لبنان يدخل «متعثراً» مرحلة السعر الرسمي الجديد لليرة

البنوك والأسواق في حال الترقّب لمعالجات البنك المركزي

الليرة اللبنانية دخلت مرحلة سعر «رسمي» جديد هو 15 ألفاً مقابل الدولار (رويترز)
الليرة اللبنانية دخلت مرحلة سعر «رسمي» جديد هو 15 ألفاً مقابل الدولار (رويترز)
TT

لبنان يدخل «متعثراً» مرحلة السعر الرسمي الجديد لليرة

الليرة اللبنانية دخلت مرحلة سعر «رسمي» جديد هو 15 ألفاً مقابل الدولار (رويترز)
الليرة اللبنانية دخلت مرحلة سعر «رسمي» جديد هو 15 ألفاً مقابل الدولار (رويترز)

دخل لبنان رسمياً مرحلة نقدية جديدة، قوامها اعتماد السعر المعدّل للعملة الوطنية بواقع 15 ألف ليرة لكل دولار، من دون برمجة الانتقال ضمن مخطط توحيد أسعار الصرف في أسواق القطع التي تعتمد تشكيلة أسعار حافلة بهوامش متباينة بحدة، وتحت وطأة فشل مشهود لكل التدابير التقنية التي تعتمدها السلطة النقدية، بهدف منح منصة «صيرفة» صفة المرجعية الحاكمة للتسعير في المبادلات النقدية اليومية.
وينهي اعتماد السعر الجديد لليرة، والذي يمثل ارتفاعاً «نظرياً» بقيمة 10 أضعاف السعر السابق، الرحلة الطويلة للاستقرار النقدي الذي انتظمت تحت لوائه مجمل سياسات البنك المركزي على مدار 3 عقود، قبل أن يصطدم، بدءاً من خريف عام 2019، بدخول البلاد في مسارات انهيارات مالية واقتصادية تكفلت بتقليص الناتج المحلي بأكثر من النصف، وتستمر في توليد نتائجها الكارثية على المستويات كافة.
فمع انطلاق العمل بالسعر المحدث في ميادين محددّة، ولا سيما في استيفاء الضرائب على المداخيل وعائدات الضريبة على القيمة المضافة، وتطبيقه على استبدال حصص السحوبات الشهرية للمودعين في المصارف، ظلّت المبادلات النقدية في الأسواق الموازية تحلّق في فضاء آخر لتقترب مجدداً من تحطيم أرقام قياسية جديدة فوق حاجز 60 ألف ليرة لكل دولار. علماً بأنها تعكس وحدها السعر الواقعي لليرة في القيمة التبادلية وفي أسواق الاستهلاك.
وتثبت هذه الوقائع السوقية، وفق تحليل مصادر مصرفية متابعة، التأثير الظرفي لقرار المجلس المركزي لمصرف لبنان، مطلع الأسبوع الحالي، والقاضي بتمديد عرض الدولار من قبله عبر منصة «صيرفة» بسعر 38 ألف ليرة حتى نهاية الشهر الحالي. ففي ظل اتساع الفوارق بين «سعر» العرض والسعر التداولي الفعلي إلى ما يزيد على 23 ألف ليرة يمكن تصنيفها كأرباح سريعة، يتضاعف تلقائياً حجم الطلب على المنصة بما يفوق بأضعاف أيضاً حجم المعروض حصراً للأفراد. وبالتالي تتقلص الحصص الشهرية المتاحة، وتزيد القيود تشدداً في تنفيذ العمليات اليومية.
وطبقاً لأحدث معطيات ميزانية البنك المركزي، والتي تحقّقت منها «الشرق الأوسط»، تبين أن الكلفة الإجمالية لتدخل مصرف لبنان في عرض الدولار لم تتجاوز عتبة 200 مليون دولار من إجمالي احتياطياته من العملات الصعبة التي تراجعت جزئياً إلى نحو 9.985 مليار دولار بنهاية الشهر الماضي، مقابل نحو 10.18 مطلع العام الحالي. مما يؤكد أن الضخ النقدي الذي تعدى 1.6 مليار دولار خلال الشهر عينه جرى بمعظمه بيعاً وشراء للعملة الصعبة من خلال الأسواق الموازية. وهو ما يفسر عودة الكتلة النقدية المحررة بالليرة إلى مستويات 75 تريليون ليرة، بعدما تدنت منتصف الشهر الماضي إلى نحو 67 تريليوناً.
وريثما يستقر البنك المركزي على توجيهات محددة بشأن سريان سعر الصرف الجديد على القروض القائمة، وبالأخص بينها مبالغ التمويل الإسكاني وأقساطها الشهرية، تبقى الهواجس على حدتها الأعلى من حصول زيادة استثنائية في فئة «المتعثرين عن الدفع» التي سينضم إليها حكماً كل المقترضين من ذوي المداخيل بالليرة، وهم الغالبية المطلقة للعاملين في القطاعين العام والخاص.
