أوروبا تطلب من اليونان ما لا يرضاه الكثيرون من زعمائها لبلدانهم

في مقدمتهم مستشارة ألمانيا ورئيس فرنسا

رئيس الحكومة اليونانية رفقة المستشارة الالمانية ورئيس فرنسا ( ا ف ب)
رئيس الحكومة اليونانية رفقة المستشارة الالمانية ورئيس فرنسا ( ا ف ب)
TT

أوروبا تطلب من اليونان ما لا يرضاه الكثيرون من زعمائها لبلدانهم

رئيس الحكومة اليونانية رفقة المستشارة الالمانية ورئيس فرنسا ( ا ف ب)
رئيس الحكومة اليونانية رفقة المستشارة الالمانية ورئيس فرنسا ( ا ف ب)

يفرض الاتفاق الجديد الذي توصلت إليه أوروبا لإقالة اليونان من عثرتها جرعة مكثفة من الانضباط في الالتزام بالميزانية وسلسلة تدابير لتحرير الأسواق يقول منتقدوها إن قلة من زعماء أكبر دول غرب أوروبا هي التي تجرأت على طرحها على الناخبين. وبحسب تحليل لـ«رويترز» في غمزة موجهة لرئيس فرنسا الاشتراكي الذي لعب دورا أساسيا في التوصل للاتفاق اليوناني في 13 يوليو (تموز) الحالي بعد محادثات طوال الليل في بروكسل قال كزافييه برتران أحد قادة المعارضة المحافظة في فرنسا «فرنسوا هولاند جيد جدا في إبلاغ الآخرين بكيفية تنفيذ إصلاحاتهم».
وأضاف برتران الذي شغل منصب وزير العمل في حكومة الرئيس نيكولا ساركوزي من 2007 إلى 2012 «فما الذي ينتظره إذا لعمل ذلك في فرنسا». وكانت حكومة ساركوزي كافحت لتحقيق وعودها في الحملة الانتخابية لتطوير ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو.
ورغم أن زعماء منطقة اليورو يتهربون من اتهامات بازدواجية المعايير من خلال الإصرار على أن الالتزام بالتدابير الصارمة له ما يبرره في سبيل إنقاذ اليونان من الانهيار فإن مثل هذا الهمز واللمز يظهر مدى تباين الإصلاح في منطقة العملة الأوروبية الموحدة التي تضم 19 دولة منذ إطلاق اليورو عام 1999.
وفي حين أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تمكنت للمرة الأولى منذ عام 1969 من تحقيق التعادل بين الإيرادات والمصروفات في الميزانية فهي تواجه دائما انتقادات أنها لم تفعل شيئا يذكر على مدار عشر سنوات قضتها في السلطة لتحديث أكبر اقتصاد في منطقة اليورو منذ تولت السلطة خلفا لجيرهارد شرودر الذي خرج في انتخابات 2005 بعد تطبيق سلسلة من الإصلاحات العمالية المؤلمة.
وإذا نفذت أثينا المطلوب منها للفوز بصفقة الإنقاذ الجديدة التي يبلغ حجمها 84 مليار يورو فإنها ستحول الاقتصاد اليوناني من صورة الابن المارق في أوروبا إلى واجهة مشرقة للإصلاح.
وتأتي هذه الإصلاحات في الوقت الذي تواصل فيه اليونان العمل بتخفيضات قاسية في الإنفاق كانت عاملا في تحقيق فائض صغير في الميزانية الأولية قبل خدمة الديون للسنة الثانية على التوالي في 2014 في تناقض صارخ مع ما دأبت عليه فرنسا من مخالفة قواعد العجز.
ولأن الأوقات العصيبة تتطلب تدابير صعبة فإن دائني اليونان يستجيبون على اعتبار أن هذا ما يحدث عندما يصل الدين الوطني إلى 177 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي ويصبح واحدا من كل أربعة في سوق العمل عاطلا بسبب تعثر الاقتصاد. غير أنه في الوقت الذي كان رئيس وزراء اليونان ألكسيس تسيبراس يتأهب فيه لطرح مجموعة جديدة من التدابير على البرلمان أمس الأربعاء كان خليقا بالكل أن يتذكر أن جانبا كبيرا من الإصلاحات المطلوبة من اليونان ثبت أنه ينطوي على مخاطر كبيرة من الناحيتين الاجتماعية والسياسية.

