مجموعة دول الساحل تحاول لملمة الجراح عبر هيكلة جديدة

متظاهرون مناهضون للحكومة يشعلون النار خلال اشتباكات في إنجامينا (تشاد) أكتوبر 2022 (أ.ب)
متظاهرون مناهضون للحكومة يشعلون النار خلال اشتباكات في إنجامينا (تشاد) أكتوبر 2022 (أ.ب)
TT

مجموعة دول الساحل تحاول لملمة الجراح عبر هيكلة جديدة

متظاهرون مناهضون للحكومة يشعلون النار خلال اشتباكات في إنجامينا (تشاد) أكتوبر 2022 (أ.ب)
متظاهرون مناهضون للحكومة يشعلون النار خلال اشتباكات في إنجامينا (تشاد) أكتوبر 2022 (أ.ب)

عقد وزراء الدفاع في مجموعة دول الساحل الخمس، أمس (الثلاثاء)، اجتماعاً في عاصمة تشاد إنجامينا؛ لنقاش هيكلة جديدة للمجموعة الإقليمية التي تواجه تحديات أمنية متصاعدة في ظل تزايد خطر الإرهاب والجريمة العابرة للحدود، وهي الهيكلة الأولى من نوعها منذ انسحاب دولة مالي من المجموعة».
وكانت الهيكلة الجديدة لمجموعة دول الساحل محل نقاش مستفيض منذ شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، حين احتضنت العاصمة الموريتانية نواكشوط، اجتماعاً لخبراء عسكريين من موريتانيا وتشاد والنيجر وبوركينا فاسو، وغابت عنه مالي التي انسحبت من المجموعة مايو (أيار) من العام الماضي.
ووضع اجتماع الخبراء العسكريين في نواكشوط التصور الأولي للهيكلة الجديدة، قبل أن يناقشها قادة أركان جيوش دول الساحل أول من أمس (الاثنين) خلال اجتماع استثنائي عقدوه في العاصمة التشادية إنجامينا.
وقال الجيش الموريتاني في بيان، إن اجتماع إنجامينا «خُصص لمناقشة الهيكلة الجديدة لمجموعة الخمس في الساحل واعتمادها، وإعادة تنظيم قوتها المشتركة، في ضوء انسحاب جمهورية مالي من المجموعة.
إعادة الهيكلة تضمنت قرارات عدة، من أبرزها نقل مقر قيادة القوة العسكرية المشتركة من العاصمة المالية باماكو إلى العاصمة النيجيرية نيامي، كما تقرر أيضاً إعادة هيكلة هذه القوة العسكرية المشتركة واعتماد نظام «الكتائب القتالية» بديلاً لنظام «القطاعات العسكرية».
وأسست مجموعة دول الساحل قوتها العسكرية المشتركة عام 2017؛ لتوحيد جهودها في محاربة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود، ولكن هذه القوة العسكرية البالغ قوامها 5 آلاف جندي، ظلت تواجه مشاكل هيكلية وبنيوية بسبب نقص التمويل والتجهيز والتدريب، بالإضافة إلى رفض قوى دولية وضع القوة العسكرية تحت البند السابع للأمم المتحدة؛ ما يوفر لها حماية قانونية وتمويلا دائماً.
وكانت وحدات القوة العسكرية تعمل في «قطاعات عسكرية» موزعة على الحدود المشتركة بين الدول الخمس، ولكن خبراء أشاروا إلى أن انسحاب دولة مالي أرغم قادة جيوش دول الساحل على التخلي عن فكرة «القطاعات العسكرية»؛ لأن المناطق العسكرية الحدودية بين دول المجموعة الإقليمية «لم تعد متصلة فيما بينها»؛ فموريتانيا أصبحت وحيدة في الغرب وغير متصلة ببقية دول المجموعة، بينما بقيت تشاد كما كانت بعيداً في الشرق لا تحدها سوى النيجر.
ولتجاوز هذه المعضلة الاستراتيجية التي خلفها انسحاب دولة مالي، قرر قادة جيوش دول الساحل إنشاء كتائب قتالية متنقلة وخفيفة، وذات مهام تكتيكية سريعة، شبيهة بما تستخدمه الجماعات الإرهابية في تنفيذ هجماتها، ولكن الكتائب القتالية الجديدة يتوقع منها أن تركز على المناطق الملتهبة في النيجر، حيث يوجد المقر الجديد للقوة العسكرية المشتركة.
