كيفن سبيسي ومحاولة الصعود من الهاوية

الممثل الأميركي يعود إلى الضوء رغم الدعاوى والفضائح الجنسية

الممثل الأميركي مكرَّماً قبل أيام في إيطاليا (رويترز)
الممثل الأميركي مكرَّماً قبل أيام في إيطاليا (رويترز)
TT

كيفن سبيسي ومحاولة الصعود من الهاوية

الممثل الأميركي مكرَّماً قبل أيام في إيطاليا (رويترز)
الممثل الأميركي مكرَّماً قبل أيام في إيطاليا (رويترز)

خلال السنوات الخمس الأخيرة، جلس كيفن سبيسي في ظل الفضائح الجنسية التي اتُّهم بها. في فبراير (شباط) المقبل، يعود الممثل الأميركي إلى الضوء من خلال فيلم يشبه قصته. هو الذي اعتاد البطولة، يكتفي في الفيلم الإيطالي بدور مساعد، لكنه على الأرجح تعمّد دخول الشاشة الكبيرة من هذا الباب تحديداً، حتى وإن كان دوره ثانوياً في الفيلم. يروي «The Man who drew God»، حكاية رسّام كفيف يُتهم عن طريق الخطأ باستغلال طفلٍ جنسياً. أما سبيسي فيؤدي دور الشرطي الذي يحقق في القضية.
لم يتردد كاتب الفيلم ومخرجه فرانكو نيرو في ضمّ سبيسي إلى فريقه، رغم التهم الكثيرة التي طالت النجم الأميركي والتي ما زال يخضع للتحقيق بسببها. ويبدو أن إيطاليا تفتح ذراعيها لنجم مسلسل «House of Cards»، وتغضّ الطرف عن الفضائح التي أنزلته خلال السنوات الماضية عن عرش «هوليوود». فمنذ أيام، تسلّم سبيسي جائزة تكريمية عن مجمل أعماله وعن مساهمته في تطوّر السينما، من «المتحف الوطني للسينما» في مدينة تورينو الإيطالية.
بعد غياب طويل عن المناسبات العامة، أطلّ سبيسي للمرة الأولى شاكراً إدارة المتحف على تحلّيها بالجرأة والشجاعة لدعوته. يعلم صاحب الإنجازات السينمائية والتلفزيونية والمسرحية الكثيرة، أن «هوليوود» لفظته؛ فهو جزء أساسي من حملة «#MeToo»، ومتهمٌ باعتداءات جنسية يتخطى عددها العشرين، لكن رغم وطأة الفضيحة المتواصلة منذ عام 2017، حافظ سبيسي في الأعوام الماضية على برودة أعصابه وتماسُكِه. وعندما وقف في المتحف الإيطالي حاملاً جائزته ومتوجّهاً إلى الحضور، نفى أن يكون قد انسحب من الحياة العامة. وأضاف: «أعيش حياتي يوماً بيوم، أذهب إلى المطاعم، ألتقي الناس، أقود سيارتي، ألعب التنِس. لقد تعرّفت إلى أشخاص كرماء، حقيقيين ومتسامحين. لم أختبئ ولم أنتقل للعيش داخل مغارة».

