جميل يُفصح عن عشقه لبثينة بصوت وصورة وأنغام داعبت قاطني جدة

في عمل لفرقة «كركلا» شارك فيه 90 من الراقصين والممثلين والمطربين

بثينة تزف إلى نبيه بن الأسود بعد انتشار الوشاية (تصوير: محمد المانع)
بثينة تزف إلى نبيه بن الأسود بعد انتشار الوشاية (تصوير: محمد المانع)
TT

جميل يُفصح عن عشقه لبثينة بصوت وصورة وأنغام داعبت قاطني جدة

بثينة تزف إلى نبيه بن الأسود بعد انتشار الوشاية (تصوير: محمد المانع)
بثينة تزف إلى نبيه بن الأسود بعد انتشار الوشاية (تصوير: محمد المانع)

أفصح جميل بن معمر، عن أشواقه في ليلة سرمدية لا تنتهي، فهي نقشت بكلمات ليست كالكلمات في الحنايا وخلف الأضلع، فعاشها أمس ثلة من سكان جدة بعد مئات السنين، فقبضوا وهم يتابعون المشاهد على أهاتهم حزناً لفراق بثينة بنت حيان، وتارة تتلاقى أكفهم في مشهد الوصال، وهناك زفير يغطي المكان في آخر القصة لم تدركه آلات التسجيل وكاميرات التصوير، إلا أنك تعيه بعد أن يصطدم تيار هوائي بجسدك نتيجة تغير درجة الحرارة في مسرح أعاد صياغة قصة «جميل وبثينة» لفرقة «كركلا».
أتقرحُ أكبادُ المُحبين كالذي
أرى كَبِدي من حُب بُثنة يُقرَحُ
فوالله ثم الله إني لصادقٌ
لذِكراكِ في قلبي ألذ وأملَحُ
هذه هي الحكاية التي لا تنتهي وخرقت جدار الزمان فاستوطنت في كل الزوايا، من وادي القرى في العُلا (غرب السعودية) لكل الديار شرقاً وغرباً، حتى في كتب الفرنجة (أوروبا) وصلت لهم نسائم العشق، فكانت بحق أروع القصص في التراث الثقافي العربي، التي تلقفها الحالمون والعشاق والصابرون في الأرض، فأصبحت الحلم للوصول لمرتبة السمو فلا «جميلاً» بلغت، ولا أنت «بُثينة» التي بدأت أحداث قصتهما بسباب.

لقطة من العرض المسرحي (تصوير: محمد المانع)

وَلَستُ عَلى بَذلِ الصَفاءِ هَوَيتُها
وَلَكِن سَبَتني بِالدَلالِ وَبِالبُخلِ
أبيات صاغها الغرام بكل تفاصيلها فتردد منذ مئات السنين صداها، لم تشفع كل الروايات والكلمات التي تدحرجت وصفاً أو سرداً في إظهارها كما ينبغي، وإن جاءت في وصف مكتوب لمشهد شعري هنا أو هناك، حتى خرجت لنا «فرقة كركلا» بكل ما أوتيت من قوة التجربة، وعدد الجنود، وتلاقح التقنية بالموروث، وقبل ذلك خيال كبيرهم عبد الحليم كركلا، الذي علمهم سحر الفنون وسلاسة الأداء، والحركة، والموسيقى، هذه هي الحكاية في إطارها الجديد، مشهد يتلوه مشهد، يتلوه مشهد، والجمهور لا يشعر بالضمور أو التوقف، رغم تغير الصور ودخول الممثلين، لم يدرك حتى تغير المقام والإيقاع في المشاهد الغنائية، عاش الجمهور اللحظة كما ينبغي، حتى الوقت الذي تجاوز الساعتين ونيفاً لم يدركوه، كل ما كان يشغلهم في حينها وهم في عالم الإبهار كيف عاشت هذه القصة حتى جاء الوداع الأخير لحظة الوفاة.
هذه الجماليات تخطب ودها وزارة الثقافة السعودية وتجذبها من مختلف الأقطار. ما يهم المسرحية ومحتواها، وذلك بهدف توسيع القاعدة الجماهيرية للمسرحيات العالمية مع خلق فرص المشاركة للمواهب السعودية مع نظرائهم في العالم، إلى جانب تقديم نشاط ثقافي ترفيهي يناسب فئات متنوعة من الجمهور، مع ما يكفله ذلك من تحفيز المجال المسرحي في المملكة، ورفع معاييره نحو مستويات تنافسية.

