«إم 19»... ترسانة فنية تجمع جنود الخفاء لترجمة أفكار المصممين

«الشرق الأوسط» تدخل عالم «شانيل» حيث يتحول الحجر إلى أزرار والأقمشة إلى ورود

من عرض «ميتييه داغ» الأخير الذي جرى في داكار (خاص «الشرق الأوسط»)
من عرض «ميتييه داغ» الأخير الذي جرى في داكار (خاص «الشرق الأوسط»)
TT

«إم 19»... ترسانة فنية تجمع جنود الخفاء لترجمة أفكار المصممين

من عرض «ميتييه داغ» الأخير الذي جرى في داكار (خاص «الشرق الأوسط»)
من عرض «ميتييه داغ» الأخير الذي جرى في داكار (خاص «الشرق الأوسط»)

انتهى أسبوع الموضة الخاص بالأزياء الراقية أو ما يُعرف بالـ«هوت كوتور» منذ أسابيع، وبقيت أصداؤه وصُوره عالقة في الأذهان. صور تحاكي اللوحات الفنية في بعض الأحيان بألوانها وتفاصيلها الدقيقة. فهذا الموسم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتصاميم لا مثيل لها نُفِّذ أغلبها بأنامل ناعمة سهرت ليالي وأسابيع على إنجازها. لحُسن الحظ أنه على الرغم مما يُكلِّفه تفردها من أسعار نارية، فإن لهذه التصاميم زبونات لا يبخلن عليها بالغالي والنفيس، لإدراكهن كم الشَّغف الذي تتضمنه كل طية من طياتها أو خط من خطوطها. المصممون، بدورهم، يعشقون هذا الخط لما يوفره لهم من اختبار لأفكار غريبة وابتكار أقمشة جديدة، كل ما تحتاج إليه لتتحول إلى واقع، هو حرفيون متمرسون، أو ما يُطلق عليهم الأنامل الناعمة وجنود الخفاء.

في مشغل «لوساج» (تصوير أليكس مارنا)

بالنسبة لدار «شانيل»، هذه الحرفية لا تقتصر على خط الـ«هوت كوتور»، بل تمتد إلى باقي الخطوط: الأزياء الجاهزة والـ«كروز» و«ميتييه داغ». فالدار تقوم منذ عام 1985، وبكل ما أوتيت من قوة إمكانات، بمحاولات لضمان استمرارية صناعة الموضة الراقية ومفهوم «صُنع باليد». أمر بالنسبة لها لا يمكن أن يتحقق سوى بضمان مُستقبل حرفييها. خط الـ«ميتييه داغ» مثلاً بدأه مصممها الراحل كارل لاغرفيلد في عام 2002 لتسليط الضوء على الأيادي الناعمة التي تعمل في مجالات مختلفة، من صناعة البليسيهات والأزرار والورود والريش إلى القبعات والأحذية والقفازات وغيرها. فمن دون خبرات هؤلاء لا تكتمل الموضة. في منتصف القرن الماضي كاد يتعرض بعض هذه الورشات الحرفية للإفلاس والاختفاء تماماً. تقلص عددها وعدد العاملين فيها بشكل مخيف، إما لشُح الإمكانات المادية أو بسبب العولمة وما ترتب عنها من زحف الآلات الصناعية على صناعة الموضة، أو لعدم وجود ورثة يُكملون مسيرة المؤسسين.

ورشة «مونتيكس» للتطريز لها مكان مهم في صناعة الموضة (شانيل مونتيكس)

الخوف عليها حفَز «شانيل» أن تقوم بعملية إنقاذ واسعة لضمِّها إلى حضنها.
في عام 1985 بدأت دار «شانيل» العملية، وفي عام 1997، تم إطلاق شركة موازية سمتها «Paraffection باغ أفيكسيون»، ومعناها باللغة الفرنسية «حُباً في»، انضوت تحتها هذه الورشات. مع السنين تكاثر عدد المنضوين من مختلف التخصصات تحت جناح الشركة، بعضهم يُتقن تطويع الجلود وبعضهم يتفنن في غزل الصوف وابتكار الأزرار بمواد جديدة، ومنهم من يهتم بالديكورات المنزلية. المشكلة أن هذه الورشات بقيت إلى عهد قريب متناثرة في أنحاء باريس وضواحيها، وهو ما كان يستنزف الوقت والجهد من المصممين وبيوت الأزياء التي تتعامل معها. ورغم أن «شانيل» حاولت جمع بعضهم في بناية واحدة في السابق، فإن عددهم المتزايد كان يجعل أي مكان يستقرون فيه يصغر ويضيق عليهم بعد فترة. في عام 2021 تغير الوضع تماماً. فقد شيّدت بناية ضخمة بمساحة تستوعب عدداً معقولاً من الورشات. لم تكن الدار تتوقع أن تُصبح البناية، التي أطلقت عليها اسم «19 إم» مَعلمة معمارية من معالم باريس.

