هدى حمد: أستلهم حكايات جدَّاتي لتحقيق واقعية سحرية موازية

الروائية العمانية استعارت من «ألف ليلة وليلة» تكنيك التحولات العجائبية

هدى حمد: أستلهم حكايات جدَّاتي لتحقيق واقعية سحرية موازية
TT

هدى حمد: أستلهم حكايات جدَّاتي لتحقيق واقعية سحرية موازية

هدى حمد: أستلهم حكايات جدَّاتي لتحقيق واقعية سحرية موازية

تعد الكاتبة هدى حمد أحد أبرز الأصوات الأدبية على الساحة العمانية حاليا. بلغ مجمل إنتاجها الأدبي خمس مجموعات قصصية وثلاث روايات. روايتها الجديدة «لا يُذكرون في مجاز» تستلهم حكايا الجدات الشعبية لصنع عالم من «الواقعية السحرية»، فضلا عن اعتماد تقنيات سردية تذكّر بأجواء «ألف ليلة وليلة». استفادت كثيرا من عملها في مهنة الصحافة لكنها في لحظة ما هربت مما تسميه «محرقة العمل الصحفي اليومي». حازت روايتها الأولى «الأشياء ليست في أماكنها» جائزة «الشارقة» للإبداع الأدبي. ومن أعمالها القصصية «نميمة مالحة» و«ليس بالضبط كما أريد»... هنا حوار معها حول روايتها الجديدة وهموم الكتابة:
> تتناول روايتك الجديدة «لا يُذكرون في مجاز» وقائع قرية أسطورية تُحرِّم على أهلها المعرفة أو الكتب ومن يتمرد يتم نفيه، هل ثمة إسقاط على واقع ما، عربيا كان أم عالميا؟
- تأتي الإسقاطات في مرحلة لاحقة لعملية الكتابة، وعادة يخترعها القراء والنقاد، فيدخل النصّ في تأويلات لا محدودة. نهضت «مجاز» على القصص الشعبية والتي لم تكن تعدو أن تكون التماعة صغيرة تُحدث ذهولا سريعا ثم تمضي للاختفاء، ولذا قمتُ بتغذية الشخصيات والأحداث لإعطائها أسبابا كافية لدخول متن الحكاية. كنتُ مسحورة بجملة من الحكايات، سردها الأجداد والجدات في أوقات مختلفة من حياتي، بعضها يعود إلى طفولة بعيدة. وكلما قرأت عملا من أعمال الواقعية السحرية من الأدب المترجم أكلتني الحسرة والندم على تفويت كتابة ما سُرد على مسامعي من جداتي حيث أراه نصا موازيا ومدهشا. الأمر اللافت، هو أنّ الحكايات التي تُستمد من الفولكلور الشعبي، يمكن أن نجد فيها ارتداد صورتنا إلى اليوم، ولذا يمكن سحب «مجاز» من محدوديتها إلى أفق محلي وعربي وعالمي.
> هل ثمة دلالة وراء اختيار أسماء الأماكن في الرواية، فالقرية تُدعى «مجاز» أما المنفى فيسمى «جبل غائب» و«جبل المنسيين»، أم أن الأمر لا يعدو كونه مجرد لعبة فنية؟
- في الحقيقة كنتُ مشدودة لجرس كلمة «مجاز»، وجدتها تخلقُ التباسا يخدم مقاصدي. فالمجاز اللغوي هو: «صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى ليس له علاقة مباشرة بالمعنى الحرفي». وفي الحقيقة، كنتُ ألعب على المعنيين الظاهر والخفي لهذه المفردة... فهل مجاز هو اسم لمكان حقيقي؟ أم يحتمل المعنى الآخر: «التجاوز والتعدي؟». كذلك هو الأمر بالنسبة «للمنسيين» الذين تقع عليهم لعنة النبذ، و«جبل الغائب» الذي يحمل دلالات واضحة بالغياب والمصير الغامض الذي ينتظر الشخصيات، خصوصا فيما لو ذهب القارئ إلى ما وراء طبقات الحكي الكثيفة، فبمجرد دخوله إلى هذه القرية، يجد أنّ المجاز والنسيان والغياب يطالُ حياتهم وملامحهم، ونظرتهم لثنائية الحياة والموت.
> تداخل الحكايات في الرواية، حكاية داخل أخرى، يذكرنا بتقنيات الحكي في «ألف ليلة وليلة»، إلى أي حد تتأثر كتاباتك بالتراث العربي عموما؟
