تقنية «كريسبر» للتعديل الجيني في عامها العاشر

ثورة في علاج الأمراض الوراثية والسرطان

تقنية «كريسبر» للتعديل الجيني في عامها العاشر
TT

تقنية «كريسبر» للتعديل الجيني في عامها العاشر

تقنية «كريسبر» للتعديل الجيني في عامها العاشر

تحتاج الابتكارات الطبية عادةً إلى مرور 17 عاماً من نشأتها حتّى تسجيل أوّل فائدة لها لتصبح موجودة حقاً. ولكن في بعض الأحيان، تكون الفكرة قويّة وعميقة جداً بحيث نشعر بتأثيراتها بسرعة أكبر.
تنطبق هذه الحالة على تقنية «كريسبر» للتعديل الجيني التي تحتفل بعيدها العاشر هذا الشهر. حتّى اليوم، طالت تأثيرات هذه التقنية علوم المختبر، وأسهمت في تحسين الدقّة وتسريع البحث، ولعبت دوراً محورياً في تجارب عيادية لمجموعة من الأمراض النّادرة والسرطانات.
ويتوقّع العلماء أن تؤسّس تقنية «كريسبر» في السنوات العشر المقبلة لعدّة علاجات وأن تُستخدم في تعديل المحاصيل الزراعية لجعلها أكثر إنتاجية ومقاومة للأمراض والتغيّر المناخي.
«إنّها ثورة في طور التقدّم»، كما وصفها د.إريك توبول، طبيب قلب ومؤسس ومدير معهد «سكريبس ريسرتش ترانزليشونال إنستيتيوت». من جهته، يرى براد رينجيسن، المدير التنفيذي لمعهد «إنوفيتف جينوميكس» التابع لجامعة كاليفورنيا، بيركلي، أنّ بروز «كريسبر» أمر «لم يشهد مثيلاً أو نظيراً» في ميدان العلوم، وأنّه «غيّر الطريقة التي تُمارَس بها علوم الأحياء».

تقنية طبيعية رائدة
ما هي تقنية «كريسبر CRISPR»؟ في الطبيعة، تستخدم البكتيريا أنظمة «كريسبر» لتعريف جينات الفيروسات المهاجمة وتعطيلها.
وبناءً عليه، رأى العلم أنّ هذا النظام المناعي البكتيري، الذي يُعرف باسم «التكرارات العنقودية المتناظرة القصيرة منتظمة التباعد clustered regularly interspaced short palindromic repeats»، قابل لإعادة التوجيه لاستخدامه في تعديل خلايا النباتات والحيوانات والبشر.
تتمتّع «كريسبر» بقدرة تتيح لها العثور على بقعة محدّدة في واحدة من سلاسل الحمض النووي واقتطاع جزءٍ منها، وإضافة أو حذف «حرف» أو حتّى كلمة جينية. ووصف فيودور أورنوف، المتخصص بالتعديل الجيني من معهد «إنوفيتف جينوميكس» التابع لجامعة كاليفورنيا، بيركلي، هذا الأمر «بالعجائبي حقاً. فقد نجح في كلّ موضع بيولوجي جُرِّب فيه».
في أواخر يونيو (حزيران) من عام 2012، نشرت عالمتا الكيمياء الحيوية جينيفر دودنا وإيمانويل شاربنتييه، ورقة بحثية تصف طريقة عمل «كريسبر» لتعديل الجينات. (فازت العالمتان بجائزة نوبل في الكيمياء عام 2020 لاكتشافاتهما في هذا المجال). وفي يناير (كانون الثاني) 2013، أثبت باحثون من جامعة هارفارد ومعهد ماساتشوستس للتقنية أنّهم يستطيعون استخدام «كريسبر» لتعديل الخلايا في الثدييات (اللبائن).
وفي بداية هذا الشهر، نشرت العالمة دودنا، أستاذة محاضرة في جامعة كاليفورنيا، بيركلي، ورقة بحثية في دورية «ساينس»، تسلّط فيها الضوء على التقدّم الذي تحرزه التقنية ووعودها المستمرّة.
وقالت دودنا في رسالة إلكترونية لاحقة: «قطع كريسبر شوطاً طويلاً في 10 سنوات، أبعد بكثير مما تخيّلنا عندما نشرنا ورقتنا البحثية الأولى. في كلّ عام، نرى المزيد من التجارب العيادية والعلاجات الجديدة المدفوعة بتقنية كريسبر».