في عام 1960 ابتكر «لوماري» لكوكو شانيل وردتها المفضلة الكاميليا من القماش (تصوير: أليكس مارنا)

مساحتها تبلغ 25.000 متر مربع و7 طوابق، استقبلت بعد الافتتاح في عام 2021، 11 ورشة من بين نحو 40 ورشة تحتضنها الدار، لسبب أساسي وهو أن الـ11 ورشة كانت موجودة في باريس وضواحيها، في حين توجد باقي الورشات في مناطق بعيدة مثل شركة «باري» المتخصصة في غزل الكشمير، التي توجد في اسكتلندا، و«غاييرا» المتخصصة في الجلود التي توجد بالقرب من ميلانو، وغيرها.

في ورشة «لونيو» تكتسب الأقمشة البسيطة بليسيهات بأشكال متنوعة (تصوير: آن كومباز)

زيارة قامت بها صحيفة «الشرق الأوسط» للمبنى خلال أسبوع الـ«هوت كوتور» الأخير، أكدت أن ما يجري على منصات العرض ما هو إلا قطرة في بحر ما يجري العمل عليه في هذا المبنى لأسابيع، إن لم نقل أشهراً. هنا تتحول النقاشات والأفكار المجنونة التي تبدأ في مشاغل المصممين ومكاتبهم إلى تلك اللوحات الفنية المتحركة التي نتابعها على منصات العرض، بدءاً من الأقمشة التي يتم تطويعها والبليسيهات التي يتم تشكيلُها هنا، إلى الورود والأحذية وباقي الإكسسوارات.

يحتضن «إم 19» ورشة بالوما بونبون المتخصصة في الأقمشة الناعمة وتشكيلها (تصوير: أليكس مارنا)

كل الجوارح خلال الأسبوع تكون موجهة بانبهار نحو الأزياء والإكسسوارات وباقي عناصر الإبهار التي ترافق العرض من إضاءة وموسيقى وغيرها من العناصر التي تستهدف دغدغة مشاعرنا وتنجح دائماً في نقلنا إلى عوالم حالمة. وفي نهاية كل عرض تبقى صور العارضات وهن يتخايلن في أزياء تزهو بالألوان والترصيعات والتطريزات، وأسماء مُصمميها، عالقة في الأذهان، وقلما يخطر بالبال أن كل هذا الجمال والإبداع وراءه جنود مجهولون لا يقلون شغفاً وعطاء. جنود لولاهم لما تم تحويل الرسمات والأفكار، الخيالية والسريالية في بعض الأحيان، إلى واقع ملموس.
بعد دقائق من التجول بين أقسام «19 إم» ينتابك شعور بأن اسم «شانيل» لم يعد يرتبط بشارع «غامبون» الأيقوني، حيث شقة غابرييل شانيل ومشغلها ومحلها وحده، ولا بد أن يشمل العنوان الجديد، الذي من حقه أن يأخذ حصته من الاحترام والاهتمام. وهذا لا يقتصر على معماره الحديث أو مساحته الشاسعة فحسب، بل في كونه ترسانة فنية لا مثيل لها في كل العالم لما تحتضنه من خبرات ومدارس لا توجد في أي مكان آخر. هذه الترسانة تحتمل بعض المبالغة بالقول إنها تمثل لصناعة الموضة ومستقبلها ما تُمثله «ناسا» للولايات المتحدة من صولات وجولات استكشافية في الفضاء. فهنا يتحول الحجر إلى أزرار والأقمشة إلى ورود، وهنا تكتسب الأقمشة أشكالاً وأبعاداً جديدة. مثلاً قماش يتم بسطُه بين قطعتين من الورق المقوى بعناية يتم لفه من الجانبين كما لو كان «ساندويتش»، في عملية تبدو بسيطة، لكنها دقيقة للغاية، يتحول بعدها القماش العادي والمنسدل إلى قماش مختلف تماماً ببليسيهات بديعة، تأخذ تارة شكل أكورديون وتارة شكل مربعات. تشرح مسؤولة القسم أنه ليس هناك مدرسة أو معهد تُعلَّم فيه هذه التقنية، فـ«ورشة (لونيو/ lognon) هنا هي الوحيدة التي تتقن هذه العملية وتحرص على نقلها من جيل إلى آخر»، حسب قولها.

من عرض الـ«هوت كوتور» الأخير لربيع وصيف 2023

منذ البداية كانت الفكرة بالنسبة لدار «شانيل» أن يُصبح المكان بمثابة مطبخ فكري وفني يتم فيه تبادل الخبرات والمهارات. يتم فيه أيضاً تسليم المشعل من جيل إلى آخر. فالزائر هذا المبنى يكتشف أن الماضي فيه، جزء من الحاضر والمستقبل. أغلب العاملين فيه شباب تقل أعمارهم عن الـ30 عاماً، يغرفون من خبرات الأجيال السابقة فيما يتعلق باستعمال أياديهم وأناملهم لصياغة هذه الأزياء والإكسسوارات وكل ما يتعلق بها من تفاصيل، إلى جانب إتقانهم أدوات العصر الحديثة مثل آلات الطباعة ثلاثية الأبعاد وغيرها. فقد تكون التكنولوجيا مُكملاً ضرورياً هنا بحكم متطلبات العصر، إلا أنها لا تُعوض عن الدقة والحرفية التي تجود بها الأنامل الناعمة.