وقال الجيش الموريتاني في بيان صحافي «تهدف هذه التدابير والإجراءات الجديدة إلى إعطاء دفع جديد لمجموعة الساحل ولقوتها المشتركة، بما يمكنها من مواجهة التحديات الأمنية ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة»، ولكن من الواضح أن المجموعة الإقليمية في وضع صعب وغير مسبوق منذ تأسيسها قبل نحو تسع سنوات (2014). وزاد التوتر السياسي من تعقيد الوضع في منطقة الساحل، فانسحاب دولة مالي جاء عقب انقلابين عسكريين (2020)، وهيمنة ضباط شباب على الحكم في العاصمة باماكو، ليقرروا مراجعة علاقاتهم مع الغرب وخاصة فرنسا، والتوجه نحو روسيا في استراتيجية جديدة لمواجهة خطر الإرهاب، وذلك عبر الاستعانة بخدمات مجموعة «فاغنر» الروسية.
وفي بوركينا فاسو وقع انقلاب عسكري (سبتمبر 2022)، أدخل البلد في مرحلة شك لا تزال مستمرة، ورغم أن البلد لم ينسحب من مجموعة دول الساحل، فإنه لم يعد بذلك الحماس، ولا يخفي الضباط الشباب الذين يحكمونه إعجابهم بأقرانهم في مالي المجاورة.
أما تشاد التي كانت حتى وقت قريب تقود الحرب على الإرهاب في منطقة الساحل، بسبب قوتها العسكرية الضاربة وخبرة جيشها، فقد انكفأت على نفسها منذ مقتل الماريشال إدريس ديبي إيتنو (2021)، خلال مواجهات مع متمردين قادمين من الشمال للإطاحة بنظامه المستمر منذ ثلاثة عقود، حينها كان نجله الأكبر «محمد كاكا» جنرالاً في الجيش وأحد قادة المعركة ضد المتمردين، فقرر أن يدير دفة البلاد خلفاً لوالده، ومنذ ذلك الوقت وتشاد تغلي».
تشاد التي تتولى قيادة مجموعة دول الساحل الخمس، تبدو منشغلة بوضعها الاستثنائي، فمنذ تمديد المرحلة الانتقالية التي يقودها الجنرال الشاب محمد إدريس ديبي الملقب «كاكا»، والمعارضة تضغطُ للمطالبة بانتقال أسرع إلى الحكم الديمقراطي، ولكن السلطات تواجه هذه المطالب بالتضييق والقمع؛ ما أسفر في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عن سقوط نحو 50 قتيلاً خلال مظاهرات دعت لها المعارضة.
ورغم أن السلطات في تشاد توصلت لاتفاق سياسي مع حركات سياسية وعسكرية، إثر مفاوضات شاقة في الدوحة، فإن رئيس الحكومة في تصريحات جديدة لم يستبعد ظهور تمرد جديد، وقال «بالطبع؛ لأن تشاد هي تشاد، ولأن العادات لا تموت بسرعة، فإننا لن نتفاجأ من ظهور محاولات تمرد هنا أو هناك»، قبل أن يؤكد أن «كل التدابير ستتخذ لمواجهة من تسول له نفسه التمرد. هنالك بعضُ التائهين يسعون إلى إشعال الحرب بين التشاديين، وهذا ما سنقف في وجهه ونمنعه».
وكانت تشاد قد أعلنت مؤخراً إحباط «محاولة لزعزعة الاستقرار»، قالت الحكومة، إن 11 ضابطاً في الجيش خططوا لها، وجرى اعتقالهم يوم 08 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وأُخضعوا لتحقيق قضائي ووجهت لهم تهم «التواطؤ والمساس بالنظام الدستوري و(تشكيل) عصابة إجرامية وحيازة أسلحة نارية بطريقة غير قانونية». وتستعد تشاد المشغولة بنفسها، لتسليم قيادة مجموعة دول الساحل إلى النيجر، ذلك البلد الذي عاش مؤخراً انتقالاً سلمياً للسلطة بين الرئيس الحالي محمد بازوم وسلفه محمدو يسوفو، ورغم ذلك أحبط محاولة لقلب نظام الحكم بالقوة؛ ما يعني أنه غير محصن أمام سيناريو شبيه بما وقع في الجارتين مالي وبوركينا فاسو.
ولكن النيجر في ظل التغيرات الأخيرة، أصبحت مركز الحرب الدولية على الإرهاب في منطقة الساحل، فاتخذ منه الأميركيون والأوروبيون قاعدة لأنشطتهم العسكرية، وحين قرر الفرنسيون الانسحاب من مالي، توجهوا نحو النيجر لتتخذ منها قوات «برخان» الفرنسية مركزاً لعملياتها.
وحدها موريتانيا تُعد الاستثناء في المنطقة؛ فمنذ 2011 لم تشهد أي هجوم إرهابي، وعاشت عام 2019 أول تناوب سلمي على السلطة بين رئيسين منتخبين، ولكنها مع ذلك تعيش مشاكلها الخاصة المتعلقة بانتشار الفساد وغلاء المعيشة وتراجع الحريات، وتستعد لمحاكمة الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز وبعض رموز نظامه بتهمة الفساد، وهي سابقة في التاريخ الموريتاني.


