ألمانيا... حرب أوكرانيا والخيارات الاستراتيجية الصعبة

بين هواجس الماضي وإرث «الأوستبوليتيك»

دبابة «ليوبارد» الألمانية (إ.ب.أ)
دبابة «ليوبارد» الألمانية (إ.ب.أ)
TT

ألمانيا... حرب أوكرانيا والخيارات الاستراتيجية الصعبة

دبابة «ليوبارد» الألمانية (إ.ب.أ)
دبابة «ليوبارد» الألمانية (إ.ب.أ)

منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا قبل عام تقريبا، جلبت ألمانيا لنفسها لقب «المترددة» بالنسبة لحلفائها الغربيين، وذلك بسبب عرقلتها مرة بعد أخرى إرسال مساعدات عسكرية لكييف أو حتى فرض عقوبات على موسكو. ومع أن ألمانيا تعتبر نفسها «متمهلة» لا «مترددة»، فإن تباطؤها في اتخاذ قرارات تتعلق بدعم أوكرانيا، كان آخرها حول دبابات «ليوبارد»، فاقم قلة الثقة فيها بوصفها شريكا يمكن الاعتماد عليه بالنسبة لواشنطن. حتى قبل بداية الحرب في 24 فبراير (شباط) من العام الماضي، كان صبر الولايات المتحدة قد بدأ ينفد مع ألمانيا. وفي نهاية يناير (كانون الثاني) من العام نفسه، - أي قبل شهر تقريبا من بدء الحرب - وجهت السفيرة الأميركية في برلين إيميلي هابر رسالة شديدة اللهجة إلى الخارجية الألمانية، كشفت عنها مجلة «دير شبيغل»، استهلتها - حسب المجلة – بالتالي: «برلين، لدينا مشكلة». ثم أكملت هابر شرح كيف أن «تردّد» برلين في التعاطي مع الأزمة الأوكرانية جعلها «شريكاً لم يعد يمكن الاعتماد عليه» في واشنطن. كانت هابر تتحدث عن نقطتين: الأولى معارضة ألمانيا فرض عقوبات على روسيا بسبب حشودها العسكرية على حدود أوكرانيا. والثانية رفضها السماح للدول التي تملك أسلحة سوفياتية اشترتها من ألمانيا الشرقية آنذاك، بإرسالها إلى كييف. واستخلصت السفيرة في رسالتها أن مواقف برلين نابعة من رغبتها بالاستمرار في شراء غاز بأسعار رخيصة من روسيا. وأبلغت هابر من ثم الخارجية الألمانية، بأن مواقف برلين تدفع بالبعض في واشنطن، خاصة من الجمهوريين، لوصفها بأنها باتت «حليفة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين»... وبالتالي، تقول إن هذا التردد قد تكون له آثار «ضخمة».

مرّت سنة على رسالة إيميلي هابر، السفيرة الأميركية لدى ألمانيا، إلى وزارة الخارجية الألمانية في برلين. لكن الخلافات الثنائية حول دعم أوكرانيا في حربها ضد روسيا، لم تتقلص، بل يمكن – وفق عدد من المراقبين – القول إنها تتزايد. وعلى الرغم من الخطاب الشهير الذي ألقاه المستشار الألماني أولاف شولتز يوم 27 فبراير (شباط) 2022، أي بعد 3 أيام فقط من اندلاع الحرب الأوكرانية، والذي تحدث فيه عن «نقطة تحوّل»، فإن البعض يقول إن التغيير في برلين بطيء ولا يذهب بعيدا.
في ذلك الخطاب التاريخي، قلب المستشار شولتز سياسات ألمانية «مهادنة» اعتمدتها الحكومات المتعاقبة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وجوهرها الإحجام عن تزويد مناطق الصراع بأسلحة، والامتناع عن بناء جيش ألماني قوي. إذ أعلن الزعيم الاشتراكي عن أن بلاده ستزوّد أوكرانيا بأسلحة للدفاع عن نفسها، وأنها ستستثمر في إعادة تأهيل جيشها ليكون قادرا على الدفاع عن ألمانيا.
مع ذلك، فإن الخلافات حول الأسلحة التي يمكن تزويد أوكرانيا بها بدأت تظهر منذ البداية. إذ ظلّت برلين ترفض تزويد الجيش الأوكراني بـ«أسلحة ثقيلة» لأشهر بعد هذا الخطاب. واكتفت برلين، في البداية، بتزويد الأوكرانيين بذخائر وأسلحة خفيفة، متحجّجة بأن الأسلحة الثقيلة قد تطيل أمد الحرب. ولم يكن الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) الحاكم الذي ينتمي إليه شولتز وحده المقتنع بهذه المقاربة، بل كان مدعوماً في هذا الموقف من حزب «الخضر» البيئي الشريك الأساسي في الحكومة، والذي تنتمي إليه وزيرة الخارجية أنالينا بيربوك.