في عام 1957 طلبت كوكو شانيل من «ماسارو» أن يصنع لها أحذية بلونين وهو ما أصبح من أيقوناتها (تصوير: أليكس مارنا)

الوصول إلى المبنى ليس سهلاً وفي الوقت ذاته ليس معقداً. فهو في الجادة «19» الواقعة شمال شرقي باريس. منطقة قد لا تقارن بشارع «غامبون» الراقي، إلا أنها تشهد انتعاشاً ثقافياً وفنياً ملموساً في السنوات الأخيرة. أول ما يثير انتباهك في المبنى من الخارج، شكله المثلث المترامي على مساحة 25.000 متر مربع وطوابقه السبعة. تبدو نوافذه الزجاجية وكأنها تمتد من الأرض إلى سقفه. فهيكله الخارجي يتكون من 231 وحدة خرسانية رفيعة جداً. بيد أن ما يلفت النظر أكثر، أنه يبدو كما لو كان مكسواً بالقماش تنسدل خيوطاً متشابكة على طول طوابقه السبعة. مهندسه الفرنسي رودي ريشيوتي أخذ بعين الاعتبار أنه مبنى خاص بالموضة، وأنه لدار أيقونية راسخة في المخيلة الفرنسية كمؤسسة ثقافية وفنية قائمة بذاتها، لهذا استعمل الحديد والزجاج والإسمنت بهذه الطريقة المبتكرة، تماماً مثل تركيزه على الإضاءة الطبيعية والاستفادة من المساحات المفتوحة. اسم المكان نفسه «L e 19M» قد يبدو وظيفياً للوهلة الأولى، لكنه يحمل الكثير من المعاني التي ترتبط بصناعة الموضة عموماً وبالدار الفرنسية خصوصاً. فإلى جانب أن رقم «19» يرمز إلى موقعه الجغرافي في الجادة «19»، فإنه أيضاً تاريخ يوم ميلاد غابرييل شانيل، التي وُلدت في 19 من شهر أغسطس (آب). أما حرف «إم M» فيرمز إلى عدة أشياء كلها ترتبط بالحرفية، مثل موضة، «ميتييه Metier»؛ أي حرفية، «مين Mains»؛ أي يد أو ما يُعرف بالأنامل الناعمة في لغة الخياطة الرفيعة، و«ميزون Maison»؛ أي دار أزياء.
الجميل في المكان عندما تطأ أقدامك عتبته ليس رائحة الإبداع والابتكار التي تزكم الأنفاس فحسب، بل كيف تتكشف أسراره وتقنياته، كما لو كانت لعبة «بازل» تكتمل صورتها أمام العيون. فهذه الورشات لا ترى أنها يجب أن تُبقي هذه التقنيات ملفوفة بالسرية، بل العكس تريد أن تستعرضها أمام العالم. كما لا تبخل على أي دار أزياء بها. وهذا يُحسب لـ«شانيل» التي على الرغم من أنها تمتلكها، فإنها لا تتملَّكها أو تحتكرها، بل تفسح لها المجال للتعاون مع كل بيوت الأزياء العالمية. من جهة لكي تحافظ على استمرارية مفهوم «صُنع باليد»، ومن جهة ثانية لتمويل نفسها. ورغم أن خط الـ«هوت كوتور» هو من يستفيد من هذه الخبرات بشكل واسع، فإنها بالنسبة للدار، الأكسجين الذي يتنفس منه خط الـ«ميتييه داغ». فهو خاص بها بدأه الراحل كارل لاغرفيلد منذ أكثر من عقدين لكي يكون احتفالاً بهذه الحرف واستعراضاً لما تُنتجه. وحتى لا يُفوِّت على أحد متعة متابعتها، حرص أن يعرض هذا الخط مرة في السنة، في عواصم مختلفة من العالم. وهذا تقليد لا تزال الدار تلتزم به لحد الآن. ففي شهر ديسمبر (كانون الأول) من كل عام، تأخذ ضيوفها المهمين في رحلة تخاطب كل الحواس، كان آخرها إلى داكار، عاصمة السنغال.
كانت هذه أول مرة تحتضن أفريقيا عرضاً مماثلاً، كما كانت وجهة جديدة ومجنونة، ولا سيما أن الدار لا تنوي فتح محلات لها في العاصمة الأفريقية. تبريرها كان أنها تريد فتح حوار فكري، ثقافي، وفني، مع مُبدعي السنغال. فمقرها «19M» ليس مجرد مطبخ إبداعي لصناعة الموضة، بل هو أيضاً ملتقى فني وثقافي تفتحه للعامة في أيام محددة لمن يريدون تعلم حرفة ما، وتُخصص جزءاً منه، نحو 1.200 متر مربع، لتنظيم معارض متنوعة.
الآن وبالتعاون مع متحف «تيودور مونو» للفنون الأفريقية، هناك حوار جارٍ بينه وبين حرفيين سنغاليين ضمن برنامج «19 إم داكار»، تحت عنوان «Sur le fil»، ومعناها «على الخيط»، إشارة إلى تلك العلاقة التي تربط التطريز بمجالات فنية أخرى مثل الرسم والتصوير الفوتوغرافي وغيرها.