* إصلاح المعاشات.. الهدف المراوغ
* بينما كان محتجون يلقون الحجارة والقنابل الحارقة في الخارج كان النواب اليونانيون يقرون في الأسبوع الماضي الدفعة الأول من إجراءات التقشف المنصوص عليها في اتفاق بروكسل بما في ذلك التدابير الفورية لتحسين القدرة على مواصلة صرف معاشات التقاعد في الأجل الطويل.
ورغم أن قلة فقط هي التي ستبدي رأيا مغايرا في مدى أهمية إصلاح نظام المعاشات الذي يستنزف ما يقرب من عشرة في المائة من الناتج المحلي الإجمالي سنويا من ميزانية الدولة، أي أربعة أمثال المعدل الساري في منطقة اليورو فقد ثبت أن تحقيق التوازن لحسابات معاشات التقاعد أمرا مراوغا في مختلف أنحاء القارة التي تتزايد فيها أعداد كبار السن.
وأثارت الخطوة التي اتخذها ساركوزي عام 2010 لرفع سن التقاعد القانوني سنتين ليصبح 62 عاما أكبر احتجاجات في الشوارع في فرنسا منذ سنوات. وقد أجرى هولاند المزيد من التعديلات، لكن العجز السنوي لصندوق معاشات العاملين بالدولة سيصل إلى 9.2 مليار يورو بحلول عام 2020.
وتفرض خطة الإنقاذ أن يشترط القانون أن تكون سن التقاعد 67 عاما بحلول عام 2022، أي قبل سبع سنوات من المهلة التي منحتها ألمانيا لنفسها لتحقيق الهدف نفسه بقانون سنته عام 2007. ويظهر التفاوت أيضا في إصلاحات السوق التي يتعين على اليونان تطبيقها بما في ذلك خطوات رفع القيود عن التعاملات أيام الأحد وتحرير قطاعات الألبان والمخابز والصيدليات. وتقوم هذه الإصلاحات على أساس مجموعة تدابير تمثل أفضل الممارسات وضعتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وقد أشادت المنظمة في ملخص تنفيذي بإمكانيات النمو من خلال هذه التدابير وأشارت إلى مساهمتها في تحسين الاقتصاد الأسترالي في التسعينات. غير أن تطبيقها في منطقة اليورو متفاوت إلى حد ما. وعلى الرغم من أن إحدى التوصيات الواردة في هذه التدابير تتمثل في تحرير قنوات التوزيع بالصيدليات فان الصيادلة في فرنسا يحتفظون بحق احتكار بيع الأدوية الشائعة الاستخدام التي لا تتطلب وصفة طبية.
ونظم الصيادلة إضرابا استمر يوما واحدا في وقت سابق من العام الحالي دفاعا عن هذا الحق. وما زال البيع والشراء أيام الأحد ممنوعا في ألمانيا بخلاف بعض الاستثناءات المحددة. وهذا أحد الأسباب التي تجعل محطات القطارات تبدو في كثير من الأحيان مثل مراكز التسوق.
وفي فرنسا يجوز لرؤساء البلديات الآن السماح للمتاجر بفتح أبوابها أيام الأحد حتى 12 مرة في السنة. غير أن الحكومة اضطرت لاستخدام وسيلة دستورية لإقرار هذا القانون في البرلمان دون تصويت بسبب معارضة بين النواب الاشتراكيين أنفسهم. وقال فاسيليس كوركيديس رئيس رابطة أثينا لتجار التجزئة عما يشتبه أنها دوافع ظاهرية لفرض مثل هذه الإجراءات على اليونان «يريدون خنق المتاجر الصغيرة حتى يمكن دخول المتاجر الدولية الكبيرة».