لحظة دخول جميل إلى قصر الخليفة بوجود نخبة شعراء بني أمية ومنهم الفرزدق وجرير (تصوير: محمد المانع)

وبالعودة لعرض مسرحية «جميل وبثينة»، الذي قام فيها الممثل سامر إسماعيل بتجسيد شخصية «جميل»، وجسدت «بثينة» أمل بشوشة، كما أدت الفنانة هدى حداد المقاطع الغنائية، فإن أبرز ما قامت به فرقة «كركلا» الاهتمام بالتفاصيل، فرغم الإبهار في الطرح والإخراج، إلا أنها تعاملت مع الألوان بشكل مقنع في مسرح متغير، إضافة إلى الأزياء التي كانت من أحد العوامل المهمة التي أخذت الحاضرين لزمن جميل في الوادي، ومن ثم في المدينة عندما توجه «جميل» للخليفة الذي أهدر دمه ليتوقف عن كتابة الشعر في «بثينة»، بعد أن تقدم ذووها بشكوى مباشرة، إلى لحظة دخول «جميل» قصر الخليفة الذي كان مزجياً من الهندسة والزخرف، والذي استخدمت فيه التقنية التصويرية كخلفية لكرسي الحاكم.
هذه المشاهد المتتالية والدخول والخروج منها بعذوبة لم يشعر بها المتلقي في المسرح، وجعلته حاضراً بكل حواسه في لب القصة لا تفوته شاردة، وكان ذلك واضحاً في كل ردود أفعالهم مع الحالة، حتى مع خروج الفرقة بكاملها من المسرح كان يترقب، إلى أن تفاجأ بالمذيع الداخلي يخبره بانتهاء الفصل الأول، ما يشير إلى القدرة الكبيرة التي تعامل بها المايسترو عبد الحليم كركلا والمخرج إيفان كركلا وكافة العاملين مع الفرقة في ربط المشاهد، وعدم ترك المتلقي في حالة انتظار للمشهد الذي يليه.

ابن الأسود وهو يتزين لعرسه على بثينة (تصوير: محمد المانع)