- الواقعية السحرية يمكن أن تكون شكلا من أشكال مواجهة الحياة المتوحشة الآن والتي لا سبيل لإيقاف تسارعها إلا عبر الفن والحكي، كما كانت «ألف ليلة وليلة» وسيلة نجاة لشهرزاد من جز الرأس. في الحقيقة كان عقلي الصغير عاجزا عن تفسير التلاقي المدهش بين ثقافات العالم في الحكاية الشعبية، فأخذ السؤال يكبر بداخلي: ما الذي يجعل الجغرافيا العُمانية المعزولة قبل التلفاز والإذاعة تتلاقى مع سرديات شعوب أخرى؟ وربما كان هذا السؤال أحد مُحرضات الكتابة. تبدو الشخصيات في رواية «لا يُذكرون في مجاز» منفصلة خارجيا كما هو حال الشخصيات في «ألف ليلة وليلة»، فلكل شخصية حدوتة مختلفة، ولكن شخصيات «مجاز» على اختلاف حكاياتها مُتصل بعضها ببعض بجذر عميق، اسمه الذنب، الذي مهما بدا مختلفا لكنه يقود لمصير واحد. وأيضا لقد استعرت من «ألف ليلة وليلة» التكنيك والتقنيات التي تجعل النقلات الزمنية والمكانية والتحولات العجائبية أمرا مستساغا.
> أصدرت العديد من المجموعات القصصية، كيف ترين الانطباع السائد بأن القارئ العربي لم يعد يقبل على هذا اللون من الإبداع، وبماذا تفسرين عدم حماس دور النشر لها؟
- علينا ألا ننكر أنّ دور النشر حقا لم تعد تتحمسُ للقصّة القصيرة، رغم أنّها فن كتابي مستقل عن الرواية ولها قراؤها، ولكن للأسف لم يعد هنالك من ينصفُ هذا الفن، رغم فوز الكندية «أليس مونرو» بجائزة نوبل للأدب 2013، باعتبارها أحدثت ثورة في بنية القص وأعادت الاعتبار لفن القصة. لقد قرأتُ لها أعمالا شديدة العذوبة إلا أنّ الانجراف العام من قِبل النقاد والجوائز وتحيز دور النشر يجعلان القراء أيضا يضلون الطريق عن القصص التي يمكن أن تلفت الأنظار للجوانب الإنسانية المُعقدة، بأقل قدر من الكلمات وبأكثر الأساليب ثراء وكثافة.
> هل تصبح القصة القصيرة مجرد «نزوة إبداعية» في مسيرتك؟
- لطالما قلتُ إنه لا يمكننا التعامل مع القصّة باعتبارها مجرد تمرين لكتابة الرواية لاحقا. ما زلتُ أقرأ القصّة القصيرة باستمتاع هائل سواء أكانت لكتاب كلاسيكيين أو حداثيين. ما زلت أكتب القصّة القصيرة وأحبها وثمّة مجموعة قصصية أوشكتُ على الانتهاء منها.
> كيف ترين استقبال النقاد لمجمل نتاجك؟
- سأتحدثُ بصفة عامّة عن النقد وليس عن تجربتي الشخصية، فالنقد بمعنى الإشادة والثناء كثير، أمّا النقد بمعنى الفحص العميق والتحليل وكتابة النص الموازي للنصّ الأصلي، فهو قليل إن لم يكن نادرا. وأجد النقاد إمّا يختبئون خلف التنظير ويُسقطون نظريات المدارس النقدية كأثواب جاهزة على النصوص، وإمّا يلمسون النصوص من السطح والقشور. وليس علينا أن نُنكر وجود تلك الأقلام التي تُناضل لتعيد اكتشاف النصوص وتضيف إليها تأويلات ومساحات غير مُفكر فيها. وليس المُتهم هو الناقد وحسب في هذه القضية الشائكة، إذ يُطالعنا على الضفة الأخرى الكاتب الجائع والمُتلهف للإطراء، وإلا فسيسدد أسهم غضبه على النقد والنقاد.
> برأيك، هل شبت التجربة الإبداعية النسائية في سلطنة عُمان عن الطوق؟
- لا أميل إلى تصنيف الأدب، أدب امرأة وأدب رجل، فهي إما أن تكون كتابة جيدة أو لا. ولكن إن مضيتُ معكِ في هذا السؤال، فسنجد أنّ المرأة الكاتبة في عُمان لديها مشروع رصين، فقد أحدثت نقلة نوعية تحديدا في الرواية، ويكفيكِ أن أذكر اسمين جلبا أنظار العالم والوطن العربي إلى هذه البقعة التي لطالما نظر إليها الآخر كهامش خارج الرهانات الكبرى، وأعني جوخة الحارثي وبشرى خلفان، بالإضافة إلى تجارب مُهمة في القصّة والشعر والترجمة.
أستطيع أن أسمي عددا جيدا ممن تبلورت تجاربهن ومشاريعهن ولديهن دأب ومثابرة واستمرار. في البدايات الأولى ربما نشعرُ بفجوة زمنية لها أسبابها بالتأكيد، فأول مجموعة قصصية عُمانية صدرت في 1981 للقاص أحمد بلال، بينما أول قاصة عُمانية ظهرت بعده بـ18 عاما، هي القاصة خولة الظاهري في مجموعتها القصصية «سبأ»، وفي الرواية كانت أول رواية لعبد الله الطائي «ملائكة الجبل الأخضر» في عام 1958، بينما أول رواية للمرأة كانت «الطواف حيث الجمر» لبدرية الشحي عام 1999.