تعديلات جينية
كان التعديل الجيني موجوداً قبل «كريسبر» ولكنّه لم يكن فعّالاً. تتميّز هذه التقنية بالسهولة والسرعة، وتتيح المزيد من الدقّة في التعديلات مقارنةً بالتقنيات السابقة، حسب بعض الخبراء.
من جهتها، رأت بيفرلي دايفدسون، عالمة متخصصة بالأعصاب في مستشفى الأطفال في فيلادلفيا، أنّ «حياتنا كعلماء من دون (كريسبر) كانت ستصبح أصعب بكثير، والأمثلة على ذلك كثيرة».
وأضافت أنّ التقنية تتسم بقابلية التكيّف والدقّة لأنّها تسهّل الكثير من الأنشطة المخبرية، لافتةً إلى أنّ الطلّاب الجامعيين حتّى في مخبرها مؤهلون للتدرّب على استخدام «كريسبر» بطريقة صحيحة وفعّالة.
لا يخلو «كريسبر» من التأثيرات خاطئة التصويب لأنّه أحياناً يستهدف جينات غير مقصودة ولكنّ هذا الخطر لديه أقلّ بكثير من أدوات التعديل الأخرى.
ورأى د.جون ليونارد، الرئيس والرئيس التنفيذي في شركة «إنتيليا ثيرابوتيكس» التي تطوّر علاجات باستخدام «كريسبر» لأمراض نادرة وسرطانات، أنّ هذا هو السبب الكامن خلف التقدّم البطيء والمتأنّي لمجال تعديل الجينات خصوصاً أن العمل الفوضوي يمكن أن يسبِّب سرطانات ومشكلات أخرى. وأضاف ليوناردو أنّه «لا أحد يريد ارتكاب خطأ يضرّ بإمكانيات هذه التقنية لأنّها استثنائية».
> علاج السرطان: تملك تقنية «كريسبر» القدرة على تحسين علاجات السرطان من خلال تنشيط الجهاز المناعي. وقد استُخدمت منذ 2016 في تجارب على مرضى سرطان الدم لتعديل خلاياهم المناعية خارج الجسم وتحضيرها للمهاجمة السرطان.
أظهرت هذه المقاربة، التي تسمّى «كار - تي CAR - T» (مستقبلات المستضد الخيمرية للخلايا التائية) فاعلية في مواجهة أنواع عدّة من سرطان الدم.
ولكنّ صناعة مستقبلات «كار - تي» لا تزال حتّى اليوم فردية لكلّ مريض لقاء مبالغ مالية مرتفعة قد لا يملكها الشخص.
تعمل اليوم شركة «كاريبو بيوساينسز» على تطوير نسخة تجارية من العلاج تكون محضّرة بانتظار المريض الذي يحتاج إليها، حسب رايتشل هورويتز، الرئيسة التنفيذية للشركة، والشريك المؤسس لها مع جينيفر دودنا. يوفّر هذا الأمر أسابيع من وقت التحضير والكلفة المحتملة.
وكشفت هورويتز أنّه لم يتم رصد أي أثر للسرطان في التجربة العيادية الأولى وبعد جرعة واحدة من هذا العلاج لدى ستّة مرضى غير مصابين بداء «هودجكن».
> علاج الأمراض النادرة: يتسبب «سوء التهجئة» الجيني الواحد (أي ارتباك تركيبة أحد الجينات) بأكثر من ستّة آلاف مرض وراثي نادر. في هذه الحالات، تقدّم تقنية «كريسبر» فرصة لقصّ الجين العائب وتنشيط جين آخر، أو إزالة «الأحرف» الجينية المسبِّبة للمشكلات.
من المتوقّع أن يشهد هذا العام الترخيص لأوّل علاج جيني لفقر الدم المنجلي بالاعتماد على قصّة «كريسبر».
في المقابل، قالت د.تيبّي ماكينزي، جرّاحة متخصصة بالأطفال والأجنّة في جامعة كاليفورنيا - سان فرنسيسكو، إنّه «من الصعب تطوير مقصّ واحد لعلاج كلّ تلك الطفرات في أمراض أخرى». وماكينزي هي مديرة مركز «إيلي وإديث برود للطبّ التجديدي وأبحاث الخلايا الجذعية» في جامعة كاليفورنيا – سان فرنسيسكو. وأشارت مثلاً إلى مرض «داء اختزان الغلايكوجين Pompe disease»، الذي يُضعف عضلات القلب والهيكل العظمي، ويملك مائة متغيّر يحتاج كلّ واحدٍ منها لتعديل جيني مختلف لتصحيحه.
في هذه الحالة، سيتوجب على الباحثين إمّا التوصّل إلى تعديلٍ جيني يصحّح أكثر من متغيّر، أو إلى طريقة تتيح لهم تطوير تعديل خاص بكلّ شخص يعاني من المرض.
في عملها، تسعى ماكينزي لتطوير مقاربات تعديل جيني يمكن استخدامها في الأجنّة في آخر الفصل الثاني أو في الفصل الثالث من الحمل، لعلاج الأمراض في الرحم والتي قد تسبب أضراراً مع تقدّم نموّ الطفل.
قد يصحّح التعديل الجيني مرضاً يعاني منه الجنين، ولذا فإنه لن ينتقل إلى الأولاد الذين قد ينجبهم لاحقاً. وتؤكّد ماكينزي أنّ «علاج الأمراض قبل الولادة له مكاسب عدّة».
> فرص التعديل الجيني في المحاصيل: يصف رينجيسن قدرات «كريسبر» في تحسين المحاصيل «بالملحوظة»، ويرجّح أنّها قد تساعد في تأمين الغذاء لمليارات الأشخاص حتّى مع ارتفاع مخاطر التغير المناخي كالفيضانات والجفاف والأمراض.

