فرنسا ترفع ميزانيتها العسكرية للسنوات السبع المقبلة استجابةً للتحديات

ماكرون: علينا الاستعداد للتعامل مع عصر جديد من تراكم التهديدات

ماكرون يلقي كلمة في قاعدة «مون مارسون» الجوية أمس (إ.ب.أ)
ماكرون يلقي كلمة في قاعدة «مون مارسون» الجوية أمس (إ.ب.أ)
TT

فرنسا ترفع ميزانيتها العسكرية للسنوات السبع المقبلة استجابةً للتحديات

ماكرون يلقي كلمة في قاعدة «مون مارسون» الجوية أمس (إ.ب.أ)
ماكرون يلقي كلمة في قاعدة «مون مارسون» الجوية أمس (إ.ب.أ)

إذا كانت ثمة حاجة لتبيان الزلزال السياسي والاستراتيجي الذي أحدثته الحرب الروسية على أوكرانيا، التي أدخلت الحرب إلى قلب القارة الأوروبية، فإن مسارعة دولها لزيادة ميزانياتها العسكرية تكفي للإتيان بالدليل القاطع.
وما أعلنه الرئيس الفرنسي أمس، بمناسبة الكشف عن الخطوط العريضة للميزانية العسكرية لبلاده للأعوام 2024 - 2030 في الكلمة التي ألقاها أمام المسؤولين والقادة العسكريين في قاعدة «مون مارسون» الجوية، الواقعة جنوب غربي البلاد، يكفي بحد ذاته، ذلك أنه كشف أن مشروع «قانون البرمجة العسكرية» للسنوات المشار إليها ينص على رفع الميزانية إلى 413 مليار يورو للسنوات السبع القادمة، ما يشكّل زيادة تصل إلى الثلث عما كانت عليه في القانون السابق.
وتفيد الأرقام بأن الميزانية السنوية المخصصة للقوات المسلحة الفرنسية للأعوام المقبلة تصل إلى 59 مليار يورو مقابل 42 ملياراً سابقاً (2019 - 2025). وفي شرحه لغائية مشروع القانون، قال ماكرون إن الميزانية المذكورة «سوف تمكّننا من تغطية نفقات حاجاتنا العسكرية بحيث نتمكن من تجديد هذه الآلة العسكرية القيّمة التي ستحمي حريتنا وأمننا وازدهارنا فضلاً عن موقعنا في العالم». وحسب ماكرون، فإن الميزانية الجديدة «تعكس الجهود التي تبذلها البلاد لصالح جيوشها.... هذه الجهود ستكون متناسبة مع المخاطر، أي إنها ستكون كبيرة». ورغم اعتباره أن «فرنسا لديها جيوش جاهزة لتحديات القرن وسيكون لديها المزيد»، فإنه سارع إلى التنبيه إلى التحولات الجارية حالياً في العالم، داعياً لأن تكون بلاده «مستعدة (للتعامل) مع عصر جديد من تراكم التهديدات». من هنا، فإن التغيير الذي طرأ على الميزانية للسنوات السبع المقبلة «سيكون لا رجعة فيه»، مستدركاً بأن المطلوب «ليس أن نعمل بالطريقة نفسها (مع الميزانية الجديدة) ولكن بشكل مختلف وأفضل». والتحولات التي يدعو إليها الرئيس الفرنسي يجب أن تستجيب للتغيرات التي يعرفها العالم وللحروب التي قد تنشأ، وهي حروب مختلفة عما عُرف سابقاً.
بعد أسابيع قليلة على بدء العملية العسكرية الروسية في 24 فبراير (شباط) الماضي، عدّ جوزيب بوريل، مسؤول السياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي، أن ما يحصل شرق القارة الأوروبية هو «صك ولادة أوروبا الجيوسياسية» الأمر الذي يفترض به أن يدفع الأوروبيين إلى «تعزيز قدراتهم الردعية من أجل منع نشوب الحروب».
وليس سراً أن الإدارات الأميركية المتعاقبة كانت تدعو دوماً الشركاء الأوروبيين في الحلف الأطلسي إلى رفع ميزانياتهم الدفاعية، لتصل إلى نسبة 2 في المائة من الناتج الداخلي الخام. وكانت غالبية دول الاتحاد الأوروبي تحت هذه النسبة. ومؤخراً، أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أن النسبة المذكورة يجب، من الآن فصاعداً، أن تكون «نسبة الحد الأدنى» وأن الطموح الأوروبي يجب أن يتخطاها. وبالفعل، فإن الصدمة الكهربائية للحرب في أوكرانيا أحدثت تغيراً على الصعيد الأوروبي. ألمانيا قررت العام الماضي تخصيص 100 مليار يورو لتحديث جيشها وسد النقص الذي يعاني منه، الأمر الذي سيمكّنها من بلوغ نسبة 2 في المائة. كذلك، فإن الدنمارك قررت تخصيص 940 مليون يورو إضافية لقواتها العسكرية للعامين 2022 و2023، فيما السويد رفعت تعمل من خلال ميزانيتها الجديدة أي بلوغ السقف المطلوب أطلسياً. وقررت بولندا التي تعد من الأشد انخراطاً في الدعوة لدعم أوكرانيا عسكرياً وبكل أنواع الأسلحة، أن ترتقي بميزانيتها العسكرية إلى 3 في المائة خلال العام الجاري مقابل 2.2 للعام المنقضي. وما يصح على الدول المذكورة يصح بنسب مختلفة على الدول الأوروبية الأخرى مثل بلجيكا ورومانيا وإسبانيا وإيطاليا...
