الطريق إلى الاتفاق النووي الإيراني النهائي.. أيام طويلة وأعصاب مشدودة

كيري تحدث مع نظرائه عن تجربته في فيتنام وعزمه منع حرب أخرى

وزير الخارجية الأميركي جون كيري يتحدث مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف وحسين فريدون شقيق الرئيس الإيراني في فيينا قبل الإعلان الرسمي عن التوصل إلى الاتفاق النووي قبل يومين (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي جون كيري يتحدث مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف وحسين فريدون شقيق الرئيس الإيراني في فيينا قبل الإعلان الرسمي عن التوصل إلى الاتفاق النووي قبل يومين (رويترز)
TT

الطريق إلى الاتفاق النووي الإيراني النهائي.. أيام طويلة وأعصاب مشدودة

وزير الخارجية الأميركي جون كيري يتحدث مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف وحسين فريدون شقيق الرئيس الإيراني في فيينا قبل الإعلان الرسمي عن التوصل إلى الاتفاق النووي قبل يومين (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي جون كيري يتحدث مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف وحسين فريدون شقيق الرئيس الإيراني في فيينا قبل الإعلان الرسمي عن التوصل إلى الاتفاق النووي قبل يومين (رويترز)

في اليوم التاسع من مضمار المفاوضات النهائية حول البرنامج النووي الإيراني، كان الدبلوماسيون منهكين ومتضايقين.
وخلال اجتماع مع الوفد الأميركي، بدأ وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في إلقاء خطاب مألوف على مسامع الحضور حول أن العقوبات الدولية كانت تشكل إهانة كبيرة لكرامة وسيادة بلاده، وذلك عندما تدخل وزير الخارجية الأميركي جون كيري بحزم ليقول: «ليست إيران هي الدولة الوحيدة ذات الكرامة».
وكان صباح الخامس من يوليو (تموز) الحالي، يوما صعبا حيث أصبح بعد ذلك «ماراثون» استمر 17 يوما وانتهى بعقد الاتفاق التاريخي مع إيران، وهو تتويج لجهود نحو عامين من المفاوضات المتعثرة في الفنادق وقاعات الاجتماعات عبر أوروبا وخارجها.
وكانت هناك أوقات يشعر فيها المشاركون بالتشجيع، وأوقات أخرى كانت المهمة تبدو مستحيلة مع بروز تهديدات بالانسحاب من الأمر برمته. وحينما بدأت اللعبة النهائية في فيينا في شهر يونيو (حزيران) الماضي، ولم يكن أحد من الدبلوماسيون على يقين من الوصول إلى خط النهاية.
وتستند أعمال هذين الأسبوعين الأخيرين على البيانات العلنية والمعلومات الإعلامية من جانب المشاركين من عدة وفود في فيينا ووفق التوصيفات المقدمة من قبل المسؤولين الأميركيين الذين تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هوياتهم، لمناقشتهم الأحداث السياسية المهمة التي كانت تصاغ وتجري خلف الأبواب المغلقة.
ولم يكن الأمر جليا حتى ساعة متأخرة من يوم الاثنين الماضي حين أدركوا أنهم تمكنوا من إنجاز ما تعين عليهم إنجازه. وفي صبيحة الثلاثاء الماضي، حينما علموا أنهم حازوا الصفقة، اجتمع وزير الخارجية الإيراني ظريف للمرة الأخيرة مع كيري وشركاء الولايات المتحدة في المفاوضات من بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وروسيا، والصين، والاتحاد الأوروبي. ولقد طلبوا من أغلب مرافقيهم مغادرة قاعة الاجتماعات.
ونادرا ما غادر كيري وظريف، على وجه الخصوص، ذلك الفندق في فيينا، الذي شهد انعقاد محادثاتهما لأكثر من أسبوعين في حين كان العالم من حولهما يتجادل حول الجهود المبذولة. وكان كل منهما يعتزم العودة لوطنه ليتلقى مهمة جديدة وصعبة، إزاء عرض وبيع الصفقة الجديدة لسياسيين هناك، ومحاولة إقناعهم بجدواها.
وتحدث الدبلوماسيون، واحدا تلو الآخر، وفق الترتيب الأبجدي للأسماء، حول معنى ما أنجزوه وقدر التحديات المقبلة عليهم. وأما كيري، الذي تحدث أخيرا، فقد ناقش الفرصة الممنوحة لهم والحاجة العاجلة لإبرام وتنفيذ الاتفاق بفعالية لكي تتمتع بالمصداقية المطلوبة.
وفي نهاية المطاف، تحدث كيري عن سفره إلى فيتنام عندما كان عمره 22 عاما، والعود إلى الوطن، باعتقاد مفاده أنه ما من شاب يخوض مثل تلك التجارب الكبيرة، ما لم تكن الدول قد استنفدت بالفعل كل السبل الأخرى للحيلولة دون وقوع الحرب. ولقد أمسك عن الحديث قليلا، في الوقت الذي بدا فيه التأثر الواضح على كثير من المشاركين، حسبما أفاد اثنان من المسؤولين اللذين كانا حاضرين. وبدأ الدبلوماسيون في التصفيق.