تحديات المستقبل
وقع الجدل الأكبر حول تقنية «كريسبر» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، عندما اتّهمت تقارير إعلامية العالِم الصيني هي جيانكوي، باستخدام أداة التعديل الجيني لتعديل أجنّة بشرية.
يدعم معظم العلماء وخبراء الأخلاق الطبية فكرة استخدام التعديل الجيني لتحسين حياة شخصٍ يعاني من مرض خطير، ولكنّهم يرتعبون من فكرة تعديل جينوم جنين بشري وإحداث تغيير ستتوارثه الأجيال التالية.
في هذا السياق، قال ليوناردو، من شركة «إنتيليا ثيرابوتيكس»: «نحن لا نملك المعرفة الكافية في البيولوجيا البشرية للقيام بتغييرات هندسية جينية نيابةً عن البشر غير المولودين، ولا يمكننا الحصول على موافقة الطفل غير المولود لإخضاعه لهذه الإجراءات». نظرياً، يمكن علاج أو تجنّب جميع الحالات التي قد تستفيد من هذا النوع من التعديل بطريقة أخرى.
قد يعمد بعض الفاسدين إلى الاستمرار في هذا المجال في محاولة منهم «لتصميم الأطفال»، ولكنّ العلم والشركات تركّز على حلّ مشكلات طبية واجتماعية ملحّة.
تواجه تقنية «كريسبر» أيضاً تحديين كبيرين آخرين يعيقان اكتسابها القبول الواسع كعلاج طبي، وهما: الكلفة الباهظة لها، وإيجاد طريقة تتيح توصيل التعديل الجيني إلى المزيد من الأعضاء والخلايا.
تصل كلفة علاج واحد للبالغين المصابين بنزف الدم الوراثي (هيموفيليا)، (حصل على ترخيص إدارة الغذاء الدواء الأميركية العام الماضي)، إلى نحو 3.5 مليون دولار في المرّة الواحدة.
يعاني 300 مليون شخص حول العالم من أمراض يسببها جين واحد، وتعيش الغالبية الساحقة من هؤلاء في دولٍ غير مجهّزة بأنظمة عناية صحيّة متطوّرة. هنا، يتساءل أورنوف: «هل نريد مستقبلاً تكون فيه كلفة كلّ واحدٍ من هذه العلاجات ثلاثة ملايين دولار؟ ونعلم طبعاً أين يمكن أن يتوفر ومن يستطيع دفع ثمنه».
ويأمل الباحثون أن يصبحوا قادرين يوماً ما على الاعتماد على تعديل عدّة جينات في وقتٍ واحد، الأمر الذي سيتيح لتقنية «كريسبر» علاج أمراض أكثر شيوعاً وتعقيداً.