وتنطوي هذه المخاوف على أبعاد معيشية واجتماعية خطيرة. مع التقدير المسبق بأن السلطة النقدية ستعمل على مراعاة خصوصية المتبقين من هذه الشريحة، بعدما عمد الكثيرون منهم إلى إطفاء كامل قيم القروض سابقاً، وبوتيرة أعلى خلال الشهر الماضي. أما في حال شمولهم بتحديث سعر الصرف، فستتضاعف القيمة المتبقية 10 مرات ومثلها القسط الشهري، بينما بلغ الحد الأقصى لتحسن المداخيل 3 أضعاف فقط، ولا سيما في القطاع العام. فيما لم تشمل زيادات المداخيل الكثير من العاملين في القطاع الخاص، بانتظار إعادة هيكلة الحد الأدنى للأجور ولواحقه؛ من بدلات نقل ومساعدات مدرسية واجتماعية.
كذلك، يتخوف العاملون في القطاعين من عدم شمول تطبيقات السعر الجديد لقيمة تعويضات نهاية الخدمة، باعتبار أن الزيادات الجزئية اللاحقة بالرواتب يجري إدراجها كمعونات طارئة لا تدخل في صلب الدخل الأساسي. وتزيد المشكلة تعقيداً إلى المستوى الكارثي بالنسبة للأُجراء المسجلين في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ولا سيما بينهم عشرات الآلاف من ذوي الرواتب المتدنية، والذين يفقدون أي دخل شهري بعد تقاعدهم. علماً بأن مجمل منظومة الرواتب أصبحت ضمن خانة «المتدنية». وبالمثل، فبعدما انحدر إجمالي الودائع من نحو 179 مليار دولار إلى أقل من 129 مليار دولار «دفترياً»، مع استمرار الأزمات في عامها الرابع فإن هذا الرقم مرشح للانكماش أكثر مع اعتماد السعر الرسمي الجديد، أي 15 ألف ليرة لكل دولار، إضافة إلى الاقتطاعات الجسيمة بنسب تفوق 70 في المائة عند تنفيذ السحوبات الشهرية من قبل المودعين.
وفي التخصيص الرقمي البحت، فإنه حتى نهاية الشهر الماضي، كان يتم احتساب الودائع المحررة بالليرة بالسعر الحالي البالغ 1515 ليرة، ليصل رقمها الدفتري إلى نحو 32.7 مليار دولار، بينما هي ستتقلص تلقائياً إلى 3.2 مليار دولار وفق السعر الجديد. علماً بأن السعر الواقعي يجعلها تتقلص إلى نحو 800 مليون دولار وإلى 1.29 مليار دولار وفق السعر الحالي للدولار على منصة «صيرفة».
وفي نطاق التعداد، وليس الحصر للتأثيرات المباشرة، تبرز أيضاً مسألة تآكل رساميل المصارف المحررة بالليرة التي ستتقلص فوراً بذات نسب تغيير سعر الصرف. وهو الأمر الذي استدعى صدور تعاميم من قبل مصرف لبنان، تهدف إلى تمكين المؤسسات المصرفية والمالية من «الهضم» المتدرج للفروقات الجسيمة التي ستلحق بالميزانيات وفي حسابات الأموال الخاصة.
فقد طلب البنك المركزي، في تعميم حديث، من المصارف تصفية مراكز القطع المدينة لديها، وكما هي موقوفة بنهاية العام الماضي، تدريجياً على فترة 5 سنوات ابتداءً من العام الحالي، بشرط أنّ يتمّ إطفاء هذه المراكز بما لا يقلّ عن 20 في المائة في السنة الواحدة. وبالإضافة إلى ذلك، منع المصارف من توزيع أنصبة أرباح إلى حملة الأسهم العادية للفترة الممتدّة بين العامين 2019 و2022.
وعلى صعيد متّصل، سمح التعميم للمصارف بإدخال 50 في المائة بدلاً من نسبة 100 في المائة سابقاً من ربح التحسين الناتج عن إعادة تخمين موجودات المصارف العقاريّة المملوكة منها بكامل أسهمها، والموجودات العقاريّة المملوكة بكامل أسهمها من الشركات العقاريّة التي تساهم فيها تلك المصارف الممتلكة وفقاً لأحكام المادّة 153 من قانون النقد والتسليف.
وسيتم قيد هذه الحصيلة ضمن الأموال الخاصّة الأساسيّة لفئة حملة الأسهم العاديّة وقيدها بالدولار الأميركي الفريش على سعر «صيرفة»، شرط موافقة مصرف لبنان وإتمام هذه العمليّة قبل نهاية عام 2023. كذلك سمح مصرف لبنان بتقييم هذه الأصول كما المساهمات والتسليفات الطويلة الأجل الموافق عليها من قبله المرتبطة بمشاركات في مصارف ومؤسّسات ماليّة في الخارج بالدولار الأميركي النقدي، بحسب سعر «صيرفة» السائد في نهاية العام، ولمدّة خمسة أعوام.


