إيطاليا تقتاد «الحوت الأبيض» إلى التحقيق في مكان مجهول

أكبر زعماء المافيا متهم بعشرات الاغتيالات والاعتداءات الوحشية

ماتّيو مسّينا دينارو وسط رجلي شرطة في باليرمو أول من أمس (أ.ف.ب)
ماتّيو مسّينا دينارو وسط رجلي شرطة في باليرمو أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

إيطاليا تقتاد «الحوت الأبيض» إلى التحقيق في مكان مجهول

ماتّيو مسّينا دينارو وسط رجلي شرطة في باليرمو أول من أمس (أ.ف.ب)
ماتّيو مسّينا دينارو وسط رجلي شرطة في باليرمو أول من أمس (أ.ف.ب)

الشائع من القول أن الذي يريد أن يعرف ماذا يجري في إيطاليا يجب أن يعرف ماذا يجري في صقلية، ومن يريد أن يعرف ماذا يجري في صقلية يجب أن يعرف ماذا يجري في عالم المافيا، لكن المافيا، التي أصبحت مع مرور الزمن واحداً من الأركان الأساسية للهوية الإيطالية، هي عالم فسيح من الأسرار والرموز والألغاز، والعلاقات المشفّرة بشواهد واقتباسات من الموروث الشعبي في كبرى الجزر الإيطالية، وشبكة مترامية من المصالح الاقتصادية والسياسية التي لم تصمد أمامها أي من مؤسسات الدولة أو المجتمع.
والحديث عن المافيا يدور عادة حول نفوذها الواسع، وعن «مثالبها» والجرائم الفظيعة التي ترتكبها، والرعب الذي تنشره بين الأوساط الاجتماعية التي تنشط فيها، ونادراً ما يتناول الإنجازات التي تحققها الأجهزة الأمنية والقضائية في القبض على زعمائها وإحالتهم إلى المحاكمة.

مخبأ على أطراف قرية

ومن أبرز هذه الإنجازات في السنوات الأخيرة، كان إلقاء الشرطة الإيطالية القبض مساء الاثنين الماضي على ماتّيو مسّينا دينارو، أكبر زعماء المافيا الأحياء الفارّ من العدالة منذ 30 عاماً، في الشقة حيث كان يعيش على بعد دقائق من البلدة التي وُلد فيها، والتي تقع في مبنى من طابقين على أطراف قرية كامبو بلّو دي مازارا، من أعمال مقاطعة تراباني التي تبعد 9 كيلومترات عن مسقط رأسه في كاستلفيترانو.
وتؤكد هذه العملية التي شارك فيها المئات من أفراد الدرك الإيطالي، «التقليد» الذي درج عليه زعماء المافيا الكبار الفارّون من العدالة، بالاختباء قرب الأماكن التي وُلدوا وعاشوا فيها.
كامبو بلّو دي مازارا، الواقعة عند أقصى الطرف الغربي من الجزيرة التي «أنبتت» جميع زعماء المافيا، هي القرية التي وُلد فيها جيوفاني لوبّينو، سائق مسّينا دينارو وحارسه الشخصي الذي كان برفقته عندما ألقت الشرطة القبض عليهما داخل إحدى العيادات الطبية في مدينة باليرمو، حيث كان مسّينا يتردد منذ فترة للعلاج من مرض السرطان.
وتشاء المفارقات أن المبنى الذي كان مسّينا يعيش فيه، ويشرف منه على إدارة أنشطة أكبر منظمات «كوزا نوسترا»، يقع عند نهاية طريق ضيّق مسدود تذكّر استعارته بالجهود والتحريات التي قامت بها الأجهزة الأمنية والقضائية لمعرفة مكان وجوده والقبض عليه، بعد أن تحوّلت قضيته إلى أولوية مطلقة لدى النيابة المختصة بمكافحة المافيا، وهاجس رسمي للحكومات المتعاقبة التي كانت تراقب عاجزة تمدد المنظمات الإجرامية في طول إيطاليا وعرضها.