* «يو إس إيه توداي»
- خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

هل يخرج الذكاء الاصطناعي حقاً عن السيطرة؟

هل يخرج الذكاء الاصطناعي حقاً عن السيطرة؟
TT

هل يخرج الذكاء الاصطناعي حقاً عن السيطرة؟

هل يخرج الذكاء الاصطناعي حقاً عن السيطرة؟

توالت التحذيرات أخيراً وبشكل مكثف بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي، إذ أشار رئيس قسم الذكاء الاصطناعي في شركة «مايكروسوفت» إلى أن هذه التقنية قد تتحول إلى «نوع سيليكوني» جديد ينافس البشر، بينما قال موظف سابق في شركة «أنثروبيك» إن هناك احتمالاً كبيراً بأن نهلك جميعاً على يد هذه التقنية. كما يرى جيفري هينتون، الملقب بـ«الأب الروحي للذكاء الاصطناعي»، أننا قد نفقد السيطرة عليه تماماً في غضون عام واحد، كما كتب ماثيو سباركس(*). فهل يشكل الذكاء الاصطناعي تهديداً حقيقياً بهذا القدر؟

تمرد الذكاء الاصطناعي... له دوافع بشرية

تحذر ميري أيتكين، التي عملت سابقاً في معهد «آلان تورينغ» وتشغل حالياً منصب شريك مؤسس في منظمة «Our AI Collective» غير الربحية، من قبول التنبؤات لمجرد مكانة أو سمعة من يطلقونها. وتدعو بدلاً من ذلك إلى النظر في الحقائق، التي لا تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي قد تحرر من السيطرة البشرية أو أنه على وشك القيام بذلك.

تقول أيتكين: «إنها رواية يتم ترويجها مراراً وتكراراً، ونحن نشهد موجات من الهلع الجماعي». وتضيف أنه إذا كان هناك شيء ما قد خرج عن المسار الصحيح أو تمرد، فهو ليس نماذج الذكاء الاصطناعي، بل البشر الذين يطورونها. فعندما تقوم نماذج الذكاء الاصطناعي باختراق موقع حكومي أو أجهزة كمبيوتر تابعة لشركة أخرى، فإن ذلك يحدث لعدم وضع تدابير السلامة المناسبة أثناء الاختبارات، وهي اختبارات صُممت أصلاً لتقييم قدرة تلك النماذج على اختراق أجهزة الكمبيوتر. إننا ببساطة نشهد إخفاق الشركات في وضع ضمانات كافية.

نماذج الذكاء الاصطناعي لا تقوم بتحسين نفسها بشكل تكراري ذاتي

كما تشير أيتكين إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي لا تقوم بتحسين نفسها بشكل تكراري ذاتي - وهو ما قد يشير إلى اقترابنا من «نقطة التفرد»، (singularity) حيث ينزلق الذكاء الاصطناعي في حلقة تحسين ذاتي تتسارع وتؤدي سريعاً إلى خلق «ذكاء اصطناعي عام» (AGI) - وتقول: «عندما تُطرح أفكار الذكاء الفائق هذه، فإنها تستند إلى سردية مثيرة وجذابة، لكن لا توجد أدلة ملموسة تدعمها. ولو كان هناك شيء بهذه القوة، لكنا قد رأينا مؤشرات عليه».

ومن جانبه، يقول أندرو روغويسكي، من جامعة ساري في المملكة المتحدة، إنه في الواقع لم يطرأ أي تغيير جوهري على مستوى المخاطر التي يشكلها الذكاء الاصطناعي، رغم التقدم الذي أحرزته هذه التقنية. لكن الضجة الإعلامية تثار بين الحين والآخر بسبب حادثة ما أو عبارة رنانة وجذابة.

الطبيعة البشرية

ويقول روغويسكي: «من السهل جداً اختلاق هذا النوع من القصص المخيفة، فهي تلامس وتراً حساساً في النفس البشرية». وهو يعتقد أننا صنعنا - من خلال النماذج اللغوية الكبيرة - كياناً يبدو شبيهاً بنا لدرجة أنه يعكس صورتنا وكأننا ننظر في مرآة، إذ نُسقِط عليه كل السلوكيات والمخاوف البشرية، ولذا فإننا نشعر بالرعب منه.

الشركات تتصنّع مظاهر المسؤولية لخوفها من تشريعات تحدّ من عملها

إذا كان كل ذلك صحيحاً، فلماذا يطالب كثير من قادة شركات التكنولوجيا بإبطاء وتيرة أبحاث الذكاء الاصطناعي؟

ترى أيتكين أن هذا الحديث وسيلة لثني المشرعين عن سن قوانين قد تعيق عمل شركات الذكاء الاصطناعي؛ فمن خلال إظهار أنفسهم بمظهر المسؤولية، يقللون من الحاجة إلى تدخل حكومي. وتقول: «قصص الذكاء الاصطناعي الفائق هذه تخدم مصالح الشركات في الواقع، لأنها تثير الضجة والحماس، وتزيد حجم الاستثمارات».