حدث كل ذلك في وقتٍ كان سبيسي قد مَثُل لتوّه أمام إحدى محاكم لندن، نافياً عبر الفيديو تورّطه في اعتداءات جنسية في العاصمة البريطانية، إبّان تسلّمه الإدارة الفنية لمسرح «The Old Vic» العريق بين عامَي 2001 و2013. على طريقة «فرانك أندروود»؛ الشخصية التي أدّاها في مسلسل «House of Cards»، يتعامل سبيسي مع الضغوط والكوارث. يتفادى الانفعال، بل يتسلّح بابتسامةٍ صغيرة يخبّئ تحتها مخططاته للمواجهة والفوز، مهما كلّف الأمر. فبعدما انهمرت التُّهم فوق رأسه دفعة واحدة، اكتفى بالقول إنه سيأخذ بعض الوقت لإعادة تقييم الأمور والعلاج.
في أكتوبر (تشرين الأول) 2017، وعندما صدرت في حقه أول تهمة تحرّش من قِبَل الممثل أنطوني راب، سارعت «نتفليكس» إلى إنهاء عقدِها معه، مستبعدةً إياه عن الموسم السادس والأخير من المسلسل. انسلخ سبيسي عن «أندروود»، بعد 5 مواسم قدّم خلالها شخصية الرئيس الأميركي في أداءٍ آسِر، إلا أن «أندروود» لم يخرج يوماً من تحت جلد سبيسي؛ فبعد سنةٍ على الإعصار الذي عصف بمسيرته المهنية، أطلّ عبر صفحته على «يوتيوب» ليلة عيد الميلاد، متقمّصاً إياه. وقد تحوّلت تلك الإطلالة الميلادية إلى تقليد سنوي، يستفيد منه الممثل الأميركي لتبرئة نفسه حيناً، ولتوجيه رسائل الحب إلى جمهوره أحياناً. لم ينسَ يوماً أنه كان «الرئيس المفضّل» عند الأميركيين. أما هم فربما نسَوا ذلك...

كان لحملة «#MeToo» المناهضة للتحرّش وقعُ المقصلة على أعناق نجوم «هوليوود»، ومن بينهم سبيسي. تراكمت التهم في حقه، كما ارتبط اسمه باسم رجل الأعمال جيفري إبستين الذي سُجن بسبب التحرّش والاعتداء الجنسي. بعد مرور أكثر من 5 أعوام على القنبلة التي فجّرها الممثل أنطوني راب في وجهه، ما زال سبيسي يُرشَق حتى اليوم بتُهم التحرّش. ومع أنه يصر على نفيها كلها، يعود إلى المحكمة في لندن في يونيو (حزيران) المقبل ليواجه من جديد أكثر من 10 ادّعاءات.
يتّضح أن غالبية المدّعين هم من الشبّان الذين التقاهم سبيسي خلال عمله في لندن. يُضاف إليهم بعض الممثلين والمخرجين الأميركيين. هو الذي لطالما أبقى حياته الخاصة بعيدةً عن الأضواء، اضطر إلى الإفصاح عن مثليته الجنسية على أثر الاتهامات. وبعد أن أمضى سنوات مجده الثلاثين وهو يصف والده في المقابلات على أنه «رجل عادي جداً ينتمي إلى الطبقة المتوسطة»، اعترف منذ أشهر بأنه كان «متعصباً لأصحاب البشرة البيضاء وعنصرياً ومنتمياً إلى النازيين الجدد».
بين صعوده إلى خشبة «برودواي» عام 1986، وحتى آخر مشهد قدّمه في مسلسل «House of «Cards على «نتفليكس» في ربيع 2017، كان كيفن سبيسي محبوب الأميركيين، ورقماً صعباً في عالم السينما والمسرح والتلفزيون. برز كأحد أهم ممثلي جيله حاصداً جائزتَي «أوسكار» عن دورَيه في كلٍّ من «The Usual Suspects» عام 1995، و«American Beauty» عام 1999. خُصصت له نجمة على ممشى المشاهير في هوليوود، ومُنح رتبة «فارس» من الإمبراطورية البريطانية عام 2016. في مقابل ذلك، احترف سبيسي لعبة الأقنعة، وتحت الجوائز والألقاب والأدوار البارزة، خبّأ ماضياً ثقيلاً لم يبدأ بالفضائح الجنسية، بل داخل منزل الطفولة.