> إذن، بماذا تفسرين هذا السبق الزمني في تجربة الكاتب الرجل؟
- في اعتقادي أنّ مرد الأمر يعود إلى شكل الحياة قبل السبعينات من القرن الماضي، وفرص الرجل الأوفر حظا بالدراسة والعمل في الخارج، الأمر الذي أنضج تجربته وانفتاحه على العالم بصورة أسرع، نقيض المرأة حبيسة البيت والعادات والتقاليد، لكن ما إن ظهر جيل الجامعة حتى عوضت المرأة هذا التأخر بصورة فارقة ولافتة. وفي زمن قياسي أيضا.
> من يلفت نظرك من الكاتبات الخليجيات وتتوقفين عند تجاربهن بشكل خاص في الأجيال السابقة عليك؟
- منذ مرحلة باكرة من حياتي، كنتُ أكثر ميلا لقراءة الأدب المُترجم من ثقافات شتى من العالم وأقل انتباها للإصدارات العربية والخليجية بطبيعة الحال. لكن بما أنكِ حصرتِ الخيارات في منطقة الخليج وفي التجارب السابقة لتجربتي، فقد قرأتُ لرجاء العالم، وبدرية البشر وليلى الجهني من السعودية، قرأتُ لفوزية السالم من البحرين، ومن الكويت: ليلى العثمان، بالتأكيد قرأتُ لجوخة الحارثي وبشرى خلفان من عُمان، وأخريات قد لا أتذكرهن الآن على وجه الدقة، كما أود أنّ أشير إلى وجود جيل مُهم من الروائيات الشابات يفرضن حضورهن الآن بأعمال لافتة على الساحة.
> مارست العمل الصحافي بشكل احترافي، إلى أي مدى أثرت الصحافة على تجربتك الإبداعية سلبا أو إيجابا؟
- علينا ألا ننكر الموقع الذي يتمتع به الصحافي، إنه على اتصال بالسلطة، كما توفر له نسيجا من العلاقات الجيدة التي تساهم بطريقة أو بأخرى في جعله تحت الضوء. ولكن كل هذا يبقى في كفة والإبداع الحقيقي وعمق التجربة في كفة أخرى، حيث إنّ العلاقات الجيدة لا تصنع مبدعا أصلا. ما توفره الصحافة لي هو التمرين الدؤوب على الكتابة، ونفي خرافة انتظار الشياطين أو لحظة الإلهام المقدسة. رهنُ الكتابة بعامل الوقت والزمن الذي يجعلنا نجلسُ لننجز شيئاً ما في وقت محدد، وهذا أعظم ما وهبتني إياه الصحافة. إضافة إلى أمر لا يقل أهمية وهو التخلص من الثرثرة المجانية والحشو، فالصحافة تجعلك تذهب تماما إلى مقاصدك بأقل قدر من الكلمات. كما جعلتني على تماسٍ يومي مع الأخبار والأفكار المُحرضة - بطريقة أو بأخرى - لديناميكية السرد. أمّا السلبية الوحيدة التي كنتُ أخشى منها، فتكمن في مهابة الوقوع في فخ المباشرة والفجاجة، وعندما شعرتُ بإمكانية حدوث ذلك في محرقة الصحافة اليومية، انتقلتُ إلى مجلة نزوى الثقافية لأحمي كتابتي الأدبية التي أراها الأبقى والأهم بالنسبة لي.
> حظيت روايتك الأولى «الأشياء ليست في أماكنها» باحتفاء شديد ونالت عددا من الجوائز، كيف ترين إشكالية الجوائز في ثقافتنا العربية وما تثيره من جدل دائم؟
- لا يمكننا أن نقلل من أهمية الجوائز على الصعيدين المعنوي والمادي، فالكاتب يذهب جُلّ عمره منكبا على مشاريعه. كما أن الجوائز باتت أشبه بتأشيرة المرور إلى العالم عبر الترجمة وإلى المحافل الأدبية الكبيرة. تقدم الجوائز للكاتب إلى جوار المبالغ المالية، التسويق الجيد ولفت أنظار النقاد والقراء إلى الكتاب. أما الوجه الآخر للجوائز فيظهر عندما تصبح لدينا انحيازات لأسباب أخرى غير الأدب، أعني عندما يحكمها نمط من العلاقات والصفقات.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«فلسطين حرة» ... 5 لحظات بارزة في حفل الأوسكار 2026

