فرنسا وألمانيا تحتفلان بـ«معاهدة الإليزيه» وتعملان على إعادة الدفء إلى علاقاتهما

لا تناغم بين ماكرون وشولتس على المستوى الشخصي

ماكرون وشولتس على هامش قمة «مجموعة العشرين» في 16 نوفمبر 2022 (د.ب.أ)
ماكرون وشولتس على هامش قمة «مجموعة العشرين» في 16 نوفمبر 2022 (د.ب.أ)
TT

فرنسا وألمانيا تحتفلان بـ«معاهدة الإليزيه» وتعملان على إعادة الدفء إلى علاقاتهما

ماكرون وشولتس على هامش قمة «مجموعة العشرين» في 16 نوفمبر 2022 (د.ب.أ)
ماكرون وشولتس على هامش قمة «مجموعة العشرين» في 16 نوفمبر 2022 (د.ب.أ)

في 23 يناير (كانون الثاني) من العام 1963. تم في باريس التوقيع على معاهدة التعاون بين فرنسا وألمانيا التي سميت «معاهدة الإليزيه»، التي هي المصالحة الفرنسية - الألمانية بعد حربين عالميتين.
ولم يكن هذا التطور ممكناً من غير وجود شخصيتين استثنائيتين، هما الجنرال شارل ديغول، الرئيس الفرنسي وقتها وبطل تحرير فرنسا، ومن الجانب الألماني المستشار كونراد أديناور. والجنرال الكبير كان صاحب رؤية، وفهم وقتها أن المصالحة الفرنسية - الألمانية ضرورية لقلب صفحة العداء بين البلدين الجارين. وقد وجد، من الجانب الآخر من الحدود، في أديناور الشخصية المثالية المتمتعة برؤية قريبة من رؤيته، ما سهّل التقارب بين باريس وبون، عاصمة ألمانيا (الغربية) الفيدرالية. وبمناسبة التوقيع، اعتبر ديغول أن المعاهدة مهمة «لأنها تفتح الأبواب واسعةً لمستقبل جديد لفرنسا وألمانيا ولأوروبا وبالتالي للعالم أجمع». ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت المعاهدة المذكورة المرجع الرئيسي للعلاقات بين البلدين. ولم يخطئ ديغول في اعتبارها الأساس للبناء الأوروبي. وبالفعل، وطيلة العقود المنصرمة، شكلت باريس وبرلين «القاطرة» التي تدفع أوروبا إلى الأمام. كما أن الثنائي كان الممسك عملياً بالقرار الأوروبي رغم توسيع الاتحاد الذي وصل إلى 28 بلداً، قبل أن يتراجع إلى 27 بعد انسحاب بريطانيا منه (البريكست).
كان لافتاً طيلة العقود الماضية أن طرفي المعاهدة التي تم تجديدها واستكمالها في معاهدة «أكس لا شابيل» في 22 يناير عام 2019، سعيا إلى الاستمرار على تنسيق مواقفهما بشأن الاندماج الأوروبي والسياسات الخارجية والداخلية. وما ساعد على ذلك، التفاهم الذي توفر بين رأسي الدولتين، وتشكُّل ثنائي منسجم كما كان الحال بين ديغول وأديناور، ولاحقاً بين الرئيس فاليري جيسكار ديستان والمستشار هيلموت شميت، ثم بين فرنسوا ميتران وهيلموت كول الذي خلفته أنغيلا ميركل في المستشارية. وقد عاصرت الأخيرة أربعة رؤساء جمهورية فرنسيين هم تباعاً: جاك شيراك ونيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند وأخيراً إيمانويل ماكرون في عهده الأول. وبعدها، احتل مكانها المستشار الحالي أولاف شولتس.