وتريد الرئاسة الفرنسية أن يتم إقرار مشروع «قانون البرمجة العسكرية» قبل الصيف المقبل ولذا ستعمد الحكومة إلى نقل مشروع القانون إلى البرلمان في شهر مارس. وكان لافتاً في العرض، الذي قدمه ماكرون، وفيما صدر عن أوساط الإليزيه، أن باريس تريد التركيز على الآلة الدفاعية التي تضمن سيادتها والمتمثلة بقدراتها النووية. وحرصت هذه الأوساط على التشديد على أن «فرنسا ليست أوكرانيا»، إذ إنها إحدى القوى النووية الخمس «الرسمية» وهي التابعة للدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن. كذلك، فإنها عضو في الحلف الأطلسي منذ إنشائه، والحال نفسها بالنسبة للاتحاد الأوروبي.
وفي تقديمه لـ«الرؤية الاستراتيجية الوطنية» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، شدد ماكرون على أن فرنسا «حريصة بالدرجة الأولى على سيادتها وعلى أن تُحترم كقوة تتمتع بالسلاح النووي، ومحرك الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية، وحليف مثالي في الفضاء الأطلسي - الأوروبي، وشريك يتمتع بالمصداقية والثقة».
ولذا، فإن «قانون البرمجة العسكرية» يُفترض به أن يكون الاستجابة للرؤية الاستراتيجية. وبالتوازي، فإن باريس التي تعمل على تحديث آلتها العسكرية وتطويرها للاستجابة للتحديات الحالية والقادمة، تعمل أيضاً على بناء دفاع أوروبي مندمج، وهو ما يدعو إليه ماكرون منذ وصوله إلى قصر الإليزيه في العام 2017.
وقال ماكرون إنه يتعين على فرنسا أن «تتوافر لها قوات قادرة على حماية سيادتها وأن تكون متمكنة من توجيه ضربة مخلب لمن يجرؤ على استهداف مصالحنا»، خصوصاً في منطقة «آسيا - الهادئ» في إشارة إلى الصين التي تعتملها رغبات توسعية في المنطقة.
بناءً على ما سبق، ستواصل فرنسا، وفق ماكرون، تحديث ردعها النووي الذي ستكرس له 5.6 مليار يورو في العام الجاري. كذلك ستركز على تعزيز قدراتها السيبرانية التي تدخل في إطار ما تسمى «الحرب الهجينة» بحيث تحتل موقعاً متقدماً على هذا الصعيد. يضاف إلى ذلك زيادة ميزانية الاستخبارات العسكرية بنسبة 60 في المائة فيما ستتضاعف ميزانية «إدارة المخابرات وأمن الدفاع». كذلك يلحظ مشروع الميزانية تخصيص مبالغ إضافية لحماية الممتلكات الفرنسية البحرية وأهمها في المحيطين الهندي والهادئ. بيد أن هذه الاهتمامات لا تحرف النظر عن الحاجة إلى التأقلم من أجل التعامل مع ما تسمى في اللغة العسكرية «النزاعات ما بين الدول» كالحرب الدائرة في أوكرانيا. لكنَّ الخبراء العسكريين يرون أن هذه الحرب «سلطت الضوء على مكامن الضعف في المنظومة العسكرية الفرنسية وما يصح على فرنسا يصح أيضاً على الدول الأوروبية الأخرى. ومن ذلك ضعف قطاع المسيّرات الذي أثبت قدراته في الحرب الأوكرانية. فضلاً عن ذلك، تريد فرنسا الاستثمار في الذكاء الصناعي وما له من تطبيقات عسكرية. وأشار ماكرون إلى أن خطته تسعى لتعزيز قدرات الدفاع الجوي بنسبة 50 في المائة.
تبقى هناك مسألتان شدد عليهما ماكرون: الأولى، تطوير ما سماه «اقتصاد الحرب»، مستهدفاً بذلك الصناعات الدفاعية، التي يتعين عليها أن تكون قادرة على تسريع الإنتاج للاستجابة لحاجة القوات المسلحة المختلفة أو لشركاء فرنسا؛ والأخرى، عزم الرئيس الفرنسي، الذي هو القائد الأعلى للقوات الفرنسية والمخوّل الضغط على الزر النووي، الارتقاء بقوة الاحتياط لتصل إلى 40 ألف فرد.