خافيير بارديم وبريانكا شوبرا جوناس على خشبة المسرح خلال حفل توزيع جوائز الأوسكار في دورته الثامنة والتسعين بهوليوود (رويترز)
خافيير بارديم وبريانكا شوبرا جوناس على خشبة المسرح خلال حفل توزيع جوائز الأوسكار في دورته الثامنة والتسعين بهوليوود (رويترز)
TT

«فلسطين حرة» ... 5 لحظات بارزة في حفل الأوسكار 2026

خافيير بارديم وبريانكا شوبرا جوناس على خشبة المسرح خلال حفل توزيع جوائز الأوسكار في دورته الثامنة والتسعين بهوليوود (رويترز)
خافيير بارديم وبريانكا شوبرا جوناس على خشبة المسرح خلال حفل توزيع جوائز الأوسكار في دورته الثامنة والتسعين بهوليوود (رويترز)

شهد حفل توزيع جوائز الأوسكار لهذا العام تتويج فيلم «معركة تلو الأخرى» لموسم جوائزه المتميز بحصوله على الجائزة الكبرى لأفضل فيلم، كما حقق فيلم «خاطئون» فوزاً كبيراً أيضاً.

كانت ليلة الأوسكار حافلةً بالمنافسة، زاخرةً بالعروض المبهرة، والتعليقات الطريفة، والأزياء الراقية على السجادة الحمراء، وخطابات التكريم المؤثرة. وإليكم ملخصاً لأبرز أحداث الليلة:

1. لحظات موسيقية

استعاد العرض الموسيقي الأول في الحفل مشهداً استثنائياً من فيلم الرعب «خاطئون»، وهو عبارة عن مونتاج يتتبع تاريخ الموسيقى السوداء من غرب أفريقيا إلى موسيقى دلتا بلوز وصولاً إلى موسيقى الهيب هوب.

جانب من العرض التكريمي لفيلم «خاطئون» خلال حفل الأوسكار (أ.ب)

قاد الممثل مايلز كاتون زملاءه في أداء أغنية «I Lied to You»، وانضم إليهم فنانون من الصف الأول مثل راقصة الباليه ميستي كوبلاند، التي رقصت رغم خضوعها مؤخراً لعملية استبدال مفصل الورك. ولاحقاً، قدمت المغنيات الثلاث من فرقة الفتيات HUNTR/X من فيلم «KPop Demon Hunters» أغنية «Golden». ثم حصدت الأغنية نجاحاً باهراً، وفازت بجائزة أفضل أغنية أصلية، لتصبح أول أغنية كيبوب تفوز بهذه الفئة.

2. السياسة تتصدر المشهد

أثناء تقديمه جائزة أفضل فيلم دولي، أدلى الفائز السابق خافيير بارديم بتصريح: «لا للحرب، وفلسطين حرة».

شعار فلسطين على بذلة خافيير بارديم في حفل فانيتي فير للأوسكار (أ.ب)

وفاز الفيلم النرويجي الكوميدي الدرامي العائلي «قيمة عاطفية» (Sentimental Value) بجائزة أفضل فيلم دولي.

وفي كلمته، اقتبس المخرج يواكيم تراير من الكاتب الأميركي من أصل أفريقي جيمس بالدوين، الذي قال إنه «يذكرنا بأن جميع البالغين مسؤولون عن جميع الأطفال»، وتابع: «دعونا لا نصوّت للسياسيين الذين لا يأخذون هذا الأمر على محمل الجد».

وقال بول توماس أندرسون، الفائز بالجائزة الكبرى بست جوائز، إنه صنع فيلم «معركة تلو الأخرى» لأبنائه كاعتذار «عن الفوضى التي تركناها في هذا العالم الذي نسلمه لهم». وأضاف: «ولكن أيضاً بتشجيعهم على أن يكونوا الجيل الذي نأمل أن يجلب لنا بعضاً من الحس السليم والنزاهة».

وقال بافيل تالانكين، المخرج المشارك وبطل فيلم «مستر نوبادي أجينيست بوتين»، إن على العالم «أن يوقف كل هذه الحروب الآن».

3. وداع للراحلين من الفنانين

حظيت فقرة تأبين مطوَّلة بوقت كافٍ بعد عامٍ رحل معه عدد من أساطير السينما.