* اليونان ليست وحدها على طريق الإصلاح
ي* نفي مسؤولو الاتحاد الأوروبي الاتهامات بازدواجية المعايير ويجادلون بأن اليونان تخلفت كثيرا عن ركب الإصلاح التدريجي في بلدان أخرى بمنطقة اليورو لدرجة أنها أصبح عليها التعجيل بالإصلاحات للحاق بما فاتها.
وقالت اللجنة الأوروبية في بيان بالبريد الإلكتروني «ما زالت الشركات في اليونان تواجه من القواعد التنظيمية والقيود أكثر من أي دولة أخرى عضو في الاتحاد الأوروبي أو منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية».
وأشارت إلى جهود تبذل في إسبانيا وإيطاليا وبلجيكا وقالت إن اليونان ليست البلد الوحيد الذي يعمل على إصلاح نظام معاشات التقاعد فيه.
ويتردد هذا المنطق بقوة أكبر في دول الكتلة الشرقية الشيوعية السابقة التي قطعت شوطا إضافيا في تطبيق الإصلاحات الصارمة اللازمة لضمان عضويتها في منطقة اليورو. وتقول بولندا إن نظام معاشات تقاعد العاملين في الدولة قابل للاستمرار في الأجل الطويل حتى مع ارتفاع نسبة كبار السن بين السكان. لكن ذلك سيتحقق على حساب قيمة المعاشات إذ إنها قد تنخفض إلى ما يبلغ 20 في المائة من المرتب النهائي بحلول عام 2060.
وتقول الدول الشرقية المنضمة حديثا لليورو إن معاشات التقاعد لديها أقل من نصف متوسط المعاشات اليونانية البالغ 833 يورو شهريا. أما في ما يتعلق بالجانب التنظيمي تقول هذه إن بعض مجالات اقتصادها أكثر انفتاحا بالفعل منها في غرب أوروبا.
ففي سلوفاكيا استغل مستثمرون قوانين الملكية المتحررة مثل القوانين التي طولبت بها اليونان في بناء سلاسل صيدليات تتمتع بطول ساعات العمل في حين أن بعض المنتجات التي لا تحتاج لوصفة طبية تباع خارج الصيدليات. كذلك فإن البيع والشراء قانوني أيام الأحد في سلوفاكيا مثلما هو الحال في بلغاريا ورومانيا وغيرها.
وقال تافي رويفاس رئيس وزراء استونيا الذي انضمت بلاده لمنطقة اليورو عام 2011 لصحيفة «هاندلسبلات» الألمانية في مقابلة «ليس في الاتفاق ما لم تنفذه دول أخرى بالفعل».
ويشكو المسؤولون عن رسم السياسات في الاتحاد الأوروبي منذ سنوات من قيادات الدول الأعضاء التي تتشدق بالإصلاحات في مؤتمرات بروكسل ثم تنكص على عقبيها في بلادها عندما يقف في مواجهتها أصحاب المصالح.
وفي الشهر الماضي قال تقرير مشترك لرؤساء المؤسسات الرئيسية في الاتحاد الأوروبي والبنك المركزي الأوروبي إن نظم المعاشات ما زالت بحاجة لإصلاحات كبيرة واقترح وضع أهداف تتسم بقدر أكبر من الإلزام للإصلاح في الدول الأعضاء في كل شيء من أسواق العمل إلى اللوائح المنظمة لعمل الشركات.
ويقود هولاند الدعوات لكي يكون لمنطقة اليورو حكومة خاصة بها وبرلمان خاص لتحسين عملية رسم السياسات وهي خطوة تؤيدها برلين من حيث المبدأ. لكن مجال الاختلاف في وجهات النظر واسع في هذا الموضوع.
ويقول مؤيدو تعزيز الوحدة الأوروبية إن تشديد القواعد السارية في منطقة اليورو ربما كانت ستحول دون وقوع الأزمة اليونانية.
السؤال المطروح الآن هو ما إذا كان الاتحاد الأوروبي سيخطو الخطوات التنفيذية التي تحول دون وقوع الأزمة التالية.



التجربة السعودية ترسم خريطة طريق الاقتصادات الناشئة

TT

التجربة السعودية ترسم خريطة طريق الاقتصادات الناشئة

وزير المالية يتحدث للحضور في الكلمة الافتتاحية لمؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)
وزير المالية يتحدث للحضور في الكلمة الافتتاحية لمؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)

رسائل كثيرة بعثها مؤتمر العلا في نسخته الثانية، لكنَّ أبرزها أنَّ «زمن الانتظار» خلف الاقتصادات المتقدمة قد انتهى؛ فاليوم تقف الأسواق الناشئة لا كأنها قوة مكملة، بل بوصفها محركاً سيادياً يقود أكثر من 70 في المائة من النمو العالمي. هذه الرسائل لم تكن مجرد استعراض للأرقام، بل كانت «بيان ثقة» يرتكز على ثلاثة دروس جوهرية قدمها وزير المالية السعودي محمد الجدعان من واقع التجربة السعودية، لتكون بمثابة بوصلة للاقتصادات الناشئة.