وبعد واقعة الخلاف التي نشبت بين جميل وبثينة في الوادي، وهي اللحظات الأولى لمعرفة الطرفين، نجحت الفرقة في تصوير كيفية انتشار النميمة، وكيف تعامل والد بثينة معها، وكيف كان رد فعل رَبع بثينة لإيقاف جميل عن التغزل في ابنتهم، لأنه وبحسب الأعراف في تلك الحقبة سمعة الفتاة سترها وحسنها، وكيف نقل المخرج مع فريقه المشاهدين من لحظة الحرب التي كادت أن تقع، إلى لحظة دخول بثينة على الهودج المزين، مع ترانيم أغنية بإيقاعات فرحية، إن جاز الوصف، تعبيراً عن الحالة.
سارة أبو درغم، مديرة «مركز كركلا للأبحاث التراثية» والكاتبة ضمن الفريق، قالت لـ«الشرق الأوسط»، إنه في جميع أعمال الفرقة، التي تعتمد فيها على المورث تكون هناك عمليات بحث وتدقيق في المكان، لذلك حرص المايسترو عبد الحليم كركلا، مؤسس الفرقة، من البداية، على عمليات التنقيب في هذا التراث في جميع المناطق العربية، للبحث عن الهوية التراثية والأزياء، الذي نتج عنه تأسيس مركز «كركلا للأبحاث التراثية»، وكل ما يعرض من موسيقى وأزياء يكون مصدرها الأبحاث ومستوحى من البيئة ذاتها مع إضافة رؤيته، موضحة أنه أثناء عزمنا القيام بمسرحية «جميل وبثينة» قمنا بأبحاث عن هذه الحقبة التاريخية، والتي تخبر عن الطابع الموجود في هذه المواقع، وجرى تحديد الأزياء الذي أشرف عليها المايسترو من لحظة الاقتناء إلى مراحل الإنتاج.
وعن اختيار الممثلين، قالت أبو درغم، إن عدد المشتركين 92 بين راقص وممثل ومطرب، إضافة إلى أن هناك فنانين سعوديين مشتركين في العرض، منهم عبد الناصر الزاي، وقمر رمضان، وعبد الهادي الشاطري، وهناك مشتركون من أوكرانيا وبوليفيا وسوريا والأرجنتين، إضافة إلى الممثلين من لبنان، ومنهم جوزيف عازار، وسيمون عبيد، وغابريال يمّين، لافتة إلى أن هناك فريقاً تقنياً إيطالياً يرافق الفرقة منذ قرابة 20 عاماً، ويقوم بدور محوري في العروض.
وحول المحطات القادمة للمسرحية، ذكرت أن المسرحية ستكون لها جولة في العديد من المدن السعودية، كما أن هناك جولة عالمية، وستترجم إلى لغات أجنبية لإيصال الرسالة للمتلقي، موضحة أن هذه المسرحية ستكون البداية لمزيد من التعاون مع وزارة الثقافة، خصوصاً بعد توقيع مذكرة التفاهم مع هيئة المسرح والفنون الأدائية، وستكون هناك مسرحية من التراث السعودي للعالمية، مشددة على أن الجمهور السعودي محب للثقافة والفن، ولمسنا ذلك بشكل مباشر من خلال الحضور في العرضين السابقين في العلا والرياض.


مقالات ذات صلة

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

يوميات الشرق ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما طريقة موحّدة لتأليف موسيقاه، تقتضي البحث في تفاصيل الموضوعات للخروج بـ«ثيمات» موسيقية مميزة. وهو يعتزّ بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، حيث عُزفت مقطوعاته في حفل الافتتاح في القاهرة أخيراً.

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهم مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهم مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما، طريقة موحدة لتأليف موسيقاه المتنوعة، وهي البحث في تفاصيل الموضوعات التي يتصدى لها، للخروج بثيمات موسيقية مميزة. ويعتز خرما بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، التي تم افتتاحها في القاهرة أخيراً، حيث عُزفت مقطوعاته الموسيقية في حفل افتتاح البطولة. وكشف خرما تفاصيل تأليف مقطوعاته الموسيقية التي عُزفت في بطولة العالم للجمباز، إلى جانب الموسيقى التصويرية لفيلم «يوم 13»، الذي يجري عرضه حالياً في دور العرض المصرية. وقال خرما إنه يشعر بـ«الفخر» لاختياره لتمثيل مصر بتقديم موسيقى حفل افتتاح بطولة العالم للجمباز التي تشارك فيها 40 دولة من قارات

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق للمرة الأولى... تسجيل مراسم تتويج الملك البريطاني في ألبوم