مقالات ذات صلة

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي»  بالألعاب النارية

طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي» بالألعاب النارية

يستخدم فريق أساليب جديدة بينها الألعاب النارية ومجموعة أصوات لطرد الطيور من مطار أورلي الفرنسي لمنعها من التسبب بمشاكل وأعطال في الطائرات، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتطلق كولين بليسي وهي تضع خوذة مانعة للضجيج ونظارات واقية وتحمل مسدساً، النار في الهواء، فيصدر صوت صفير ثم فرقعة، مما يؤدي إلى فرار الطيور الجارحة بعيداً عن المدرج. وتوضح "إنها ألعاب نارية. لم تُصنّع بهدف قتل الطيور بل لإحداث ضجيج" وإخافتها. وتعمل بليسي كطاردة للطيور، وهي مهنة غير معروفة كثيراً لكنّها ضرورية في المطارات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

تتجه الأنظار اليوم إلى فرنسا لمعرفة مصير طلب الموافقة على «الاستفتاء بمبادرة مشتركة» الذي تقدمت به مجموعة من نواب اليسار والخضر إلى المجلس الدستوري الذي سيصدر فتواه عصر اليوم. وثمة مخاوف من أن رفضه سيفضي إلى تجمعات ومظاهرات كما حصل لدى رفض طلب مماثل أواسط الشهر الماضي. وتداعت النقابات للتجمع أمام مقر المجلس الواقع وسط العاصمة وقريباً من مبنى الأوبرا نحو الخامسة بعد الظهر «مسلحين» بقرع الطناجر لإسماع رفضهم السير بقانون تعديل نظام التقاعد الجديد. ويتيح تعديل دستوري أُقرّ في العام 2008، في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، طلب إجراء استفتاء صادر عن خمسة أعضاء مجلس النواب والشيوخ.