لقد وضع الجدعان العالم أمام حقيقة اقتصادية صلبة أنَّ مصداقية السياسات لا تُقاس ببراعة الخطط، بل بجسارة التنفيذ. وتجسد ذلك في دروسه الثلاثة؛ أولها أن استقرار الاقتصاد الكلي والانضباط المالي هما حجر الزاوية لأي نهوض، وثانيها أن الإصلاحات الهيكلية لا قيمة لها دون مؤسسات قادرة على تنفيذها، إذ تنبع المصداقية من الحوكمة والشفافية لا من الوعود. أما الدرس الثالث، فهو أن التعاون الدولي متعدد الأطراف بات ضرورة وجودية لحماية هذه الأسواق من الصدمات المتكررة.

هذه «الثلاثية» (الاستقرار، وكفاءة المؤسسات، والتعاون) هي التي تلخص فلسفة التحول الجديدة؛ حيث لم تعد الأسواق الناشئة مجرد ساحة للتجارب، بل أصبحت هي المنصة التي تُصاغ منها الحلول لمواجهة تحديات الدين وتباطؤ التجارة. غير أنَّ هذه الرسائل لم تغفل الجانب التنبيهي؛ إذ إنَّ هذه الأسواق - ورغم تفوقها النموذجي على الاقتصادات المتقدمة - لا تزال تتحرك فوق أرضية ملغومة بالديون المرتفعة، مما يجعل من دعوة الجدعان لتحويل المؤسسات إلى «أدوات تنفيذية مرنة» المرتكز الذي لا يقبل المساومة لضمان استدامة النمو.

وكانت انطلقت أعمال النسخة الثانية من مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة 2026، الأحد، الذي تحتضنه محافظة العلا الواقعة (غرب السعودية) بالشراكة بين وزارة المالية وصندوق النقد الدولي، وبمشاركة رفيعة المستوى من صُنّاع القرار الاقتصادي، ووزراء مالية، ومحافظي بنوك مركزية، وقادة مؤسسات مالية دولية، ونخبة من الخبراء والمختصين من مختلف دول العالم.

«مجموعة العشرين»

وفي كلمته الافتتاحية، أوضح الجدعان أن هذه الاقتصادات أصبحت المُحرِّك الرئيسي للنشاط الاقتصادي الدولي بعد أن تضاعفت حصتها في الاقتصاد العالمي بأكثر من مرتين منذ عام 2000، لافتاً إلى أن أكبر 10 اقتصادات ناشئة في «مجموعة العشرين» تمثل وحدها الآن أكثر من نصف نمو العالم.

وتابع أن الاقتصاد العالمي يمرُّ بلحظة تحول عميق، تقودها الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، التي باتت تُشكِّل اليوم نحو 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من حيث القوة الشرائية، وتسهم بأكثر من 70 في المائة من النمو العالمي.

جانب من حضور وزراء ومسؤولين في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وأشار إلى أنه رغم هذا الدور المحوري، فإن هذه الاقتصادات تواجه بيئةً دوليةً تزداد تعقيداً وتشرذماً، مع ارتفاع مستويات الديون، وتباطؤ نمو التجارة العالمية، وزيادة التعرُّض للصدمات الجيوسياسية.

وحذَّر الجدعان من أن أكثر من نصف البلدان منخفضة الدخل تعاني حالياً من ضائقة ديون، أو تقع تحت خطرها، في وقت تراجعت فيه معدلات نمو التجارة إلى نحو نصف ما كانت عليه قبل الجائحة، مما يفرض ضرورة تبني استجابة سياسية منسقة ونابعة من الملكية الوطنية للدول؛ لضمان فاعلية مواجهة هذه التحولات الهيكلية.

الإصلاحات الهيكلية

وشدَّد على أن التجربة السعودية خلال العقد الماضي عزَّزت دروساً أساسية، في مقدمتها؛ الاستقرار الاقتصادي الكلي هو الأساس المتين للنمو وليس عائقاً له، وأن مصداقية السياسات تأتي من كفاءة التنفيذ والقدرة على ترجمة الاستراتيجيات إلى نتائج ملموسة، وليس من مجرد الخطط.

