وفاة العلّامة والأديب والوزير الموريتاني محمد المختار ولد أبّاه

عن عمر ناهز 98 عاماً

محمد المختار ولد أبّاه (أرشيفية)
محمد المختار ولد أبّاه (أرشيفية)
TT

وفاة العلّامة والأديب والوزير الموريتاني محمد المختار ولد أبّاه

محمد المختار ولد أبّاه (أرشيفية)
محمد المختار ولد أبّاه (أرشيفية)

توفي، اليوم (الأحد)، بالمركز الوطني لأمراض القلب بنواكشوط، العلّامة والأديب الموريتاني محمد المختار ولد أبّاه، بعد وعكة صحية طارئة، وذلك عن عمر يناهز 98 سنة.
ونعى المختار ولد داهي وزير الصحة الموريتاني، الراحل. وكتب عبر حسابه على «فيسبوك»: «أشهد أنه توفي باسماً وضيء الوجه، حاضر الذهن، فقد زرته بصحبة مدير ديوان رئيس الجمهورية إسماعيل ولد الشيخ أحمد ومدير المركز الوطني لأمراض القلب بتكليف من فخامة رئيس الجمهورية للاطمئنان على حالته الصحية والتشاور مع الأطباء والأهل فيما يلزم، فاستقبلنا بوجه وضيء، ورد تحية الرئيس بأحسن منها، وطمأننا على وضعه الصحي، كما بشَّر البروفسور أحمد ولد أبّ بخفة الوعكة. ساعات قليلة بعد ذاك اللقاء نعى الناعي المغفور له محمد المختار ولد أبّاه تقبله الله مع المتقين وبارك في عقبه إلى يوم الدين».
وُلد ولد أبّاه سنة 1924، في «بوتمليت»، من أسرة علم وجاه. وقد حفظ القرآن الكريم، وأكمل دراسة المتون والنصوص المقررة في المدارس العتيقة الشنقيطية المعروفة بالمحاظر، قبل أن ينخرط في سلك التعليم سنة 1948. كما نشط في العمل السياسي في إطار حزب «النهضة» المناهض للاستعمار الفرنسي في موريتانيا، وتم تعيينه سنة 1957، وزيراً للصحة، في أول حكومة موريتانية، ثم وزيراً للتعليم، قبل أن يؤدي الخلاف الذي نشب بين جناحه السياسي وجناح الرئيس الموريتاني الراحل المختار ولد داداه، بشأن التعامل مع السلطات الفرنسية، إلى مغادرته البلاد إلى المغرب، حيث شغل مناصب مهمة من بينها أول مدير للإذاعة المغربية .
وترك الراحل عدداً من الكتابات التي تختصر جانباً مهماً من مساره وتجربته، بينها «ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية»، و«في موكب السيرة النبوية»، و«تاريخ القراءات في المشرق والمغرب»، و«تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب»، و«الشعر والشعراء في موريتانيا»، و«مدخل إلى أصول الفقه المالكي»، و«مدخل إلى أصول الدين»، و«تاريخ التشريع الإسلامي في موريتانيا»، و«مدخل إلى الأدب الموريتاني»، و«نماذج من قراءات أهل المدينة المنورة»، و«على طريق الإسلام: قصائد باللغة الفرنسية»، و«قصائد وشعراء من فرنسا: تراجم وترجمات»، و«خلاصة الأدلة: نظم لأدلة كتاب الموطأ»، و«كتاب التجريد في أحكام التمهيد»، و«التربية الإسلامية بين القديم والحديث» و«رحلة مع الشعر العربي». كما أصدر، قبيل وفاته، مذكراته، تحت عنوان «رحلة مع الحياة»، ضمنها صفحات من ذاكرته الشخصية على مستويات عدة، اجتماعية ونفسية ودراسية وسياسية؛ حرص فيها على إثارة الكثير من الملاحظات المؤثرة والمحيطة بالجغرافيا السياسية والثقافية التي عاش متنقلاً بين أطرافها، كما لم يفته التأكيد على موقفه من بعض القضايا الشائكة في موريتانيا والجوار، كقضية الصحراء التي ظل مدافعاً عن مغربيتها، وعلاقاته بالمؤسسات العربية والإسلامية، وعلاقته الخاصة بالمغرب، حيث تتعدد نقاط الالتقاء بين ما هو روحي وما هو سياسي وتاريخي وثقافي.