للمرة الأولى... تسجيل مراسم تتويج الملك البريطاني في ألبوم

تعتزم شركة تسجيلات بريطانية إصدار حفل تتويج ملك بريطانيا، الملك تشارلز الشهر المقبل، في صورة ألبوم، لتصبح المرة الأولى التي يتاح فيها تسجيلٌ لهذه المراسم التاريخية للجمهور في أنحاء العالم، وفقاً لوكالة «رويترز». وقالت شركة التسجيلات «ديكا ريكوردز»، في بيان اليوم (الجمعة)، إنها ستسجل المراسم المقرر إقامتها يوم السادس من مايو (أيار) في كنيسة وستمنستر، وأيضاً المقطوعات الموسيقية التي ستسبق التتويج، تحت عنوان «الألبوم الرسمي للتتويج»، وسيكون الألبوم متاحاً للبث على الإنترنت والتحميل في اليوم نفسه. وستصدر نسخة من الألبوم في الأسواق يوم 15 مايو.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق مزاد في سبتمبر على 1500 قطعة عائدة إلى المغني الراحل فريدي ميركوري

مزاد في سبتمبر على 1500 قطعة عائدة إلى المغني الراحل فريدي ميركوري

تُطرح للبيع في مزاد يقام في لندن خلال سبتمبر (أيلول) المقبل نحو 1500 قطعة عائدة إلى مغني فرقة «كوين» البريطانية الراحل فريدي ميركوري، من بينها أزياء ارتداها خلال حفلاته ومخطوطات لنصوص أغنيات، وكذلك لوحات لماتيس وبيكاسو، كما أعلنت دار «سوذبيز» اليوم الأربعاء. وستقام قبل المزاد معارض لأبرز هذه القطع في نيويورك ولوس أنجليس وهونغ كونغ في يونيو (حزيران)، ثم في لندن من 4 أغسطس (آب) إلى 5 سبتمبر (أيلول). ومن بين القطع التي يشملها المزاد تاج مستوحى من ذلك الذي يضعه ملوك بريطانيا في احتفالات تتويجهم، ورداء من الفرو الصناعي والمخمل الأحمر. وارتبطت هاتان القطعتان بصورة الفنان البريطاني الذي حقق شعبية واس

«الشرق الأوسط» (لندن)

استهداف الطاقة قد ينقل حرب إيران إلى «كسر النظام»

الجزء 12 من حقل غاز جنوب بارس بالقرب من ميناء كنغان على شاطئ الخليج 2014 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الجزء 12 من حقل غاز جنوب بارس بالقرب من ميناء كنغان على شاطئ الخليج 2014 (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

استهداف الطاقة قد ينقل حرب إيران إلى «كسر النظام»

الجزء 12 من حقل غاز جنوب بارس بالقرب من ميناء كنغان على شاطئ الخليج 2014 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الجزء 12 من حقل غاز جنوب بارس بالقرب من ميناء كنغان على شاطئ الخليج 2014 (أرشيفية - أ.ف.ب)

مع انتقال الضربات الأميركية - الإسرائيلية إلى منشآت الغاز والنفط الإيرانية، ثم ردّ طهران عبر استهداف مرافق طاقة في دول الجوار وتهديد منشآت أخرى في الخليج العربي، تبدو الحرب وقد دخلت مرحلة جديدة تتجاوز الهدف المعلن في بداياتها، أي تدمير القدرات العسكرية والنووية والصاروخية الإيرانية.

فاستهداف حقل «بارس الجنوبي»، وما تلاه من ضربات إيرانية على رأس لفان، نقل الصراع من حرب على أدوات القوة إلى حرب على ركائز الدولة والاقتصاد والطاقة.

ومع تخطي خام برنت 118 دولاراً للبرميل، وازدياد المخاوف من تعطّل إمدادات الغاز والنفط عبر الخليج العربي، لم تعد الحرب إيرانية - إسرائيلية، أو أميركية - إيرانية فقط، بل غدت أزمة إقليمية - دولية مفتوحة على أسواق الطاقة والتضخم والسياسة الداخلية الأميركية، خصوصاً بعد طلب البنتاغون تمويلاً إضافياً بقيمة 200 مليار دولار من الكونغرس، بما يعكس استعداداً لمواجهة قد لا تكون قصيرة.

