يبدو ميشال غوميز، المفوض العام للجنة «سينما مدينة باريس»، مسروراً وهو يعلن أن تصوير الأفلام في العاصمة الفرنسية بلغ رقماً قياسياً. فما بين 2020 و2022، ارتفع عدد الأفلام التي اتخذت من مرابع باريس ديكوراً طبيعياً لها من 93 إلى 102 فيلم. أما المسلسلات فقد زاد عددها من 64 إلى 89. إن مهمة اللجنة هي الترويج للتصوير الخارجي في باريس وإغراء المخرجين باستغلال جمال صروحها ومبانيها التاريخية وجسورها وحدائقها العامة. ولعل أكثر المشاهد التي تم تصويرها إثارة مطاردات الجزء الثاني من الفيلم البوليسي «غموض جريمة» بطولة آدم ساندلر وجنيفر أنيستون، من إنتاج «نتفليكس».
في باريس، أيضاً، وعلى مدى عام، قام النجم مايكل دوغلاس بتصوير مشاهد من سلسلة تاريخية عن بنجامان فرنكلين، أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة. وذلك بمشاركة الممثلين الفرنسيين لوديفين سانييه وتيبو دو مونتالومبير. وهو إنتاج لتلفزيون «آبل». وتوزعت المشاهد بين حي «الماريه» و«باليه روايال» وسط العاصمة وبين ضاحية فيرساي. وكانت هناك كاميرات تدور بين «الشانزليزيه»، وحي الرسامين «مونمارتر» لتصوير الجزء الرابع من «جون ويك». وهو فيلم حركة وتشويق للمخرج تشاد ستاهيلسكي يؤدي فيه كيانو ريفز دور قاتل مأجور. ولم يحدث أن شهدت الجادة التي توصف بالأجمل في العالم مطاردات من ذلك النوع الذي يحبس الأنفاس. لذلك يتشوق كثيرون لرؤية الفيلم الذي سينزل إلى الصالات الشهر المقبل.
ويبقى الأميركي وودي ألن شيخ المخرجين العائدين إلى عاصمة النور. وهي عودة تأتي بعد 12 عاماً من تصوير فيلمه «منتصف الليل في باريس». واستغل المخرج البالغ من العمر 87 عاماً فصل الخريف، وهو من أجمل المواسم هنا، لتحقيق الفيلم رقم 50 في مسيرته السينمائية. ومكث ألن 8 أسابيع في باريس لتصوير المشاهد الأساسية لفيلمه الذي يحمل عنوان «الضفة اليسرى». وهو الاسم الذي يطلق على الجانب الأكثر أصالة من العاصمة. ففي هذا الجانب تقع الدائرة الخامسة. وهي البؤرة الأكثر ازدحاماً بالمكتبات والمقاهي الأدبية ودور النشر. ويشارك في تمثيل الفيلم الفرنسيان فاليري لوميرسييه وملفيل بوبو، إلى جانب الممثل الفرنسي الكندي نيل شنايدر. ويترقب كثيرون ما سيقدمه المخرج الذي تورط، على كبر، في فضائح جنسية، خصوصاً أن هناك توقعات بأن يكون الفيلم هو الأخير قبل التقاعد. كما أن من المحتمل أن ينتقل وودي ألن للإقامة في باريس التي يرتاح لها كثيراً، بعد أن كان أشبه بالجنين الملتصق برحم نيويورك، مسقط رأسه.
في الفترة ذاتها، كانت طواقم منصة «آبل تي في» تضع اللمسات الأخيرة لمسلسل «نيو لوك»، وهو إنتاج يتابع المنافسة التي كانت العاصمة الفرنسية مسرحاً لها، بعد الحرب العالمية الثانية، بين هرمين من أساطين الموضة الباريسية؛ هما كريستيان ديور وكوكو شانيل. ويؤدي الممثل الأسترالي بن مندلسون دور الأول، بينما تؤدي الفرنسية القديرة جولييت بينوش دور الثانية.
وتحاول بلدية باريس توفير الإمكانات للمخرجين المغرمين بالتصوير في شوارعها. فقد وافقت على إغلاق جادة «فوش» الراقية لمدة 48 ساعة، ومنعت المرور فيها لتفسح المجال لمشاهد المطاردة بالسيارات في فيلم «الحياة في الحقيقة» للمخرج داني بون. وهو فيلم فرنسي من تمثيل كاد مراد وشارلوت غينزبور. وهناك أيضاً الفيلم الجديد «سنة صعبة» لإريك توليدانو وأوليفييه نقاش. وهما مخرجان من سكان العاصمة يعرفان كل زقاق فيها.