سبيسي بدور فرانك أندروود في مسلسل House of Cards (نتفليكس)
يخبر شقيقُه في حديث صحافي، أن والدهما توماس فاولر كان متعسفاً جسدياً وجنسياً، وأن كيفن كبت مشاعره وتحوّل إلى ولد ماكر وذكي ليتجنّب التعنيف. ذاك الأب الذي لم يحمل سبيسي اسمَه، مفضّلاً كنية جدته، لطالما شكك في قدرات ابنه التمثيلية، ولم يقتنع به إلا بعد أن أصبح مشهوراً.
يحاول سبيسي اليوم أن يسترجع بعضاً من تلك الشهرة، وهو عاد إلى العمل من خلال عدد من الإنتاجات الأوروبية والبريطانية، غير أن تلك العودة لا تروق لمعظم جمهور «السوشال ميديا»، الذي استنفر غاضباً بعد الإعلان عن أفلام سبيسي المرتقبة. هو الذي عُرف بأدوار الأشرار طيلة مسيرته التمثيلية، يرجع من خلال أدوار أقل شراً، في مسعًى للصعود من الهاوية السحيقة التي رُمي فيها، وهو في قمة نجوميته.


مقالات ذات صلة

فرنر هرتزوغ لـ«الشرق الأوسط»: بطلتا فيلمي شقيقتان ملتحمتان في شخصية واحدة

يوميات الشرق المخرج الألماني فرنر هرتزوغ في مهرجان فينيسيا (د.ب.أ)

فرنر هرتزوغ لـ«الشرق الأوسط»: بطلتا فيلمي شقيقتان ملتحمتان في شخصية واحدة

قال المخرج الألماني فرنر هرتزوغ إن الرجال في أفلامه أقل تعاطياً مع العواطف والوجدانيات؛ فهم متمرِّدون على أنفسهم وعلى الآخرين، وقساة أيضاً.

محمد رُضا (فينيسيا)
يوميات الشرق الممثلة الأميركية سوزان ساراندون لحضور العرض الأول لفيلم «غرفة الصدى» خلال فعاليات مهرجان البندقية السينمائي الدولي الثالث والثمانين في مدينة البندقية بإيطاليا (إ.ب.أ)

سوزان ساراندون لا تزال تخسر أدواراً بسبب مواقفها حيال الحرب في غزة

كشفت الممثلة الأميركية سوزان ساراندون، الأحد، أنها ما زالت تُحرَم من بعض الأدوار في هوليوود بسبب انتقاداتها العلنية لحرب إسرائيل في غزة.

«الشرق الأوسط» (البندقية)
يوميات الشرق محمود حميدة وشيرين في أحد مشاهد فيلمهما الجديد (الشركة المنتجة)

أفلام مصرية جديدة تبحث عن نصيبها من الإيرادات بنهاية «موسم الصيف»

رغم اقتراب موسم الصيف السينمائي في مصر من نهايته، فإن دور العرض تستقبل خلال سبتمبر الحالي عدداً من الأفلام الجديدة.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق ركز الفيلم على 3 حكايات مختلفة (الشركة المنتجة)

غورفيندر سينغ: «رحمة» يتحدى سرديات الانتقام والكراهية

قال المخرج الهندي غورفيندر سينغ إن اختياره الرحمة، بدلاً من الانتقام، لتكون القوة العاطفية المحركة لفيلمه «رحمة» (Rehmat)، جاء رغبة في تحدي السرديات الشائعة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق بطلتَا «غضب» في مواجهة لا تخلو من المخاطر (ملف «مهرجان فينيسيا»)

ثلاثة أفلام تختبر الغضب والخوف والمصير في «فينيسيا»

كما العادة، يوفّر «مهرجان فينيسيا» أفلاماً كثيرة لا يمكن لأي امرئ مشاهدتها في 10 أيام أو حتى أسبوعين. لكنّ الأمر ليس في العدد، إنه في النوعية أولاً.