ميشال أبونجم (باريس)
«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

عناصر أمن أمام محطة للدراجات في باريس اشتعلت فيها النيران خلال تجدد المظاهرات أمس. وأعادت مناسبة «يوم العمال» الزخم للاحتجاجات الرافضة إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)


مقاطعة كندية تقاضي «أوبن إيه آي» بشأن حادث إطلاق نار في مدرسة

ضباط الشرطة خارج المدرسة التي شهدت إطلاق النار المميت في بلدة تامبلر ريدج بكندا (رويترز)
ضباط الشرطة خارج المدرسة التي شهدت إطلاق النار المميت في بلدة تامبلر ريدج بكندا (رويترز)
TT

مقاطعة كندية تقاضي «أوبن إيه آي» بشأن حادث إطلاق نار في مدرسة

ضباط الشرطة خارج المدرسة التي شهدت إطلاق النار المميت في بلدة تامبلر ريدج بكندا (رويترز)
ضباط الشرطة خارج المدرسة التي شهدت إطلاق النار المميت في بلدة تامبلر ريدج بكندا (رويترز)

رفعت مقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية دعوى قضائية أمام محكمة اتحادية في الولايات المتحدة ضد شركة «أوبن إيه آي»، على خلفية اتهامات بعدم إبلاغ السلطات عن تفاعلات مقلقة عبر تطبيق «تشات جي بي تي» سبقت حادث إطلاق نار في مدرسة ببلدة تامبلر ريدج، أسفر عن مقتل 8 أشخاص، بينهم 6 أطفال.

ونفّذت الهجوم، الذي وقع في فبراير (شباط) الماضي، ويُعدّ أحد أسوأ حوادث إطلاق النار الجماعي في تاريخ كندا، فتاة تُدعى جيسي فان روتسيلار، تبلغ من العمر 18 عاماً، قبل أن تنتحر عقب إطلاق النار.

وبحسب شبكة «بي بي سي» البريطانية، كانت الشركة قد اعتذرت سابقاً عن عدم إبلاغ سلطات إنفاذ القانون بشأن حساب جيسي على «تشات جي بي تي»، بعدما أثار مخاوف لدى فريق السلامة في الشركة بسبب إشارات إلى العنف باستخدام الأسلحة، وذلك قبل وقوع الهجوم بأشهر.

وصرحت نيكي شارما، المدعية العامة لمقاطعة كولومبيا البريطانية، بأن الدعوى القضائية تثير تساؤلات حول «مسؤوليات شركات التكنولوجيا عندما تدرك وجود تهديدات موثوقة بوقوع أعمال عنف جسيمة».

وأضافت شارما: «حتى الآن، لم تتخذ (أوبن إيه آي) خطوات ملموسة لمعالجة المخاوف التي أثارها الناجون وعائلات الضحايا وسكان تامبلر ريدج».

وتابعت قائلة: «لا تزال الشركة تملك فرصة لإثبات تحملها للمسؤولية من خلال تعزيز تدابير الحماية، وتحسين الشفافية، واتخاذ إجراءات فعلية للمساعدة في منع وقوع مآسٍ مماثلة في المستقبل».

وأوضحت شارما للصحافيين أنها لم تطلع على محتوى المحادثات التي أجرتها جيسي عبر «تشات جي بي تي»، مشيرة إلى أن حكومتها طلبت من الشركة الكشف عنها، لكنها رفضت ذلك. وقالت: «علينا جميعاً أن نسألهم: لماذا؟».

كما صرحت شارما بأن أي تعويضات مالية قد تحصل عليها المقاطعة من القضية ستُخصص لإعادة بناء المدرسة الثانوية التي وقعت فيها المأساة.