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

شهادة الأسير أمام القضاء العسكري اللبناني تعزز الدفع ببراءة فضل شاكر

أحمد الأسير والفنان اللبناني فضل شاكر يشاركان في احتجاج ببيروت عام 2013 (أرشيفية - رويترز)
أحمد الأسير والفنان اللبناني فضل شاكر يشاركان في احتجاج ببيروت عام 2013 (أرشيفية - رويترز)
TT

شهادة الأسير أمام القضاء العسكري اللبناني تعزز الدفع ببراءة فضل شاكر

أحمد الأسير والفنان اللبناني فضل شاكر يشاركان في احتجاج ببيروت عام 2013 (أرشيفية - رويترز)
أحمد الأسير والفنان اللبناني فضل شاكر يشاركان في احتجاج ببيروت عام 2013 (أرشيفية - رويترز)

لم تكن جلسة المواجهة التي عُقدت بين الفنان اللبناني فضل شاكر والشيخ أحمد الأسير أمام المحكمة العسكرية كافية لوضع حدّ لمحاكمة شاكر في أربعة ملفات أمنية، ما دفع المحكمة إلى إرجاء الجلسة إلى 24 مارس (آذار) المقبل، بغية الاستماع إلى مزيد من الشهود. وخلال الجلسة، جدّد شاكر تأكيده أنه يُحاكَم استناداً إلى ملفات «مفبركة ومختلقة ومعروفة بدوافعها وخلفياتها».

وعقدت المحكمة العسكرية برئاسة العميد الركن وسيم فيّاض، جلستها الثانية لمحاكمة شاكر التي تحولت سرية بناءً على طلب موكلة شاكر.

ويُحاكم المغني وجاهياً أمام القضاء العسكري في أربعة ملفات أمنية سبق أن صدرت فيها أحكام غيابية تراوحت بين السجن خمس سنوات وخمس عشرة سنة مع الأشغال الشاقة. وتشمل هذه الملفات اتهامات بــ«تمويل مجموعة مسلّحة وُصفت بالإرهابية (جماعة الشيخ أحمد الأسير)، والمشاركة في تأليف مجموعة مسلّحة بقصد الإخلال بالأمن وهيبة الدولة، والتورط في أحداث عبرا (التي وقعت بين الجيش وجماعة الأسير في 13 يونيو/ حزيران 2013)، إضافة إلى حيازة أسلحة حربية من دون ترخيص، وإطلاق مواقف اعتُبرت مسيئة لعلاقات لبنان بدولة شقيقة»، في إشارة إلى سوريا خلال حكم بشار الأسد.