مقالات ذات صلة

هل تنجح دعوات استعادة الجواهر الأفريقية المرصِّعة للتاج البريطاني؟

أفريقيا هل تنجح دعوات استعادة الجواهر الأفريقية المرصِّعة للتاج البريطاني؟

هل تنجح دعوات استعادة الجواهر الأفريقية المرصِّعة للتاج البريطاني؟

بينما تستعد بريطانيا لتتويج الملك تشارلز الثالث (السبت)، وسط أجواء احتفالية يترقبها العالم، أعاد مواطنون وناشطون من جنوب أفريقيا التذكير بالماضي الاستعماري للمملكة المتحدة، عبر إطلاق عريضة للمطالبة باسترداد مجموعة من المجوهرات والأحجار الكريمة التي ترصِّع التاج والصولجان البريطاني، والتي يشيرون إلى أن بريطانيا «استولت عليها» خلال الحقبة الاستعمارية لبلادهم، وهو ما يعيد طرح تساؤلات حول قدرة الدول الأفريقية على المطالبة باسترداد ثرواتها وممتلكاتها الثمينة التي استحوذت عليها الدول الاستعمارية. ودعا بعض مواطني جنوب أفريقيا بريطانيا إلى إعادة «أكبر ماسة في العالم»، والمعروفة باسم «نجمة أفريقيا»، وا

أفريقيا «النقد الدولي»: أفريقيا الخاسر الأكبر من «الاستقطاب العالمي»

«النقد الدولي»: أفريقيا الخاسر الأكبر من «الاستقطاب العالمي»

مع تركيز مختلف القوى الدولية على أفريقيا، يبدو أن الاقتصادات الهشة للقارة السمراء في طريقها إلى أن تكون «الخاسر الأكبر» جراء التوترات الجيو - استراتيجية التي تتنامى في العالم بوضوح منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية. وتوقَّع تقرير صدر، (الاثنين)، عن صندوق النقد الدولي أن «تتعرض منطقة أفريقيا جنوب الصحراء للخسارة الأكبر إذا انقسم العالم إلى كتلتين تجاريتين معزولتين تتمحوران حول الصين وروسيا من جهة، والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في المقابل». وذكر التقرير أن «في هذا السيناريو من الاستقطاب الحاد، ما يؤدي إلى أن تشهد اقتصادات أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى انخفاضا دائماً بنسبة تصل إلى 4 في الما

أفريقيا السعودية والاتحاد الأفريقي يبحثان وقف التصعيد العسكري في السودان

السعودية والاتحاد الأفريقي يبحثان وقف التصعيد العسكري في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله، وزير الخارجية السعودي، مع رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، موسى فكي، اليوم (الثلاثاء)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف المتنازعة في السودان، وإنهاء العنف، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضها، بما يضمن أمن واستقرار ورفاهية البلاد وشعبها. جاء ذلك خلال اتصال هاتفي أجراه وزير الخارجية السعودي، برئيس المفوضية، وتناول آخر التطورات والأوضاع الراهنة في القارة الأفريقية، كما ناقش المستجدات والموضوعات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أفريقيا «مكافحة الإرهاب» تتصدر الأجندة الأوغندية في «السلم والأمن» الأفريقي