في مذكراته، لخص ولد أبّاه لذاكرته ببُعدين اثنين، بُعد أول يطبع مسار العمر وتقلبات الحياة، فيما يميط الآخر اللثام عن لحظات مفصلية شكلت نقاط تحول في حياة الراحل، وحددت اتجاه وعيه الخاص والعام.
وتزامن دخول ولد أبّاه معترك الحياة، باشتداد وقع الحرب العالمية الثانية على بلاده التي كانت آنذاك مستعمرة فرنسية.
وتحدث ولد أبّاه عن مرحلة العمل موظفاً وعن خوض غمار السياسة والعمل المؤسساتي داخل بلده وخارجه، من مدرس بسيط في أقصى شرق موريتانيا إلى العمل مراقباً في «بوتلميت»، ثم العمل في «تجكجة»، أعقب ذلك سفره للحج عبر رحلة بحرية طويلة، ختمها بقصيدة ميمية تغنى فيها بالأشواق والفيض النبوي الصادق.
وتوالت الأسفار بعد ذلك، ومن ذلك رحلته إلى باريس في طريق عودته من الحج، بدعوة من مندوب الحكومة وبغرض لقاء وزير المستعمرات الفرنسية، حيث التبس إحساسه حينها بين الفرح برؤية «مدينة الأنوار» والأسى على مغادرة رفاق الرحلة، وعلى تفويته فرصة زيارة مدينة فاس، وتوجسه في الوقت نفسه من موقف المسؤولين الفرنسيين في تلك الفترة التي تزامنت مع نفي السلطان المغربي محمد الخامس إلى مدغشقر؛ لتبدأ أولى صفحات الارتباط الوثيق لحياة ولد أبّاه الشخصية والرسمية بالمغرب الوطن والشعب والدولة.
كما تطرق الراحل في مذكراته لقصة تعيينه أول مدير للإذاعة المغربية من قِبل الملك الراحل الحسن الثاني، الذي تحدث عن الموضوع آنذاك في حوار خص به صحيفة «لوموند» الفرنسية. وقال الحسن الثاني إنه عيّن ولد أبّاه في هذا المنصب الحساس لأنه شخص خارج التجاذبات السياسية.
وعن نضاله من أجل موريتانيا، لخص الكاتب تجربة الكفاح التي خاضها ضد الاستعمار في ثلاث مراحل: التفكير في الانتماء الوطني، والإحساس بوجود احتلال أجنبي على الأرض، ثم مصادمة أساليب حكم الاستعمار.
وفي معرض حديثه عن تجاربه السياسية داخل وخارج موريتانيا، سلط ولد أبّاه الضوء على لحظة المشاركة في أول حكومة موريتانية ناشئة، قبل الحديث عن علاقته الخاصة بالمغرب، حيث وصف أعواماً عديدة قضاها في العاصمة الرباط، ابتدأت باستقبال حظي به من الملك الراحل محمد الخامس. كما تطرق لعلاقته الخاصة بفال ولد عمير، وهو شخصية موريتانية مرموقة اشتهرت بدفاعها عن فكرة الوحدة السيادية مع المغرب.
في مذكرات ولد أبّاه، تحضر الأحداث الشخصية المؤثرة في حياة الراحل، ومن ذلك رحيل الأم والأخ وما أحدثه الموت من عظيم الإحساس بالفجيعة والفقد.
وعلى صعيد المواقف، حرص ولد أبّاه على أن يكون صريحاً في شهادته حول حرب الصحراء وقضية وحدة الأمة، مشدداً على أن الأمر يتعلق بحرب كان «قتالها يدور بين أفراد عائلة واحدة».
وعاب ولد أبّاه، في مذكراته، على الإسبان تنكرهم لمضامين اتفاقية مدريد مع المغرب وموريتانيا، ولعبهم على ورقة تقرير مصير سكان المنطقة، رغم أن الشعور بالحرية «لا يتوقف بالضرورة على إنشاء دولة جديدة». كما روى فصول هذه الحرب في موريتانيا، وكيف تسبب ذلك في إسقاط الرئيس ولد داداه بانقلاب عسكري دراماتيكي، وكيف أصبح الوضع معقداً بعد ذلك في موريتانيا والمنطقة.
عرف ولد أبّاه شاعراً فذاً، كما كان عضواً في «مجمع اللغة العربية» في القاهرة، و«مجمع اللغة العربية» في الخرطوم، و«مؤسسة آل البيت» في الأردن، و«اللجنة العلمية لجائزة محمد السادس للفكر والدراسات الإسلامية»، و«المجلس الأعلى لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة». كما حصل على عدد من أوسمة الاستحقاق والشرف من مصر والسنغال والأردن.