وقدَّم بيلي كريستال، وهو مُقدِّم حفلات أوسكار مخضرم، رثاءً مؤثراً لصديقه الراحل وزميله الدائم روب راينر، الذي قُتل مع زوجته في منزلهما بلوس أنجليس أواخر العام الماضي. ثمّ صعد إلى المسرح فريق من الأشخاص الذين عملوا مع راينر، بمن فيهم ميغ رايان.

باربرا سترايساند تحدث عن روبرت ريدفورد خلال فقرة تأبين الراحلين في حفل توزيع جوائز الأوسكار (أ.ب)

كما تمّ تكريم نخبة من أبرز نجوم هوليوود الذين رحلوا في العام الماضي، من بينهم ديان كيتون، وكاثرين أوهارا، وروبرت ريدفورد.

وغنّت باربرا سترايساند، أيقونة الغناء البالغة من العمر 83 عاماً، لصديقها روبرت ريدفورد، حيث أدّت مقاطع من أغنية «The Way We Were» لزميلها في فيلم يحمل الاسم نفسه.

باربرا سترايساند تُحيي ذكرى روب راينر وزوجته ميشيل على خشبة المسرح خلال حفل توزيع جوائز الأوسكار السنوي الثامن والتسعين في مسرح دولبي بمدينة لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وقالت سترايساند: «كان بوب يتمتع بشخصية قوية، سواءً على الشاشة أو في حياته الشخصية. كنت أصفه بأنه راعي بقر مثقف شقَّ طريقه الخاص».

4. فكاهة وترويج

تم بث حفل توزيع جوائز الأوسكار على شبكة «إيه بي سي» المملوكة لشركة ديزني، واستغل المنظمون هذه الفرصة للترويج لأفلام الاستوديو القادمة.

أثناء تقديم الجوائز، قدّمت سيغورني ويفر وبيدرو باسكال، نجما فيلم «حرب النجوم» لهذا العام «ذا ماندالوريان وغروغو»، فقرةً كوميديةً ظهر فيها غروغو (المعروف أيضاً باسم بيبي يودا) بين الحضور.

وقفت آنا وينتور وآن هاثاواي على خشبة المسرح خلال حفل توزيع جوائز الأوسكار في دورته الثامنة والتسعين بهوليوود (رويترز)

كما قدّمت آنا وينتور، عميدة مجلة فوغ، برفقة آن هاثاواي، الحائزة على جائزة الأوسكار، فقرةً فكاهيةً مثَّلت أيضاً ترويجاً لفيلم «الشيطان يرتدي برادا 2» المرتقب عرضه هذا الربيع.

واجتمع أيضاً نجما عالم مارفل السينمائي، كريس إيفانز وروبرت داوني جونيور، على خشبة المسرح قبل عرض فيلم «المنتقمون: يوم القيامة» في وقت لاحق من هذا العام.

كريس إيفانز وروبرت داوني جونيور على خشبة المسرح خلال حفل الأوسكار (د.ب.أ)

5. ملاحظة لـ«نتفليكس»... وإبستين

أشار مقدم الحفل كونان أوبراين إلى السياسة، وخفَّف من حدة بعض الانتقادات، بعضها ذو صدى عالمي، وبعضها الآخر موجَّه للمطلعين على بواطن الأمور.

قال مازحاً: «من الرائع العودة لتقديم حفل توزيع جوائز الأوسكار. في العام الماضي، عندما قدمت الحفل، كانت لوس أنجليس تعج بالأحداث. أما هذا العام، فالأمور تسير على ما يرام»، ثم توقَّف قليلاً لإضفاء تأثير على كلامه.

كما وجَّه أوبراين ملاحظة لاذعة إلى تيد ساراندوس، الرئيس التنفيذي لشركة «نتفليكس»، قائلاً: «إنها المرة الأولى له في مسرح».

كونان أوبراين يُقدِّم حفل توزيع جوائز الأوسكار السنوي الثامن والتسعين في مسرح دولبي بمدينة لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وألمح أوبراين أيضاً إلى قضية جيفري إبستين. قال أوبراين: «إنها المرة الأولى منذ عام 2012 التي لا يُرشّح فيها أي ممثل بريطاني لجائزة أفضل ممثل أو أفضل ممثلة». وأضاف ساخراً: «قال متحدث بريطاني (حسناً، على الأقل نُلقي القبض على المتحرشين بالأطفال لدينا)».

كما تعرّض تيموثي شالاميه، نجم فيلم «مارتي سوبريم»، الذي غادر خالي الوفاض دون أي جوائز، لانتقادات لاذعة من أوبراين، الذي سخر مؤخراً من الباليه والأوبرا.