مع هذا، يبقى التصوير الخارجي في باريس باعثاً على توتر جهات عديدة. فقد ازدادت الطلبات من المخرجين الأجانب بعد الجائحة. وهناك مشاريع لجهات كبرى في الإنتاج مثل «أمازون برايم فيديو» و«نتفليكس» و«آبل تي في» و«بارامونت» و«وارنر». وكلها نقلت أو تستعد لنقل طواقمها إلى العاصمة الفرنسية للتصوير خلال العام الحالي. إن الأمر مربح للبلدية، حيث إنها تحصل على ما مجموعه 2.5 مليون يورو مقابل التراخيص. هذا عدا الترويج السياحي للمدينة. لكن هذا التزاحم على التصوير يشكل أيضاً صداعاً لأجهزة البلدية بسبب امتداد أيام العمل، حيث يستغرق المسلسل عاماً كاملاً، والفيلم شهرين في المعدل. ويتبع ذلك غلق أحياء بالكامل خلال ساعات محددة من اليوم وتخصيص أماكن لوقوف شاحنات الفنيين وكابينات لاستراحة الممثلين وغرف للأزياء والماكياج. وهناك من المخرجين من يطلب تحوير مسار الطرقات أو حذف محلات الوقوف أو تغيير إشارات المرور ولافتات المحلات ووضع لافتات غيرها. لكن معظم تلك الطلبات يتم التوصل إلى حلول لها بفضل المؤثرات الخاصة في أجهزة التصوير والتقطيع المتقدمة. فقد كانت تلك التقنيات هي الجندي المجهول وراء نجاح مسلسل «إميلي في باريس»، مثلاً.
وودي ألن يعود للتصوير في باريس (من أرشيف تصوير فيلم سابق لوودي ألن في باريس)
إن لكل شيء ثمناً. ومن المنتظر أن تعلن خطة «فرنسا 2030» التي وضعتها الحكومة، قريباً، عن تخصيص 200 مليون يورو لبناء استوديوهات جديدة وتحديث القديم منها. ومن المرشحين للاستثمار في بناء مدينة تصوير سينمائي على أرض مطار «كولومييه» الذي يبعد عن العاصمة 50 كيلومتراً. وخلال شهرين، يبدأ العمل في تشييد جادتين كبيرتين على الطراز الذي شيدت به مباني باريس العريقة في القرن الماضي، وفق تصميم المهندس هوسمان. ويكفي تغيير واجهات المخازن وأنواع السيارات ليكون الموقع ملائماً للفترة الزمنية. وقد اقتنت الشركة المستثمرة أنواعاً من عربات الترام والقطارات ومترو الأنفاق العائدة لمراحل مختلفة من حياة المدينة. وقد تكون هذه المدينة بديلة للتصوير في الشوارع الحقيقية لوسط العاصمة التجاري. كما سيكون من الممكن تصوير مشاهد إقلاع وهبوط الطائرات. وهناك طائرة من نوع «A320» سترابط في الموقع.
ولاستكمال خطة إبعاد ورشات التصوير عن الأماكن الحقيقية، جرى بناء 2500 ديكور هي نسخة طبق الأصل للساحات الباريسية الصغيرة المعروفة والأزقة المحيطة بها. ويمكن للمشاهد أن يرى من بعيد المعالم المميزة للعاصمة مثل برج إيفل. وهناك من المخرجين من كان قد تقدم بحجوزات للتصوير خلال 2024، وهو موعد استضافة باريس لدورة الألعاب الأولمبية، الأمر الذي يزيد الطين بلة، حيث سيستحيل العمل خلال فترة الدورة. لذلك تجري مفاوضات لإقناعهم بالتصوير في المدينة البديلة أو في أحياء بعيدة عن المركز، مثل دوائر جنوب العاصمة أو تلة «مونمارتر» في شمالها. ووسط كل هذه المعمعة يؤكد ميشيل غوميز أن لا داعي للقلق. فكما حدث خلال أزمة كورونا فإن التحضيرات أخذت وقتها بشكل أكمل وأعمق لمشاريع أهم.