مقالات ذات صلة

أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

لمسات الموضة يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)

أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

ما يجعل تصميماً معيناً يستمر لعقود سؤال لا يشغل بال المستهلك فحسب، بل أيضاً صناع الموضة، لا سيما أن الحظ يلعب دوره أحياناً بشكل يُدهش الجميع بمن فيهم مبتكره

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)

«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كان الظهور المتكرر والوفرة يؤثران على مكانة آل «بيركين»، لا سيما أن الترف يحتاج إلى شيء من الغياب، والندرة، لكي يحافظ على بريقه

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة المصمم شون ماكغير يحيّي ضيوفه بعد عرضه مجموعة خريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)

خروج شون ماكغير من «ألكسندر ماكوين» يطرح تساؤلات حول مستقبل الإبداع

المشهد حالياً يطرح تساؤلاً أساسياً: هل لا تزال دور الأزياء تمنح الإبداع الوقت لاختبار أفكار مبتكرة، أم إن منطق النتائج السريعة بات يحكم مستقبل المصممين؟

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)

كيف جعلت «برادا» التنورة بطلة قصتها لربيع وصيف 2027؟

لم تُعانق ميوتشيا برادا التنورة بصورتها الأنثوية المُغرية، فهي تتعامل معها دائماً بوصفها قطعة أساسية تخدم المرأة، كما تثبت من خلالها أنه لا شكل واحداً للأنوثة.

جميلة حلفيشي (لندن) جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)

مصممة «شانيل» السابقة... بين وجع الرحيل ورفض النسيان

الجرح الأكبر كان من الذاكرة، حيث شعرت أن اسمها لا يُذكر في سردية الدار. كان هناك غابرييل شانيل، ثم كارل لاغرفيلد، ثم ماثيو بلازي، أما هي فبدت وكأنها مجرد فاصل

جميلة حلفيشي (لندن)

أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
TT

أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)

تتوالى المواسم وتتغيَّر الصيحات، ويستمر بحث المرأة عن ذلك الحذاء الذي يجمع بين الراحة والأناقة، ليُواكب إطلالتها ويمنحها ثقة في كل خطوة. لكن ما الوصفة السحرية التي تجعل تصميماً معيناً يحقق نجاحات مستمرة في عالم الموضة ويُبقي الإقبال عليها مشتعلاً؟

سؤال لا يتبادر إلى ذهن المستهلك أو المتابع فحسب، بل يشغل أيضاً بال صُنّاع الموضة، وعلى رأسهم المصممون أنفسهم: ما الذي يجعل بعض التصاميم تعيش طويلاً، فيما تختفي أخرى بعد مواسم قليلة؟ أحياناً يلعب الحظ دوره إلى حد يُدهش حتى مبتكر التصميم، وأحياناً تكون الجودة والتميز العامل الحاسم في ترسيخ استمراره؛ فكم حذاء أثار ضجة لحظة ظهوره، وأخذ حيِّزاً كبيراً على صفحات المجلات وواجهات المتاجر، ثم اختفى بعد مواسم قليلة وكأنه لم يكن؟

الممثلة روز بيرن في نيويورك بحذاء «روكستاد» (فالنتينو)

تصاميم أخرى حافظت على جاذبيتها لعقود، من دون أن تبدو قطعاً من الماضي. منها ما اعتمد على أشكال هندسية وتشريح الأقدام بحساب لمنحها الراحة، ومنها ما اعتمد على الألوان وفنية الكعوب والترصيعات وما شابه. رغم أن بعضها وُلد قبل عقود، مثل حذاء «شانيل» ثنائي اللون، و«بيل فيفييه» من روجيه فيفييه، و«فارا» من سالفاتوري فيراغامو، وبعضها أحدث نسبياً، مثل «هانغيسي» من «مانولو بلانيك» و«روكستاد» من «فالنتينو»، فإن القاسم المشترك لنجاحها واستمراريتها أنها لم تكن مجرد أشكالاً أنيقة، بل تمتلك تفصيلات بصرية وأفكاراً تصميمية تحوّلت إلى هوية تخدم مصممها، كما تخدم المرأة أياً كان أسلوبها أو مكانتها.

