل سنوات قد بات على المحك مع حالة عدم اليقين بشأن إمكانية البقاء.

ولا يطرح البرنامج الجديد ضمانات فعلية للإقامة الدائمة لاحقاً، على الرغم من حاجة قطاعات حيوية في كيبيك إلى اليد العاملة، والزيادة المطردة في نسب التهرم السكاني.

ووفق موقع «كندا نيوز»، أُجبرت عائلة مكسيكية على مغادرة كيبيك بعد رفض منح الأم تصريح عمل لها بعد التخرج، إثر فشلها في اجتياز اختبار اللغة الفرنسية بفارق نقطة عن الحد الأدنى المطلوب.

مسافرون في أحد مطارات كندا (رويترز - أرشيفية)

وعززت تصريحات وزير الهجرة الكيبيكي جان فرانسوا روبرج مشاعر القلق مع وضعه سقفاً لعدد المهاجرين الذين سيتم قبولهم سنوياً، وفق الشروط الجديدة عند 45 ألف على أقصى تقدير.

وأوضح مكتب الوزير لراديو كندا أنه يتفهم «مخاوف البعض بشأن انتهاء برنامج الخبرة الكيبيكية، لكننا لا ندرس إضافة بند إضافي، وسنواصل معالجة الطلبات الواردة قبل تعليق البرنامج».

ويقابل هذا التصريح بشكوك واسعة، حيث نقلت تقارير إعلامية في كيبيك عن مصادر حكومية، أنه لن تتم معالجة جميع الطلبات.

وينظر معارضو الخطة على أنها تخلٍّ غير إنساني عن المهاجرين بعد سنوات من الانتظار والاستنزاف المالي لمدخراتهم.

ويشارك الآلاف من المتظاهرين من بينهم ممثلون عن المجتمع المدني، في مظاهرات يومية في مونتريال وكيبيك سيتي وشيربروك، للمطالبة بالإبقاء على «برنامج الخبرة الكيبييكية» وتطبيق المعايير الجديدة على من قدموا حديثاً إلى المقاطعة.

وقال المحامي والنائب في برلمان المقاطعة عن حزب «كيبيك سوليدار» جيوم كليش ريفار: «أمر سيئ أن يتم تغيير قواعد اللعبة في الوقت الذي بات فيه المهاجرون مؤهلون. هم هنا في كيبيك ومندمجون».

وتابع ريفار الذي أطلق عريضة لإسقاط برنامج الهجرة الجديد في مقطع فيديو نشره على حسابه: «تفتقد هذه الخطوة رؤية واضحة والاحترام، وتُخِلُّ بالتزامات كيبيك».

وفي حين تستقطب المظاهرات زخماً متزايداً في الشوارع، تتمسك الحكومة الإقليمية بالقطع نهائياً مع سياسات الهجرة السابقة.

وترى حكومة التحالف أن «برنامج الخبرة الكيبيكية» يهدد قدرة المقاطعة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الوافدين وانتشار اللغة الفرنسية، كما يضاعف الضغوط على الخدمات العامة بما في ذلك سوق السكن.

وفي المقابل، تشير منظمات المجتمع المدني إلى أن الأسباب المباشرة للأزمة الحالية تعود إلى تقاعس الحكومة في زيادة الاستثمار في مجالات الإسكان والتعليم والصحة.

ويقول فلوريان بيجيار الذي يعمل مستشاراً للمهاجرين الفرنكوفونيين في مونتريال في وقفة احتجاجية أمام مكتب الهجرة في الكيبيك «يمكن تفهم سياسات الهجرة التي تريد وضعها الحكومة في المقاطعة، لكن من غير المقبول عدم إخطار المهاجرين مسبقاً بهذه الخطوة، ووضع الآلاف من المهاجرين أمام الأمر المقضي».

وهدد فلوريان بتحريك دعوى قضائية ضد الحكومة في حال فشلت المحادثات مع وزير الهجرة في الكيبيك.

وتابع المستشار: «من المهم التعامل مع المهاجرين باحترام وحماية صورة كندا في العالم».


فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
TT

فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)

تعتزم الحكومة الفرنسية تشجيع جميع المواطنين البالغين من العمر 29 عاماً على الإنجاب «طالما لا يزال في استطاعتهم ذلك»، في خطوة تهدف إلى تفادي مشكلات الخصوبة في مراحل لاحقة من العمر، وما قد يرافقها من ندم لدى الأزواج بقولهم: «ليتنا كنا نعلم ذلك من قبل»، بحسب «سكاي نيوز».

ويقول مسؤولون صحيون إن الهدف من هذه الخطوة هو رفع الوعي بمخاطر تأجيل الإنجاب، في ظل تراجع معدلات الخصوبة في فرنسا، على غرار عدد من الدول الغربية الأخرى.

خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

وتندرج هذه المبادرة ضمن خطة وطنية من 16 بنداً تهدف إلى تعزيز معدل الخصوبة في فرنسا، في وقت تتراجع فيه أعداد المواليد بشكل مقلق في دول عدة، من بينها المملكة المتحدة.

وأثار هذا الاتجاه مخاوف حكومية بشأن القدرة على تمويل أنظمة التقاعد، والرعاية الصحية مستقبلاً، في ظل شيخوخة السكان، وتراجع أعداد دافعي الضرائب من الفئات العمرية الشابة.

غير أن تجارب دولية سابقة أظهرت أن السياسات الرامية إلى رفع معدلات الخصوبة حققت نتائج محدودة، فيما يرى منتقدو الخطة الفرنسية أن تحسين سياسات الإسكان، ودعم الأمومة قد يكونان أكثر فاعلية.

وتتضمن الخطة إرسال «معلومات مستهدفة ومتوازنة ومستندة إلى أسس علمية» إلى الشباب، تتناول قضايا الصحة الجنسية، ووسائل منع الحمل، وفق ما أفادت به وزارة الصحة الفرنسية.

وأكدت الوزارة أن هذه المواد «ستشدد أيضاً على أن الخصوبة مسؤولية مشتركة بين النساء والرجال».

توسيع مراكز تجميد البويضات وتعزيز البحث العلمي

وفي إطار الخطة، تسعى الحكومة إلى زيادة عدد مراكز تجميد البويضات من 40 إلى 70 مركزاً، مع طموح لجعل فرنسا رائدة في مجال أبحاث الخصوبة.

ويتيح النظام الصحي الفرنسي حالياً خدمة تجميد البويضات مجاناً للنساء بين 29 و37 عاماً، وهي خدمة تبلغ تكلفتها نحو 5 آلاف جنيه إسترليني للجولة الواحدة في المملكة المتحدة.

أرقام مقلقة... ولكن أفضل من دول أخرى

ويبلغ معدل الخصوبة في فرنسا حالياً 1.56 طفل لكل امرأة، وهو أقل بكثير من المعدل البالغ 2.1 اللازم للحفاظ على استقرار عدد السكان.

ومع ذلك، يبقى هذا المعدل أعلى من المعدلات المتدنية جداً في الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، وكذلك في المملكة المتحدة، حيث أظهرت أحدث البيانات أن المعدل انخفض إلى مستوى قياسي بلغ 1.41 في إنجلترا وويلز بحلول عام 2024.

صدمة ديموغرافية ونقاش سياسي أوسع

وقال البروفسور فرنسوا جيمين، المتخصص في قضايا الاستدامة والهجرة في كلية إدارة الأعمال بباريس، إن «الديموغرافيين كانوا على دراية بهذا الاتجاه منذ فترة، لكن تسجيل عدد وفيات يفوق عدد الولادات في فرنسا العام الماضي شكّل صدمة حقيقية».

وأضاف أن «القلق الديموغرافي» في فرنسا يتفاقم بفعل طبيعة نظام التقاعد، إلى جانب «الهوس بقضية الهجرة والخوف من الاستبدال السكاني».

حملات توعية

وتشمل الخطة أيضاً إطلاق حملة تواصل وطنية جديدة، وإنشاء موقع إلكتروني بعنوان «خصوبتي» يقدم إرشادات حول تأثير التدخين، والوزن، ونمط الحياة، إضافة إلى إدراج دروس مدرسية حول الصحة الإنجابية.

واعترفت وزارة الصحة بأن معدلات وفيات الأمهات والرضع في فرنسا أعلى من تلك المسجلة في دول مجاورة، مشيرة إلى بدء مراجعة شاملة لخدمات رعاية ما يتعلق بالولادة لمعالجة هذا الوضع «المقلق».

قرار تحكمه عوامل اجتماعية واقتصادية

من جانبه، قال تشانا جايسينا، أستاذ الغدد الصماء التناسلية في كلية إمبريال بلندن، إن تأخر سن الأمومة نتيجة التغيرات الاجتماعية يعد عاملاً أساسياً في تراجع الخصوبة لدى النساء.

وأشار إلى أن السمنة تمثل عاملاً خطيراً، إذ تزيد من مخاطر الإصابة بتكيس المبايض، وبطانة الرحم المهاجرة لدى النساء، كما تشكل عامل خطر رئيساً للرجال أيضاً.

بدوره، قال ألان بايسي، أستاذ علم الذكورة في جامعة مانشستر، إن قرار الإنجاب لدى معظم الناس «يرتبط بعوامل غير طبية، مثل التعليم، والفرص المهنية، والضرائب، والسكن، والتمويل»، مضيفاً أن «الطب لا يمكنه معالجة هذه الجوانب».