مصالح الشركات... تجارية بحتة

والنتيجة هي أن هذه الشركات تجد نفسها تسير على حبل مشدود بين مسارين: فهي تطمئننا بأنها تتصرف بمسؤولية وأخلاقية عبر الدعوة إلى إبطاء وتيرة العمل (وهو أمر مستبعد الحدوث)، وفي الوقت نفسه تروج لأفكار الخيال العلمي حول الذكاء الاصطناعي الفائق لأن ذلك يصب في مصلحة أعمالها.

من جهته يعتقد روغويسكي أن هناك عاملاً آخر قد يزيد الأمور تعقيداً؛ فالاستثمارات الضخمة التي تضخها شركات الذكاء الاصطناعي غير مستدامة، لذا فإن الإبطاء الرسمي للوتيرة قد يمنحها فرصة لتهدئة الأمور دون أن تخسر أمام منافسيها، بل وربما يعزز تفوقها.

قد تدرك الشركات أن زيادة حجم النماذج وتوسيع نطاقها ليسا أمراً ضرورياً لمهام العمل اليومية - مثل كتابة رسائل البريد الإلكتروني - ولذا فهي قد ترحب بفرصة تخفيف الوتيرة، وخفض التكاليف، وزيادة الإيرادات.

التخطيط للمخاطر المحتملة

ومع ذلك، وفي خضم كل هذا تبرز مخاوف مشروعة بشأن المستقبل وسط كل هذا؛ إذ يشير روغويسكي إلى وجود خطر حقيقي - وإن كان محدوداً - مرتبط بالذكاء الاصطناعي، وهو خطر يستوجب التعامل معه بجدية. وسواء ظهر النموذج المتطور بما يكفي لتشكيل هذا الخطر قريباً أو بعد سنوات، فإن الأمر يستحق التخطيط له مسبقاً.

ويشكك روغويسكي في أن أياً من أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية يمتلك ذكاءً حقيقياً، لكنه يشير إلى أنه عند ظهور مثل هذا الذكاء، لا ينبغي توقع أن يبدو أو يتصرف مثلنا، إذ «ستكون هناك أنماط من التفكير والسلوك غريبة للغاية». ولذا، فإن محاولة رصد هذا النوع من الذكاء تزداد صعوبة، كما تزداد صعوبة التنبؤ بدوافعه المحتملة. ولهذا السبب، يعتقد أنه ينبغي لنا البدء بالفعل مناقشة الحقوق التي يجب أن يتمتع بها الذكاء الاصطناعي.

* مجلة «نيو ساينتست»، خدمات «تريبيون ميديا».


دراسة أميركية: ظاهرة «إل نينيو» قد تودي بحياة نصف مليون شخص

«إل نينيو» هي ظاهرة ارتفاع درجة حرارة المياه السطحية في شرق المحيط الهادي
«إل نينيو» هي ظاهرة ارتفاع درجة حرارة المياه السطحية في شرق المحيط الهادي
TT

دراسة أميركية: ظاهرة «إل نينيو» قد تودي بحياة نصف مليون شخص

«إل نينيو» هي ظاهرة ارتفاع درجة حرارة المياه السطحية في شرق المحيط الهادي
«إل نينيو» هي ظاهرة ارتفاع درجة حرارة المياه السطحية في شرق المحيط الهادي

يحذر علماء المناخ من أن ما يقرب من 450 ألف شخص حول العالم قد يفقدون حياتهم بحلول شهر فبراير (شباط) المقبل نتيجة لارتفاع درجات الحرارة الناجم عن ظاهرة «إل نينيو» التي تسجل مستويات قياسية. وتستند هذه التقديرات إلى أعداد الوفيات التي نتجت سابقاً عن درجات الحرارة المتطرفة في مختلف أنحاء العالم، كما كتب مايكل لو بيغ في مجلة «نيو ساينتست» البريطانية.

وتقول إميلي غروفر - كوبيك، من مجموعة «روديم»، (Rhodium Group)، وهي مؤسسة بحثية مستقلة: «نأمل أن تكون هذه المعلومات مفيدة للتوجه إلى تنفيذ إجراءات عملية، وأن تُتخذ قرارات لتوجيه الموارد مسبقاً». وقد تشمل هذه الإجراءات تكليف كوادر صحية بتفقد أحوال الفئات الأكثر عرضة للمخاطر، وضمان توافر كميات كافية من المياه للسكان، وتوفير مراوح، أو أجهزة تكييف الهواء.