مقالات ذات صلة

الرئيس الموريتاني السابق يؤكد استهدافه لـ«أسباب سياسية»

العالم العربي الرئيس الموريتاني السابق يؤكد استهدافه لـ«أسباب سياسية»

الرئيس الموريتاني السابق يؤكد استهدافه لـ«أسباب سياسية»

قال الرئيس الموريتاني السابق، محمد ولد عبد العزيز، الذي يحاكم بتهم فساد، إنه «مستهدف لأسباب سياسية بحتة». وأضاف ولد عبد العزيز خلال استجوابه أمام المحكمة المختصة بجرائم الفساد أمس، أنه «مستهدف لأنه سياسي ويعمل ضده سياسيون ورجال أعمال، كانوا يستفيدون من الدولة قبل توليه الرئاسة»، وفق ما أوردته وكالة الأنباء الألمانية. وأوضح الرئيس السابق في أول حديث له حول أصل التهم الموجهة إليه، ومتابعته من قبل القضاء، أنه سجن انفرادياً لستة أشهر، وسجن بعد ذلك مع عائلته ثمانية أشهر في بيته. ويمثل الرئيس السابق أمام المحكمة المختصة بالفساد منذ 25 من يناير (كانون الثاني) الماضي بتهم تتعلق بالفساد وسوء استغلال ال

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)
العالم 25 حزباً موريتانياً تتنافس في انتخابات «توافقية» مبكرة

25 حزباً موريتانياً تتنافس في انتخابات «توافقية» مبكرة

انطلقت فجر اليوم (الجمعة) الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية والجهوية والمحلية، التي تنظم بشكل متزامن في موريتانيا يوم 13 مايو (أيار) المقبل، والتي يتنافسُ فيها 25 حزباً سياسياً ضمن أكثر من ألفي لائحة انتخابية، لنيل ثقة 1.7 مليون ناخب موريتاني. وكان من المفترض أن تنظم الانتخابات في شهر أغسطس (آب) المقبل، لكن جرى تعجيلها إلى شهر مايو، بموجب اتفاق سياسي بين أحزاب الموالاة والمعارضة، تفادياً لتنظيمها في موسم الأمطار، حين تكثر الفيضانات والعواصف، ما يمنع الوصول إلى مناطق نائية من البلاد، وهو ما تسبب في مشكلات كبيرة خلال الانتخابات السابقة (2018). وبموجب الاتفاق السياسي نفسه الذي أشرفت عليه وز

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا وزير الخارجية الجزائري في مالي بعد موريتانيا

وزير الخارجية الجزائري في مالي بعد موريتانيا

بحث وزير خارجية الجزائر أحمد عطاف، أمس، بمالي، مع المسؤولين الحكوميين وممثلين عن حركات التمرد في الشمال، حل خلافاتهم السياسية بشكل عاجل والتقيد بـ«اتفاق السلام» المتعثر، وفق مصادر تتابع الموضوع، وذلك بهدف قطع الطريق أمام الجماعات المتطرفة، التي عادت إلى واجهة الأحداث الأمنية في الأيام الأخيرة، باغتيال مسؤول بارز في السلطة الانتقالية. وبحسب المصادر نفسها، حل عطاف بباماكو مساء الثلاثاء آتيا من موريتانيا، بغرض تسليم رسالة من الرئيس عبد المجيد تبون، لرئيس الحكم الانتقالي العقيد عاصيمي غويتا، تتضمن «أهمية الخروج من المأزق السياسي الذي يتخبط فيه هذا البلد الحدودي مع الجزائر، وتشدد على تطبيق اتفاق ال

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا وزير خارجية الجزائر يبحث في موريتانيا أمن التجارة عبر الحدود