إفادة الأسير

الجلسة خُصصت للاستماع إلى إفادة الأسير كشاهد في هذه القضايا الأربع، وجاءت أقواله لتصبّ في مصلحة شاكر. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر مواكبة لمسار المحاكمة، أن الأسير نفى بشكل قاطع «تلقيه دعماً مالياً من فضل شاكر أو شراء سلاح لصالح جماعته». وقال: «أنا لا أقبل أموالاً منه ولا من غيره، وكل ما يربطنا هو علاقة دينية؛ إذ كان فضل يتردد من حين إلى آخر إلى (مسجد بلال بن رباح) لأداء صلاة الجمعة، أو حضور درس ديني». وكرر ما سبق أن أدلى به خلال محاكمته في قضية أحداث عبرا، لجهة أنه «لم يكن يحمل السلاح ولم يطلق النار على الجيش»، مضيفاً أنه «لم يشاهد فضل شاكر يوماً مسلحاً أو يستخدم السلاح».

الفنان اللبناني فضل شاكر (إنستغرام)

وشكّلت أسئلة ممثل النيابة العامة العسكرية القاضي نضال الشاعر محوراً أساسياً في الجلسة، لا سيما حين سأل الأسير عن أسباب لجوء فضل شاكر إلى المربع الأمني التابع له (للأسير) في عبرا قبل أيام من اندلاع المعركة. فأوضح أن شاكر «انتقل إلى عبرا ليحتمي من تهديدات عناصر (حزب الله) الذين حاولوا قتله أكثر من مرة، وفي المرّة الأخيرة أقدموا على إحراق الفيلا العائدة له في صيدا».

«شاكر لم يحمل السلاح ولم يطلق النار»

ولدى الاستيضاح من الأسير مجدداً عن الجهة التي بادرت إلى إطلاق النار على حاجز الجيش في عبرا، ما أدى إلى اندلاع المواجهات، قال الأسير إنه كان داخل المسجد حين سمع إطلاق النار الذي تطور إلى اشتباك مسلح، مشيراً إلى أن «المسؤول العسكري التابع له هو من كان موجوداً على الأرض». وأضاف: «عندما خرجت لاستطلاع ما يجري، كان الرصاص ينهمر علينا من الأبنية التي كان يتحصّن فيها مقاتلو (حزب الله)». وجدد تأكيده أنه «لا يعادي الجيش اللبناني»، جازماً بأن فضل شاكر «لم يحمل السلاح ولم يطلق النار، لا خلال معركة عبرا ولا قبلها». وعما إذا كان شاكر موجوداً معه عند اندلاع الاشتباكات، أوضح الأسير أنه «لم يكن معه، ولكن علم لاحقاً أن شاكر مختبئ في غرفة للموسيقى في منزله، ومنذ ذلك الوقت لم يلتقِه».

ووفق المصادر نفسها، أكد الأسير أن ما كان يجمعه بفضل شاكر «علاقة أخوية»، موضحاً أن شاكر كان «مؤيداً لموقفه المعادي للنظام السوري السابق الذي ارتكب مجازر بحق الأبرياء في سوريا، وكذلك لدور (حزب الله) الذي شارك في قتل الشعب السوري». غير أنه لفت إلى أن هذه العلاقة «انقطعت بينهما قبل أحداث عبرا، وعلم بالتواتر أن شاكر كان ينسّق مع مخابرات الجيش اللبناني لتسوية الوضع القانوني لبعض مرافقيه، وكان يتهيأ لمغادرة لبنان».

وإثر الانتهاء من سماع إفادة الأسير أُرجئت الجلسة إلى 24 مارس المقبل، للاستماع إلى شاهدَين آخرَين.