محمد رُضا (فينيسيا)

توقعات بزيادة تدفق السائحين الصينيين إلى مصر عقب زيارة شي

نشاط بشركات السياحة المصرية لبحث سبل جذب أعداد أكبر من السائحين الصينيين (الرئاسة المصرية)
نشاط بشركات السياحة المصرية لبحث سبل جذب أعداد أكبر من السائحين الصينيين (الرئاسة المصرية)
TT

توقعات بزيادة تدفق السائحين الصينيين إلى مصر عقب زيارة شي

نشاط بشركات السياحة المصرية لبحث سبل جذب أعداد أكبر من السائحين الصينيين (الرئاسة المصرية)
نشاط بشركات السياحة المصرية لبحث سبل جذب أعداد أكبر من السائحين الصينيين (الرئاسة المصرية)

أنعشت زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى مصر خلال الأيام الماضية التوقعات في القاهرة بزيادة تدفق السائحين الصينيين إلى مصر خلال الفترة المقبلة، لا سيما أن السوق الصينية من أكبر الأسواق العالمية المصدرة للسياحة.

وحققت جولة الرئيس الصيني وزوجته رفقة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وزوجته زخماً إعلامياً كبيراً في الأوساط الإعلامية بالبلدين.

وبدأت الجولة بعرض تفصيلي حول المتحف المصري الكبير وما يضمه من مقتنيات أثرية فريدة، تخلله شرح إرشادي باللغتين العربية والصينية لأبرز القطع المعروضة، وشملت الجولة منطقة الدرج العظيم، واختتمت بزيارة قاعة كنوز الملك توت عنخ آمون، حيث استمع الرئيسان وقرينتاهما إلى شرح حول أهم مقتنيات القاعة، وفي مقدمتها القناع الذهبي وكرسي العرش، إلى جانب عدد من القطع الأثرية التي تجسد دقة وتطور الفن في الحضارة المصرية القديمة؛ بحسب بيان الرئاسة المصرية.

الرئيس الصيني أبدى إعجابه بالحضارة المصرية (الرئاسة المصرية)

ووفق المتحدث باسم الرئاسة المصرية السفير محمد الشناوي، فإن الرئيس الصيني أعرب خلال جولته عن «إعجابه الكبير بالحضارة المصرية وما تمثله من إسهام بارز في المسيرة الإنسانية»، مشيداً بالمتحف المصري الكبير باعتباره «صرحاً ثقافياً عالمياً يليق بعظمة الحضارة المصرية».

وتوقع خبراء أن يصاحب زخم زيارة الرئيس الصيني لمصر «طفرة كبيرة» في أعداد السائحين الصينيين لمصر، وقال الخبير السياحي الدكتور زين الشيخ لـ«الشرق الأوسط» إن «الزيارة ستسهم في زيادة كبيرة في أعداد السائحين الصينيين، خصوصاً أن الحكومة الصينية تشجع مواطنيها حالياً على التعرف على ثقافات مختلفة».

وأكد الشيخ أن «السائح الصيني زائر اقتصادي يفضل السياحة الثقافية، حيث يقبل على زيارة المتاحف والأحياء التاريخية ومنها القاهرة القديمة والأقصر وأسوان والرحلات النيلية، كما يحب السياحة الحديثة أيضاً ومنها زيارة المراكز التجارية والتسوق».

الرئيس الصيني حرص على زيارة المتحف المصري الكبير (الرئاسة المصرية)

وتعدّ السوق الصينية من أكبر الأسواق المصدرة للسياحة على مستوى العالم، وفق تقارير لمنظمة السياحة العالمية، إذ يصل عدد سكانها إلى 1.4 مليار نسمة، ووصل عدد السائحين الصينيين حول العالم في عام 2019 إلى 150 مليون سائح، وتقلّص العدد إلى 87 مليون سائح عقب جائحة «كورونا»، وعاد العدد للارتفاع مجدداً في السنوات اللاحقة ليتجاوز 120 مليون سائح.