- تغيّر موقف «الخضر»
وعلى الرغم من أن حزب «الخضر»، مثل الاشتراكيين، كان متمسكاً بالإحجام عن إرسال أسلحة إلى مناطق النزاعات، فإنه في المقابل كان منقسما على ذاته، إذ ظهر أن جناحا داخل الحزب البيئي على رأسه وزير الاقتصاد روبرت هابيك، يؤيد بالفعل تسليح أوكرانيا. ولم يطل الوقت حتى اقتنع «الخضر» بمختلف أجنحتهم وتياراتهم بضرورة إرسال أسلحة ثقيلة لسلطات كييف، الأمر الذي وضع الحزب في مواجهة شريكه الأساسي في الحكومة الائتلافية، مع ملاحظة أن الاشتراكيين بقيادة شولتز احتاجوا إلى وقت للوصول للاستنتاج نفسه.
ولكن، في أي حال، وبعد أشهر من النقاش، وافق شولتز على إرسال مدرّعات «ماردر» بعدما حصل على تعهّد من واشنطن بأن ترسل هي أيضاً مدرّعات «برادلي» الأميركية الصنع. والأمر نفسه تكرر مع دبابات «ليوبارد» الألمانية الصنع، إذ لم يوافق شولتز على إرسالها إلا بعدما تعهّدت واشنطن بإرسال دبابات أميركية من نوع «أبرامز»، وهذا رغم أنها خطوة قد تكون غير مُجدية بسبب صعوبة تسيير هذه الدبابات الأميركية وصيانتها. واليوم بينما تبدي السلطات البريطانية انفتاحا تجاه تسليم الأوكرانيين طائرات مقاتلة يطالبون بها لردع القوات الروسية، ترفض السلطات الألمانية بصورة قاطعة مجرد مناقشة الفكرة، ما يوحي بأن خلافاً جديداً ربما يكون قد أخذ يطفو على السطح بين الحلفاء الغربيين بشأن رؤيتهم لدعم أوكرانيا.

- موضوع العقوبات
ولكن لم تكن مسألة تسليح أوكرانيا المشكلة الوحيدة في مقاربة ألمانيا للحرب في أوكرانيا. فلقد قاومت برلين منذ البداية فرض عقوبات قاسية على موسكو. ورفضت لأسابيع عديدة فرض عقوبات تخرج البنوك الروسية من نظام «سويفت» العالمي، كما أنها ظلت تماطل لأشهر فرض عقوبات على النفط والغاز الروسيين. واستغرقت كذلك فترة طويلة قبل أن تعلن وقف العمل بمشروع «نورد ستريم 2»، الذي انتهى العمل منه في عهد المستشارة السابقة أنجيلا ميركل وكان جاهزا لإيصال الغاز الروسي مباشرة إلى ألمانيا.
وفي حين يتذرع المستشار الألماني بأنه لا يريد اتخاذ خطوات من شأنها تأجيج الصراع الأوكراني أكثر، وقد تنتهي بتورط حلف شمال الأطلسي «ناتو» في الحرب الدائرة، فإن كييف والحلفاء الغربيين يرون أن هذا «التروي» إنما هو «تردد»... وأنه يعود إلى علاقة ألمانيا التقاربية بروسيا. وهي العلاقة التي حددتها سياسة الاشتراكيين أيام «الحرب الباردة» مع الاتحاد السوفياتي السابق في مطلع السبعينات وقادها المستشار الأسبق فيلي براندت. وكان براندت يؤمن بأن سياسة التقارب مع الروس – التي عُرفت يومذاك بـ«الأوستبوليتيك» – ستجعل من موسكو غريما أقل عدوانية وخطراً، بل ويمكن كسبها بوصفها شريكا عبر زيادة التعاملات التجارية معها.
منذ ذلك الحين أبقت الحكومة المتعاقبة على تلك السياسة، بما فيها تلك التي قادها حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ الذي تنتمي إليه ميركل. وفي ظل حكم ميركل، تطوّرت العلاقة بروسيا بشكل كبير رغم الاستفزازات الروسية المتكررة لبرلين والغرب. وكان من بين الاستفزازات الروسية التي يرى البعض أنها كانت توجب على برلين إصدار ردات فعل أقوى، اغتيالات ومحاولات اغتيالات في العواصم الأوروبية - منها العاصمة الألمانية - لمعارضين روس، وعمليات قرصنة جماعية للنواب الألمان وحتى للمستشارة – آنذاك - ميركل، وأخيرا ضم روسيا لشبه جزيرة القرم... الذي ردت عليه أوروبا بعقوبات اعتبرها كثيرون غير كافية.