صورة أرشيفية لحذاء «لابيغال» (كريستيان لوبوتان)

صحيح أن تصاميم مبتكرة ظهرت في السنوات الأخيرة وبدأت تفرض مكانتها، مثل «لابيغال» من «كريستيان لوبوتان» وتصاميم أمينة معادي بكعوبها المميزة وتصاميم «جيمي تشو»، إلا أنها لا تزال طور الاختبار من ناحية استمراريتها على مدى عقود مقبلة، لتبقى التصاميم الأيقونية العابرة للزمن والأجيال التي لا تزال تحقق نجاحات تجارية محددة، نذكر منها على سبيل المثال:

1- حذاء «شانيل» ثنائي اللون:

حذاء «شانيل» ثنائي اللون (موقع شانيل)

قدمته غابرييل شانيل عام 1957، ولم تكن تعرف حينها أنها تصنع واحداً من أكثر التصاميم صموداً في تاريخ الموضة. طوَّرته مع صانع الأحذية الفرنسي رايمون ماسارو بلونين متباينين: بيج يغطي الجزء الأكبر، وأسود في المقدمة مع حزام يلتف خلف الكاحل. وراء هذا التصميم فكرة ذكية.

فالبيج، القريب من لون الجلد، يمنح الساق امتداداً بصرياً أطول، بينما تجعل المقدمة السوداء القدم تبدو أصغر. وحتى اللون الأسود لم يكن للزينة فقط؛ فقد كان عملياً أيضاً، لأنه يخفي آثار الاستخدام في أكثر أجزاء الحذاء تعرضاً للاحتكاك. أما الحزام الخلفي من دون إبزيم والكعب المعتدل فمنحا التصميم راحة وعملية.

الممثلة أوليفيا دين في إطلالة من «شانيل» من ضمنها حذاء ثنائي اللون بالأبيض والأسود (شانيل)

الآن يعتبر هذا الحذاء واحداً من أيقونات الدار الفرنسية مثله مثل التويد والحقيبة المبطنة، ما جعل الدار تعود إليه في عهد كل من الراحل كارل لاغرفيلد وخليفته فيرجيني فيار، ومؤخراً ماثيو بلازي في مجموعته الأخرى. أعادت الدار تفسيره بكعوب مختلفة وخامات وألوان متنوعة لكن دائماً من دون المساس بأساسياته.

2- حذاء «بيل فيفييه» من دار روجيه فيفييه:

حذاء «بيل فيفييه» تتغير ألوان وخاماته ويبقى شكله المميز ( موقع روجيه فيفييه)

ظهر في منتصف الستينات، وحصل على دفعة قوية بعد ظهور النجمة كاثرين دونوف به في فيلم «Belle de Jour» للويس بونويل عام 1967. لم يكن الحذاء بحاجة إلى ذلك الظهور كي يكون ناجحاً، لكنه حصل بفضله على واحدة من أثمن الصفات في عالم الموضة: صورة وقصة. لم يكن الكعب المنخفض والشكل البسيط نسبياً أكثر ما يميزه؛ كانت القوة في المشبك المعدني الأمامي ذي الشكل الهندسي، الذي منح التصميم شخصية يمكن التعرف عليها من النظرة الأولى.

حذاء «بيل فيفييه» تضفي عليه الدار في السنوات الأخيرة ألواناً تخاطب الجيل الجديد ( موقع روجيه فيفييه)

منذ ذلك الحين، لا تتعامل دار «روجيه فيفييه» معه كقطعة أرشيفية محفوظة في الماضي، بل تعيد تفسيره في كل موسم بشكل وبألوان وخامات وارتفاعات مختلفة، مع الإبقاء على ذلك التفصيل الذي صنع هويتها. أما الإقبال عليه من قبل جيل جديد فيؤكد أنه لا ينتمي إلى الماضي وحده.

3- حذاء «فارا» من «سالفاتوري فيراغامو»:

حذاء «فارا» من الجلد المبطن (موقع سالفاتوري فيراغامو)

بعد نحو عقدين، وفي عام 1978 تحديداً وُلد هذا التصميم. صممته فياما فيراغامو ابنة المؤسس سالفاتوري في وقت كانت تبحث فيه الدار عن نموذج يجمع بين الأناقة والاستخدام اليومي المريح الذي أرساه المؤسس. الفكرة لم تبدأ باستعراض تقني أو بكعب أنثوي عالٍ، بل بشكل مريح ذي مقدمة مستديرة وكعب منخفض. ثم أضيفت إليه تلك اللمسة التي ستصبح لاحقاً علامته الفارقة: عقدة على شكل فيونكة.

حذاء «فارا» بنسخة جديدة (موقع سالفاتوري فيراغامو)

والطريف أن الفيونكة نفسها لم تكن، في البداية، نتيجة خطة تسويقية ضخمة، إذ كان هناك نموذج أولي أضيفت إليه قطعة من شريط في مشغل الدار، ثم حدث سوء فهم، أو خطأ، أثناء التنفيذ، فبقيت من شريط نسيجي بدلاً من الجلد، وبالتالي ما كان تفصيلاً صغيراً تحول إلى هوية.