ويعتقد الشيخ، أن «مصر تشهد اتجاهاً رسمياً لجذب السياحة الصينية وتوفير تجربة سياحية تتناسب مع خصوصيتها عبر التوسع في إنشاء الفنادق الاقتصادية الرخيصة، كما زاد عدد المرشدين السياحيين الذين يجيدون اللغة الصينية، وهو أمر بالغ الأهمية لأن الكثير من الصينيين لا يجيدون اللغة الإنجليزية».

وتراهن مصر على كثير من معالمها السياحية، والأنماط السياحية المختلفة لزيادة عدد السائحين الوافدين، الذي وصل إلى رقم قياسي عام 2025 بتحقيق أكثر من 19 مليون سائح، في حين وصل العدد في العام السابق له إلى 15.7 مليون سائح، وتسعى مصر إلى اجتذاب 30 مليون سائح بحلول عام 2031؛ بحسب وزارة السياحة والآثار.

ويتراوح عدد السائحين الصينيين الوافدين لمصر بين 250 و360 ألف سائح سنوياً خلال الأعوام الماضية، وتسعى مصر إلى مضاعفة هذا العدد عبر وسائل متنوعة، من بينها المعارض الأثرية الخارجية في الصين، والحملات الترويجية، والشراكات بين الهيئات والجهات العاملة في مجال السياحة والسفر والطيران. ونظمت مصر مطلع العام الجاري قافلة سياحية للترويج للمقصد السياحي المصري في السوق الصينية عبر 3 مدن كبرى بالصين، هي بكين وشنغهاي وغوانزو.

الرئيسان المصري والصيني وقرينتهما في المتحف المصري الكبير (الرئاسة المصرية)

ويرى الخبير السياحي أحمد عبد العزيز، أن لدى مصر فرصة كبيرة لاستثمار الزخم الذي أحدثته زيارة الرئيس الصيني لجذب أعداد كبيرة من السائحين الصينيين، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «يمكن أن يصل عدد السائحين الصينيين لأكثر من 20 في المائة من عدد السائحين الذين يزورون مصر سنوياً»، مؤكداً أن «الفترة المقبلة ستشهد زيادة كبيرة في أعداد السائحين الصينيين الذين يزورون مصر، لكن يجب التوسع في رحلات الطيران من القاهرة إلى أهم المدن الصينية وليس بكين فقط لتسهيل حركة السياحة».

وبهدف استثمار الزخم الذي صاحب زيارة الرئيس الصيني، عقدت شركات السياحة المصرية العاملة بالسوق الصينية اجتماعاً، السبت، لبحث سبل وآليات جذب السائح الصيني.

فيما أشار هيثم عرفة، عضو مجلس إدارة غرفة شركات ووكالات السفر والسياحة، في تصريحات صحافية، إلى أن مصر تستهدف رفع أعداد السائحين الصينيين إلى مليون سائح سنوياً، مع وجود طموحات للوصول مستقبلاً إلى 3 ملايين سائح سنوياً.


«المحنّك» و«المستحنك»... من قاموس عشاق السينما في السعودية

أصبحت نقاشات الأفلام جزءاً من التجربة السينمائية السعودية (مولدة بالذكاء الاصطناعي)
أصبحت نقاشات الأفلام جزءاً من التجربة السينمائية السعودية (مولدة بالذكاء الاصطناعي)
TT

«المحنّك» و«المستحنك»... من قاموس عشاق السينما في السعودية

أصبحت نقاشات الأفلام جزءاً من التجربة السينمائية السعودية (مولدة بالذكاء الاصطناعي)
أصبحت نقاشات الأفلام جزءاً من التجربة السينمائية السعودية (مولدة بالذكاء الاصطناعي)

تصنع المجتمعات السينمائية عادةً مفرداتها الخاصة، فتُعرِّف بها أفرادها وتسخر من بعض ظواهرها. وفي العالم الغربي، تبدو كلمة «سينيفيل» أشهر الأوصاف المرتبطة بعاشق السينما؛ إذ تطلَق على الشخص شديد الاهتمام بالأفلام والمرتبط بعالمها عاطفياً وثقافياً. أما في السعودية، فقد اكتسبت كلمتا «مُحَنَّك» و«مُسْتَحَنَّك» حضوراً لافتاً في النقاشات السينمائية على منصات التواصل الاجتماعي.