وفي هذا السياق، أكد أن الإصلاحات الهيكلية جاءت ثانياً، وهي لا يمكن أن تحقق نتائجها المرجوة ما لم تدعمها مؤسسات قوية وقادرة على الإنجاز، مشيراً إلى أن الحوكمة والشفافية تظلان الضمانة الأساسية لتحويل الرؤى إلى أثر ملموس على أرض الواقع.

ولفت الجدعان إلى أن تعزيز التعاون الدولي، وتفعيل دور المؤسسات متعددة الأطراف يأتي ثالثاً، مثل صندوق النقد والبنك الدوليَّين، ليس فقط بوصفها جهات إقراض، بل بوصفها بمثابة مستشارين موثوقين لدعم الاقتصادات الناشئة في رحلتها وسط الصدمات المتكررة.

النمو دون المستويات

من جهتها، ذكرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، أن النمو العالمي لا يزال دون مستويات ما قبل الجائحة، محذرة من أن ذلك يثير القلق في ظل توقع التعرض لمزيد من الصدمات، مع تآكل الهوامش المالية في كثير من الدول، وارتفاع ضغوط الإنفاق ومستويات الدين.

وحدَّدت غورغييفا أولويَّتين للسياسات؛ الأولى إطلاق نمو يقوده القطاع الخاص عبر تقليص البيروقراطية، وتعميق الأسواق المالية، وتعزيز المؤسسات وتحسين الحوكمة، إلى جانب تمكين الشباب من اكتساب مهارات وظائف المستقبل وتشجيعهم على ريادة الأعمال.

أما الثانية، فتعزيز التكامل في عالم يشهد تبدل التحالفات وأنماط التجارة، عبر اغتنام فرص التعاون الإقليمي وعبر الأقاليم، وخفض الحواجز بما يحافظ على التجارة بوصفها محركاً للنمو.

وأبانت غورغييفا أن إطلاق المؤتمر، العام الماضي، جاء اعترافاً بالدور المتنامي للاقتصادات الناشئة في عالم يشهد تحولات واسعة في الجغرافيا السياسية والتكنولوجيا والتجارة.

وطبقاً لمديرة صندوق النقد الدولي، فإن السياسات الجيدة تؤتي ثمارها، وإن معدلات النمو في الاقتصادات الناشئة تبلغ نحو 4 في المائة هذا العام، متجاوزة بفارق كبير نظيرتها في الاقتصادات المتقدمة، البالغة قرابة 1.5 في المائة، بينما تزيد حصة الاقتصادات الناشئة من الاقتصاد العالمي على 56 في المائة.

غورغييفا تتحدث إلى الحضور في مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)

التجارة والاستثمار

من ناحيته، أكد وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم، على ضرورة السرعة والمرونة في صنع السياسات لاقتصادات الأسواق الناشئة، قائلاً: «الوقت ليس محايداً، فالتأخير يحمل تكلفة اقتصادية كلية تتراكم بمرور الوقت، لذلك تمكنت الدول التي استطاعت ضغط دورات اتخاذ القرار مع الحفاظ على الثقة والمصداقية من تحويل تلك السرعة إلى ميزة استراتيجية».

وزاد الإبراهيم، أن السعودية «ستظل منارة للبراغماتية في شراكاتها»، وستعمل كأنها حلقة وصل تخلق منصة للفرص من جميع أنحاء العال، مفيداً أن التجارة والاستثمار لا يزالان محركين أساسيين للنمو والمرونة لاقتصادات الأسواق الناشئة.

وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)

وأردف وزير الاقتصاد والتخطيط: «أمامنا اليوم فرصة لبحث آليات المواكبة مع نظام التجارة المتطور، واستكشاف كيف يمكننا تحقيق قيمة أكبر من خلال ذلك»؛ مؤكداً على الدور الاستراتيجي للمؤسسات في ضمان المواءمة مع نظام التجارة العالمي.

المخاطر الجيوسياسية

من جانبه، صرّح وزير المالية الصيني لان فوان آن، بأن الاقتصادات الناشئة والنامية تواجه 3 تحديات رئيسية، تشمل ضعف زخم النمو، واتساع فجوات التنمية، وازدياد أوجه القصور في منظومة الحوكمة الاقتصادية العالمية.