- اتهام ميركل بـ«المهادنة»
السياسة التي اعتمدتها ميركل إزاء روسيا جعلتها غير محبوبة في أوكرانيا، حيث حملها كثيرون من الأوكرانيين مسؤولية الوضع الذي وصلت إليه بلادهم، بسبب ما يصفونه بأنه «سياسة مهادنة» اعتمدتها المستشارة السابقة طوال السنوات الـ15 التي حكمت فيها ألمانيا. وحقاً، ميركل بقيت مصرة على مشروع «نورد ستريم 2» رغم التحذيرات الأميركية المتكررة لها من أن المشروع سيزيد اعتماد ألمانيا بشكل كبير على موسكو فتصبح «رهينة لها». ولم توقف العقوبات الأميركية على المشروع ميركل عن المضي فيه، وسط الإصرار على أنه مشروع اقتصادي بحت ولا علاقة له بالسياسة.
أيضاً، يحمل كثيرون ميركل مسؤولية رفض الدفع باتجاه فرض عقوبات أقسى على روسيا بعد ضمها القرم عام 2014، ناهيك من ارتفاع أصوات ألمانية مطالبة برفع هذه العقوبات في السنوات الأخيرة من حكم ميركل، بحجة أنها تؤذي الاقتصاد الألماني. أيضاً يحمل العديد من الأوكرانيين ميركل مسؤولية دفع بلادهم إلى التوقيع على «اتفاقية مينسك» عام 2014، التي كانت تهدف إلى إنهاء القتال في منطقة الدونباس... من دون نجاح.
ولكن، بعد الحرب في أوكرانيا العام الماضي، استنتج حزب ميركل أن هذه السياسة مع روسيا كانت «ساذجة». واستنتج الأمر نفسه كثرة من الاشتراكيين، وإن بدرجة أقل. فحزب شولتز اعترف بخطأ اعتماده على روسيا في مجال الطاقة، وظنه أن التجارة تحسن العلاقات السياسية، غير أنه ظل مترددا في تقديم دعم أكبر لسلطات كييف خشية الإمعان في إغضاب موسكو. بل، حتى الآن، ثمة داخل الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) من يدعو للتفاوض مع موسكو ووقف الدعم العسكري لكييف، ما يعقّد مهمة شولتز الذي يتعين عليه إرضاء حزبه من جهة، ومن جهة ثانية إرضاء شريكيه في الائتلاف الحاكم اللذين يدعوانه - إلى جانب الحلفاء الغربيين - إلى التشدد أكثر مع الروس وتقديم دعم أكبر لأوكرانيا.