يُوصف المتابع واسع المعرفة بأنه «محنّك سينمائياً»؛ تعبيراً عن كثرة ما شاهده من أفلام، ومعرفته بكبار المخرجين، وقدرته على الربط بين الأعمال وفهم أدوات الصورة والمونتاج. ويستطيع «المحنَّك» التقاط الإشارات التي قد تفوت المشاهد العادي، كما يمتلك مخزوناً يتيح له ربط الفيلم بمدرسة فنية أو مرحلة تاريخية أو أعمال سابقة.

وقد تمتد اهتماماته من السينما الصامتة وأفلام الأربعينات والخمسينات إلى أحدث إنتاجات المنصات وصالات العرض. ويَعرف الفارق بين الواقعية الإيطالية الجديدة والموجة الفرنسية الجديدة، وينتقل بسهولة من أفلام ألفريد هيتشكوك، وأكيرا كوروساوا، وياسوجيرو أوزو، إلى الأعمال السينمائية المعاصرة.

بين الخبرة والاستعراض

تحمل كلمة «محنَّك» في أصلها معنى الخبرة التي تصنعها التجربة، ثم انتقلت إلى قاموس السينما، مثلما تُستخدم في وصف المتمرِّس في السياسة أو الرياضة أو شؤون الحياة. بيد أنها اكتسبت، مع شيوع استخدامها، نبرة ساخرة أيضاً؛ فقد يكتب أحدهم: «وصل المحنّك السينمائي»، عندما يدخل شخص يحوّل حديثاً بسيطاً عن فيلم إلى محاضرة طويلة، أو يحيط رأيه بسياج من المصطلحات.

ومن هذه المساحة خرجت كلمة «مُسْتَحَنَّك»، وهي أوضح في دلالتها الساخرة. فالمُسْتَحَنَّك شخص يسعى إلى الظهور بمظهر الخبير، ويتخذ من السينما وسيلة للاستعراض الثقافي. وقد تمنحه الأفلام الغامضة شعوراً بالتفوُّق، فيما تصبح أسماء المخرجين الكبار جزءاً من الصورة التي يرسمها لنفسه أمام الآخرين. وفي كثير من الأحيان يميل إلى رؤية البطء عمقاً، والغموض عبقرية.

الجماهيري والنخبوي

ترتبط بعض صور «الاستحناك» بالعزوف المعلن عن الأفلام الجماهيرية؛ فالإعجاب بأفلام كريستوفر نولان، أو ستيفن سبيلبرغ، أو إنتاجات «مارفل» يحتاج، في نظر صاحب هذه الشخصية، إلى تبرير، فيما قد يكفي انتماء الفيلم إلى مهرجان أوروبي أو امتداده أكثر من 3 ساعات ليستحق الإعجاب المسبق.

وربما يزداد حماس «المستحنك» للعمل كلما قلَّ عدد مشاهديه، حتى تصبح ندرةُ الفيلم جزءاً من قيمته، والوصولُ إليه إنجازاً يوازي مشاهدته. وهو بهذا المعنى قريب من «المدَّعِي» أو «المتفذلك»، الذي قد يعلن إعجابه بفيلم شديد التعقيد؛ لأن الاعتراف بالملل يبدو في نظره أقل هيبة، أو يقلِّل من قيمة أفلام ناجحة وكلاسيكية، مثل «العرَّاب»، و«نادي القتال»، لمجرد شيوعها بين الجمهور.