ربما لبساطة تصميمه، يبدو مختلفاً عن كثير من الأحذية الفاخرة. فلا كعب دراماتيكي، ولا زخرفة ثقيلة، ولا شعار كبير، ولا أي محاولة للفت الأنظار، ومع ذلك تتعرف عليه من النظرة الأولى. إنتاجه لا يزال مستمراً إلى حد الآن، لا سيما أنه يحقق مبيعات تُقدر بالملايين. فالمرأة بغض النظر عن عمرها ترتديه مع بدلة أو بنطال جينز، في النهار أو المساء، وفي كل مرة تحصل على التميز والراحة المطلوبَيْن.

4- «هانغيسي» من «مانولو بلانيك»

حذاء «هانغيسي» من «مانولو بلانيك» أصبح ماركة مسجلة في قاموس الدار (موقع مانولو بلانيك)

احتاج هذا التصميم في المقابل إلى شيء مختلف تماماً وتفصيل لافت لكي يصنع مكانته في مجال مزدحم بالابتكارات.

ظهر للمرة الأولى ضمن مجموعة ربيع وصيف 2008، بألوان الوردي والأسود والأخضر. واستُلهم تصميمه من أكثر من مرجع، من مارلين ديتريش ومن جوزفين بونابرت، وأحذية البلاط الأوروبية، لكن أكثر ما لفت الأنظار فيه وساهم في انتشاره، مشبكه الكريستالي المربع وسط مقدمة الحذاء.

الممثلة سارة جيسيكا باركر وحذاء «هانغيسي» (غيتي)

ومثل «بيل فيفييه»، ساهمت ممثلة في نشره إلى العالم وتعريف العالم باسمه. كان ذلك عندما ظهرت به سارة جيسيكا باركر في السلسلة التلفزيونية «سيكس أند ذي سيتي»، التي لعبت فيها شخصية كاري برادشو. كان من السهل أن يرتبط بالمسلسل، إلا أن وهجه لم يخفت بعد انحسار وهج المسلسل ليؤكد أنه أقوى منه. والفضل يعود إلى تميز مشبكه الذي أصبح مرتبطاً باسم «مانولو بلانيك» في عالم الترف. مثل باقي بيوت الأزياء، لم تجمده الدار في شكله الأول، بل أعادت إنتاجه بأكثر من 100 خامة ولون، وبسبعة ارتفاعات مختلفة للكعب لحد الآن.

5- حذاء «روكستاد» من دار «فالنتينو»:

حذاء «روكستاد» بشكله المتميز ومساميره (فالنتينو)

ظهر في بداية العقد الثاني من الألفية، واجتاح عالم الموضة بمساميره الهرمية الصغيرة التي اصطفت على الأحزمة والحواف ليحقق للدار أرباحاً منقطعة النظير. كان جديداً بفكرته التي تحمل الكثير من التناقض؛ فـ«فالنتينو» ارتبطت طويلاً بالرومانسية والفساتين الحالمة بينما كان التصميم أقرب إلى لغة البانك والروك أند رول. وربما كان هذا التناقض مكمن الجاذبية.

الممثلة ناعومي واتس وحذاء «روكستاد» (فالنتينو)

فالمسامير جعلت الحذاء حداثياً وقابلاً للتعرف إليه فوراً. نجاحه فتح شهية الدار على الانتقال بهذه المسامير من حدود الحذاء إلى الصنادل والحقائب، حتى أصبح الاسم نفسه جزءاً من قاموس الدار الإيطالية. لحد الآن تعود إليه كرمز من رموزها القوية في نسخ جديدة لا تبدو عالقة في الماضي. فالمسامير تتغير من حيث العدد والشكل، ما يمنح المرأة سبباً للعودة إليها بدليل ظهوره بنسخة معاصرة في الجزء الثاني من فيلم «الشيطان يرتدي برادا».


«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
TT

«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)

غابت حقيبة «بيركين» من منصة عرض هيرميس لربيع وصيف 2027، ولم تغب من الذاكرة، ولا عن المشهد بحضورها محمولة بأيدي المدعوات. يبدو أن الدار اختارت في هذا الموسم تسليط الضوء على تصاميم أخرى، فيما تظل «بيركين» بمنأى عن الحاجة إلى حضور منتظم على المنصة كي تحافظ على موقعها كواحدة من أكثر حقائب الدار شهرة، وتأثيراً.

حقائب متنوعة ظهرت في عرض «هيرميس» لربيع وصيف 2027 (أ.ف.ب)

اكتسبت هذا التأثير من هالتها كمنتج نادر يصعب الحصول عليه، ومن مكانة تجعل الوصول إليها امتيازاً محدوداً على قلة من المقتدرين. ما يؤكد أن مكانتها لا تزال راسخة أن حقيبة «بيركين» الأصلية التي صُنعت خصيصاً لجاين بيركين في عام 1985 بيعت في مزاد سوذبيز مؤخراً مقابل 8.5825 مليون يورو، أي نحو 10.1 مليون دولار، لتصبح أغلى حقيبة تُباع في مزاد على الإطلاق. لكن هذه الحقيبة التي استغرقت المزايدة عليها نحو عشر دقائق لم تكن مجرد حقيبة من الجلد، بل كانت القصة كلها.