«وان باتل أفتر أناذر» يهيمن على «الأوسكار» بـ6 جوائز

فريق عمل فيلم «وان باتل أفتر أناذر» يحتفلون بفوزه بـ6 جوائز (أ.ف.ب)
فريق عمل فيلم «وان باتل أفتر أناذر» يحتفلون بفوزه بـ6 جوائز (أ.ف.ب)
TT

«وان باتل أفتر أناذر» يهيمن على «الأوسكار» بـ6 جوائز

فريق عمل فيلم «وان باتل أفتر أناذر» يحتفلون بفوزه بـ6 جوائز (أ.ف.ب)
فريق عمل فيلم «وان باتل أفتر أناذر» يحتفلون بفوزه بـ6 جوائز (أ.ف.ب)

هيمن فيلم «وان باتل أفتر أناذر» على حفلة الأوسكار، أمس الأحد، بعدما حصد ست جوائز؛ إحداها في الفئة الرئيسية عن أفضل فيلم، متفوقاً على «سينرز»، في ختام أحد أكثر مواسم الجوائز تنافسية خلال السنوات الأخيرة.

ووفق «وكالة الصحافة الفرنسية»، فقد فاز المخرج بول توماس أندرسون نفسه بثلاث جوائز أوسكار، للمرة الأولى في مسيرته، عن فيلمه السياسي المثير الذي يتناول قضايا حساسة كحملات مكافحة الهجرة غير القانونية، والتيار المُنادي بتفوق العِرق الأبيض.

وقال أندرسون، وسط ضحكات الحضور، أثناء تسلمه جائزة أفضل مُخرج: «يبذل المرء جهداً كبيراً للفوز بواحدة من هذه الجوائز».

المخرج بول توماس أندرسون (أ.ب)

كما صرّح، بعد تسلمه جائزة أفضل سيناريو مقتبس: «كتبتُ هذا الفيلم لأبنائي، لأعتذر لهم عن الفوضى التي أوجدناها في هذا العالم الذي نُسلمهم إياه»، لكن «مع التشجيع أيضاً على أن يكونوا الجيل الذي نأمل أن يجلب لنا بعضاً من المنطق السليم والنزاهة».

ويروي فيلم «وان باتل أفتر أناذر» قصة ثائر سابق يؤدي دوره ليوناردو دي كابريو، يُضطر لاستئناف نشاطه، عندما يتعرض للاستهداف مع ابنته من جانب ضابط عسكري فاسد يؤدي دوره شون بن، الذي فاز بجائزة أفضل ممثل بدور ثانوي، ما يجرُّه إلى مواجهة خطيرة تتطور إلى صراع سياسي أكبر.

كما فاز الفيلم بجائزة أفضل مونتاج وبالجائزة الافتتاحية في الأمسية لأفضل طاقم ممثلين.

ويُعدّ أندرسون أحد أهم مُخرجي السينما الأميركية المعاصرة، لكنه لم يفز بجائزة أوسكار قبل الأحد، رغم ترشيحه 11 مرة سابقاً عن أفلام لقيت استحساناً كبيراً، من بينها «ذير ويل بي بلاد» و«بوغي نايتس».

أربع جوائز لـ«سينرز»

وقد دخل «سينرز» للمخرج رايان كوغلر، وهو فيلم خيالي عن مصاصي الدماء يقدّم تأملاً في تاريخ أميركا العنصري الصعب، أمسية الأوسكار برقم قياسي بلغ 16 ترشيحاً.

لكنّ غلّة الفيلم اقتصرت على أربع جوائز، من بينها جائزة أفضل سيناريو أصلي لكوغلر، وأفضل ممثل لمايكل بي. جوردان الذي جسّد شخصيتي الأخوين التوأمين سموك وستاك، اللذين كانا يبحثان عن الثروة في الجنوب الأميركي، خلال حقبة التمييز العنصري.

مايكل بي. جوردان يتسلم جائزة الأوسكار لأفضل ممثل (رويترز)

وقال جوردان، للصحافيين خلف الكواليس، إنه دوَّن مذكرات مفصّلة لتوضيح خلفية الشخصيتين؛ بهدف إبراز الفروق الدقيقة بينهما.

ومِن بين الجوائز الأخرى، جائزة أفضل موسيقى تصويرية للودفيغ جورانسون، وجائزة أفضل تصوير سينمائي لأوتوم دورالد أركاباو، لتكون بذلك أول امرأة تفوز بهذه الجائزة.

وصف كوغلر جائزة الكتابة التي حصل عليها بأنها «شرف عظيم»، عازياً، في تصريحات للصحافيين، الفضل في نجاحه إلى أستاذه في الكتابة الإبداعية.

المخرج رايان كوغلر (أ.ب)

وقد أُنتج فيلما «وان باتل أفتر أناذر» و«سينرز» من جانب استوديوهات «وارنر براذرز»، التي شكّلت محور منافسة شرسة بين مجموعتيْ «باراماونت» و«نتفليكس» للاستحواذ عليها.