«مكافحة الإرهاب» تتصدر الأجندة الأوغندية في «السلم والأمن» الأفريقي

تتصدر جهود مكافحة ظاهرة التطرف والإرهاب، التي تؤرق غالبية دول القارة الأفريقية، الأجندة الأوغندية، خلال رئاستها مجلس السلم والأمن، التابع للاتحاد الأفريقي، في شهر مايو (أيار) الجاري. ووفق المجلس، فإنه من المقرر عقد اجتماع تشاوري في بروكسل بين الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، لمناقشة النزاعات والأزمات في البحيرات الكبرى والقرن والساحل، والصراع المستمر في جمهورية الكونغو الديمقراطية، ومكافحة تمرد حركة «الشباب» في الصومال، والتحولات السياسية المعقدة، فضلاً عن مكافحة الإرهاب في بلدان منطقة الساحل، كبنود رئيسية على جدول الأعمال. وأوضح المجلس، في بيان له، أن مجلس السلم والأمن الأفريقي سيناقش نتا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
أفريقيا مكافحة «الإرهاب» تتصدر أجندة أوغندا في مجلس الأمن الأفريقي

مكافحة «الإرهاب» تتصدر أجندة أوغندا في مجلس الأمن الأفريقي

تتصدر جهود مكافحة ظاهرة «التطرف والإرهاب»، التي تقلق كثيراً من دول القارة الأفريقية، أجندة أوغندا، خلال رئاستها مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، في مايو (أيار) الحالي. ومن المقرر عقد اجتماع تشاوري في بروكسل بين الاتحادين الأوروبي والأفريقي؛ لمناقشة النزاعات والأزمات في البحيرات الكبرى والقرن والساحل، والصراع المستمر في جمهورية الكونغو الديمقراطية، ومكافحة تمرد حركة «الشباب الإرهابية» في الصومال، والتحولات السياسية المعقدة، فضلاً عن مكافحة «الإرهاب» في بلدان منطقة الساحل، كبنود رئيسية على جدول الأعمال. وأوضح المجلس، في بيان، أنه سيناقش نتائج الحوار الوطني في تشاد، ولا سيما المسألتين ا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

نيجيريا: نشر الجيش في كوارا بعد مقتل العشرات على يد «إرهابيين»

عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)
عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)
TT

نيجيريا: نشر الجيش في كوارا بعد مقتل العشرات على يد «إرهابيين»

عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)
عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)

أعلن رئيس نيجيريا بولا أحمد تينيبو، مساء الخميس، أنه أمر بنشر كتيبة من الجيش في ولاية كوارا، غرب البلاد على الحدود مع دولة بنين، وذلك بعد هجوم إرهابي عنيف أودى بحياة أكثر من 75 شخصاً، حسب حصيلة رسمية، في حين تشير مصادر محلية إلى أن الحصيلة قد تتجاوز 170 قتيلاً.

وبحسب وسائل إعلام محلية، فإن مجموعة من مقاتلي «بوكو حرام»، بقيادة شخص يُدعى مالام صديقي، اجتاحوا قرية وورو في وقت متأخر من ليل الثلاثاء/ الأربعاء، وسيطروا عليها لعدة ساعات، وارتكبوا مجازر بحق السكان، قبل أن ينسحبوا نحو الغابات القريبة.

ويوصف الهجوم بأنه الأكثر دموية في نيجيريا منذ بداية العام (2026)، ويأتي في وقت تحاول نيجيريا رفع نسق الحرب على الإرهاب في شمال البلاد، وذلك بدعم وضغط داخلي وخارجي، وخاصة من طرف الولايات المتحدة.

قوات نيجيرية في ولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي على القرية المسلمة (أ.ف.ب)

تحرك الجيش

وقال الرئيس تينيبو في تغريدة على حسابه بمنصة «إكس»، مساء الخميس، إنه استقبل في القصر الرئاسي حاكم ولاية كوارا، عبد الرحمن عبد الرزاق، من أجل الاطلاع على تفاصيل الهجوم الإرهابي الأخير، مشيراً إلى أن سكان القرية «استُهدفوا بسبب رفضهم آيديولوجيا المتطرفين».