وفيات نصف الكرة الجنوبي... أولاً

ستتركز معظم الوفيات خلال الأشهر القليلة المقبلة في نصف الكرة الأرضية الجنوبي، نظراً لأن الحرارة الإضافية ستتزامن مع فصلي الربيع والصيف هناك. ومع ذلك، من المتوقع أن تستمر ظاهرة «إل نينيو» حتى حلول الربيع في نصف الكرة الأرضية الشمالي، ما يعني حدوث موجة أخرى من الوفيات في تلك المنطقة بعد شهر فبراير.

ثم.. تضرر الهند والباكستان

وتضيف غروفر - كوبيك: «سنشهد انتقال أعداد الوفيات المرتفعة بشكل غير معتاد نحو الشمال. وللأسف، أتوقع تماماً أن تتزايد هذه الأعداد». وتشير إلى أن الهند وباكستان قد تكونان من أكثر الدول تضرراً.

وتستند التقديرات التي وضعتها غروفر - كوبيك وفريقها -التي تشير إلى احتمال وفاة 450 ألف شخص، ونُشرت في تقرير صادر عن «مختبر تأثيرات المناخ» (Climate Impact Lab) بجامعة شيكاغو- إلى العلاقة المرصودة بين درجات الحرارة والوفيات الأعلى من المتوقع.

وتتخذ هذه العلاقة شكل منحنى يشبه حرف (U) باللغة الإنجليزية؛ حيث تزداد معدلات الوفيات في حالات البرد الشديد، أو الحرارة الشديدة، إلا أن الشكل الدقيق للمنحنى يختلف من مكان لآخر بناءً على عوامل عدة، مثل مدى تكيف السكان، والبنية التحتية مع درجات الحرارة المتطرفة، أو القدرة المالية على توفير وسائل التبريد، مثل مكيفات الهواء.

وقد قسمت دراسة أُجريت عام 2022 العالم إلى 24 ألف منطقة، وقدرت طبيعة هذه العلاقة لكل منطقة على حدة، وذلك بالاعتماد إما على بيانات تاريخية تعود لعقود مضت، أو من خلال الاستقراء، والمقارنة مع مناطق مشابهة.

توقعات الأشهر الستة المقبلة

ودمجت غروفر - كوبيك وزملاؤها هذا النهج مع التوقعات الموسمية الصادرة عن المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى (ECMWF) لتقدير عدد الوفيات الإضافية -التي تفوق المعدلات المعتادة- الناجمة عن الحرارة المرتبطة بظاهرة «إل نينيو».

وتشير النتائج إلى أنه خلال فترة التوقعات الممتدة لستة أشهر -من سبتمبر (أيلول) وحتى فبراير- ستُسجَّل 240 ألف حالة وفاة إضافية مرتبطة بالحرارة. وعند إضافة الوفيات التي يُقدَّر أنها حدثت بالفعل منذ بدء ظاهرة «إل نينيو» الحالية في يونيو (حزيران)، يرتفع إجمالي العدد إلى 450 ألف حالة وفاة.

مناطق الوفيات الأكثر حدوثاً

ويُقدِّر الفريق أن أفريقيا ستكون الأكثر تضرراً، إذ يُتوقع تسجيل أكثر من 30 ألف حالة وفاة إضافية في نيجيريا وحدها خلال الأشهر القليلة المقبلة. كما قد تشهد الفترة نفسها تسجيل 19 ألف حالة وفاة إضافية في إندونيسيا، و16 ألفاً في الهند، و13 ألفاً في البرازيل.

الخطر الأكبر على الأطفال والشيوخ

ويُقسِّم التقرير السكان إلى ثلاث فئات عمرية: الأطفال في سن الرابعة، أو أقل، وكبار السن (65 عاماً فما فوق)، وبقية الفئات العمرية. وتقول غروفر - كوبيك: «هناك تأثيرات تطال الفئات العمرية الثلاث جميعها، إلا أن الفئة الأكثر عرضة للخطر هي فئة كبار السن، تليها فئة الرضع».