اتفاق مؤقت بين لبنان وسوريا يسمح بمرور الشاحنات

سائقو شاحنات لبنانية يعتصمون عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا اعتراضاً على قرار سوري يمنع شاحناتهم من دخول أراضيها (أ.ف.ب)
سائقو شاحنات لبنانية يعتصمون عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا اعتراضاً على قرار سوري يمنع شاحناتهم من دخول أراضيها (أ.ف.ب)
TT

اتفاق مؤقت بين لبنان وسوريا يسمح بمرور الشاحنات

سائقو شاحنات لبنانية يعتصمون عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا اعتراضاً على قرار سوري يمنع شاحناتهم من دخول أراضيها (أ.ف.ب)
سائقو شاحنات لبنانية يعتصمون عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا اعتراضاً على قرار سوري يمنع شاحناتهم من دخول أراضيها (أ.ف.ب)

توصل لبنان وسوريا، الخميس، إلى اتفاق مؤقت يقضي بإعادة حركة الشاحنات إلى طبيعتها لمدة أسبوع واحد، بعد أزمة ترتبت على قرار سوري قضى بمنع الشاحنات غير السورية من الدخول إلى أراضيها، ويلزمها بتفريغ حمولتها داخل الساحات الجمركية ونقلها إلى شاحنات سورية، واستثنى القرار الشاحنات العابرة بنظام «الترانزيت».

وأثار القرار السوري رفضاً لبنانياً واسعاً، وصل إلى حدود اعتصامات نظمها سائقو الشاحنات والنقابات الزراعية والصناعية والاقتصادية التي حذرت من تداعياته على القطاعات الإنتاجية اللبنانية والصادرات إلى الدول العربية وقطاع النقل البري.

شاحنات لبنانية تغلق الطريق على نقطة المصنع الحدودية مع سوريا اعتراضاً على قرار سوري يمنعها من دخول أراضيها (أ.ف.ب)

ورفعت النقابات، الأربعاء، اقتراحاً إلى الحكومة والوزارات المختصة، ينص على العودة إلى تطبيق الاتفاقية كما كانت سابقاً، واعتماد مبدأ المعاملة بالمثل، إلى حين عودة الأمور إلى طبيعتها.

وعلى أثر الاتصالات الدبلوماسية بين البلدين، توصلت بيروت ودمشق إلى اتفاق مؤقت، يقضي بإعادة حركة الشاحنات إلى طبيعتها لمدة أسبوع واحد، بانتظار التوافق على آلية دائمة، وذلك خلال اجتماع عُقد الخميس في نقطة المصنع الحدودية بين لبنان وسوريا، وضمّ ممثلين عن الإدارات الرسمية المعنية والنقابات والاتحادات ذات الصلة من الجانبين اللبناني والسوري، وذلك في إطار استكمال البحث في تنظيم حركة الشاحنات بين البلدين.

آلية تنظيمية مؤقتة

وأفادت وسائل إعلام لبنانية بأن الجانبين اتفقا على اعتماد آلية تنظيمية انتقالية ومؤقتة، قائمة على مبدأ المعاملة بالمثل، تهدف إلى معالجة الإشكالات القائمة وضمان استمرارية حركة النقل بصورة متوازنة بين لبنان وسوريا، من دون المساس بالمواقف المبدئية أو القانونية لكلا الطرفين.

وبموجب هذه الآلية، «يُسمح للشاحنات اللبنانية بالدخول إلى الباحات الجمركية السورية لتفريغ حمولتها هناك، على أن تعود إلى لبنان محمّلة ببضائع سورية، فيما تُطبّق الآلية نفسها على الشاحنات السورية الداخلة إلى الأراضي اللبنانية خلال فترة سريان الاتفاق».

وفي المقابل، نصّ التفاهم على استثناء عدد من المواد من هذه الآلية والسماح بدخولها مباشرة من دون مناقلة؛ نظراً لطبيعتها الخاصة، وتشمل المواد المحمّلة ضمن صهاريج، والمواد الخطرة، والأسمنت، والمواد الأولية لصناعة الأسمنت، إضافة إلى أي مواد أخرى يثبت أنّ طبيعتها لا تتحمّل المناقلة، كالأدوية الخاصة، وفقاً لما ذكرته «وكالة الأنباء المركزية».

كما اتفق الجانبان، في إطار التعاون وحسن النية، على السماح بدخول الشاحنات اللبنانية والسورية العالقة بين حدود البلدين بتاريخ الاجتماع ولمرّة واحدة فقط، على أن تغادر هذه الشاحنات فارغة بعد تفريغ حمولتها، على ألا يشكّل هذا الإجراء سابقة أو حقاً مكتسباً يمكن الاستناد إليه لاحقاً خلال فترة سريان الآلية أو بعدها.