وقال تينيبو: «أدين بأشد العبارات هذا الهجوم الجبان والوحشي». وأضاف: «إن المسلحين بلا رحمة؛ لأنهم يختارون أهدافاً رخوة في حملتهم الإرهابية الفاشلة. أفعالهم تُهين إنسانيتنا وإيماننا وقيمنا المشتركة كأمة».

وقالت صحيفة «بريميوم تايمز» النيجيرية، إن الرئيس تينيبو أمر بنشر كتيبة من الجيش في الولاية التي وقع فيها الهجوم، وقال إن الكتيبة «ستقود عملية (درع السافانا) للقضاء على هؤلاء الإرهابيين المتوحشين وحماية السكان العزل».

نقل جثث ضحايا الهجوم الإرهابي (رويترز)

وأضاف الرئيس: «من الجدير الإشادة بأفراد المجتمع المسلمين؛ لأنهم رفضوا الانخراط قسراً في معتقد شاذ يروّج للعنف على حساب السلام والحوار». وأكد: «لن تسلّم نيجيريا شعبها أبداً للتطرف والإرهاب المتخفيين تحت ستار الدين». وخلص الرئيس إلى أنه أصدر تعليمات بتعزيز التنسيق بين الوكالات الاتحادية ووكالات الولاية لتقديم الدعم الفوري وإغاثة المتضررين من الهجوم الإرهابي، وأضاف أن الإرهابيين «سيطارَدون حتى آخر واحد منهم، ولن يفلتوا من العقاب».

غياب الأمن

بيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)

ورغم تطمينات الرئيس فإن السكان المحليين يشتكون غياب الجيش عن المنطقة. وقال صالحُ عمر، وهو عمدة قرية وورو التي تعرضت للهجوم، إن الهجوم استمر لعدة ساعات من دون أي تدخل أمني، وأضاف العمدة في تصريحات صحافية أن اثنين من أبنائه قُتلا في الهجوم، في حين اختُطفت زوجته وبناته الثلاث.

وقال العمدة في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «قتلوا اثنين من أبنائي أمام منزلي وخطفوا زوجتي الثانية وثلاثاً من بناتنا»، وأضاف الرجل البالغ من العمر 53 عاماً، وهو يمسك بسبحته: «في حدود الساعة الخامسة مساءً (الثلاثاء)، وصل المجرمون وبدأوا إطلاق النار. كانوا يبحثون عني، لكنهم لم يجدوني في المنزل؛ لأنني كنت خارجه. اختبأت في بيت آخر وسمعت صوت الرصاص».

وتابع عمدة وورو، وهي بلدة ريفية صغيرة ذات أغلبية مسلمة تقع على حدود ولاية النيجر قرب غابات يُعتقد أنها تؤوي إرهابيين وعصابات مسلحة: «أُحرِقَ أشخاص أحياء داخل منازلهم»، وخلص إلى القول: «مع بزوغ الفجر، كانت الجثث في كل مكان».

دفن جثث ضحايا الهجوم الإرهابي المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (رويترز)

أرض محروقة

لم تعد قرية وورو، التي كانت تضم بضعة آلاف من السكان، سوى ظلٍّ لما كانت عليه؛ فقد هجرها جميع سكانها، ولم يبقَ فيها سوى عدد قليل من الرجال الذين يواصلون البحث ودفن القتلى. وعلى جانبَي الشارع الرئيسي تنتشر دكاكين ومنازل مدمّرة ومحترقة.

ويقول محمد عبد الكريم، وهو متقاعد يبلغ 60 عاماً فقد 12 فرداً من عائلته في الهجوم الذي انتهى فجر الأربعاء: «كنت على جانب الطريق حين رأيت دراجة نارية عليها ثلاثة رجال يرتدون زياً عسكرياً ويحملون بنادق (كلاشنيكوف)... كانوا قطّاع طرق لا جنوداً، وبعد ثلاث ثوانٍ سمعت إطلاق النار».

أوبا ساني حاكم ولاية كادونا يصافح رعايا كنيسة اختُطفوا سابقاً من قِبل مجموعات مسلحة بعد عودتهم (أ.ب)

ويصف الرجل، الذي خُطف ابنه البالغ عامين ونصف العام على يد المهاجمين، ما جرى قائلاً: «كانوا يمسكون بالناس، يربطون أيديهم خلف ظهورهم، ثم يطلقون النار على رؤوسهم»، ويضيف: «بين أمس واليوم، دفنّا 178 جثة».