حقل الغاز الإيراني «بارس الجنوبي» في جنوب إيران (أ.ف.ب)

استهداف الشرايين

التحول الأهم في هذه المرحلة ليس اتساع بنك الأهداف فقط، بل طبيعة الأهداف نفسها. فحين تُستهدف منشآت الغاز والطاقة، فإن المقصود لم يعد حصراً تقليص قدرة إيران على إطلاق الصواريخ والمسيّرات، بل ضرب قدرتها على الاستمرار كدولة قادرة على إدارة نفسها من الداخل.

فقطاع الطاقة في إيران ليس مجرد مصدر دخل، بل عنصر حيوي لتشغيل الكهرباء والوقود والصناعة وتأمين الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي في بلد يعاني أصلاً ضغوطاً اقتصادية حادة. لهذا تبدو الضربات الأخيرة أقرب إلى محاولة تقليص قابلية النظام على الاحتمال، لا مجرد إضعاف أدواته القتالية.

هذا التحول يفسر أيضاً ازدياد الحديث عن أن الحرب دخلت طور «خلخلة النظام»، لا «ردع إيران» فقط. فاستهداف منشآت الطاقة ترافق مع استمرار تصفية شخصيات أمنية وقيادية رفيعة، بما يوحي بأن الضغط يتجه إلى تفكيك بنية الحكم الأمنية - العسكرية تدريجياً. لكن الفارق بين إضعاف النظام وكسره يبقى كبيراً. فالتقارير الأميركية الأخيرة تشير إلى أن القيادة الإيرانية تعرضت لضربات قاسية، إلا أن النظام لا يزال قائماً، فيما يزداد نفوذ «الحرس الثوري» داخله بدلاً من ظهور مؤشرات واضحة إلى انهيار قريب. وهذا يعني أن الحرب قد تنجح في إضعاف الدولة من دون أن تنتج سريعاً بديلاً سياسياً مستقراً.

طائرات عسكرية أميركية تظهر على سطح أكبر حاملة طائرات في العالم وسط الحرب على إيران (أ.ف.ب)

لا تفاوض بل تفكيك النظام

في هذا السياق، يرى الباحث في الشأن الإيراني في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، فرزين نديمي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن الولايات المتحدة وإسرائيل «تمضيان في حملتهما الجوية لتفكيك النظام في إيران»، وأنهما «تبدوان على المسار الصحيح» رغم اتساع الجغرافيا الإيرانية، وكثرة الأهداف، وتعقيد بنية النظام.

أهمية هذا التقدير أنه يلتقط ما توحي به الوقائع الميدانية: الحرب لم تعد محصورة في شلّ قدرة إيران على الضرب، بل باتت أقرب إلى عملية استنزاف عميقة للبنية التي يقوم عليها الحكم نفسه.

ويضيف نديمي أنه لا يعتقد أن واشنطن أو تل أبيب تفكران حالياً في التفاوض مع النظام، «خصوصاً وهما تقتلان قادته». وهذه نقطة مفصلية، لأنها تعني أن التصعيد القائم لا يُستخدم، في هذه المرحلة، كمجرد ورقة ضغط للوصول إلى تسوية سريعة، بل يبدو مساراً قائماً بذاته لتغيير ميزان القوة داخل إيران.

ومع أنه لا يستبعد اتصالات محدودة مع بعض العناصر داخل النظام، لكنه يعتبر أن ذلك لن يغيّر الصورة العامة. أي أن أي قنوات خلفية محتملة لا تعني أن باب التسوية السياسية فُتح، بل إن المعركة لا تزال تُدار بمنطق الضغط المتصاعد، لا بمنطق التسوية القريبة. وخطورة ذلك أن الحرب كلما تقدمت على هذا النحو أصبحت أكثر تكلفة وأقل قابلية للضبط.