دور مؤثر للعلاقة الشخصية

يعتبر أخصائيو العلاقة الفرنسية - الألمانية أن العلاقة الشخصية كان لها دور مؤثر في تنمية العلاقات من على جانبي نهر الراين. والحال، وعلى الرغم من الجهود التي يبذلها المسؤولان، لا يستشعر المراقبون وجود تناغم بين ماكرون وشولتس على المستوى الشخصي. فالأخير وصل إلى المستشارية في 21 ديسمبر (كانون الأول) من العام 2021. أي قبل شهرين فقط من بدء الحرب الروسية على أوكرانيا. وعلى الرغم من الرغبة في التنسيق بين باريس وبرلين وتكاثر الزيارات بالاتجاهين، فقد برز التمايز في المواقف سريعاً، وظهر ذلك عندما تأجل الاجتماع الحكومي السنوي المشترك الذي يضم كافة أفراد الحكومتين إلى جانب رئيس الجمهورية والمستشار مرة أولى في شهر يوليو (تموز)، ومرة ثانية في شهر أكتوبر (تشرين الأول). وكانت الحجج من الجانبين غير مقنعة، فيما الأسباب الحقيقية الجوهرية تم التستر عليها، وكانت تتناول ما اعتبرته باريس رغبة ألمانية في الاستدارة نحو وسط وشرق أوروبا على حساب علاقتها الاستراتيجية مع فرنسا.
بيد أن أمرين حصلا وأثارا غيظ باريس: الأول، بسبب «الدرع الفضائية» التي سعت برلين لبنائها لحماية أوروبا من الهجمات الصاروخية. وأقامت ألمانيا تحالفاً من 14 دولة أوروبية ليست فرنسا بينها، فيما ضمت إليها الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل لتوفير منظومة الدفاع الجوي. والحال أن فرنسا وإيطاليا تعملان على برنامج مماثل وكلتاهما أُبقيت خارج المشروع الألماني. كما هو معلوم، فإن ماكرون من أشد دعاة بناء الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية والصناعة الدفاعية الخاصة بالاتحاد، وهو الأمر الذي لم تأخذه برلين في الاعتبار. ثم بين باريس وبرلين مشاريع دفاعية أساسية تراوح مكانها، أبرزها ثلاثة: التصنيع المشترك للطائرة القتالية المستقبلية، وآخر لإنتاج طائرة الرقابة البحرية، ويتناول الثالث إنتاج دبابة المستقبل القتالية. يضاف إلى ما سبق أن المواقف الفرنسية والألمانية تمايزت بشأن توفير الطاقة، خصوصاً الغاز ورفض برلين بداية تحديد سقف أعلى لأسعار الغاز والتمنع في السير بمشروع الشراء الجماعي لهذه المادة الاستراتيجية.

رغبة مشتركة لتخطي الخلافات

اليوم، يبدو أن هناك رغبة مشتركة لتخطي الخلافات. وفي الأشهر الثلاثة المنقضية كثّف الطرفان المشاورات على كافة المستويات. وجاء الاحتفال بالذكرى الستين لتوقيع «معاهدة الإليزيه» ليوفر للطرفين الفرصة لإبراز التفاهم والتناغم. وسيجرى الاحتفال غداً في جامعة السوربون التاريخية في باريس، ثم يعقبه اجتماع الحكومتين في قصر الإليزيه، وسيكون ختامه عشاء مغلقاً يضم ماكرون وشولتس. واستبق المسؤولان الاجتماع ليؤكدا في مقال مشترك نشر في صحيفة «فرانكفورتر ألماني زيتونغ»، أمس، أهمية تقوية السيادة الأوروبية، والسعي إلى تمكين أوروبا من أن تكون «قادرة على تعزيز سيادتها، وأن تتوافر لها الإمكانيات الجيوسياسية للتأثير في النظام العالمي». وفيما الحرب دائرة في أوروبا، دعا ماكرون وشولتس إلى تعزيز القوات الأوروبية المسلحة، والاستثمار في الصناعات الدفاعية الأوروبية، بحيث يتحول الاتحاد غداً إلى «عماد أقوى داخل الحلف الأطلسي»، وشريك محترم للطرف الآخر من الجهة الثانية للحلف أي الولايات المتحدة.

محاور المناقشات

وفي عرضها لما سيحصل في الاجتماع الحكومي المشترك، أفادت مصادر قصر الإليزيه بأن المناقشات سوف تدور حول ثلاثة محاور استراتيجية:
أولها: التحديات الاقتصادية والبيئية والطاقة، وثانيها التحديات الاستراتيجية والأمنية التي تواجه أوروبا، وثالثها سيتناول أوضاع الاتحاد، خصوصاً مسألة توسعته وانضمام أعضاء جدد إليه. وتجدر الإشارة إلى أن أوكرانيا ومولدافيا قبلتا كمرشحتين للانضمام. وسوف يتم العمل على المحاور الثلاثة المذكورة من خلال ثلاثة مجالات: الأمن والدفاع، السياستان الصناعية والاقتصادية لغرض توفير رد مشترك وأوروبي جماعي لمواجهة السياسة الاقتصادية الأميركية والتضخم، الطاقة وتبعاتها، النقل المشترك، وأخيراً إصلاح المؤسسات الأوروبية وعلى رأسها ملف التوسيع. وسيتم في نهاية الاجتماع إصدار بيان مشترك يسجل ما تحقق بين الجانبين. وبحسب المصادر الفرنسية، فإن ماكرون وشولتس سيناقشان مسائل إضافية في عشائهما المغلق، ولا شك أن بينها الحرب في أوكرانيا، وسبل دعم كييف، وكيفية انتهاء الحرب الدائرة منذ 11 شهراً. وأوضحت المصادر الرئاسية أن تقدماً قد تحقق بشأن تصنيع الطائرة القتالية المشتركة، وأيضاً بخصوص دبابة المستقبل القتالية، بينما تم التخلي عن تصنيع طائرة المراقبة البحرية من الجيل الجديد؛ لأن ألمانيا وفرت احتياجاتها من الولايات المتحدة، ما دفع باريس إلى التوجه إلى الإدارة العامة للتسلح لتلبية حاجة البحرية الفرنسية. أما بشأن الدرع الفضائية، فاكتفت المصادر المشار إليها بالقول إن «المناقشات ما زالت دائرة مع الجانب الألماني»، ما يعني عملياً أنْ لا تقدم في هذا المجال، واصفة مشروع الدرع بأنه «استراتيجي وحساس». كذلك أشارت هذه المصادر إلى وجود «ليونة» ألمانية بشأن أسعار الغاز وخطط الشراء المشترك له.