وبحسب أرقام نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية» عن «الصليب الأحمر»، الأربعاء، فقد جرى إحصاء ما لا يقل عن 162 جثة، في حين أعلن حاكم ولاية كوارا حصيلة قدرها 75 قتيلاً، كما أفاد عبدول إبراهيم، وهو ممرض متقاعد من سكان وورو، بأن عدد القتلى «يزيد على 165». ووفقاً لسعيدو بابا أحمد، عضو الجمعية المحلية، فإن «38 شخصاً، معظمهم من النساء والأطفال، اختطفهم القتلة».

الطاقم الأميركي في مجموعة العمل المشتركة بين نيجيريا والولايات المتحدة (رويترز)

رفض التطرف

وفي تصريحات نقلتها صحف محلية، قال صالحُ عمر، عمدة القرية: «أرسلوا لنا رسالة يُبلّغوننا فيها بأنهم سيأتون لإلقاء موعظة» في القرية، لكن «المجتمع غير مستعد لقبول آيديولوجيتهم»، مشيراً إلى أنه كعمدة أبلغ أجهزة الأمن المحلية فور تلقي الرسالة. وأضاف العمدة: «أعتقد أن هذا ما أغضبهم ودفعهم للقدوم وقتل الناس».

ويزداد الوضع الأمني صعوبة في نيجيريا، خاصة في ظل وجود تنظيم «داعش في غرب أفريقيا»، وجماعة «بوكو حرام»، ودخول جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» التابعة لتنظيم «القاعدة» على الخط؛ إذ شنت الجماعة هجوماً في نفس المنطقة في شهر أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، إيذاناً ببداية نشاطها الإرهابي في نيجيريا.

تجمُّع سكان بالقرب من موقع تفجير استهدف مسجداً في سوق غامبورو بمدينة مايدوغوري شمال شرقي نيجيريا يوم 25 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

ومع تصاعد العنف، أصبحت الجماعات الإرهابية في نيجيريا مصدر قلق للولايات المتحدة بعدما قال الرئيس دونالد ترمب إن مسيحيي نيجيريا «يتعرضون للاضطهاد»، وإنهم ضحايا «إبادة جماعية» ينفذها «إرهابيون». غير أن أبوجا ومعظم الخبراء نفوا هذه المزاعم بشدة، مؤكدين أن العنف يطال المسيحيين والمسلمين على حد سواء في البلاد.

وخلال الأسابيع الأخيرة، قرر البلدان تعزيز تعاونهما العسكري عقب ضغوط دبلوماسية مارستها واشنطن على أبوجا بشأن أعمال العنف التي ترتكبها جماعات إرهابية وغيرها من الجماعات المسلحة.


«أطباء بلا حدود» تؤكد تعرض مستشفى تابع لها في جنوب السودان لـ«غارة حكومية»

أرشيفية لمرضى خارج قسم علاج سوء التغذية في مستشفى بونج بمدينة مابان بجنوب السودان (أ.ب)
أرشيفية لمرضى خارج قسم علاج سوء التغذية في مستشفى بونج بمدينة مابان بجنوب السودان (أ.ب)
TT

«أطباء بلا حدود» تؤكد تعرض مستشفى تابع لها في جنوب السودان لـ«غارة حكومية»

أرشيفية لمرضى خارج قسم علاج سوء التغذية في مستشفى بونج بمدينة مابان بجنوب السودان (أ.ب)
أرشيفية لمرضى خارج قسم علاج سوء التغذية في مستشفى بونج بمدينة مابان بجنوب السودان (أ.ب)

أعلنت منظمة أطباء بلا حدود، الأربعاء، أن مستشفاها في لانكين بجنوب السودان تعرض لغارة جوية حكومية خلال الليل، بعد نهب منشأة صحية أخرى تابعة لها.

وقالت المنظمة الخيرية الطبية إن المستشفى الواقع في ولاية جونقلي «تعرض لغارة جوية شنتها قوات حكومة جنوب السودان ليل الثلاثاء».