الوريث الشرعي لزعماء كورليوني

وفور اعتقاله، اقتادت الشرطة مسّينا إلى مطار عسكري في الجزيرة، ثم نقلته في طائرة هليكوبتر إلى مكان مجهول، حيث من المقرر أن يمكث حتى نهاية المرحلة الأولى من الاستنطاق الذي يركّز الآن على كشف وتفكيك الشبكة التي ساعدته على الاختفاء طوال هذه السنوات، والتي تطلق عليها الشرطة في مصطلحاتها «بورجوازية المافيا».
تكمن «أهمية» مسّينا دينارو في أنه الوريث الشرعي لكبار زعماء مافيا «كورليونيزي»، نسبة إلى بلدة كورليوني الشهيرة في أدبيات المافيا والأفلام التي أُنتجت حولها، مثل توتو رينا وبرناردو بروفنزانو، وفي الثروة الهائلة التي تقدّر الأجهزة الأمنية أنه جمعها، وأيضاً في المعلومات التي تؤكد أنه على صلة وثيقة بقيادات سياسية، ليس في صقلية فحسب، بل أيضاً في روما والشمال الإيطالي الذي تحوّل في السنوات الأخيرة إلى مركز الثقل في أنشطة المافيا.

50 اغتيالاً... وجرائم لا تحصى

في مضبطة الاتهامات الموجهة إلى مسّينا، ارتكابه ما يزيد على 50 عملية اغتيال، تشمل أطفالاً ونساءً حوامل، وعشرات الاعتداءات الوحشية التي قامت بها «كوزا نوسترا» في تسعينات القرن الماضي، فضلاً عن عدد لا يحصى من عمليات السطو والسرقة والابتزاز وحيازة الأسلحة والمتفجرات.
منذ اختفائه في عام 1993 عندما حاولت الشرطة القبض عليه خلال قضائه عطلة على أحد شواطئ توسكانة، عجزت الأجهزة عن تحديد مكان وجوده أو الأشخاص الذين يتواصل معهم، حتى إنها أضافت إلى لقب «ديابوليك» الذي يُعرف به، لقب «الحوت الأبيض»، نسبةً إلى الفيلم الشهير «موبي ديك» الذي كان يخرج فيه هذا الحوت من تحت الماء كي يتنفّس من حين لآخر.
يقول أحد القضاة الذي أمضى 16 عاماً في البحث عن آثار مسّينا قبل أن يحال على التقاعد، إن «مجرّد رؤية وجهه يعتبر إنجازاً، فكيف بالقبض عليه في عقر داره؟!». منذ سنوات والشرطة تبحث عنه استناداً إلى رسوم تقريبية، وكما جرت العادة في عمليات المكافحة الطويلة ضد المافيا، ظهر مسّينا عجوزاً وضعيفاً لا يقوى على المقاومة، ومحاطاً برجال الأمن المسلحين على وقع التصفيق المدوّي لعشرات الفضوليين الذين يأملون في أن يكون إلقاء القبض عليه خاتمة 30 عاماً من الخوف والفظائع، ونهاية أعنف حقبة في تاريخ «كوزا نوسترا» جسّدها آخر زعمائها الكبار.