وزير خارجية الجزائر يبحث في موريتانيا أمن التجارة عبر الحدود

يبحث وزير الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، منذ يومين في نواكشوط التبادل التجاري النشط عبر المركز الحدودي منذ عام، والوضع الأمني بالمناطق الحدودية، حيث تعرضت قوافل تجار جزائريين لاعتداءين بين نهاية 2021 ومطلع 2023، أسفرا عن قتلى، وتدمير شاحناتهم، وتسببا في نشر حالة من الخوف. وذكرت «الخارجية» الجزائرية، في بيان، أن لقاء جمع عطاف بالرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، «وفر فرصة لاستعراض التقدم المحرز، ضمن متابعة وتنفيذ التوجيهات السامية لقائدي البلدين، ومخرجات مشاوراتهما بمناسبة زيارة الدولة التي قام بها الغزواني إلى الجزائر في شهر ديسمبر (كانون الأول) 2021، والتي أعطت انطلاقة لحقبة جديدة في تا

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
العالم العربي رئيس موريتانيا السابق ينفي تورطه في «أي فساد»

رئيس موريتانيا السابق ينفي تورطه في «أي فساد»

نفى الرئيس الموريتاني السابق محمد ولد عبد العزيز، خلال مثوله أمام المحكمة الجنائية المختصة في جرائم الفساد، جميع التهم الموجهة إليه، التي من أبرزها تهمة الفساد وغسل الأموال والإثراء غير المشروع واستغلال النفوذ. وقال ولد عبد العزيز، الذي تحدث للمرة الأولى أمام هيئة المحكمة، مساء أول من أمس، إنه حكم موريتانيا عشر سنوات وغير وضعيتها من الأسوأ إلى الأحسن، مشيراً إلى أن السياسة التي تبناها لا يمكن أبدا أن يتورط صاحبها في أي نوع من «تبديد الأموال العمومية».

الشيخ محمد (نواكشوط)

«الصحة العالمية»: هجمات دموية استهدفت 3 مراكز صحية بجنوب كردفان خلال أسبوع

أم فرَّت مع طفليها من الحرب بالسودان تجلس في مخيم ثوبو (رويترز)
أم فرَّت مع طفليها من الحرب بالسودان تجلس في مخيم ثوبو (رويترز)
TT

«الصحة العالمية»: هجمات دموية استهدفت 3 مراكز صحية بجنوب كردفان خلال أسبوع

أم فرَّت مع طفليها من الحرب بالسودان تجلس في مخيم ثوبو (رويترز)
أم فرَّت مع طفليها من الحرب بالسودان تجلس في مخيم ثوبو (رويترز)

أفادت منظمة الصحة العالمية، اليوم الأحد، بأن ولاية جنوب كردفان السودانية تعرّضت لهجمات استهدفت ثلاث منشآت صحية خلال الأسبوع الأخير، أسفرت عن مقتل أكثر من 30 شخصاً.

وقال مدير المنظمة تيدروس أدهانوم غيبريسوس عبر منصة «إكس» إن «النظام الصحي في السودان يتعرّض إلى الهجوم مجدداً».

ويخوض الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» حرباً منذ أبريل (نيسان) 2023، أسفرت عن مقتل عشرات آلاف الأشخاص، وتشريد ملايين آخرين، وتسببت في إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

وأكد تيدروس أن النظام الصحي تعرض لهجمات عديدة في منطقة كردفان في وسط السودان، حيث يتركز القتال حالياً.

وقال: «خلال هذا الأسبوع وحده، تعرّضت ثلاث منشآت صحية إلى هجمات في جنوب كردفان، في منطقة تعاني أساساً من سوء التغذية الحاد».

وأفاد بأن في الثالث من فبراير (شباط) قتل ثمانية أشخاص هم خمسة أطفال وثلاث نساء وجُرح 11 آخرون في هجوم على مركز رعاية صحية أولية.

وأكد أنه في اليوم التالي «تعرض مستشفى لهجوم أسفر عن مقتل شخص واحد».

وفي 5 فبراير «وقع هجوم آخر على مستشفى أسفر عن مقتل 22 شخصاً بينهم 4 عاملين في المجال الصحي وإصابة 8 آخرين»، بحسب ما ذكر تيدروس.

وقال: «ينبغي على العالم أجمع أن يدعم مبادرة السلام في السودان لإنهاء العنف، وحماية الشعب، وإعادة بناء النظام الصحي»، مشدّداً على أن «أفضل دواء هو السلام».