سبعة أيام

ومن شأن هذا الاتفاق أن تنعكس نتائجه انفراجاً مؤقتاً على حركة الشاحنات عند معبر المصنع، إذ حدّد الاتفاق مدة تطبيق الآلية المؤقتة بسبعة أيام، اعتباراً من 13 فبراير (شباط) 2026 ولغاية العشرين منه، وذلك بهدف اختبار فعاليتها وقياس أثرها على حركة النقل وسلاسل الإمداد بين البلدين. واتفق في هذا الإطار على عقد اجتماع تقييمي مشترك قبل انتهاء المهلة، وتحديداً في 19 فبراير، للنظر في نتائج التطبيق وإمكان تعديل الآلية أو توسيعها أو إنهائها، بما يحقّق التوازن في حركة النقل ويحفظ المصالح المشتركة.

وأكد الجانبان خلال الاجتماع أنّ قنوات التواصل المباشر ستبقى مفتوحة بين الجهات المختصة لمعالجة أي إشكالات عملية قد تطرأ خلال فترة التطبيق، مشدّدين على أنّ هذه الآلية ذات طابع تنظيمي مؤقت وانتقالي، وتهدف حصراً إلى معالجة الظروف الراهنة، ولا تشكّل تعديلاً أو تعليقاً لاتفاقيات النقل البري الثنائية النافذة بين البلدين، كما لا تنشئ أي حقوق مكتسبة أو سوابق قانونية يمكن الاستناد إليها مستقبلاً.

شاحنة لبنانية في معبر جديدة يابوس السوري الحدودي مع لبنان (سانا)

وكانت السلطات السورية أطلقت مشروع النافذة الواحدة في معبر جديدة يابوس الحدودي مع لبنان، ويعيد المشروع تنظيم الخدمات الجمركية والإدارية، ضمن إطار موحّد يسهّل حركة الصادرات والواردات والترانزيت، ويعزز جودة الإجراءات.

وقالت «الهيئة العامة للمنافذ البرية والجمارك» إن إطلاقه يأتي «استجابة لاحتياجات المخلصين والتجار والمواطنين العائدين من لبنان، عبر توفير بيئة عمل أكثر انسيابية تعتمد على التنسيق المباشر بين الأقسام المختصة ورفع مستوى الدقة في المعاملات».


واشنطن تُصعّد ضغوطها على إيران في العراق

قادة أحزاب «الإطار التنسيقي» خلال أحد اجتماعاتهم الدورية في بغداد (واع)
قادة أحزاب «الإطار التنسيقي» خلال أحد اجتماعاتهم الدورية في بغداد (واع)
TT

واشنطن تُصعّد ضغوطها على إيران في العراق

قادة أحزاب «الإطار التنسيقي» خلال أحد اجتماعاتهم الدورية في بغداد (واع)
قادة أحزاب «الإطار التنسيقي» خلال أحد اجتماعاتهم الدورية في بغداد (واع)

تتزايد مؤشرات التصعيد الأميركي تجاه النفوذ الإيراني في العراق، في وقت تتداخل فيه مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة مع رسائل مباشرة من واشنطن تؤكد استعدادها لاستخدام «كامل نطاق الأدوات المتاحة» لمواجهة ما تصفه بـ«الأنشطة الإيرانية المزعزعة للاستقرار».

وأكد القائم بالأعمال في السفارة الأميركية لدى بغداد، جوشوا هاريس، خلال لقائه، الخميس، رئيس تحالف «النهج الوطني» عبد الحسين الموسوي، أن أي حكومة عراقية مقبلة «يجب أن تبقى مستقلة بالكامل ومركزة على المصالح الوطنية لجميع العراقيين».

وقال بيان للسفارة إن اللقاء تناول أهمية الشراكة القوية بين الولايات المتحدة والعراق بما يحقق «فوائد ملموسة للطرفين»، في إطار صون السيادة العراقية وتعزيز الاستقرار الإقليمي وتقوية الروابط الاقتصادية.

وشدد هاريس، وفق البيان، على استعداد بلاده لاستخدام «كامل نطاق الأدوات المتاحة» لمواجهة الأنشطة الإيرانية في العراق، في إشارة فُهمت في الأوساط السياسية على أنها رسالة مزدوجة: الأولى موجهة إلى القوى المرتبطة بطهران، والثانية إلى الكتل المنخرطة في مفاوضات تشكيل الحكومة.