طهران ترفع التكلفة

في المقابل، تبدو إيران واعية أنها لا تستطيع كسر التفوق الجوي الأميركي - الإسرائيلي عسكرياً، لذلك تراهن على سلاح آخر: تعميم التكلفة الاقتصادية. وهذا ما ينسجم تماماً مع تقدير نديمي بأن النظام، وخصوصاً «الحرس الثوري»، يركز على مواصلة إطلاق الصواريخ والمسيّرات، وفي الوقت نفسه على «فرض تكلفة اقتصادية على الولايات المتحدة ودول الخليج» تكون موجعة بما يكفي لإجبار واشنطن، وإسرائيل تبعاً لها، على وقف الحملة.

من هنا يمكن فهم الردّ الإيراني على منشآت الطاقة في قطر، ليس بوصفه انتقامياً فقط، بل جزءاً من استراتيجية أوسع؛ إذا ضُربت طاقة إيران، فإن طاقة العالم لن تبقى بمنأى عن النار.

وقد أظهرت التطورات الأخيرة هشاشة هذه المعادلة، مع إعلان قطر وقوع أضرار واسعة في رأس لفان، وتعليق جزء من نشاط الغاز، وتزايد القلق من تعطل إمدادات تمثل حصة جوهرية من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً. هكذا تحاول طهران نقل المعركة من السماء والميدان إلى السوق العالمية، أملاً في أن تُنتج صدمة الأسعار ضغوطاً على الولايات المتحدة وحلفائها، تفعل ما لا تفعله الصواريخ وحدها.

جنود وطائرات تابعة للبحرية الأميركية على سطح حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» (رويترز)

تباين أميركي إسرائيلي

ورغم التنسيق الوثيق بين واشنطن وتل أبيب، فإن هذه المرحلة تكشف أيضاً فروقاً في حسابات النهاية. فإسرائيل تبدو أكثر استعداداً للذهاب بعيداً في استنزاف النظام الإيراني واغتيال قادته وتوسيع بنك الأهداف بما يهيئ لخلخلة داخلية طويلة المدى.

أما الولايات المتحدة، فمع أنها شريك كامل في الحرب، تبقى أكثر حساسية تجاه الفوضى النفطية، وأسعار البنزين، والتضخم، وردود الفعل الدولية، والانقسام السياسي داخل الكونغرس.

ولهذا يكتسب طلب البنتاغون تمويلاً إضافياً بأكثر من 200 مليار دولار دلالة تتجاوز الجانب المالي. فهو لا يعكس تكلفة الحرب الجارية فقط، بل يكشف أن المؤسسة العسكرية الأميركية تتصرف على أساس أن الحرب قد تطول، وأن استنزاف الذخائر والمخزونات الدقيقة صار مسألة استراتيجية. لكن هذا الطلب نفسه قد يتحول إلى اختبار سياسي صعب للرئيس دونالد ترمب، لأن الحرب التي دخلت طور الطاقة والأسواق لم تعد مجرد ملف أمني خارجي، بل بدأت تضغط مباشرة على الاقتصاد الأميركي وعلى السجال الداخلي بشأن جدوى الحرب وحدودها.

نهاية غامضة

المحصلة أن الحرب على إيران لم تعد، في شكلها الراهن، مجرد حملة لتدمير القدرات العسكرية، بل باتت أقرب إلى حرب على قدرة النظام نفسه على الاحتمال والاستمرار. غير أن الانتقال من إضعاف النظام إلى كسره أو إسقاطه ليس تفصيلاً عملياتياً، بل قفزة استراتيجية شديدة المخاطر. فالتقارير المتوافرة لا تشير بعد إلى انهيار وشيك، بل إلى نظام متضرر، لكنه لا يزال قائماً، وأكثر ميلاً إلى التشدد والاعتماد على «الحرس الثوري». وفي الوقت ذاته، فإن تحويل الطاقة إلى ساحة حرب يرفع التكلفة على الجميع: على إيران، وعلى الخليج، وعلى واشنطن، وعلى الاقتصاد العالمي. لذلك تبدو المشكلة الأساسية اليوم أن التصعيد قد يكون أسهل من الخروج منه. فكل ضربة إضافية قد تزيد الضغط على طهران، لكنها تزيد أيضاً احتمالات حرب أطول، وأسواق أكثر اضطراباً، ونهاية أكثر غموضاً من البداية.