وتابع أن الاقتصاد العالمي سجَّل نمواً بنحو 3.3 في المائة خلال عام 2025، وهو أقل من متوسط ما قبل الجائحة، مؤكداً أن ذلك يعود إلى تصاعد الحمائية وازدياد عدم اليقين الجيوسياسي، وما نتج عن ذلك من تباطؤ في التجارة العالمية، وتجزؤ الاقتصاد الدولي.

وزير المالية الصيني في كلمته الخاصة خلال مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وأكمل أن هذه التطورات أسهمت في تعطيل تخصيص الموارد عالمياً وتعميق الفجوة التكنولوجية، لا سيما في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، في وقت لا تزال فيه الدول النامية متأخرة في حجم الاستثمارات التقنية. وحسب لان فوان آن، فإن أوضاع الديون في الدول منخفضة الدخل واصلت التدهور، ما يقيّد نمو الاستهلاك والاستثمار، ويؤثر سلباً على جهود التنمية، مشيراً إلى أن دول الجنوب العالمي تمثل نحو 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتسهم بنحو 75 في المائة من النمو العالمي.

السياسات النقدية

من جهة أخرى، أفاد محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، بأن حالة عدم اليقين الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية، مشيراً إلى 4 أسباب رئيسية لذلك؛ تتمثل في التجزؤ الجيوسياسي، والتسارع الكبير في التطورات التكنولوجية - لا سيما الذكاء الاصطناعي- وتقلبات أسعار السلع، إضافة إلى النمو المتنامي للوساطة المالية غير المصرفية.

وأبان السياري أن آليات انتقال السياسات النقدية التقليدية بدأت تظهر علامات ضعف مع تراجع دور القنوات المصرفية التقليدية، في وقت تجاوزت فيه أصول الوساطة المالية غير المصرفية 51 في المائة من إجمالي الأصول المالية العالمية، ما أدّى إلى زيادة حساسية الأسواق لتقلبات السيولة، وظهور ضغوط متكررة عبر آليات، مثل طلبات تغطية الهوامش، وخصومات الضمانات، وعمليات خفض المديونية المتزامنة.

محافظ البنك السعودي المركزي في جلسة حوارية (الشرق الأوسط)

وزاد أن الصدمات التي تواجه النظام المالي العالمي أصبحت متعددة الأبعاد وأكثر تكراراً، وغالباً ما تكون خارجية بالنسبة للاقتصادات الناشئة التي تعاني أصلاً تحديات داخلية تزيد من حدة التقلبات.

وتحدث السياري عن تجربة المملكة، موضحاً أنها اعتمدت على هوامش احتياطية للحفاظ على الاستقرار المالي والأسواق، وأظهرت أهمية السياسات المعاكسة للدورات الاقتصادية في الحد من التقلبات، مشيراً إلى أن تراكم الاحتياطيات خلال فترات النمو يستخدم استراتيجياً لدعم ميزان المدفوعات وتخفيف أثر تقلبات أسعار السلع.

وشرح أن ربط الريال بالدولار الأميركي أسهم في ترسيخ استقرار الأسعار، لافتاً إلى أن متوسط التضخم خلال السنوات الخمس الماضية ظل دون مستوى 3 في المائة.

التضخم

أما محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، فيرى أن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة لافتة خلال العام الماضي رغم حالة عدم اليقين الكبيرة المحيطة بالسياسات، مشيراً إلى أن مستوى النشاط الاقتصادي تأثر بهذه الضبابية مع تفاوت الزخم بين الدول والقطاعات والمناطق، غير أن الاقتصاد العالمي أثبت قدرة واضحة على التكيف مع مشهد سريع التغير.

وأردف، أن التضخم لم يرتفع بشكل ملحوظ خلال العام الماضي، رغم استمرار ضغوط تكاليف المعيشة في كثير من الدول، مضيفاً أن الأوضاع المالية العالمية كانت داعمة إلى حد كبير على الرغم من فترات التقلب وارتفاع عوائد السندات السيادية.