وحصدت «وارنر براذرز» 12 جائزة أوسكار، من أصل 24 قُدمت الأحد.

وفي جائزة كانت متوقعة على نطاق واسع بتلك الأمسية، فازت جيسي باكلي بجائزة أفضل ممثلة عن تجسيدها شخصية أغنيس، زوجة وليام شكسبير المفجوعة بفقدان ابنهما في فيلم «هامنت».

جيسي باكلي تحمل جائزتها (رويترز)

وصرحت باكلي، للصحافيين خلف الكواليس، بأن فوزها بالجائزة في يوم عيد الأم في وطنها آيرلندا منحها شعوراً «غريباً».

وقالت: «أشعر بأنه من دواعي سروري أن أستكشف الأمومة من خلال هذه الأم الرائعة، أغنيس».

وفازت إيمي ماديغان بجائزة الأوسكار لأفضل ممثلة بدور ثانوي عن دورها ساحرة مختلة عقلياً في فيلم الرعب «ويبنز».

إيمي ماديغان محتفية بجائزتها (أ.ب)

وفاز الفيلم الدرامي العائلي النرويجي «سنتيمنتل فاليو» بجائزة أفضل فيلم دولي.

كما حصد فيلم «كيبوب ديمون هانترز» جائزة أفضل فيلم رسوم متحركة وأفضل أغنية أصلية عن أغنية «غولدن».

كلمات مؤثرة

وأضفى المذيع المخضرم كونان أوبراين جواً من المرح والفكاهة على الحفل بأسلوبه المميز الزاخر بالسخرية اللاذعة.

تضمّن ذلك انتقاداً لاذعاً لحلفاء الرئيس دونالد ترمب، الذين اعترضوا بشدة على اختيار الفنان البورتوريكي باد باني نجماً لعرضِ ما بين شوطيْ مباراة السوبر بول.

المذيع كونان أوبراين (أ.ف.ب)

وقال مخاطباً كبار نجوم هوليوود: «أودُّ أن أُنبهكم إلى أن الليلة قد تأخذ منحى سياسياً».

وشهدت الأمسية فقرة مطوَّلة خُصصت لتأبين الراحلين في هوليوود، تخلّلتها تحية مؤثرة للمخرج روب راينر، الذي طُعن حتى الموت في منزله خلال ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وللممثل روبرت ريدفورد، كما تضمنت أداء مسرحياً نادراً من باربرا سترايساند.

وقال بيلي كريستال، الذي اختاره راينر ليشارك ميغ رايان بطولة فيلم «ون هاري مت سالي»، في أواخر الثمانينات، إن تأثير راينر على هوليوود كان هائلاً.

وأضاف: «ستبقى أفلام روب خالدة؛ لأنها كانت تدور حول ما يُضحكنا ويُبكينا، وما نطمح إليه؛ أيْ ما هو أفضل بكثير في نظره، وأكثر لطفاً ومرحاً وإنسانية».

سترايساند، البالغة 83 عاماً، والتي شاركت ريدفورد بطولة فيلم «ذي واي وي وير» الكلاسيكي عام 1973، قالت عن الممثل الراحل إنها أحبت رجلاً كان يناديها بمودّة: «بابس».

باربرا سترايساند أثناء حديثها عن روبرت ريدفورد (أ.ب)

وأضافت: «كان ممثلاً بارعاً ومتقناً لأدواره. كان بوب يتمتع بشخصية قوية، سواء على الشاشة أم في حياته الشخصية»، و«كنت أصفه بأنه راعي بقر مثقف شق طريقه الخاص. أفتقده الآن أكثر من أي وقت مضى».

القائمة الكاملة للفائزين في الفئات الرئيسية لجوائز الأوسكار بنسخته الـ98:

- أفضل فيلم: "وان باتل أفتر أناذر"

- أفضل مخرج: بول توماس أندرسون عن «وان باتل أفتر أناذر»

- أفضل ممثل: مايكل بي. جوردان عن دوره في «سينرز»

- أفضل ممثلة: جيسي باكلي عن دورها في «هامنت»

- أفضل ممثل في دور ثانوي: شون بن عن دوره في «وان باتل أفتر أناذر»

- أفضل ممثلة في دور ثانوي: إيمي ماديغان عن دورها في «ويبنز»

- أفضل سيناريو أصلي: راين كوغلر عن «سينرز»

- أفضل سيناريو مقتبس: بول توماس أندرسون عن «وان باتل أفتر أناذر»

- أفضل فيلم دولي: «سنتيمنتل فاليو» (النروج)

- أفضل فيلم رسوم متحركة طويل: «كيبوب ديمون هنترز»

- أفضل وثائقي: «مستر نوبادي إغينست بوتين»