تقرير: طائرة «إف-35» أميركية تعرضت لأضرار خلال عمليات فوق إيران

طائرة حربية أميركية من طراز «إف-35» (الجيش الأميركي)
طائرة حربية أميركية من طراز «إف-35» (الجيش الأميركي)
TT

تقرير: طائرة «إف-35» أميركية تعرضت لأضرار خلال عمليات فوق إيران

طائرة حربية أميركية من طراز «إف-35» (الجيش الأميركي)
طائرة حربية أميركية من طراز «إف-35» (الجيش الأميركي)

قالت مصادر لشبكة «سي إن إن» إن طائرة حربية أميركية من طراز «إف-35» تعرضت لأضرار جراء نيران يُشتبه في أنها إيرانية وهبطت اضطرارياً.

ونقلت «سي إن إن» عن تيم هوكينز المتحدث باسم القيادة المركزية الأميركية أن طائرة الجيل الخامس كانت «في مهمة قتالية فوق إيران» عندما أجبرت على الهبوط اضطرارياً.

وأضاف هوكينز أن الحادثة قيد التحقيق، مؤكداً أن «الطائرة هبطت بأمان، وأن الطيار حالته مستقرة».

وأشارت «سي إن إن» إلى أن هذه الحادثة تعد الأولى من نوعها التي تستهدف فيها إيران طائرة أميركية منذ بداية الحرب في أواخر فبراير (شباط).

وتستخدم كل من الولايات المتحدة وإسرائيل طائرات «إف-35» في الحرب على إيران، حيث تبلغ تكلفة الطائرة الواحدة أكثر من 100 مليون دولار.


الجيش الإسرائيلي: استهداف سلاح البحرية الإيراني في بحر قزوين لأول مرة

قصف إسرائيلي يستهدف سفينة تابعة للبحرية الإيرانية في بحر قزوين (لقطة من فيديو للجيش الإسرائيلي)
قصف إسرائيلي يستهدف سفينة تابعة للبحرية الإيرانية في بحر قزوين (لقطة من فيديو للجيش الإسرائيلي)
TT

الجيش الإسرائيلي: استهداف سلاح البحرية الإيراني في بحر قزوين لأول مرة

قصف إسرائيلي يستهدف سفينة تابعة للبحرية الإيرانية في بحر قزوين (لقطة من فيديو للجيش الإسرائيلي)
قصف إسرائيلي يستهدف سفينة تابعة للبحرية الإيرانية في بحر قزوين (لقطة من فيديو للجيش الإسرائيلي)

قال الجيش الإسرائيلي إنه هاجم لأول مرة سفن صواريخ تابعة لسلاح البحرية الإيراني في بحر قزوين شمال إيران.

وقال أفيخاي أدرعي المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، في بيان، إن طائرات حربية «هاجمت بتوجيه من استخبارات سلاح البحرية وهيئة الاستخبارات، مساء أمس (الأربعاء) ولأول مرة منذ بداية عملية (زئير الأسد) في بحر قزوين، سلسلة من البنى التحتية المركزية للبحرية الإيرانية».

وأوضح: «في إطار الغارات قصفت طائرات سلاح الجو أهدافاً في ميناء البحرية الإيرانية الخاضعة للجيش الإيراني حيث كانت ترسو عشرات القطع البحرية العسكرية ومن بينها زوارق صواريخ وسفن حراسة».

وتابع: «ومن بين الأهداف: قطع بحرية عسكرية تابعة للبحرية في الجيش الإيراني بما في ذلك زوارق صواريخ وسفن إسناد وقوارب حراسة. وكانت زوارق الصواريخ التي تم استهدافها مزودة بأنظمة دفاع جوي وصواريخ إضافية مضادة للغواصات».