أفصح جميل بن معمر، عن أشواقه في ليلة سرمدية لا تنتهي، فهي نقشت بكلمات ليست كالكلمات في الحنايا وخلف الأضلع، فعاشها أمس ثلة من سكان جدة بعد مئات السنين، فقبضوا وهم يتابعون المشاهد على أهاتهم حزناً لفراق بثينة بنت حيان، وتارة تتلاقى أكفهم في مشهد الوصال، وهناك زفير يغطي المكان في آخر القصة لم تدركه آلات التسجيل وكاميرات التصوير، إلا أنك تعيه بعد أن يصطدم تيار هوائي بجسدك نتيجة تغير درجة الحرارة في مسرح أعاد صياغة قصة «جميل وبثينة» لفرقة «كركلا».
أتقرحُ أكبادُ المُحبين كالذي
أرى كَبِدي من حُب بُثنة يُقرَحُ
فوالله ثم الله إني لصادقٌ
لذِكراكِ في قلبي ألذ وأملَحُ
هذه هي الحكاية التي لا تنتهي وخرقت جدار الزمان فاستوطنت في كل الزوايا، من وادي القرى في العُلا (غرب السعودية) لكل الديار شرقاً وغرباً، حتى في كتب الفرنجة (أوروبا) وصلت لهم نسائم العشق، فكانت بحق أروع القصص في التراث الثقافي العربي، التي تلقفها الحالمون والعشاق والصابرون في الأرض، فأصبحت الحلم للوصول لمرتبة السمو فلا «جميلاً» بلغت، ولا أنت «بُثينة» التي بدأت أحداث قصتهما بسباب.
لقطة من العرض المسرحي (تصوير: محمد المانع)
وَلَستُ عَلى بَذلِ الصَفاءِ هَوَيتُها
وَلَكِن سَبَتني بِالدَلالِ وَبِالبُخلِ
أبيات صاغها الغرام بكل تفاصيلها فتردد منذ مئات السنين صداها، لم تشفع كل الروايات والكلمات التي تدحرجت وصفاً أو سرداً في إظهارها كما ينبغي، وإن جاءت في وصف مكتوب لمشهد شعري هنا أو هناك، حتى خرجت لنا «فرقة كركلا» بكل ما أوتيت من قوة التجربة، وعدد الجنود، وتلاقح التقنية بالموروث، وقبل ذلك خيال كبيرهم عبد الحليم كركلا، الذي علمهم سحر الفنون وسلاسة الأداء، والحركة، والموسيقى، هذه هي الحكاية في إطارها الجديد، مشهد يتلوه مشهد، يتلوه مشهد، والجمهور لا يشعر بالضمور أو التوقف، رغم تغير الصور ودخول الممثلين، لم يدرك حتى تغير المقام والإيقاع في المشاهد الغنائية، عاش الجمهور اللحظة كما ينبغي، حتى الوقت الذي تجاوز الساعتين ونيفاً لم يدركوه، كل ما كان يشغلهم في حينها وهم في عالم الإبهار كيف عاشت هذه القصة حتى جاء الوداع الأخير لحظة الوفاة.
هذه الجماليات تخطب ودها وزارة الثقافة السعودية وتجذبها من مختلف الأقطار. ما يهم المسرحية ومحتواها، وذلك بهدف توسيع القاعدة الجماهيرية للمسرحيات العالمية مع خلق فرص المشاركة للمواهب السعودية مع نظرائهم في العالم، إلى جانب تقديم نشاط ثقافي ترفيهي يناسب فئات متنوعة من الجمهور، مع ما يكفله ذلك من تحفيز المجال المسرحي في المملكة، ورفع معاييره نحو مستويات تنافسية.
لحظة دخول جميل إلى قصر الخليفة بوجود نخبة شعراء بني أمية ومنهم الفرزدق وجرير (تصوير: محمد المانع)
وبالعودة لعرض مسرحية «جميل وبثينة»، الذي قام فيها الممثل سامر إسماعيل بتجسيد شخصية «جميل»، وجسدت «بثينة» أمل بشوشة، كما أدت الفنانة هدى حداد المقاطع الغنائية، فإن أبرز ما قامت به فرقة «كركلا» الاهتمام بالتفاصيل، فرغم الإبهار في الطرح والإخراج، إلا أنها تعاملت مع الألوان بشكل مقنع في مسرح متغير، إضافة إلى الأزياء التي كانت من أحد العوامل المهمة التي أخذت الحاضرين لزمن جميل في الوادي، ومن ثم في المدينة عندما توجه «جميل» للخليفة الذي أهدر دمه ليتوقف عن كتابة الشعر في «بثينة»، بعد أن تقدم ذووها بشكوى مباشرة، إلى لحظة دخول «جميل» قصر الخليفة الذي كان مزجياً من الهندسة والزخرف، والذي استخدمت فيه التقنية التصويرية كخلفية لكرسي الحاكم.