اقرأ أيضاً


تقرير أممي: غارات إسرائيل عمّقت فجوة الواردات في اليمن

أسعار الغذاء انخفضت بنسبة 20 % في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
أسعار الغذاء انخفضت بنسبة 20 % في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

تقرير أممي: غارات إسرائيل عمّقت فجوة الواردات في اليمن

أسعار الغذاء انخفضت بنسبة 20 % في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
أسعار الغذاء انخفضت بنسبة 20 % في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

أكد تقرير أممي حديث أن الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت منشآت ومواني خاضعة لسيطرة الحوثيين أسهمت بصورة مباشرة في تقليص قدرتها التشغيلية على استقبال السفن التجارية، وهو ما انعكس بوضوح على حركة الواردات، خصوصاً القمح والوقود.

وفي المقابل، سجلت المواني الواقعة تحت سيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً ارتفاعاً غير مسبوق في واردات السلع الأساسية، وسط تحسن نسبي في سعر صرف الريال اليمني، وانخفاض ملموس في أسعار المواد الغذائية.

ووفق تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو)، ارتفعت واردات القمح إلى مواني الحكومة مع نهاية عام 2025 بنسبة 329 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، في مؤشر يعكس تحولات عميقة في خريطة الإمدادات الغذائية داخل البلاد.

وأوضح التقرير أن هذا التحسن يرتبط بعدة عوامل، أبرزها الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي اليمني في عدن، ولا سيما تنظيم عمليات الاستيراد وضبط سوق الصرف، ما أسهم في تعزيز استقرار العملة المحلية.

النقص المحتمل في الوقود يهدد سلاسل الإمداد الغذائي باليمن (إعلام محلي)

ولم تتجاوز واردات القمح عبر الموانئ الخاضعة لسيطرة الحوثيين - حسب التقرير الأممي - 40 في المائة خلال الفترة ذاتها، ما يبرز اتساع الفجوة بين مناطق الحكومة والمناطق الواقعة تحت سيطرة الجماعة.

ويعزو خبراء هذا التراجع الحاد إلى الغارات الإسرائيلية التي استهدفت البنية التحتية للمواني، والتي أدت إلى تقليص قدرتها على استقبال السفن وتأمين عمليات التفريغ والنقل.

ولم يقتصر التأثير على القمح فحسب، بل امتد ليشمل الوقود، إذ انخفضت واردات الوقود إلى ميناء رأس عيسى، الذي يديره الحوثيون، بنسبة 82 في المائة، في حين ارتفعت إجمالاً بنسبة 20 في المائة عبر المواني الحكومية، بما فيها عدن والمكلا. هذا التباين الحاد في حركة الوقود انعكس بشكل مباشر على استقرار الأسواق، وأسهم في تعميق التحديات الاقتصادية في مناطق سيطرة الحوثيين.

تحسن العملة

ولفتت البيانات الأممية إلى أن الريال اليمني في مناطق سيطرة الحكومة ظل أقوى بنسبة 27 في المائة مقارنة بنهاية عام 2024، وهو ما انعكس إيجاباً على أسعار الوقود والمواد الغذائية. فقد ظلت أسعار الوقود مستقرة نسبياً مقارنة بالشهر السابق، لكنها انخفضت بنسبة تتراوح بين 14 في المائة و22 في المائة مقارنة بالعام الماضي، رغم بقائها أعلى من متوسط السنوات الثلاث الماضية بنسبة تتراوح بين 4 في المائة و13 في المائة.

وينطبق الأمر ذاته على أسعار المواد الغذائية الأساسية، التي شهدت انخفاضاً ملحوظاً في مناطق الحكومة بنسبة تتراوح بين 12 في المائة و20 في المائة، وفق ما أوردته تقارير إعلامية محلية.

تراجع ملحوظ في أسعار المواد الغذائية بسبب تحسن الريال اليمني (إعلام محلي)

ويعزو الخبراء هذا التراجع إلى تحسن قيمة العملة المحلية، وانخفاض تكاليف الوقود والنقل، إلى جانب ارتفاع حجم الواردات الغذائية، وفي مقدمتها القمح.

وعلى الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، حذّر التقرير الأممي من أن الأمن الغذائي في اليمن لا يزال يتعرض لضغوط شديدة نتيجة أزمات متعددة ومتشابكة. ففي مناطق الحكومة، لا يزال تقلب سعر الصرف يشكل عامل خطر قد يعيد إشعال موجات تضخم جديدة في أسعار الغذاء والوقود، في حال تراجع الاستقرار النقدي، أو تعثرت إجراءات البنك المركزي.