وحشية غير مسبوقة 

نشأت هذه المنظمة في قرية كورليوني، وتميزت منذ بدايتها بوحشية غير مسبوقة في أساليب عملها، قبل أن تقوم بما يشبه الانقلاب داخل مؤسسة المافيا في صقلية أواسط ثمانينات القرن الماضي؛ إذ اغتالت جميع القيادات في المنظمات التي كانت تتخذ من العاصمة باليرمو مقراً لها، والتي كانت تجنح نحو السلوكيات البورجوازية والأرستقراطية. ومنذ ذلك الوقت تميّزت هذه المنظمة بفظاعة العمليات التي كانت تقوم بها، وبشبكة العلاقات الغامضة التي نسجتها مع الوسط السياسي. ومن بين الاتهامات التي وُجهت إليها، التواطؤ مع السياسي الإيطالي الأشهر جوليو أندريوتي الذي تولّى رئاسة الحكومة 7 مرات، وكان الوحيد من بين زعماء العالم الذي أعرب عن إعجابه به الرئيس الفرنسي الراحل فرنسوا ميتران، وأيضاً مع رئيس الوزراء الأسبق سيلفيو برلسكوني.
وفي تسعينات القرن الماضي، وبعد أن كانت المنظمة قد اغتالت عشرات القضاة والصحافيين والسياسيين ورجال الشرطة ومئات العناصر من المنظمات المنافسة، أعلنت «الحرب» على الدولة، عندما تبيّن لها أن قيادات الحزب «الديمقراطي المسيحي» المهيمن على السياسة الإيطالية، قررت رفع غطاء الحماية عنها، فقامت باغتيال القاضي جيوفاني فالكوني، ثم زميله وصديقه القاضي بورسلينو، اللذين كانا قد أفلحا، للمرة الأولى، في إحالة «كوزا نوسترا» أمام العدالة، وإدانة نحو 475 من عناصرها. بعد تلك العمليتين، بدأ نفوذ المنظمة بالأفول؛ إذ قامت بعمليات يائسة مثل تفجير متحف «اوفّيز» الشهير في فلورانسا، وعدد من الكنائس في روما، كما حاولت تفجير البرج المائل في مدينة بيزا.
مسّينا دينارو كان آخر هذه المجموعة من زعماء المافيا الدمويين، وأيضاً آخر الحاملين للأسرار الكبرى التي كانت المافيا تبتزّ بها الدولة والقيّمين على مؤسساتها، لكن اعتقاله يفتح مرحلة جديدة من تاريخ المافيا ستشغل القضاة والصحافة الإيطالية لسنوات، وتزيد من الألغاز التي تنسج فصول التاريخ الإيطالي الحديث، أكثر من إجابتها عن الأسئلة الأساسية: من الذي وفّر له الحماية طوال هذه السنوات؟ وكيف كان يتمكن دائماً من الإفلات في اللحظات الأخيرة خلال عمليات المداهمة العديدة؟ ما الذي يعرفه عن العلاقات بين المافيا والدوائر العليا في الدولة؟ وهل كانت عملية اعتقاله ثمرة مفاوضات واتفاقات لدفن الأسرار الكبرى؟


مقالات ذات صلة

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

في عملية واسعة النطاق شملت عدة ولايات ألمانية، شنت الشرطة الألمانية حملة أمنية ضد أعضاء مافيا إيطالية، اليوم (الأربعاء)، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية. وأعلنت السلطات الألمانية أن الحملة استهدفت أعضاء المافيا الإيطالية «ندرانجيتا». وكانت السلطات المشاركة في الحملة هي مكاتب الادعاء العام في مدن في دوسلدورف وكوبلنتس وزاربروكن وميونيخ، وكذلك مكاتب الشرطة الجنائية الإقليمية في ولايات بافاريا وشمال الراين - ويستفاليا وراينلاند – بفالتس وزارلاند.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق إيطاليا ترفع الحظر عن «تشات جي بي تي»

إيطاليا ترفع الحظر عن «تشات جي بي تي»

أصبح برنامج «تشات جي بي تي» الشهير الذي طورته شركة الذكاء الاصطناعي «أوبن إيه آي» متاحا مجددا في إيطاليا بعد علاج المخاوف الخاصة بالخصوصية. وقالت هيئة حماية البيانات المعروفة باسم «جارانتي»، في بيان، إن شركة «أوبن إيه آي» أعادت تشغيل خدمتها في إيطاليا «بتحسين الشفافية وحقوق المستخدمين الأوروبيين». وأضافت: «(أوبن إيه آي) تمتثل الآن لعدد من الشروط التي طالبت بها الهيئة من أجل رفع الحظر الذي فرضته عليها في أواخر مارس (آذار) الماضي».

«الشرق الأوسط» (روما)
العالم إيطاليا في «يوم التحرير»... هل تحررت من الإرث الفاشي؟

إيطاليا في «يوم التحرير»... هل تحررت من الإرث الفاشي؟

في الخامس والعشرين من أبريل (نيسان) من كل عام تحتفل إيطاليا بـ«عيد التحرير» من النازية والفاشية عام 1945، أي عيد النصر الذي أحرزه الحلفاء على الجيش النازي المحتلّ، وانتصار المقاومة الوطنية على الحركة الفاشية، لتستحضر مسيرة استعادة النظام الديمقراطي والمؤسسات التي أوصلتها إلى ما هي عليه اليوم. يقوم الدستور الإيطالي على المبادئ التي نشأت من الحاجة لمنع العودة إلى الأوضاع السياسية التي ساهمت في ظهور الحركة الفاشية، لكن هذا العيد الوطني لم يكن أبداً من مزاج اليمين الإيطالي، حتى أن سيلفيو برلوسكوني كان دائماً يتغيّب عن الاحتفالات الرسمية بمناسبته، ويتحاشى المشاركة فيها عندما كان رئيساً للحكومة.