الذكاء الاصطناعي يسرّع القرار العسكري... هل يزيد خطر اندلاع حرب بالخطأ؟

عسكريون داخل مركز العمليات المشتركة للقيادة الفضائية الأميركية في قاعدة بيترسون بولاية كولورادو في 27 يناير 2023 (رويترز)
عسكريون داخل مركز العمليات المشتركة للقيادة الفضائية الأميركية في قاعدة بيترسون بولاية كولورادو في 27 يناير 2023 (رويترز)
TT

الذكاء الاصطناعي يسرّع القرار العسكري... هل يزيد خطر اندلاع حرب بالخطأ؟

عسكريون داخل مركز العمليات المشتركة للقيادة الفضائية الأميركية في قاعدة بيترسون بولاية كولورادو في 27 يناير 2023 (رويترز)
عسكريون داخل مركز العمليات المشتركة للقيادة الفضائية الأميركية في قاعدة بيترسون بولاية كولورادو في 27 يناير 2023 (رويترز)

اقترحت الولايات المتحدة على الصين، خلال محادثات عُقدت في نيويورك الأحد، إنشاء آلية تتيح للبلدين إبلاغ بعضهما بحوادث مرتبطة بالذكاء الاصطناعي تبلغ مستوى يمس الأمن القومي، قبل أيام من لقاء مرتقب بين الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ.

وجاء الاقتراح بعد ثلاثة أيام من تحذيرات أطلقها مسؤولون وخبراء خلال منتدى شيانغشان الأمني في بكين من المخاطر التي قد ترافق الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، وبينها تقليص الوقت المتاح أمام البشر لاتخاذ القرارات مع تزايد الاعتماد على أنظمة أكثر استقلالية.

وفي الفترة نفسها، طرح خبراء أمنيون أميركيون وصينيون ضوابط مقترحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي عسكرياً، محذّرين من سيناريوهات قد تترك واشنطن أو بكين أمام وقت قصير لتحديد ما إذا كان حادث مرتبط بأنظمة عسكرية حساسة يمثّل هجوماً متعمداً من الطرف الآخر.

وتطرح هذه التطورات مخاوف من تداعيات الاستخدام العسكري المتزايد للذكاء الاصطناعي، لا سيما مع قدرته على تسريع عملية اتخاذ القرار. فهل يزيد ذلك خطر سوء التقدير، ويدفع دولتين إلى مواجهة لم تكن أي منهما تسعى إليها؟

نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ (يمين) يصافح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قبل مشاوراتهما في نيويورك... 20 سبتمبر 2026 (أ.ب)

قرارات أسرع

دخل الذكاء الاصطناعي مجالات متعددة من العمل العسكري، من تحليل كميات ضخمة من المعلومات والصور إلى المراقبة ورصد التهديدات ودعم عمليات القيادة واتخاذ القرار.

وتكمن إحدى أبرز ميزاته العسكرية في السرعة. فالأنظمة القادرة على معالجة كميات هائلة من البيانات خلال فترة قصيرة يمكن أن تمنح الجيوش قدرة أكبر على اكتشاف التهديدات والاستجابة لها، وهي أفضلية تزداد أهميتها في ساحات قتال تتسارع فيها وتيرة العمليات.

لكن الميزة نفسها تحمل خطراً معاكساً. فكلما ازدادت سرعة رصد التهديد والرد عليه، تقلّص الوقت المتاح أمام البشر للتحقق من المعلومات وتقدير نيات الخصم قبل اتخاذ قرار قد يصعب التراجع عنه.

ويشير معهد «بروكينغز» الأميركي إلى أن دخول الذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة إلى المجال العسكري، من الدفاع الإلكتروني إلى أنظمة الأسلحة وتحليل المعلومات والقيادة واتخاذ القرار، يفتح مسارات جديدة أمام أخطاء أو سوء استخدام يمكن أن يقود إلى التصعيد.

وتزداد حساسية المسألة عندما يتعلّق الأمر بقوى نووية، حيث يمكن أن تكون تكلفة تفسير نشاط معادٍ بصورة خاطئة أكبر بكثير منها في ساحات القتال التقليدية.