من جهته، أوضح المكتب الإعلامي لتحالف «النهج الوطني»، أحد أطراف «الإطار التنسيقي»، أن اللقاء بحث المستجدات الوطنية والإقليمية وسبل تعزيز العلاقات الثنائية «وفق مبدأ الاحترام السيادي المتبادل والمصالح المشتركة»، كما تناول مشاورات القوى السياسية لحسم الاستحقاقات عبر المسارات الدستورية والالتزام بنتائج الانتخابات. وأكد الجانبان أهمية إنجاح المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران بما يسهم في خفض التصعيد واعتماد الحوار.

أرشيفية لرئيس الوزراء العراقي محمد شيّاع السوداني مستقبلاً القائم بالأعمال الأميركي جوشوا هاريس (إعلام رئاسة الوزراء)

المالكي في قلب التوتر

ويأتي التصعيد الأميركي في سياق أوسع يرتبط بمواقف معلنة من بعض الأسماء المطروحة لرئاسة الحكومة.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد كتب في 27 يناير (كانون الثاني) 2026 على منصة «تروث سوشيال» أن عودة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي إلى رئاسة الحكومة «أمر لا ينبغي السماح به»، معتبراً أن العراق «انزلق إلى الفقر والفوضى» خلال ولايته.

هذا الموقف أثار ردود فعل داخل «الإطار التنسيقي»، الذي يتمسك بترشيح المالكي. واعتبر ائتلاف «دولة القانون» بزعامة المالكي أن التحذيرات من احتمال فرض حظر أميركي على العراق في حال توليه رئاسة الحكومة تمثل «سذاجة في التحليل»، على حد تعبيره.

وقال المتحدث باسم الائتلاف النائب عقيل الفتلاوي إن الترويج لفكرة فرض حظر أميركي «يعكس قدراً كبيراً من السذاجة»، مشيراً إلى أن العراق ينتج نحو 4.5 مليون برميل نفط يومياً ويصدر الجزء الأكبر منها إلى الأسواق العالمية، ما يجعله عنصراً مؤثراً في توازنات الطاقة. وأضاف أن السياسات الأميركية «تُدار بمنطق المصالح والتوازنات، لا بمنطق الشعارات»، معتبراً أن الحديث عن حظر سهل يتجاهل تعقيدات سوق الطاقة العالمية.

وكان المالكي قد أكد تمسكه بالترشح، معتبراً أن اختيار رئيس الوزراء «شأن عراقي خالص تقرره المؤسسات الدستورية»، نافياً أن يؤدي ترشحه إلى فرض عقوبات على البلاد، مبدياً في الوقت نفسه استعداده للتنازل إذا طلبت غالبية «الإطار التنسيقي» ذلك.

تحالف «الإطار التنسيقي» في العراق رشح نوري المالكي لرئاسة الحكومة رغم التحفظات (أ.ب)

بين السيادة والتوازنات

يضع هذا السجال العراق مجدداً في قلب التجاذب الأميركي - الإيراني، في مرحلة حساسة تتعلق بتشكيل السلطة التنفيذية. فمنذ عام 2003، يشكل العراق ساحة تقاطع نفوذ بين واشنطن وطهران، مع حضور عسكري أميركي محدود في إطار التحالف الدولي ضد «داعش»، مقابل نفوذ سياسي وأمني واسع لقوى شيعية مقربة من إيران.

وتعكس تصريحات هاريس تشدداً أميركياً متجدداً حيال الدور الإيراني، بالتوازي مع حديث عن أدوات ضغط قد تشمل العقوبات أو القيود المالية، وهي أدوات سبق أن استُخدمت في ملفات تتعلق بالمصارف والتحويلات بالدولار.

وفي المقابل، تحاول قوى عراقية التأكيد على مبدأ «القرار الوطني المستقل»، والدفع باتجاه تجنيب البلاد كلفة الاصطفاف الحاد بين واشنطن وطهران، خصوصاً في ظل هشاشة الوضع الاقتصادي واعتماد العراق شبه الكامل على عائدات النفط.