استقرار هش

أما في مناطق سيطرة الحوثيين، فتتمثل أبرز التحديات - وفق التقرير الأممي - في ضوابط السوق الصارمة، والاضطراب الحاد في القطاع المالي، الناتج عن العقوبات التي تؤثر على المدفوعات والتحويلات المالية، إضافة إلى القيود المفروضة على استيراد دقيق القمح ومحدودية المساعدات الإنسانية. وأكد التقرير أن هذه العوامل مجتمعة تزيد من هشاشة سلاسل الإمداد، وترفع عدد الأسر المعرّضة لخطر انعدام الأمن الغذائي الحاد.

وخلال الفترة نفسها، ظلت تكلفة سلة الغذاء الدنيا في مناطق الحكومة مستقرة نسبياً، وكانت أقل بنسبة 20 في المائة مقارنة بالعام الماضي، وأقل بنسبة 5 في المائة من متوسط السنوات الثلاث الماضية. غير أن هذا الاستقرار لا يخفي واقعاً صعباً تعيشه شريحة واسعة من السكان، إذ يعتمد نحو 35 في المائة منهم على رواتب حكومية غير منتظمة تآكلت قيمتها بفعل التضخم السابق.

واردات الوقود تراجعت إلى ميناء رأس عيسى بنسبة 82 % (إعلام محلي)

كما رصد التقرير خلال شهر ارتفاعاً في أسعار الأسماك بنسبة 5 في المائة في مناطق الحكومة، لتصبح أعلى بنسبة 6 في المائة مقارنة بالعام الماضي، وبنسبة 18 في المائة مقارنة بمتوسط السنوات الثلاث الماضية.

في المقابل، ظلت أجور العمالة الزراعية والمؤقتة مستقرة نسبياً، مدعومة بالاستقرار النسبي للريال، حيث ارتفعت الأجور الزراعية بنسبة 8 في المائة، وأجور العمالة المؤقتة بنسبة 2 في المائة على أساس سنوي.

ورأت منظمة الأغذية والزراعة أن هذه المؤشرات تعكس مزيجاً من العوامل الإيجابية والسلبية، إذ يسهم تحسن العملة واستقرار الواردات في تخفيف الضغوط المعيشية، لكن استمرار التوترات الأمنية واضطراب الإمدادات في مناطق الحوثيين، خصوصاً الوقود، يظل عامل تهديد لاستقرار الأسواق على مستوى البلاد.


الحكومة السودانية: حريصون على ضرورة إنهاء الحرب وإيقاف تجويع الشعب

بائع سوداني أمام منزل تعرض للتدمير في العاصمة الخرطوم (د.ب.أ)
بائع سوداني أمام منزل تعرض للتدمير في العاصمة الخرطوم (د.ب.أ)
TT

الحكومة السودانية: حريصون على ضرورة إنهاء الحرب وإيقاف تجويع الشعب

بائع سوداني أمام منزل تعرض للتدمير في العاصمة الخرطوم (د.ب.أ)
بائع سوداني أمام منزل تعرض للتدمير في العاصمة الخرطوم (د.ب.أ)

أفادت وزارة الخارجية السودانية في بيان، اليوم الأحد، بأن حكومة السودان حريصة على ضرورة إنهاء الحرب «وإيقاف تدمير الدولة وتجويع الشعب»، مؤكدة أن إيقاف الحرب يتم «بتفكيك مصادرها ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات ومخالفي القانون الدولي الإنساني».

وذكرت الخارجية السودانية أن حكومة السودان «لن تقبل أن يكون شركاء مرتكبي الجرائم والصامتون على ارتكابها شركاء في أي مشروع لإنهاء الحرب»، مشيرة إلى أن «مخالفة قرار مجلس الأمن الداعي لحظر دخول السلاح إلى دارفور تجعل مصداقية مجلس الأمن على المحك».

وقالت الوزارة إن «التغافل عن مصادر توريد هذه الأسلحة والجهات الممولة والدول التي ترسلها وتسهل إيصالها إلى أيدي المجرمين، يضع المجتمع الدولي وآلياته المختصة في موضع الشك وعدم المصداقية».

واندلع الصراع بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023، وأدى إلى نزوح الملايين وأشعل أزمة إنسانية واسعة النطاق.