- أصوات اشتراكية ضد تسليح أوكرانيا
> بين الأصوات التي ترفض تسليح أوكرانيا، النائب الاشتراكي رالف شتاغنر الذي ظل يرفض إرسال دبابات «ليوبارد» إلى أوكرانيا حتى اللحظات الأخيرة، رغم التوتر الذي سببه ذلك مع الحلفاء الغربيين. ويعتبر شتاغنر أن «تركيز النقاش على السلاح فقط... خطأ». ويذكّر بأن ألمانيا كانت قد وافقت للتو على إرسال مدرّعات ناقلة للجنود، وفور موافقتها جاءها الطلب الثاني. وهو ما يدفعه للتساؤل «ماذا بعد ذلك؟ مقاتلات؟ جنود؟ لقد وافقنا للتو على إرسال مدرعات، والآن ليس الوقت لاتخاذ قرار ثان بهذه السرعة».
يعتبر شتاغنر أن ثمة مقاربة سياسية واقتصادية للحرب، وليست فقط عسكرية. ويدعو إلى مبادرة دبلوماسية غربية «خلف الأبواب المغلقة لكي تكون ناجحة»، مشيراً إلى أن الأمم المتحدة وتركيا نجحتا في مبادرة دبلوماسية مع روسيا أدت إلى الموافقة على إخراج الحبوب وتصديرها. ومن ثم يضيف «أتمنى أن تكون هناك مبادرات أخرى برعاية الحلف الغربي وليس تركيا فقط، وقد تكون ذات فاعلية أكثر... النقاش الوحيد الذي أراه هو حول المساعدات العسكرية، وأنا متشكك في أن يكون العسكر هم مَن سيقررون مستقبل أوروبا».
هذه الجملة تسلط الضوء على المخاوف التي تطارد المسؤولين الألمان عموماً، لا الاشتراكيين وحدهم. فتاريخ البلاد الذي دفع بالحكومات المتعاقبة إلى رفض التورط في أي نزاعات، ما زال يطارد المسؤولين الألمان اليوم. ومسألة ترك الخيارات السياسية للعسكر، خاصة، هي التي تؤرق الألمان، وتحديدا الاشتراكيين الذين ما زالوا يتناقشون في جدوى المساعدات العسكرية مقابل المخاوف من تصعيد الحرب.
وهنا يقول النائب شتاغنر، صراحةً، إنه غير واثق من أن هذه المقاربة هي الصحيحة. ويتابع موضحاً «إذا نظرنا إلى أمثلة على العمليات العسكرية الأميركية، نجد أن العملية الأخيرة الناجحة كانت عملية تحرير أوروبا. في المقابل، العمليات الأخرى بعد ذلك من فيتنام إلى العراق وأفغانستان، كلها لم تكن ناجحة... ولذا من الواجب تجنب التفكير في أن الحلول السياسية يمكن التوصل إليها بالسبل العسكرية».
كل هذا يدل على أنه رغم توصل ألمانيا إلى قناعة بضرورة عكس سياساتها مع روسيا، فإن الحزب الاشتراكي الحاكم ما زال في خضم نقاش داخلي صعب حول كيفية الانقلاب على عقود من سياسة أسس لها مع روسيا قبل 50 سنة، وبقي متمسكا بها حتى الأشهر القليلة الماضية. وبالتالي، أي خطوة مستقبلية في دعم أوكرانيا ستخضع على الأرجح للنقاش، والجدل الطويل نفسه الذي خضع له كل قرار اتخذته الحكومة الألمانية منذ بداية الحرب في أوكرانيا، مهما تسبب ذلك في استياء وتشكيك بها من حلفائها الغربيين.


مقالات ذات صلة

«روسيا الموحدة» يكتسح مقاعد «الدوما» في انتخابات جددت البيعة لسياسات بوتين

أوروبا عاملان في لجنة انتخابية يفرغان صندوق اقتراع لعد الأصوات بمدينة كراسنويارسك في سيبريا الأحد (د.ب.أ)

«روسيا الموحدة» يكتسح مقاعد «الدوما» في انتخابات جددت البيعة لسياسات بوتين

وسَّع الحزب الحاكم سيطرته داخل البرلمان الروسي بشكل ملحوظ، وبعدما كان يستحوذ في البرلمان السابق على 310 مقاعد من أصل 450 مقعداً بات يسيطر حالياً على 355 مقعداً.

رائد جبر (موسكو)
العالم نيران وأعمدة دخان تتصاعد من مصفاة نفط رئيسية قرب موسكو بعد استهدافها في هجوم أوكراني الأحد (رويترز) p-circle

ترمب يدعو إلى إنهاء حرب أوكرانيا ويشير لتضرر روسيا

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ​الاثنين، إن روسيا «فقدت السيطرة» على قطاع وقود الديزل لديها، وكرر مرة أخرى دعوته لإنهاء ‌حرب موسكو ​على ‌أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد مجمع لإعادة الشحن بميناء «نوفوروسيسك» على البحر الأسود في روسيا (رويترز)

كازاخستان تزيد صادرات النفط عبر «نوفوروسيسك» في أغسطس

زادت كازاخستان شحنات النفط عبر ميناء «نوفوروسيسك» الروسي على البحر الأسود 28 في المائة خلال أغسطس (آب) الماضي، لتصل إلى 460 ألف طن متري.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شعار شركة «ترافيغورا» عند مدخلها في جنيف بسويسرا (رويترز)

«ترافيغورا» تطلق شركة ناقلات جديدة وتخطط لإدراجها في بورصة أوسلو

أطلقت «ترافيغورا» لتجارة السلع الأولية، شركة «فولار شيبينغ» للشحن التي ستملك وتدير 14 ناقلة نفط عملاقة، وقالت إنها ستبيع أسهماً في الشركة قبل إدراجها بالبورصة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا المركز الرئيسي لـ«ناتو» في بروكسل (أرشيفية - رويترز)

قادة استخبارات أوروبيون: روسيا تخطط لتصعيد تحركاتها ضد «ناتو» خلال أشهر

أثار مسؤولون في أجهزة استخبارات أوروبية احتمال أن تختبر روسيا حلف شمال الأطلسي (ناتو) قريباً، وقال أحدهم إن هجوماً محتملاً قد يقع خلال «أشهر لا سنوات».

«الشرق الأوسط» (لندن)

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.