وزراء دفاع الصين ولاوس وبيلاروسيا وكمبوديا قبيل افتتاح منتدى شيانغشان في بكين في 16 سبتمبر 2026 (رويترز)

عندما يخطئ الذكاء الاصطناعي

ولا يحتاج هذا السيناريو إلى أن يتّخذ الذكاء الاصطناعي قرار شن حرب بصورة مستقلة. فقد تبدأ المشكلة قبل ذلك بكثير، عندما تصبح المعلومات التي ينتجها أو يحللها جزءاً من سلسلة القرارات التي يتخذها البشر.

فالأنظمة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي ليست معصومة من الخطأ، وقد يؤدي تصنيف غير دقيق لهدف أو تحليل خاطئ لمعلومة إلى تقديم صورة مضللة لصانع القرار، خصوصاً عندما يكون مطالباً بتحديد طبيعة التهديد والرد عليه بسرعة.

كما تبرز مشكلة أخرى في العمليات الإلكترونية، إذ يصعب أحياناً تحديد الجهة المسؤولة عن الهجوم. فقد يكون مصدره دولة أو مجموعة غير حكومية أو جهة تستخدم الذكاء الاصطناعي، فيما يمكن أيضاً تنفيذ عملية بطريقة توحي بأن دولة أخرى تقف خلفها.

وفي مثل هذه الحالات، لا يكون الخطر في الآلة وحدها، بل في التفاعل بين معلومات غير مكتملة وسرعة متزايدة وضغط لاتخاذ القرار. وقد يقود الرد على هجوم نُسب بصورة خاطئة إلى الخصم إلى سلسلة من الإجراءات والإجراءات المضادة يصعب وقفها لاحقاً.

مخاطر تطول الأنظمة النووية

ويزداد القلق عند ارتباط الذكاء الاصطناعي بالأنظمة النووية والعمليات الإلكترونية.

وحذّر خبراء أمنيون أميركيون وصينيون، الأسبوع الماضي، من أن تدَخُّل نظام يعمل بالذكاء الاصطناعي في شبكة للقيادة والسيطرة النووية، أو تنفيذه عملية إلكترونية عسكرية، قد يترك الطرف الآخر أمام وقت محدود لتحديد ما إذا كانت الحكومة المنافسة تقف خلف ما حدث.

ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادراً على إطلاق حرب نووية من تلقاء نفسه. لكن دمجه في أنظمة الإنذار والتحليل العسكري يمكن أن يضيف طبقة جديدة من عدم اليقين إلى أزمات يكون الوقت المتاح لإدارتها محدوداً أصلاً.

وتزداد المخاطر مع انتشار أنظمة عسكرية أكثر استقلالية، مثل المسيّرات والسفن غير المأهولة. فتحرُّك غير مقصود أو استجابة آلية لحادث في منطقة تشهد احتكاكاً عسكرياً يمكن أن يُفسَّرا بصورة مختلفة لدى الطرف المقابل، ما يفرض على الحكومات احتواء الأزمة بعد وقوعها.

إبقاء القرار بيد الإنسان

ودفعت مخاطر سوء التقدير إلى البحث عن ضوابط تضمن بقاء السيطرة البشرية في المجالات العسكرية الأكثر حساسية.

وكانت الولايات المتحدة والصين قد اتفقتا في أواخر عام 2024 على ضرورة بقاء قرار استخدام الأسلحة النووية تحت سيطرة البشر. ويرى باحثون أميركيون وصينيون مشاركون في حوار ينظمه معهد «بروكينغز» و«مركز الأمن والاستراتيجية الدولية» في جامعة تسينغهوا الصينية أن هذا المبدأ يمكن أن يشكّل نقطة انطلاق لضوابط أوسع.

ومن بين المقترحات إبقاء قرار تنفيذ هجمات إلكترونية على أنظمة القيادة والسيطرة النووية والبنى التحتية الحساسة بيد البشر، وتحديد معنى واضح لـ«السيطرة البشرية» على الأنظمة العسكرية التي تستخدم الذكاء الاصطناعي.