أضافت في بيان إنه تم «إخلاء المستشفى وإجلاء المرضى قبل ساعات من الهجوم» بعد تلقيها معلومات عن ضربة محتملة ضد المدينة، مشيرة إلى إصابة أحد موظفي المنظمة بجروح طفيفة.

وتابع البيان «تم تدمير المستودع الرئيسي للمستشفى خلال الهجوم، وفقدنا معظم إمداداتنا الحيوية لتقديم الرعاية الطبية».

وفي حادث منفصل، أفادت منظمة أطباء بلا حدود بأن منشأة صحية تابعة لها في بلدة بييري في جونقلي أيضا، تعرضت للنهب الثلاثاء على يد مهاجمين مجهولين، ما يجعلها «غير صالحة للاستخدام للمجتمع المحلي».

وأضافت المنظمة «اضطر زملاؤنا من لانكين وبييري إلى الفرار مع السكان المحليين، ولا يزال مصيرهم ومكان وجودهم مجهولا، ونحن نحاول الاتصال بهم».

وشدد غول بادشاه، مدير عمليات منظمة أطباء بلا حدود في جنوب السودان، على أن المؤسسة الخيرية «شاركت إحداثيات نظام تحديد المواقع لجميع منشآتنا مع الحكومة وأطراف النزاع الأخرى من قبل، وتلقينا تأكيدا بأنهم على علم بمواقعنا».

وأضاف أن «القوات المسلحة لحكومة جنوب السودان هي الطرف المسلح الوحيد الذي يملك القدرة على تنفيذ هجمات جوية في البلاد».

وأوضحت منظمة أطباء بلا حدود أنها المزود الصحي الوحيد الذي يخدم نحو 250 ألف شخص في لانكين وبييري، محذرة من أن الهجمات على منشآتها هناك «تعني أن المجتمعات المحلية ستترك من دون أي رعاية صحية».

ويعاني جنوب السودان، الدولة الأحدث عهدا في العالم، من حرب أهلية وفقر وفساد مستشر منذ نيله الاستقلال في عام 2011.

وأحصت منظمة أطباء بلا حدود تعرضها لثماني هجمات في جنوب السودان العام الماضي، ما أدى إلى إغلاق مستشفيين في أعالي النيل الكبرى وتعليق أنشطة الرعاية الصحية العامة في جونقلي وأعالي النيل وولاية الاستوائية الوسطى.

وجاء استهداف مستشفى منظمة أطباء بلا حدود هذا الأسبوع بعد أن فرضت حكومة جنوب السودان في ديسمبر (كانون الأول) قيودا على وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في جونقلي، ما حد من قدرة المنظمة على تقديم المساعدات الطبية الأساسية هناك.


مسلحون يقتلون عشرات في شمال ووسط نيجيريا

من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)
من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)
TT

مسلحون يقتلون عشرات في شمال ووسط نيجيريا

من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)
من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)

ذكرت الشرطة النيجيرية أن مسلحين قتلوا 13 شخصاً على الأقل في شمال نيجيريا، الأربعاء، في أحدث حلقة من سلسلة الهجمات التي تعصف بالدولة الواقعة في غرب أفريقيا، بعد يوم على مقتل نحو 160 شخصاً في وسط البلاد.

وقال المتحدث باسم الشرطة، أبو بكر صادق عليو، في بيان، إن المهاجمين «المسلحين بأسلحة خطيرة، بدأوا في إطلاق النار بشكل متقطع» الثلاثاء، في قرية دوما بمنطقة فاسكاري، في ولاية كاتسينا، شمال غربي البلاد، وأن التحقيقات تجري الآن لتحديد ملابسات الهجوم وهوية المسؤولين.

استنفار أمني في نيجيريا عقب هجوم إرهابي (غيتي)

وفي هجوم منفصل، الثلاثاء، قتل مسلحون أشخاصاً عدة في منطقتي: وورو، ونوكو، في ولاية كوارا شمال وسط البلاد، طبقاً لما ذكره حاكم الولاية عبد الرحمن عبد الرزاق، في بيان.

ولم يحدد عدد القتلى، إلا أن تقارير محلية تحدثت عن أكثر من 162 ضحية. ووصف عبد الرزاق الهجوم بأنه «تعبير جبان عن الإحباط من قبل خلايا إرهابية» رداً على العمليات الجارية لمكافحة الإرهاب في الولاية.