شوقي الريّس (روما)
شمال افريقيا تعاون مصري - إيطالي في مجال الاستثمار الزراعي

تعاون مصري - إيطالي في مجال الاستثمار الزراعي

أعلنت الحكومة المصرية عن عزمها تعزيز التعاون مع إيطاليا في مجال الاستثمار الزراعي؛ ما يساهم في «سد فجوة الاستيراد، وتحقيق الأمن الغذائي»، بحسب إفادة رسمية اليوم (الأربعاء). وقال السفير نادر سعد، المتحدث الرسمي لرئاسة مجلس الوزراء المصري، إن السفير الإيطالي في القاهرة ميكيلي كواروني أشار خلال لقائه والدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء المصري، (الأربعاء) إلى أن «إحدى أكبر الشركات الإيطالية العاملة في المجال الزراعي لديها خطة للاستثمار في مصر؛ تتضمن المرحلة الأولى منها زراعة نحو 10 آلاف فدان من المحاصيل الاستراتيجية التي تحتاج إليها مصر، بما يسهم في سد فجوة الاستيراد وتحقيق الأمن الغذائي». وأ

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟


الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
TT

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

استخدمت الشرطة في مدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم الاثنين، مع متظاهرين مشاركين في مَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورشّت الشرطة المتظاهرين ومراسلين صحافيين برذاذ الفلفل، أثناء محاولة المَسيرة المؤيدة للفلسطينيين الخروج من المنطقة المحدَّدة للتظاهر بها.

تجمّع متظاهرون في ساحة قاعة المدينة للاحتجاج على زيارة الرئيس إسحاق هرتسوغ الرسمية إلى أستراليا (رويترز)

وتظاهر الآلاف في أنحاء أستراليا احتجاجاً على زيارة هرتسوغ. وفي سيدني، تجمع الآلاف في ساحة ‌بحي الأعمال المركزي ‌بالمدينة، واستمعوا إلى خطب ورددوا شعارات مؤيدة للفلسطينيين.

وقال ‌متظاهر ⁠يبلغ ​من ‌العمر 30 عاما من سيدني «كانت مذبحة بونداي مروعة، لكن قيادتنا الأسترالية لا تعترف بالشعب الفلسطيني وسكان غزة»، وفق «رويترز».
وأضاف «يتهرب هرتسوغ من جميع الأسئلة المتعلقة بالاحتلال وقال إن هذه الزيارة تتعلق بالعلاقات بين أستراليا وإسرائيل، لكنه متواطئ».
وكان هناك وجود مكثف للشرطة مع طائرة هليكوبتر تحلق في السماء ودوريات ينفذها أفراد من الخيالة.

وبدأ هرتسوغ زيارة لأستراليا، اليوم الاثنين، لتكريم ضحايا هجوم بونداي الذي أودى بحياة 15 شخصاً كانوا يحتفلون بعيد الأنوار اليهودي «حانوكا» على الشاطئ الشهير في سيدني، وتقديم دعم للجالية اليهودية. وقال الرئيس الإسرائيلي إن زيارته تهدف إلى «التعبير عن تضامنه ومنح القوة» للجالية اليهودية، بعد الهجوم الذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً في 14 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تجمَّع متظاهرون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

وفي مواجهة دعوات إلى الاحتجاج أطلقها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين، حضّت السلطات على الهدوء، وحشدت قوة أمنية كبيرة في سيدني، حيث يقوم هرتسوغ بزيارة مُدّتها أربعة أيام.

ودعت مجموعة «بالستاين أكشن» إلى تظاهرة، بعد ظهر الاثنين، أمام مبنى بلدية سيدني، ورفضت طلب الشرطة بنقل التجمع إلى حديقة قريبة.

وتُندد المجموعة بـ«الإبادة الجماعية» التي تقول إن إسرائيل ترتكبها في قطاع غزة، وتدعو السلطات الأسترالية إلى التحقيق مع هرتسوغ بتهمة ارتكاب جرائم حرب باسم التزامات كانبيرا الدولية. وخلصت لجنة تحقيق مستقلة، مكلَّفة من الأمم المتحدة، عام 2025، إلى أن إسرائيل كانت ترتكب إبادة جماعية في غزة، منذ بداية الحرب على القطاع.