وفيما يتعلق بالنظام المالي، شرح أن الإصلاحات التي أعقبت الأزمة المالية جعلته أكثر متانة وقدرة على امتصاص الصدمات الكبيرة رغم انتقال جزء من الوساطة المالية من البنوك إلى المؤسسات غير المصرفية، مؤكداً أن البنوك لا تزال مصدراً أساسياً للائتمان والسيولة.

إصلاحات السعودية

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر العلا، أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، البروفسور بول أنتراس، أن السعودية تقدِّم نموذجاً استثنائياً في مشهد التحولات التجارية العالمية، يختلف جذرياً عن القوالب التقليدية للأسواق الناشئة. وعدّ أن العولمة لم تنتهِ، بل أعادت تشكيل نفسها فيما سماه «التكامل المجزأ».

ولفت أنتراس إلى أن «رؤية السعودية» وإصلاحاتها الهيكلية تضعانها في موقع متميز للاستفادة من «التكامل المجزأ» الذي يشهده العالم، مشدداً على أن رهان المملكة على التحول اللوجيستي والذكاء الاصطناعي هو المحرك الحقيقي لنمو مستدام يتجاوز ضجيج الأزمات العالمية.

أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد البروفيسور بول أنتراس خلال حديثه إلى الحضور في المؤتمر (الشرق الأوسط)

وعن تأثير أسعار الفائدة المرتفعة على خطط الدول الناشئة للتحول نحو الصناعات المعقدة، أجاب أنتراس: «تحد أسعار الفائدة المرتفعة، مضافة إليها علاوة المخاطر التي تواجهها الأسواق الناشئة، دون شك من الاستثمارات. التصدير يتطلب ائتماناً واستثماراً وتحسيناً للجودة. ولكن الفائدة ارتفعت لسبب جوهري، وهو أنها تعكس توقعات نمو عالية ناتجة عن الذكاء الاصطناعي والتغيُّر التكنولوجي».

ووفق أنتراس، فإن هذا النمو هو المخرج، فـ«إذا تحقَّقت إمكانات النمو هذه، فستتحسَّن الإنتاجية بشكل كبير، مما يساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة على التنبؤ بالطلب بشكل أفضل والعثور على أسواق لم يتم استغلالها من قبل. لذا، نعم، الفائدة قوة سلبية، لكن إذا كانت مدفوعةً بإمكانات نمو حقيقية، فقد لا يكون الأمر بهذا السوء».


السعودية ومصر تؤكدان جاهزية موانئهما لعودة الملاحة بعد استقرار أوضاع المنطقة

رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
TT

السعودية ومصر تؤكدان جاهزية موانئهما لعودة الملاحة بعد استقرار أوضاع المنطقة

رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)

أكد سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية»، على جاهزية المواني السعودية وقناة السويس لاستقبال عودة الخطوط الملاحية الكبرى للعبور مرة أخرى من المنطقة بعد استقرار الأوضاع.

وعبر المزروع، خلال لقائه الفريق أسامة ربيع رئيس هيئة قناة السويس المصرية، على هامش فعاليات المؤتمر السنوي الدولي للنقل البحري واللوجيستيات (مارلوج) بالقاهرة، عن تقديره لجهود هيئة قناة السويس في تعزيز الاستدامة والاستقرار لحركة الملاحة العالمية المارة بمنطقة البحر الأحمر وباب المندب.

تجدر الإشارة إلى أن منطقة البحر الأحمر كانت تشهد فترة من الاضطرابات الملاحية، بسبب الهجوم على السفن التجارية، من قبل جماعة الحوثيين اليمنية، غير أن التوصل لوقف إطلاق النار في غزة، ساهم في توقف الحوثي بنسبة كبيرة عن تلك الهجمات، وعودة خطوط الملاحة الدولية الكبرى للمرور من قناة السويس، التي يمر بها نحو 12 في المائة من التجارة العالمية.

وأبدى المزروع رغبته في التعاون مع قناة السويس في مجال بناء المعديات، فضلاً عن التعاون مع شركات الهيئة العاملة في مجالات التكريك وأعمال الأرصفة، لا سيما مع اتجاه المملكة لتطوير ميناء جدة والقيام بالعديد من مشروعات البنية التحتية.

وشدَّد رئيس «الهيئة العامة للموانئ» بالمملكة العربية السعودية على أن التعاون مع هيئة قناة السويس يعكس قوة العلاقات الثنائية بين البلدين ووحدة الأهداف، متوقعاً أن تشهد الفترة المُقبلة مزيداً من التعاون البنَّاء بين الجانبين.