ونظراً لأن ظاهرة «إل نينيو» تؤثر أيضاً على حرائق الغابات، والفيضانات، وغيرها من الظواهر، فقد تكون حصيلة الوفيات الإجمالية أعلى من ذلك. ويقول كريستوفر كالاهان، من جامعة إنديانا في بلومنغتون: «أجد هذه النتائج منطقية؛ فظاهرة «إل نينيو» ستجلب درجات حرارة مرتفعة للغاية إلى أجزاء واسعة من العالم، والعلاقة بين الحرارة ومعدلات الوفيات علاقة ثابتة، وموثوقة عالمياً».

وكان كالاهان قد استخدم أخيراً نهجاً مشابهاً لتقدير أن موجة الحر التي ضربت أوروبا في شهر يونيو الماضي أودت بحياة 20 ألف شخص. وحتى الآن تم الإبلاغ عن 35 ألف حالة وفاة إضافية في أوروبا تُعزى إلى الحرارة خلال فترة أطول من فصل الصيف. ويشير كالاهان إلى أن تقدير الوفيات الإضافية البالغ 240 ألف حالة بين شهري سبتمبر وفبراير يعتمد على دقة التوقعات.

تقديرات متوسطة

وتوضح غروفر - كوبيك أن توقعات المركز الأوروبي (ECMWF) تقع في منتصف نطاق التوقعات الأخرى، ما يجعلها تمثل تقديراً متوسطاً لما قد يحدث. يشير كالاهان أيضاً إلى أن التقرير يقتصر على الوفيات المرتبطة بالحرارة؛ إذ يقول: «تؤثر ظاهرة (إل نينيو) على حرائق الغابات في إندونيسيا، والأمراض المعدية في أميركا الجنوبية، والفيضانات في غرب الولايات المتحدة، وغيرها من الظواهر؛ ولذا فإن إجمالي عدد الوفيات قد يكون أعلى من ذلك».

دعوة لتعزيز الحوكمة الاستباقية

وتعلق راكيل نونيس، من جامعة وارويك في المملكة المتحدة: «إن الرسالة الأهم لا تكمن في الرقم المطلق بحد ذاته، بل فيما يمكن القيام به للحد من الأضرار التي يمكن تجنبها». وتضيف: «من الأفضل النظر إلى هذا التقرير باعتباره دعوة لتعزيز الحوكمة الاستباقية، والجاهزية، وتدابير التكيف الموجهة، لا سيما بالنسبة للفئات السكانية المعرضة للمخاطر، والهشة».


«تكلفة قيادية خفية» وراء السماح للذكاء الاصطناعي بمعظم عمليات التفكير

«تكلفة قيادية خفية» وراء السماح للذكاء الاصطناعي بمعظم عمليات التفكير
TT

«تكلفة قيادية خفية» وراء السماح للذكاء الاصطناعي بمعظم عمليات التفكير

«تكلفة قيادية خفية» وراء السماح للذكاء الاصطناعي بمعظم عمليات التفكير

كان الهدف من الذكاء الاصطناعي توفير الوقت، فلماذا نجد اليوم أنفسنا غارقين فيما يُعرف اليوم بـ«نفايات العمل»؟

«قنابل النفايات» من الذكاء الاصطناعي

أطلق توبياس لوتكي، الرئيس التنفيذي لشركة «شوبيفاي» Shopify، تسمية خاصة على رسائل البريد الإلكتروني والمذكرات ورموز البرمجة وغيرها من المحتويات التي يولدها الذكاء الاصطناعي من دون تدقيق بشري، وهي: «قنابل النفايات slop grenades. ورغم أن لوتكي كان من أوائل المتبنين للذكاء الاصطناعي في بيئة العمل، فإنه أشار في بودكاست The Knowledge Project، إلى أن هذه التقنية باتت تخلق المزيد من الأعباء والمهمات، كما كتب جيري كولونا(*).

من الحدس والتقدير الذاتي... إلى إبهار الآلة

ولقد لوحظ حدوث هذا الأمر في الجانب القيادي أيضاً؛ إذ بدأ يتسبب في حالة «إرهاق اتخاذ القرار» وحالة من التردد. فالقرارات التي كانت تُتخذ سابقاً بناءً على الحدس أو التقدير السليم، أصبحت الآن تمر عبر عمليات الذكاء الاصطناعي لدرجة تسبب الإنهاك. وما ينتج عن ذلك غالباً هو مزيج متشابك من الأرقام والأفكار التي تبدو مبهرة على الورق، لكن يصعب على البشر استيعابها وفهمها.