فمنذ أن ظهرت في منتصف الثمانينات، بعد اللقاء الشهير بين الفنانة جاين بيركين ورئيس Hermès آنذاك جون لويس ديما، على متن طائرة، وهي تتحدى الفكرة التي وُلدت منها، وهي حاجة عملية لمتطلبات امرأة وأم وسيدة أعمال. لم يكن أحد يتوقع أن تتحول إلى رمز عالمي للفخامة، والمكانة المتميزة.

الندرة والحلم

ما صنع أسطورتها لم يكن التصميم وحده، ولا الحرفية، والمواد، بل صعوبة الحصول عليها. فهي لم تكن معروضة في متاجرها للبيع، وعلى من تريدها أن تُسجل اسمها ضمن لائحة انتظار قد تمتد لعدة أشهر. كانت هذه العملية جزءاً من قيمتها، وذكاء تسويقياً يُحتذى به، لأنه رفع من أسهمها، وجعلها حلماً بالنسبة لملايين من عشاق الموضة.

حقيبة «بيركين» بلون الفستق (هيرميس)

لكن ندرتها أصبحت في خطر بالنسبة لشريحة من الزبائن، كانوا إلى الأمس القريب ينتمون إلى نادٍ خاص جداً، من الأثرياء والذواقة على حد سواء. لكن في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الحقيبة منتشرة بشكل بدأ يصيبهم بالتخمة من مشاهدتها. فهي حاضرة الآن في فيديوهات على «التيك توك»، حيث تخضع للتشريح، والتمحيص من الخارج، والداخل، وأيضاً متوفرة بشتى الألوان والأحجام في محلات متخصصة في إعادة بيعها لمن لم تستطع إليها سبيلاً بالطرق التقليدية. ثم أصبحنا نراها على يد مؤثرات ومؤثرين في جولات التسوق كما في المناسبات المهمة، لأنها وبكل بساطة لم تعد مجرد رمز لمكانة اجتماعية معينة، بل تحوَّلت إلى محتوى.

بين الوفرة والنُّدرة

السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كان الظهور المتكرر والوفرة يؤثران على مكانة آل «بيركين»، لا سيما أن الترف يحتاج إلى شيء من الغياب، والنُّدرة لكي يحافظ على بريقه؟

حقيبة آل «بيركين» الأيقونية أصبحت خارج المنافسة بالنسبة للعديدين (من الأرشيف)

أرقام المبيعات تؤكد أن ذلك لم يؤثر فيها حتى الآن. ربما لم تعد المرأة الثرية تحملها بالوتيرة نفسها التي اعتدناها، مفضِّلة عليها حقائب أكثر هدوءاً، وخالية من الشعارات، إلا أن الراغبات في دخول هذا النادي الخاص ما زلن يسعين إليها، ويواصلن تغذية الطلب عليها.

أما تأثير المؤثرين والمؤثرات على صورة الحقيبة، فالإجابة عنه أكثر تعقيداً. ربما ساهموا في تبديد شيء من الحلم، وفي تقليص هالتها كحقيبة بعيدة المنال، لكنهم في المقابل حوَّلوها إلى جزء من الثقافة البصرية المعاصرة، فنقلوها من منتج نادر لا يُرى إلا في أيدي قلة، إلى موضوع للاستهلاك البصري، والمعرفة، عبر استعراض تفاصيل حرفيتها وقصتها أمام جمهور واسع.


خروج شون ماكغير من «ألكسندر ماكوين» يطرح تساؤلات حول مستقبل الإبداع

المصمم شون ماكغير يحيّي ضيوفه بعد عرضه مجموعة خريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)
المصمم شون ماكغير يحيّي ضيوفه بعد عرضه مجموعة خريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)
TT

خروج شون ماكغير من «ألكسندر ماكوين» يطرح تساؤلات حول مستقبل الإبداع

المصمم شون ماكغير يحيّي ضيوفه بعد عرضه مجموعة خريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)
المصمم شون ماكغير يحيّي ضيوفه بعد عرضه مجموعة خريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)

يبدو أن صناع الموضة في مأزق صعب، الأمر الذي يُفسِّر حجم التغييرات التي تقوم بها كل من مجموعة «إل في آم آش» ومجموعة «كيرينغ» مؤخراً. فأرقام المبيعات في تراجع، وعدد زبائن المنتجات الفخمة أيضاً في تراجع، والعالم يعاني من أزمة اقتصادية خانقة لا تتجلى فقط في الإضرابات التي تشهدها العديد من العواصم الأوروبية، بل أيضاً فيما يجري داخل بيوت الأزياء من انقلابات، وإقالات.

وبين ضغوط المبيعات، وتقلّبات سوق الرفاهية، وتوقعات العلامات التجارية تحقيق نتائج سريعة، باتت المساحة المتاحة أمام المديرين الإبداعيين لاختبار أفكارهم وبناء هوياتهم داخل الدور تضيق أكثر فأكثر. لم تعد فترة عام أو عامين متاحة أمامهم لتأسيس لغة إبداعية متماسكة. وهكذا بين الفترة والأخرى تنتشر إشاعات حول رحيل مصمم، أو إقالته سرعان ما تتأكد صحتها، في مشهد يطرح تساؤلاً أساسياً: هل لا تزال دور الأزياء تمنح الإبداع الوقت الذي يحتاج إليه، أم إن منطق النتائج السريعة بات يحكم مستقبل المصممين؟

فمنذ أيام أعلنت دار «كالفين كلاين» خروج مديرتها الفنية فيرونيكا ليوني، وبعدها مباشرة أعلنت شركة «كيرينغ»، المالكة لعلامة ألكسندر ماكوين، أن مديرها الإبداعي شون ماكغير غادر منصبه.

قبل ذلك، أعلنت المجموعة رحيل أنتوني فاكاريلو، المدير الإبداعي لـ«سان لوران»، فيما تقول مصادر في القطاع إن فترة تولي بييرباولو بيتشولي منصبه في «بالنسياغا» تقترب أيضاً من نهايتها، فيما لا تزال دار «بروني» من دون مصمم حتى الآن.

سبب خروج ماكغير أنه واجه صعوبة في إثبات حضوره، بعد أن قوبلت تصاميمه الأولى بفتور. كان ماكغير قد انضم إلى ماكوين في وقت كانت فيه العلامة التجارية تواجه تراجعاً حاداً في المبيعات، نتيجة تباطؤ سوق السلع الفاخرة، وتراجع الطلب على خطها الناجح من الأحذية الرياضية تحديداً.

في عرضه الأول في مارس (آذار) 2024، قدّم أسلوباً أكثر تحرراً وخشونة. بدا متجدداً، ما أعطى الأمل بأنه تغيير إيجابي. لكن بعض تجار التجزئة والنقاد رأوا أن العرض كان غير متماسك، وأنه ابتعد بدرجة كبيرة عن السمعة التي تتمتع بها ماكوين بوصفها علامة متخصصة في التفصيل الدقيق، والمتقن.

حاول المصمم تجديدها في مجموعته لربيع وصيف 2027 بالألوان والعودة إلى إرثها (ماكوين)

ورغم أن المجموعات اللاحقة جاءت أكثر إحكاماً في تنفيذها، فإنها لم تنجح في تجديد اهتمام السوق بالعلامة التجارية. وبحلول عام 2025، انخفضت الإيرادات المقدّرة إلى أقل من 200 مليون يورو، بعدما بلغت 800 مليون يورو في ذروتها. هذا التراجع جعل الشركة المالكة، «كيرينغ»، تدرس إمكانية بيع العلامة التجارية، قبل أن تبدأ عملية إعادة هيكلة شاملة لها.

وتعتبر ماكوين واحدة من أصغر العلامات التجارية التابعة لـ«كيرينغ»، ومن أكثرها تعقيداً أيضاً، لأنها لم تخرج من عباءة مؤسسها ألكسندر ماكوين حتى الآن. فهو لا يزال حاضراً في الذاكرة بعروضه المسرحية، وبراعة تفصيله، وروحه المتمردة بفنية لا يستطع أياً كان أن يُعوِّضها بسهولة. وربما هذا ما تبحث عنه الدار لحد الآن، وهو أيضاً ما صرَّح به لوكا دي ميو، الرئيس التنفيذي لشركة «كيرينغ» بقوله إنه يقدر مساهمة شون ماكغير، وتفانيه في خدمة «ألكسندر ماكوين»، لكن «المجموعة تطمح إلى رسم مسار جديد وجريء للدار، يستند إلى إرثها الفريد في التفصيل الاستثنائي، والإبداع الذي لا يقبل المساومة، والتمرد، من أجل تأكيد مكانتها بوصفها أحد أكثر الأصوات ابتكاراً، وتأثيراً ثقافياً في قطاع السلع الفاخرة».

تشتهر الدار ببراعتها في التفصيل الرجالي (ماكوين)

وتقود «كيرينغ» حالياً تغييرات كبيرة في القيادة الإبداعية عبر مجموعة علاماتها التجارية، في وقت لا تزال فيه سوق السلع الفاخرة تمر بظروف صعبة.

ربما تبدو «غوتشي»، العلامة الرئيسة للمجموعة، وكأنها تتجه تدريجياً نحو التعافي تحت قيادة مديرها الإبداعي الجديد ديمنا، إلا أن هذا التعافي لا يزال بطيئاً، ويحتاج إلى تسريع قوي.