جمهور يتسع وقاموس يتشكَّل

يرتبط انتشار الكلمتين باتساع المجتمع السينمائي السعودي خلال السنوات الأخيرة، في ظل ما أتاحته صالات السينما والمهرجانات والمنصات الرقمية وتطبيقات التقييم والحسابات المختصة. وأسهمت هذه المساحات مجتمعة في تكوين جمهور يتحدث عن الأفلام يومياً، ويتجادل بشأنها، ويضع القوائم، ويمنح التقييمات، ويتابع الجوائز والإيرادات.

نقاشات الأفلام تتجاوز التقييم إلى محاولة إثبات الذات (مولدة بالذكاء الاصطناعي)

وتكشف الأرقام عن حجم هذا الاتساع؛ إذ سجل شباك التذاكر السعودي خلال عام 2025 إيرادات بلغت 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، وعرض 538 فيلماً، وفقاً للتقرير السنوي الصادر عن «هيئة الأفلام». وتمنح هذه الأرقام فكرة عن حجم الجمهور الذي تشكَّل حول السينما، ثم صنع تدريجياً نقاشاته وتصنيفاته ومفرداته الخاصة.

ومع نمو هذا المجتمع، ظهرت داخله تيارات وصور نمطية، فبرزت الحاجة إلى كلمات تختصرها. وأدت منصات التواصل دوراً أساسياً في صناعة هذه اللغة؛ فكلمة واحدة مثل «مستحنك» تختصر وصفاً كاملاً لشخصية مألوفة لدى المتابعين. ومع كثرة الاستخدام، تتحول الكلمة نكتةً مشتركةً، ومن ثَم صفةً قد يتبناها بعضهم طوعاً، فيكتب أحدهم عن نفسه ساخراً: «بدأت أستحنك»، بعد مشاهدة فيلم أوروبي طويل، أو يصف قائمته بأنها «اختيارات المحنَّكين»؛ استباقاً لسخرية الآخرين منه.

وامتدت هذه التصنيفات إلى تفاصيل أطرف، من بينها تاريخ الانضمام إلى منصة «ليتربوكسد»، الذي تحوَّل لدى بعض المستخدمين شارةَ أقدمية ودليلاً على سبق صاحبه إلى متابعة الأفلام وتقييمها. ونشأت عبر منصات التواصل مماحكات ساخرة بين أصحاب الحسابات القديمة والملتحقين حديثاً؛ إذ يمنح بعض الأوائل تاريخ انضمامهم قيمة ثقافية إضافية

المعرفة أم التعالي؟

رغم التقارب الظاهري بين «المحنَّك» و«المستحنك»، فإن الفارق بينهما يبقى متعلقاً بالسلوك أكبر من ارتباطه بنوعية الأفلام. فقد يحب المحنَّك فيلماً تجارياً ضخماً وعملاً مستقلاً محدود الجمهور في الوقت نفسه؛ إذ تمنحه معرفته مساحة أوسع للاختيار والاستمتاع. أما المستحنك، فيستخدم هذه المعرفة لإقامة مسافة بينه وبين بقية الجمهور، ويحوّل ذائقته الشخصية معياراً للذكاء والثقافة.

ولا شك في أن مشاهدة أفلام آندريه تاركوفسكي، وإنغمار بيرغمان، والعودة إلى كلاسيكيات الأربعينات والخمسينات، والاهتمام بأعمال المهرجانات، كلها علامات على فضول سينمائي ثري. غير أن «الاستحناك» يبدأ حين تتحول هذه المشاهدات شاراتِ تَفوُّق، ويصبح اسم المخرج وسيلة لإحراج الآخرين، أو تُقاس قيمة الفيلم بمدى صعوبة الوصول إليه ومشقَّة إكمال مشاهدته.