رحيل حمد الجميح بعد مسيرة ثرية في عالم التجارة والصناعة السعودية

رحيل حمد الجميح بعد مسيرة ثرية في عالم التجارة والصناعة السعودية
TT

رحيل حمد الجميح بعد مسيرة ثرية في عالم التجارة والصناعة السعودية

رحيل حمد الجميح بعد مسيرة ثرية في عالم التجارة والصناعة السعودية

فقدت السعودية، الأحد، أحد أبرز رجالات الأعمال فيها، بوفاة الشيخ حمد بن عبد العزيز الجميح، الذي شكّل على مدى عقود أحد أعمدة القطاع الخاص في البلاد، وأسهم في بناء واحدة من أبرز المجموعات التجارية العائلية التي لعبت دوراً مهماً في تطور النشاط الاقتصادي فيها.

وينتمي الراحل إلى عائلة الجميح المعروفة بنشاطها التجاري الممتد منذ عقود، حيث تولّى رئاسة العائلة بعد رحيل المؤسسين، كما شغل مناصب قيادية في عدد من الشركات والمؤسسات التابعة للمجموعة، من بينها رئاسة مجلس إدارة شركة الجميح للسيارات وشركة الجميح للمشروبات، إضافة إلى توليه منصب نائب رئيس مجلس إدارة شركة الجميح القابضة، ورئاسة مجلس إدارة مؤسسة التطوير والتنمية في محافظة شقراء.

ولد الشيخ حمد الجميح في محافظة شقراء - وسط السعودية - عام 1931 (1350 هجرياً)، ونشأ في بيئة تجارية بسيطة في فترة كانت فيها الحركة الاقتصادية في المملكة في بداياتها. وقد عاصر مراحل التحول الكبرى التي شهدتها البلاد مروراً بمرحلة بناء الدولة الحديثة وتطور اقتصادها.

ويروي الراحل في أحاديثه عن بداياته أنه بدأ حياته العملية في سن مبكرة، حيث كان يجمع بين الدراسة والعمل في متجر العائلة، إذ كان يذهب إلى المدرسة صباحاً ثم يعمل في المتجر (الدكان) بعد الظهر لبيع الأقمشة والبضائع الأساسية مثل القهوة والهيل والسكر. وكان هذا التوازن بين التعليم والعمل، بحسب ما كان يذكر، مدرسة مبكرة في الانضباط والمسؤولية.

يقول الجميح في حديث سابق: «كانت قيم الأمانة والالتزام من أبرز ما تشكلت عليه شخصيتي منذ تلك السنوات»، مشيراً إلى أنه اعتاد منذ شبابه الحفاظ على أموال التجارة بدقة شديدة، حتى إنه كان يروي أن العائلة كانت تفصل تماماً بين المال الشخصي ومال البضاعة، وهو مبدأ ظل يؤكد أنه أساس النجاح في العمل التجاري.

ومع انتقال العائلة إلى الرياض واتساع النشاط التجاري، بدأت مرحلة جديدة في مسيرة الجميح، حيث شارك في تطوير أعمال العائلة وتوسيعها، لتصبح لاحقاً واحدة من أبرز المجموعات التجارية في المملكة. وأسهم في الحصول على عدد من الوكالات التجارية العالمية، وكان من أبرزها وكالة «بيبسي كولا» في المملكة، التي شكّلت نقطة تحول في مسيرة المجموعة، إلى جانب نشاطها في قطاع السيارات الذي تطور لاحقاً عبر شراكات مع شركات عالمية والتي من أهمها شركة «جنرال موتورز» الأميركية.

وقد شهدت المجموعة خلال تلك الفترة توسعاً كبيراً في أنشطتها، لتشمل مجالات متعددة من التجارة والصناعة والخدمات، معتمدة في نموها على السمعة التجارية والالتزام المهني، وهي القيم التي كان الجميح يحرص دائماً على ترسيخها داخل الشركة العائلية بحسب حديثه.

وعُرف الراحل باهتمامه بالعمل التنموي والاجتماعي، خصوصاً في مسقط رأسه محافظة شقراء، حيث دعم عدداً من المبادرات التنموية والخيرية، إيماناً منه بدور رجال الأعمال في خدمة المجتمع إلى جانب دورهم الاقتصادي.

ونعت شركة الجميح القابضة فقيدها في بيان رسمي، وبرحيل الشيخ حمد الجميح، تفقد الساحة الاقتصادية السعودية واحداً من رجال الأعمال الذين عاصروا بدايات النهضة الاقتصادية للمملكة، وأسهموا في بناء مؤسسات تجارية عائلية تحولت مع الزمن إلى كيانات اقتصادية مؤثرة في السوق السعودية.