من جانبه، صرَّح الفريق أسامة ربيع، أنه بحث مع المزروع، سبل التعاون المستقبلي، والتباحث حول آليات التعاون في مجالات تقديم الخدمات اللوجيستية، وبناء الوحدات البحرية، وأعمال المواني والتكريك.

وأعرب ربيع، وفقاً لبيان صحافي صادر عن هيئة قناة السويس، عن تطلعه «لتعزيز علاقات الشراكة والصداقة ومد جسور التعاون لتشمل مجالات عمل جديدة بما يتناسب مع طبيعة المرحلة الراهنة في ضوء تطور مفهوم الخدمات البحرية واللوجيستية بهيئة قناة السويس وزيادة متطلبات المواني البحرية السعودية».

وأكد الفريق ربيع أن «هيئة قناة السويس تمتلك تجربة تعاون ناجحة مع (هيئة الموانئ السعودية) حيث قامت أكاديمية المحاكاة والتدريب البحري التابعة للهيئة بعملية نمذجة ناجحة لميناء رأس الخير في السعودية تمهيداً لتنفيذ عملية ازدواج لقناة الاقتراب في الميناء، وهو التعاون الذي شهد إشادة كبيرة من جانب وفد (هيئة الموانئ السعودية)».

واستعرض ربيع جهود توطين الصناعة البحرية في الترسانات والشركات التابعة لهيئة قناة السويس والتي شهدت طفرة كبيرة خلال العامين الماضيين تحت شعار «صنع في مصر» بجودة عالمية وأسعار تنافسية.

بدأت فعاليات المؤتمر السنوي الدولي للنقل البحري واللوجيستيات (مارلوج) في نسخته الخامسة عشر، والذي تنظمه الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري تحت رعاية جامعة الدول العربية وبالتعاون مع وزارة النقل المصرية بالقاهرة، خلال الفترة من 8 - 10 فبراير (شباط) الحالي.

وأشار رئيس الهيئة إلى أن إحصائيات الملاحة بالقناة خلال النصف الأول من العام المالي (2025/ 2026) شهدت تحسناً نسبياً مُسجلة نمواً في أعداد السفن العابرة بنسبة 5.8 في المائة، وارتفاعاً في الحمولات الصافية بنسبة 16 في المائة، بما انعكس إيجاباً على زيادة الإيرادات بنسبة 18.5 في المائة، وذلك مقارنة بالفترة ذاتها من العام المالي 2024/ 2025.

وأضاف أن حركة الملاحة بالقناة منذ بداية العام الحالي 2026 سجلت عبور 1315 سفينة بإجمالي حمولات صافية 56 مليون طن محققة إيرادات قدرها 449 مليون دولار مقابل عبور 1243 سفينة بإجمالي حمولات صافية قدرها 47 مليون طن، محققة إيرادات قدرها 368 مليون دولار، مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.


«صندوق النقد الدولي» يوقع مذكرة تفاهم مع «صندوق النقد العربي» لتعزيز التعاون

تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)
تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)
TT

«صندوق النقد الدولي» يوقع مذكرة تفاهم مع «صندوق النقد العربي» لتعزيز التعاون

تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)
تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)

وقّع «صندوق النقد الدولي» مذكرة تفاهم مع «صندوق النقد العربي»، على هامش «مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة»؛ بهدف تعزيز التعاون المشترك بين الجانبين، وقد وقّعتها المديرة العامة لـ«صندوق النقد الدولي» الدكتورة كريستالينا غورغييفا، والمدير العام لـ«صندوق النقد العربي» الدكتور فهد التركي.

تهدف مذكرة التفاهم إلى «تعزيز التنسيق في مجالات السياسات الاقتصادية والمالية، بما يشمل التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض، وتبادل البيانات والأعمال التحليلية، وبناء القدرات، وتقديم المساندة الفنية، دعماً للاستقرار المالي والاقتصادي في المنطقة».

وأكد الجانبان أن هذه المذكرة تمثل خطوة مهمة نحو «تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين المؤسستين، والإسهام في دعم شبكة الأمان المالي الإقليمي؛ بما يخدم الدول الأعضاء، ويعزز قدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية».