«أعشاب ضارة»... بوح الجيل الثاني للحرب الأهلية اللبنانية

ديمة عبد الله تصدر سيرة ذاتية بوجهين

«أعشاب ضارة»... بوح الجيل الثاني للحرب الأهلية اللبنانية
TT

«أعشاب ضارة»... بوح الجيل الثاني للحرب الأهلية اللبنانية

«أعشاب ضارة»... بوح الجيل الثاني للحرب الأهلية اللبنانية

تصر ديمة عبد الله، على أن روايتها «أعشاب ضارة»، التي ترجمت إلى العربية وصدرت مؤخراً عن «دار الآداب»، ليست عن الحرب، وإنما عن علاقتها الاستثنائية بوالدها، وذلك الانصهار بين شخصين، فرقتهما الظروف، وجمعهما الحب والشعر والرسم والإحساس الدائم بالغربة.
لكن القارئ لا يمكنه أن ينسى لحظة واحدة، وهو يقرأ في مائتي صفحة ونيف، أن الكاتبة بروايتها الأولى هذه التي صدرت عام 2020 بالفرنسية، إنما تنفض عن روحها عبئاً ثقيلاً، وتتخفف من ذكريات أليمة، وتحاول بالكلمات أن تغسل بعضاً مما خلفته الحرب الأهلية اللبنانية (1975 - 1992) من كدمات وندوب وتمزقات، ليس فقط على ماضيها وطفولتها، وإنما على عائلتها بأكملها. وإن كانت والدتها لا تظهر في الرواية إلا لماماً، وشقيقها الأصغر كذلك، فهي حكاية عن حبل سري لا ينقطع، وإعجاب لا يخالطه نقد أو احتجاج، يربط طفلة بوالدها، ويبقى ساكناً قلبها ووجودها في غيابه وبعد موته.
هذا الامتزاج بين الاثنين، يتبدى في طبيعة تركيب النص، حيث تروى الابنة الصغيرة حكايتها مع والدها الضخم، المارد، الكبير الهامة، لكننا سرعان ما نعرف أنه هو أيضاً شريك وراوٍ ومحرك للأحداث أيضاً.
تارة تتحدث الكاتبة عن نفسها وعنه وعنهما معاً وعلاقتهما بالعالم الخارجي الذي يرتج ويتزلزل بفعل العنف، وتارة أخرى تجعله يروي على طريقتها ليكمل الحكاية كما يراها بعينيه، أو هكذا توحي لنا. نحن إذن، في حضرة راويين أو صوتين اثنين، يتواليان على سرد قصتهما، الابنة والأب، ليقصا معاً، حكاية حبهما، وتناغمهما، وحوارهما الذي يكون أحياناً على صمته بليغاً ومعبراً. وبتقدم النص ترسم الرواية عبر هاتين الشخصيتين بروفايلاً لكل منهما، بحيث لا ننتهي من القراءة، إلا وقد أصبحنا على معرفة بهذا الأب الضخم الهيئة، رقيق القلب، عاشق النكتة، الشاعر الذي ينكب على الكتابة كل صباح، لا شيء يغير من عاداته طوال عشرين سنة، وهو يرسم حين يحلو له، ولا يتوقف عن الحب والحنو. أما الابنة فنتابعها من صفوفها الأولى في المدرسة، ونواكب تقاعسها المدرسي، وعدم اكتراثها لما يحدث في الصف، ولا لصداقات في المدرسة، مؤثرة الوحدة والعزلة، ونعايش رحيلها عن لبنان وهي في الثانية عشرة، تاركة وراءها شطرها الآخر والدها، ونبقى معها حتى عقدها الثالث وانخراطها في الحياة الباريسية.
يبدو للوهلة الأولى، وكأن لا حرب قاهرة ومجنونة في الأفق، لكن كل حياة الراوية ترسمها فعلياً أحداث الحرب. تتحدث الطفلة عن غصة تخنقها، عن كآبة، حزن، فرط إحساس باللااستقرار مع تغيير المنازل، وتبدل الأسرة، وحزم الشنط، والاكتفاء بالقليل من الأغراض، كي يصبح الترحال أسهل والهرب أقل صعوبة.
إذن اختارت ديمة عبد الله - وهي ابنة الشاعر اللبناني محمد عبد الله الذي رحل عن عالمنا عام 2016 والروائية هدى بركات التي لم تتمكن من إقصاء أثر الحرب عن أي من رواياتها - أن تدشن مسارها الأدبي بعمل عن الحرب، ولو كانت لا تحب ذلك. إذ ليس في «أعشاب ضارة» قتلى، ومصابون، وبيوت مهدمة، وقذائف تطال الأبرياء، وقنابل تنفجر في كل اتجاه، وإنما عائلة تنأى بنفسها عن الخراب، بأن تنتقل من بيت إلى آخر، كي تقي نفسها شروراً لا يد لها بها، ولا تعرف لها من مبرر. وعندما تبلغ الراوية (الطفلة) الثانية عشرة، يتبين للوالد أن ترحيل عائلته أمر لا بد منه، كي يكمل الولدان الصغيران أيامهما وينالا ما يستحقان من حياة.
تبدأ الرواية بالجملة التالية «يد المارد شاسعة، حتى أن إصبعاً واحداً تكفيني. فهو دائماً ما يمد لي إصبعه بدل أن يأخذ بيدي». وبمشهد مؤثر، مجتزأ من حياة عائلة عادية في بيروت عام 1983 تعيش الحرب، حيث يضطر الأهل في أي لحظة خطر للتوجه إلى مدارس أولادهم واصطحابهم إلى البيت، درءاً لتطور أخطر، نرى أنفسنا نتابع خطوات التلميذة الصغيرة ابنة الست سنوات وهي تمسك بإصبع والدها، وتلحق به. الفوضى، الضجيج، الخوف، ليس هذا ما يشغل الطفلة السعيدة بأنها تخرج من المدرسة بصرف النظر عن السبب، بصحبة الرجل القوي الذي «دائماً ما يمد إصبعه بدل أن يأخذ بيدي». من جماليات الرواية لغتها الطفولية التي تستخدمها الراوية؛ بساطة جملتها، وصفها للأب «حين أنظر إلى هذا المارد، أراه جميلاً جداً، أجمل من بقية من جاء من الأهل الآخرين. وأعلم أنه يجب علي أن لا أترك إصبعه فأبقى مركزة انتباهي على اليد».
نتعرف عبر البطلين، إلى عائلة لا تنتمي إلى عصبة أو قضية كالتي يتماهى معها الآخرون من حولهم. ويقول الأب إن ابنته «تعرف الثمن الذي دفعناه أنا وأمها بسبب عدم انتمائنا».
الأحداث قليلة سلسلة لا صخب فيها، وليس هذا هو المهم. فهي ليست قصة بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، بقدر ما هي تتبع لتطور الشخصيتين، وانعكاس الظروف الخارجة عن إرادتيهما على مسارهما، وهو ما تحاول الكاتبة عدم التطرق إليه إلا للضرورة، وبقدر ما يسير حياتها، ويؤثر على عائلتها.
الانتقال إلى باريس والعيش بعيداً عن الأب لا يساعد في شفاء الروح. هي العزلة نفسها في المدرسة، الغربة ذاتها في يومياتها. الانخراط صعب في فرنسا، نسيان اللغة الأم تدريجياً، صعوبة التعاطي مع الأصدقاء باستثناء ساندرين، التي هي أشبه بملاك. لكن ساندرين تموت وتختفي. وتبقى للشابة وهي تكبر، صحبتها مع النباتات، وقد بدأت علاقتها بها مع والدها ونباتاته التي كانت تعيش على الشرفة في بيروت. هذه الصلة النباتية في لبنان تصبح جسراً لعلاقتها بحدائق باريس، ومن ثم إلى تشكيل شرفتها الفرنسية التي هي «أشبه بشرفات العجائز، لأنني أترك فيها كل شيء ينبت من دون تمييز على الإطلاق، من دون أدنى انتقاء، لأن ذكرياتي على غرارهن، كثيرة لا تعد، ولأنني على غرارهن أخشى النسيان».
لا حرب بالمعنى الحربي في «أعشاب ضارة»، لكن الطفلة التي كبرت، تعيش غصة، تمتد على مدى صفحات القصة؛ الكآبة تتحول بمرور الوقت إلى حالة مرضية، انسحاب الفتاة من حياتها العائلية، وبحث والدها عنها، ثم عودتها، وكأنما هي في كل مرة تحاول أن تجد شفاءها، تماماً كما تفعل وهي تكتب روايتها هذه وتصف فيها العلاقة بين الخارج والداخل. في منزلها في باريس، وقد تكومت أغراضها التي نقلتها من منزل إلى آخر، ولم تفتحها بعد. «محتويات صناديقي الغامضة، هي نفسها محتويات دماغي. ففيه كل أنواع الذكريات التي لا طائل منها، فهي بلا رأس ولا ذنب...». حياة كاملة في فرنسا في هذه الصناديق المكدسة وسط الغرفة «جميع الرسائل التي كتبها لي وكل الصور، وحقيبة ظهري الزرقاء... مع نصوص أبحاثي والثياب الجديدة وأوراقي الرسمية، باختصار، ثقل حياة بكاملها منثورة كحبات أرز متنافرة ممزوجة بالشوائب».
«يا ماردي» تخاطب والدها في نهاية الرواية، وتتوجه إليه بكلام طويل ومؤثر، وكأنما تغسل روحها من كل ما تبقى فيها من أسى وحزن وألم، مختتمة بقصيدة له.
هي من الروايات القليلة للجيل الثاني بعد الحرب الأهلية اللبنانية. جيل عاش الحرب، ويظن أنه لم يعشها، وصمته بكوارثها، وربما لا يصدق بأنه لم يتخلص منها. تركت ديمة عبد الله بلدها صغيرة، لكنها لم تنس، نسيت العربية لكنها لا تزال متعلقة بما تبقى منها، هجرت شرفتها البيروتية وأنبتت مثيلاً لها في باريس.
سيرة ذاتية لحياة جوانية تتبدل فيها الروح وتنتقل من حال إلى أخرى، وكأنما حياة واحدة لا تكفي.
وكانت «أعشاب ضارة» قد فازت عند صدورها بالفرنسية عن دار «سابين ويسبيسر» بجائزة «أنفواييه بار لا بوست» التي تكافئ عن الرواية الأولى. وتبلغ الكاتبة اليوم الخامسة والأربعين من عمرها، تخصصت بالآثار، قبل أن تصدر كتابها الأول هذا، بما يشبه إعادة اعتبار لأبوة شاعر ما كان يغادر بيروت الحرب إلا ليعود إليها، وكأنه سمكة لا تعيش خارج محيطها.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

هل أفقدت عملية التجميل جاذبية الممثلة ليتيسيا كاستا؟

صورتها بعد شد الوجه (إنستغرام)
صورتها بعد شد الوجه (إنستغرام)
TT

هل أفقدت عملية التجميل جاذبية الممثلة ليتيسيا كاستا؟

صورتها بعد شد الوجه (إنستغرام)
صورتها بعد شد الوجه (إنستغرام)

تناقل رواد مواقع التواصل صورة جديدة للممثلة ليتيسيا كاستا وهي تحضر حفلاً بمناسبة موسم باريس للموضة. ورغم الأناقة الباذخة للحسناء الفرنسية، فإن المعجبين بها لاحظوا لجوءها إلى جراحة تجميلية لشد الوجه. وأجمع مئات المعلقين على أن العملية محت السحر الطبيعي لابنة مقاطعة النورماندي التي اشتهرت بملامحها البريئة الخالية من الزينة، وبقوامها الذي لا يتبع شروط النحافة السائدة بين النجمات.

كانت كاستا قد تألقت على السجادة الحمراء عندما حضرت عرض أزياء «ديور» لربيع وصيف 2026 في باريس الأسبوع الماضي. وشوهدت في تسجيل نشرته مجلة «غالا» وهي تحضر بصحبة الممثلة الأميركية كيت هدسون حفل عشاء في فندق فخم في ساحة فاندوم، تلبية لدعوة دار المجوهرات «غاراتي» باعتبارها ضيفة الشرف. وطبعاً فقد تزينت بعقد وقرطين من تصميم الدار الإيطالية. وحال نشر صور الحفل توالت تعليقات الجمهور التي انتقدت الوجه الجديد للممثلة البالغة من العمر 47 عاماً. فقد كتب أحد المعلقين: «لم نعد نعرفها». كما أبدى آخرون استياءهم من الفستان المكشوف الذي ارتدته.

سبق لليتيسيا كاستا أن أدلت بحديث لإذاعة «آر تي إل» الباريسية في الشتاء الماضي، تطرقت فيه إلى علاقتها بالعمر، وعدم خوفها من الشيخوخة. وقالت: «طوال حياتي المهنية كنت أتقدم في العمر. فقد بدأت عرض الأزياء وعمري 14 عاماً ونصف العام، ومن المؤكد أنني كبرت. فقد أدركت أن هناك أموراً نفقدها، وأموراً نكسبها. وما نكسبه يشكل قوتنا. لذلك لست أخشى الشيخوخة».


نواف الظفيري... أداء سعودي يلفت المهرجانات الدولية

نواف الظفيري في أحد مشاهده بفيلم «هجرة» (منصة «إكس»)
نواف الظفيري في أحد مشاهده بفيلم «هجرة» (منصة «إكس»)
TT

نواف الظفيري... أداء سعودي يلفت المهرجانات الدولية

نواف الظفيري في أحد مشاهده بفيلم «هجرة» (منصة «إكس»)
نواف الظفيري في أحد مشاهده بفيلم «هجرة» (منصة «إكس»)

في السنوات الأخيرة، أُضيف إلى المشهد السينمائي العربي حضور متنامٍ لممثلين سعوديين باتوا يحصدون تقديراً فعلياً في مهرجانات دولية، مع الالتفات إلى أدوارهم بوصفها تعبيراً عن تحولات فنية أعمق، لا مجرد مشاركات عابرة. ومن بين هذه الأسماء، يبرز الممثل السعودي نواف الظفيري، الذي سجّل حضوراً لافتاً بحصوله على جائزة أفضل ممثل في مهرجان قرطاج السينمائي، ضمن مسار تراكمي يعكس تحوّل التمثيل السعودي من هامش المشاركة إلى دائرة التنافس الفني.

جاء هذا التقدير في سياق أوسع تزامن مع جوائز فردية نالها ممثلون سعوديون في محافل عربية ودولية، من بينها فوز فيصل الدوخي بجائزة أفضل أداء تمثيلي في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، وحصول يعقوب الفرحان على جائزة أفضل ممثل في مهرجان «مالمو» للسينما العربية، وفوز خالد يسلم بجائزة أفضل ممثل عن فيلم «مدائن» في مهرجان أفلام الرعب بلوس أنجليس، في مؤشرات تعكس نضج التجربة التمثيلية السعودية وحضورها المتنامي على خريطة المهرجانات.

وضمن هذا السياق، يبرز مسار الممثل السعودي نواف الظفيري، الذي لا يَعدّ السينما منعزلة عن الدراما التلفزيونية، بل امتداداً طبيعياً لرحلة فنية بدأت بالمسرح، مروراً بالإذاعة، ثم الشاشة الصغيرة التي منحته حضوراً جماهيرياً واسعاً. وبالنسبة إليه، جاء الانتقال إلى السينما بدافع داخلي للبحث عن مساحات أعمق للأداء، حيث التركيز على التفاصيل النفسية واللغة البصرية، لا يعد انتقالاً مفاجئاً أو خياراً منفصلاً عن الجذور.

هذا الوعي بالمسار انعكس على اختياراته الفنية الأخيرة، التي اتجهت نحو أدوار أكثر هدوءاً وتعقيداً من حيث البناء النفسي، بعد سنوات من تقديم شخصيات مباشرة وديناميكية. ويصف الظفيري لـ«الشرق الأوسط» هذه المرحلة بأنها محاولة واعية للابتعاد عن منطقة الراحة، واستكشاف الصمت والانكسارات غير المعلنة كونها أدوات تمثيلية قادرة على إثراء التجربة الفنية ومنحها عمقاً إنسانياً.

وشكّل فيلم هجرة محطة مختلفة في هذا المسار، يقيّمها اليوم كواحدة من أصدق وأعمق تجاربه. فالشخصية، كما يوضح، كانت مرآة لواقع شخصي ومجتمعي في آن واحد، وأسهمت في إعادة تعريف علاقته بالأداء السينمائي، خصوصاً ما يتعلق بقوة الإيماءة والصمت، وقدرة التفاصيل الصغيرة على حمل المعنى دون الحاجة إلى حوار كثيف. وتجربة عززت لديه القناعة بأن السينما فعل جماعي يتطلب توازناً دقيقاً بين الممثل والمخرج والنص.

ويصف تعاونه مع المخرجة شهد أمين بأنه تعاون قائم على رؤية إخراجية واضحة منحت الممثل مساحة حرية داخل إطار فني منضبط، ساعده على التركيز على جوهر الشخصية وتقديم أداء أكثر صدقاً ودقة، بعيداً عن السطحيات.

ويأتي تكريمه بحصوله على جائزة أفضل ممثل في مهرجان قرطاج السينمائي كإحدى محطات هذا المسار، لا كذروته. فهو يقرأ الجائزة اليوم بوصفها تأكيداً على أن الجهد الصادق والعمل المتواصل يجدان طريقهما إلى التقدير، كما يعدّها إنجازاً يُسجَّل للسينما السعودية الفتية أكثر من كونها لحظة احتفال شخصية، في انسجام مع قناعته بأن القيمة الفنية تُقاس بالأثر طويل الأمد.

وفي قراءته للمشهد العام، يرى الظفيري أن نظرة المهرجانات العربية إلى الممثل السعودي شهدت تحولاً إيجابياً في السنوات الأخيرة، مدفوعةً بتنامي الإنتاج السينمائي النوعي، ودعم المؤسسات الثقافية، ومشاركة الأفلام السعودية في مهرجانات إقليمية ودولية بارزة. أما في المرحلة المقبلة، فيضع مسؤولية كبيرة على عاتق الممثل، بوصفه شريكاً في صياغة هوية سينمائية سعودية حديثة، تحكمها معايير واضحة، في مقدمتها قوة النص، وعمقه الإنساني، ورؤية المخرج، والقدرة على تقديم تجربة مختلفة تستحق المخاطرة.

وعن أعماله المقبلة، يكتفي بالإشارة إلى أن حضوره الجديد سيكون بعد موسم رمضان، ضمن مسار يفضّل فيه الاستمرارية وتراكم الأثر، على حساب الظهور.


ماذا يأكل الملك البريطاني تشارلز خلال يومه؟

الملك تشارلز يحيي الجمهور خارج محطة كليثيرو (أ.ب)
الملك تشارلز يحيي الجمهور خارج محطة كليثيرو (أ.ب)
TT

ماذا يأكل الملك البريطاني تشارلز خلال يومه؟

الملك تشارلز يحيي الجمهور خارج محطة كليثيرو (أ.ب)
الملك تشارلز يحيي الجمهور خارج محطة كليثيرو (أ.ب)

تستحضر عبارة «الأكل كملك» صور الولائم الفاخرة وشاي ما بعد الظهيرة المترف، غير أن ملك بريطانيا، الملك تشارلز الثالث، غالباً ما يُشاهَد وهو يتناول طبقاً من الموسلي أو وجبة بسيطة من اللحم العضوي مع الخضار، أكثر من انغماسه في مظاهر الترف، حسب صحيفة «ديلي ميل» البريطانية.

واليوم، يبلغ الملك تشارلز السابعة والسبعين من عمره، وكان قد أصبح في عام 2022، حين كان في الثالثة والسبعين، أكبر من اعتلى العرش البريطاني سناً، عقب وفاة والدته الملكة إليزابيث الثانية عن عمر ناهز 96 عاماً.

وبما أن العائلة المالكة البريطانية معروفة بطول العمر، إذ عاشت جدته حتى 101 عام، ووالده الأمير فيليب حتى 99 عاماً، فضلاً عن استمرار أفرادها في أداء واجباتهم حتى اللحظات الأخيرة من حياتهم، فإن النظام الغذائي الملكي يثير تساؤلات حول فوائده المحتملة على الصحة وطول العمر.

وتقييماً لهذا النظام، علق خبير تغذية، قائلاً إن «نظام الملك الغذائي تصوغه العادة والمناسبات بقدر ما تصوغه الاعتبارات الغذائية».

وتحدثت صحيفة «ديلي ميل» مع كبير الخدم السابق للملك غرانت هارولد، للحصول على ملامح من النظام الغذائي اليومي المعتاد للملك تشارلز، ثم طلبت من اختصاصي التغذية المعتمد روب هوبسون تقديم تقييمه المهني.

ويقول هارولد، الذي عمل خادماً ملكياً لدى تشارلز، حين كان أمير ويلز، في الفترة بين عامَي 2004 و2011، إن الملك كان حريصاً دائماً على تناول وجبة الإفطار، وغالباً ما كان يتخطى وجبة الغداء، على أن يتناول العشاء قرابة الساعة العاشرة مساءً، وهو ما عزاه إلى كثافة التزاماته الرسمية.

وحذّر هوبسون قائلاً: «تخطي وجبة الغداء يعني أن المدخول الغذائي يتركز في عدد أقل من الوجبات، وهو ما قد يناسب بعض الأشخاص، لكنه يرفع من أهمية جودة الإفطار والعشاء».

وأضاف: «كما أن تناول الطعام في وقت متأخر من المساء، بين التاسعة والعاشرة، قد لا يكون مثالياً للهضم أو للنوم، خصوصاً إذا كان ذلك عادة منتظمة».