كما يقترح الخبراء إنشاء قناة اتصال أميركية - صينية مخصصة للحوادث الناجمة عن أخطاء الذكاء الاصطناعي أو الهجمات الإلكترونية المرتبطة به، بهدف منع سوء الفهم من التحوّل إلى أزمة أوسع.

ولا تمثل هذه المقترحات اتفاقاً بين الحكومتين، لكنها تزامنت مع تحرّك رسمي في الاتجاه نفسه. فقد قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بعد محادثاته مع نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفينغ، الأحد، إن واشنطن اقترحت آلية للإبلاغ عن الحوادث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التي تبلغ مستوى يمس الأمن القومي، على أن يبحث ترمب وشي هذه الآلية خلال لقائهما.

سباق أسرع من الضوابط

لكن إبقاء الإنسان ضمن سلسلة اتخاذ القرار لا يحل المشكلة بالكامل. فالولايات المتحدة والصين لم تتوصلا بعد إلى مقاربة مشتركة لتنظيم الاستخدام العسكري للذكاء الاصطناعي، فيما يستمر التنافس بينهما على تطوير قدرات أكثر تقدماً.

كما أن بقاء الكلمة الأخيرة للإنسان لا يعني بالضرورة امتلاكه الوقت والمعلومات الكافية للتأكد من صحة ما تقترحه الأنظمة الآلية. فزيادة سرعة الأنظمة العسكرية قد تفرض على البشر اتخاذ قراراتهم تحت ضغط أكبر.

ويضاف إلى ذلك ما يصفه باحثو «بروكينغز» بمعضلة أمنية ناجمة عن صعوبة معرفة القدرات الحقيقية التي يمتلكها الخصم، أو تحديد ما إذا كانت تطبيقاته العسكرية للذكاء الاصطناعي دفاعية أم هجومية. وقد يدفع الغموض كل طرف إلى افتراض السيناريو الأسوأ وتطوير قدرات مقابلة.

ولا يلغي الذكاء الاصطناعي الحسابات السياسية التي تقود الدول إلى الحرب أو تمنعها منها، لكنه يغيّر جانباً من معادلة الردع بين الدول المتنافسة، عبر تسريع رصد التهديدات والاستجابة لها وتقليص الوقت المتاح لتقدير الموقف قبل اتخاذ القرار.

ومع تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي عسكرياً، تزداد أهمية الحفاظ على السيطرة البشرية ومنح القادة الوقت الكافي للتحقق من المعلومات وتصحيح الأخطاء قبل اتخاذ القرار. فالسرعة التي توفرها هذه الأنظمة قد تكون ميزة عسكرية، لكنها تزيد في المقابل أهمية التأكد من صحة المعلومات قبل اتخاذ خطوات قد تقود إلى تصعيد غير مقصود.


وزراء خارجية مجموعة السبع يدعون إيران إلى وقف تسليح الحوثيين

أعلام دول مجموعة السبع (رويترز)
أعلام دول مجموعة السبع (رويترز)
TT

وزراء خارجية مجموعة السبع يدعون إيران إلى وقف تسليح الحوثيين

أعلام دول مجموعة السبع (رويترز)
أعلام دول مجموعة السبع (رويترز)

دعا وزراء خارجية مجموعة السبع إيران أمس الاثنين إلى وقف تسليحها ودعمها للحوثيين في اليمن، معتبرين أن ذلك يمثل نمطا خطيرا من التصعيد ينذر بتقويض التجارة الدولية ويؤدي إلى عدم استقرار عالمي.

وقال وزراء خارجية بريطانيا وكندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والولايات المتحدة في بيان صدر عقب اجتماع على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة «نستنكر بأشد العبارات الضربات المستمرة وغير المقبولة التي ينفذها الحوثيون في اليمن ضد المملكة العربية السعودية».

وأضافوا «ندعو الحوثيين إلى الوقف الفوري لجميع الأعمال العسكرية والتهديدات والهجمات على السفن المدنية، والعودة إلى العملية السياسية بحسن نية».