مقالات ذات صلة

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن الدول واستقرارها

شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن الدول واستقرارها

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن الدول واستقرارها

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن الدول واستقرارها». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شؤون إقليمية الاتحاد الأوروبي يطالب طهران بإلغاء عقوبة الإعدام بحق مواطن ألماني - إيراني

الاتحاد الأوروبي يطالب طهران بإلغاء عقوبة الإعدام بحق مواطن ألماني - إيراني

قال الاتحاد الأوروبي إنه «يدين بشدة» قرار القضاء الإيراني فرض عقوبة الإعدام بحق المواطن الألماني - الإيراني السجين جمشيد شارمهد، وفقاً لوكالة «الأنباء الألمانية». وأيدت المحكمة العليا الإيرانية يوم الأربعاء حكم الإعدام الصادر بحق شارمهد.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد «النقد الدولي» يدعو البنوك المركزية الأوروبية لعدم التوقف عن رفع أسعار الفائدة

«النقد الدولي» يدعو البنوك المركزية الأوروبية لعدم التوقف عن رفع أسعار الفائدة

قال مدير صندوق النقد الدولي لمنطقة أوروبا اليوم (الجمعة)، إنه يتعين على البنوك المركزية الأوروبية أن تقضي على التضخم، وعدم «التوقف» عن رفع أسعار الفائدة، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية». وأوضح ألفريد كامر، خلال إفادة صحافية حول الاقتصاد الأوروبي في استوكهولم، «يجب قتل هذا الوحش (التضخم).

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)
العالم تقرير: القوات البحرية الأوروبية تحجم عن عبور مضيق تايوان

تقرير: القوات البحرية الأوروبية تحجم عن عبور مضيق تايوان

شجّع مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، (الأحد) أساطيل الاتحاد الأوروبي على «القيام بدوريات» في المضيق الذي يفصل تايوان عن الصين. في أوروبا، تغامر فقط البحرية الفرنسية والبحرية الملكية بعبور المضيق بانتظام، بينما تحجم الدول الأوروبية الأخرى عن ذلك، وفق تقرير نشرته أمس (الخميس) صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية. ففي مقال له نُشر في صحيفة «لوجورنال دو ديمانش» الفرنسية، حث رئيس دبلوماسية الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، أوروبا على أن تكون أكثر «حضوراً في هذا الملف الذي يهمنا على الأصعدة الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
العالم أوروبا تسجّل في 2022 أعلى إنفاق عسكري منذ الحرب الباردة

أوروبا تسجّل في 2022 أعلى إنفاق عسكري منذ الحرب الباردة

سجّل الإنفاق العسكري في أوروبا عام 2022 ارتفاعاً بوتيرة سريعة غير مسبوقة، حيث وصل بعد الغزو الروسي لأوكرانيا إلى مستويات لم تشهدها القارة منذ الحرب الباردة، وفق ما أفاد باحثون في مجال الأمن العالمي. وأوردت دراسة لـ«معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام» أن ارتفاع الإنفاق الأوروبي على الجيوش ساهم بتسجيل الإنفاق العسكري العالمي رقماً قياسياً للمرة الثامنة توالياً حيث بلغ 2.24 تريليون دولار، أو 2.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وعززت أوروبا انفاقها على جيوشها عام 2022 بنسبة 13 في المائة أكثر مقارنة بالأشهر الـ12 السابقة، في عام طغى عليه الغزو الروسي لأوكرانيا. وهذه الزيادة هي الأكبر م

«الشرق الأوسط» (ستوكهولم)

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».