هذه المشاهد المتتالية والدخول والخروج منها بعذوبة لم يشعر بها المتلقي في المسرح، وجعلته حاضراً بكل حواسه في لب القصة لا تفوته شاردة، وكان ذلك واضحاً في كل ردود أفعالهم مع الحالة، حتى مع خروج الفرقة بكاملها من المسرح كان يترقب، إلى أن تفاجأ بالمذيع الداخلي يخبره بانتهاء الفصل الأول، ما يشير إلى القدرة الكبيرة التي تعامل بها المايسترو عبد الحليم كركلا والمخرج إيفان كركلا وكافة العاملين مع الفرقة في ربط المشاهد، وعدم ترك المتلقي في حالة انتظار للمشهد الذي يليه.
ابن الأسود وهو يتزين لعرسه على بثينة (تصوير: محمد المانع)
وبعد واقعة الخلاف التي نشبت بين جميل وبثينة في الوادي، وهي اللحظات الأولى لمعرفة الطرفين، نجحت الفرقة في تصوير كيفية انتشار النميمة، وكيف تعامل والد بثينة معها، وكيف كان رد فعل رَبع بثينة لإيقاف جميل عن التغزل في ابنتهم، لأنه وبحسب الأعراف في تلك الحقبة سمعة الفتاة سترها وحسنها، وكيف نقل المخرج مع فريقه المشاهدين من لحظة الحرب التي كادت أن تقع، إلى لحظة دخول بثينة على الهودج المزين، مع ترانيم أغنية بإيقاعات فرحية، إن جاز الوصف، تعبيراً عن الحالة.
سارة أبو درغم، مديرة «مركز كركلا للأبحاث التراثية» والكاتبة ضمن الفريق، قالت لـ«الشرق الأوسط»، إنه في جميع أعمال الفرقة، التي تعتمد فيها على المورث تكون هناك عمليات بحث وتدقيق في المكان، لذلك حرص المايسترو عبد الحليم كركلا، مؤسس الفرقة، من البداية، على عمليات التنقيب في هذا التراث في جميع المناطق العربية، للبحث عن الهوية التراثية والأزياء، الذي نتج عنه تأسيس مركز «كركلا للأبحاث التراثية»، وكل ما يعرض من موسيقى وأزياء يكون مصدرها الأبحاث ومستوحى من البيئة ذاتها مع إضافة رؤيته، موضحة أنه أثناء عزمنا القيام بمسرحية «جميل وبثينة» قمنا بأبحاث عن هذه الحقبة التاريخية، والتي تخبر عن الطابع الموجود في هذه المواقع، وجرى تحديد الأزياء الذي أشرف عليها المايسترو من لحظة الاقتناء إلى مراحل الإنتاج.
وعن اختيار الممثلين، قالت أبو درغم، إن عدد المشتركين 92 بين راقص وممثل ومطرب، إضافة إلى أن هناك فنانين سعوديين مشتركين في العرض، منهم عبد الناصر الزاي، وقمر رمضان، وعبد الهادي الشاطري، وهناك مشتركون من أوكرانيا وبوليفيا وسوريا والأرجنتين، إضافة إلى الممثلين من لبنان، ومنهم جوزيف عازار، وسيمون عبيد، وغابريال يمّين، لافتة إلى أن هناك فريقاً تقنياً إيطالياً يرافق الفرقة منذ قرابة 20 عاماً، ويقوم بدور محوري في العروض.
وحول المحطات القادمة للمسرحية، ذكرت أن المسرحية ستكون لها جولة في العديد من المدن السعودية، كما أن هناك جولة عالمية، وستترجم إلى لغات أجنبية لإيصال الرسالة للمتلقي، موضحة أن هذه المسرحية ستكون البداية لمزيد من التعاون مع وزارة الثقافة، خصوصاً بعد توقيع مذكرة التفاهم مع هيئة المسرح والفنون الأدائية، وستكون هناك مسرحية من التراث السعودي للعالمية، مشددة على أن الجمهور السعودي محب للثقافة والفن، ولمسنا ذلك بشكل مباشر من خلال الحضور في العرضين السابقين في العلا والرياض.