وتحمل الكلمتان في النهاية دلالة تتجاوز المزاح، بوصفهما شاهدتين على تشكُّل ثقافة سينمائية محلية، وعلى رغبة جمهورها في صياغة لغته الخاصة. فمثلما تصف كلمة «سينيفيل» عاشق السينما في أنحاء العالم، تمنح كلمتا «مُحَنَّك» و«مُسْتَحَنَّك» التجربةَ نكهتها المحلية؛ الأولى تحتفي بالخبرة حيناً وتغمزها حيناً آخر، والثانية تختصر التصنُّع السينمائي في كلمة خفيفة وسهلة التداول.


متحف بجامعة أكسفورد يعتزم إعادة رفات بشري إلى شعب «الناغا»

جانب من جامعة أكسفورد البريطانية (أ.ف.ب)
جانب من جامعة أكسفورد البريطانية (أ.ف.ب)
TT

متحف بجامعة أكسفورد يعتزم إعادة رفات بشري إلى شعب «الناغا»

جانب من جامعة أكسفورد البريطانية (أ.ف.ب)
جانب من جامعة أكسفورد البريطانية (أ.ف.ب)

قال متحف «بيت ريفرز» في جامعة أكسفورد، الاثنين، إنه سيعيد رفات 39 شخصاً جُمع ونُقل خلال الحقبة الاستعمارية البريطانية، إلى مجتمع شعب «الناغا» في شمال شرقي الهند.

وأكد المتحف الذي يضم أكبر مجموعة في العالم من قطع الآثار الخاصة بـ«الناغا»، أنه يستعد لعملية الإعادة، بعدما وافقت الجامعة على طلب استرداد تقدَّم به «منتدى المصالحة بين قبائل (الناغا)».

وتضم «الناغا» عشرات القبائل التي لكل منها لغتها الخاصَّة وتعيش معزولة في جبال بورما، على مقربة من الحدود مع الهند في أقصى شمال البلاد.

وينقسم شعب «الناغا» بين الهند وبورما، بعدما أدى الاستعمار البريطاني إلى ترسيم الحدود بين البلدين عبر قمة جبلية، ما أدى إلى وجود نحو 400 ألف من أبناء «الناغا» في بورما وثلاثة ملايين في الجانب الهندي.

وقالت مديرة المتحف لورا فان برويكوفن، في بيان، إن الرفات «بعيد من وطنه منذ وقت طويل».

وجمع مسؤولون بريطانيون هذا الرفات في أوائل القرن العشرين خلال الحقبة الاستعمارية، وظل بعضه معروضاً أمام الجمهور حتى عام 2020.

ورحَّب «منتدى المصالحة بين قبائل (الناغا)» ومنظمات أخرى تمثل شعب «الناغا» بالاتفاق، وقال في بيان تلقته «وكالة الصحافة الفرنسية» إن «إعادة الرفات إلى الوطن، بالنسبة لشعب (الناغا) لا تقتصر على عودة العظام ورفات الأسلاف إلى أرضها فقط؛ بل تعني أيضاً -بالقدر نفسه من الأهمية- عودة الذاكرة إلى مكانها الطبيعي».

وقال متحف «بيت ريفرز» إن طلب الاسترداد شمل 40 مجموعة من الرفات البشري.

ووافقت جامعة أكسفورد على إعادة 39 مجموعة من هذا الرفات في 13 يوليو (تموز)، بعدما خلصت إلى أن إحدى العينات «لا دليلَ واضحاً على أنها تعود إلى شعب (الناغا)».

ويأتي الاتفاق في إطار حركة دولية أوسع، لإعادة القطع الأثرية والرفات البشري التي حصلت عليها مؤسسات غربية خلال الحقبة الاستعمارية.

وعام 2022، أعاد متحف هورنيمان في لندن 72 قطعة أثرية إلى نيجيريا، من بينها 12 لوحة نحاسية تُعرف باسم «برونز بنين»، بينما أعادت جامعة إدنبره في وقت سابق من هذا العام جماجم 6 أشخاص إلى إحدى مجموعات السكان الأصليين في أميركا الشمالية.