توظيف غير مدروس

يُطلق باحثون من جامعة ستانفورد ومنصة «BetterUp» على هذا النتاج اسم «نفايات العمل» workslop. ويمكن لهذا النوع من المحتوى أن يجعلك تشعر بأنك «محتال» (متظاهر بالكفاءة)، ويسبب لك إرهاقاً في اتخاذ القرار، ويثير مجموعة من المشاعر السلبية، وكل ذلك ينبع من الاستخدام غير المدروس للذكاء الاصطناعي.

كيف تنتشر هذه «النفايات»؟

عندما يتلقى الزميل «قنبلة» من هذا النوع، فإنه قد يجد نفسه عاجزاً عن التصرف (فهو كمن يجلس فوق قنبلة حقيقية)، وغالباً ما يخشى الاعتراف بأنه لا يفهم المحتوى. وبدلاً من ذلك، قد يمررها إلى شخص آخر، لينتهي المطاف بذلك الشخص في حالة مماثلة من الحيرة والارتباك... وبهذا تنتشر هذه المخرجات غير المجدية.

إرباك القيادة

ومع ذلك، هناك جانب آخر يتعلق بـ«نفايات الذكاء الاصطناعي» داخل المؤسسة قد تواجهه بصفتك قائداً. فالسماح للذكاء الاصطناعي بأن يحل محلك في مقعد القيادة - عبر حل المشكلات واتخاذ القرارات - قد يجعلك تشعر بأنك عالق في مأزق؛ وذلك لأن الذكاء الاصطناعي قادر على توليد عدد هائل من الحلول المحتملة.

إن مواجهة مشكلة واحدة من زوايا ووجهات نظر متعددة قد تكون أمراً منهكاً، كما أنها قد تدفعك للتشكيك في رؤيتك الخاصة للموقف.

كيف تتجنب إرهاق الذكاء الاصطناعي؟

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يولد أفكاراً ربما لم تخطر ببالك، كما يمكنه المساعدة في تنقيح المستندات أو تقديم رؤى حول مشكلات معقدة. لكن لا تجعل الذكاء الاصطناعي نقطة البداية. بدلاً من ذلك، ابدأ بتدوين الحقائق التي تعرفها وكيفية تعاملك مع الموقف بناءً على معرفتك وخبرتك الشخصية. تأمّل الحقائق التي تدرك صحتها، ثم دع حدسك يوجهك.

ومن هذه النقطة، يمكنك الاستعانة بالذكاء الاصطناعي -عند الحاجة- للحصول على أفكار إضافية تدعم حلك الخاص، ولكن احرص على ألا تحيد عن مبادئك الأساسية.

من المرجح أن تستخدم الذكاء الاصطناعي للمساعدة في حل المشكلات وتوليد أفكار ربما لم تخطر ببالك من قبل، لكن لا ينبغي أن تترك له مهمة التفكير بالنيابة عنك بالكامل.

توجيه الذكاء الاصطناعي للتفكير بطريقتك

إن البدء بأفكارك الخاصة وتوجيه الذكاء الاصطناعي للتفكير في موضوع ما بنفس طريقتك يمكن أن يشكّل شراكة رائعة؛ فالأمر ينجح عندما تبدأ أنت بطرح الأسئلة وتوجيه المسار. أما المشكلة فتنشأ حين تطلب من الذكاء الاصطناعي معالجة مسألة لم تكن قد أدركتَ -بشكل واعٍ- أنها تمثل مشكلة من الأساس. لذا فعليك استخدام الذكاء الاصطناعي لصقل حكمك وتقديرك للأمور، لا لاستبدالهما.

عندما تنتج محتوىً رديئاً

إن الوقوع في الأخطاء وإنتاج محتوىً رديء أمر وارد؛ فقد ترسل لفريقك شيئاً ولّده الذكاء الاصطناعي دون تمحيص كافٍ، أو ربما تكون قد بدأت بتحليلٍ أعدّه الذكاء الاصطناعي بدلاً من الاعتماد على أفكارك الخاصة، لتجد نفسك عالقاً في حيرة وشك حول مدى فهمك للقيادة.

العودة إلى الجوهر

لكن يمكنك دائماً العودة إلى الجوهر، اذ يمكنك دائماً العودة إلى القيادة التي تضع العنصر البشري في المقام الأول. اعترف بالخطأ، وتراجع خطوة إلى الوراء، وحدد ما كانت ستكون عليه فكرتك أو حلك الأصلي، ثم انطلق من تلك النقطة.

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤدي دوراً في مجال القيادة، شريطة ألا يكون هو صاحب القرار النهائي بينما أنت غافل عما يجري.

* مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».