وتواصلت المحادثات بين الخبراء التقنيين ونوابهم بشكل مستمر تقريبا منذ شهور، وفي جهود لتغطية الثغرات في الإطار الكبير للاتفاق المحتمل الذي وافق عليه الوزراء في أوائل أبريل (نيسان) الماضي. غير أن أكثر الأسئلة النهائية صعبة لا يمكن الإجابة عليها إلا من خلال كبار الدبلوماسيين من الدول المتفاوضة.
وفي أواخر يونيو الماضي، كانوا جميعا يواجهون الكثير من المواعيد النهائية. وكانت الاتفاقية المؤقتة المبرمة في أواخر عام 2013، والتي قضت بتجميد برنامج إيران النووي في مقابل الإفراج عن جزء صغير من الأموال الإيرانية المحتجزة وفقا للعقوبات الدولية، لتشهد نفاد تاريخ صلاحيتها بحلول نهاية الشهر الحالي. وفي واشنطن، طالب الكونغرس بتاريخ 9 يوليو بتحويل أية اتفاقية عليه أولا للتصديق عليها.
وسافر كيري إلى فيينا في وقت متأخر من الجمعة 26 يونيو الماضي، وكان لا يزال يعتمد على عكازين للمشي إثر حادثة الدراجة التي تعرض لها في 31 مايو (أيار) الماضي خارج جنيف. حيث كان قد عقد اجتماعا حول الموقف ليوم واحد فقط مع ظريف، وكان لزاما عليه استخدام رافعة ميكانيكية تنقله إلى باب طائرته الرسمية.
ولقد شرعوا في المحادثات الرسمية بعد وقت قصير من ظهيرة اليوم التالي.
وكان القرار قد اتخذ بالفعل حيال القضايا النووية الرئيسية - ستتخلى إيران عن أغلب مخزونها من اليورانيوم المخصب وتعمل على تقليص الإنتاج المستقبلي منه، مما يعني القضاء فعليا على احتمالية أن تعمل سريعا على تطوير أي سلاح نووي، وستوافق كذلك على عمليات التفتيش الدولية التدخلية.
وكان الجانب الآخر من الاتفاق - رفع العقوبات الدولية ضد إيران - ذلك الذي هيمن على غالبية المحادثات.
وفي مساء يوم الأحد، 28 يونيو الماضي، غادر ظريف إلى طهران ليوم واحد من التشاور مع القيادة الإيرانية. وعلى الرغم من ابتسامته ومزاحه أمام الجمهور، كان الأميركيون يعتبرونه مفاوضا شديد المراس، ومطلعًا جيدًا للغاية على أكثر التفاصيل غموضا، والخاصة بدورات الوقود النووي وقرارات الأمم المتحدة. ولكن مع صدور بيان علني رسمي شديد من طهران، أصيب البعض بحالة من عدم اليقين ما إذا كانت لدى ظريف السلطة الكافية لإبرام الاتفاق من عدمه.
وفي اليوم التالي، امتد الموعد النهائي المؤقت لأسبوع آخر.
ومع نهاية الأسبوع الأول، ومع مجيء وذهاب وزراء الخارجية بين الشركاء المفاوضين للولايات المتحدة - والمعروفين بصفة جمعية بدول مجموعة (5+1) - فقد اتفقوا على أن العقوبات الاقتصادية والمصرفية لن يتم رفعها ما لم تتحقق الوكالة الدولية للطاقة الذرية من أن المواقع النووية الإيرانية المعلن عنها لا تستخدم إلا للأغراض المدنية من إنتاج الطاقة والنظائر المشعة الطبية. وعملية التحقق، المعروفة باسم «يوم التنفيذ»، قد لا تبدأ قبل شهور عقب إبرام الاتفاق ونفاذه.
وكما أنهم اتفقوا كذلك على إجراءات «الدخول المنظم» للوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى المواقع النووية الإيرانية غير المعلن عنها والأماكن، ومن بينها المنشآت العسكرية، والتي يشتبه في إدارتها للأنشطة النووية السرية.
وقال أحد كبار المفاوضين الإيرانيين للمراسلين الأجانب: «ليس لدينا ما نخفيه».
وفي يوم 4 يوليو الحالي، عقد فندق كوبورغ بالاس، الذي تجري فيه المحادثات في حين يعسكر المئات من الصحافيين والمراسلين خارج أسواره، حفل عيد الاستقلال للوفد الأميركي المشارك والصحافيين الأميركيين المرافقين.
وأما كيري، والذي كان يرتدي قميصا وربطة عنق، فقد شارك في الاحتفالية وتناول شطائر الجبن باللحم المقدد. ولقد ألقى بخطاب قصير كان على ما يبدو موجها لدغدغة معنويات الخبراء الفنيين والموظفين الأميركيين الحاضرين والذين لم يرجع بعض منهم إلى الوطن منذ شهور.
وفي اليوم التالي، بدأت المحادثات في التعثر. في حين أصرت الولايات المتحدة وشركاؤها على الإجراءات الوقائية الموجبة للعودة إلى فرض حزمة العقوبات إذا ما انتهكت إيران التزاماتها حيال الجانب النووي من الاتفاق، طالبت إيران في ذات الأثناء بإجراء من شأنه تقديم الشكاوى إذا ما تعثرت دول مجموعة (5+1) في الوفاء بالتزاماتها.
وقال أحد الدبلوماسيين الإيرانيين إن «المهم هو المساواة».
وفي مساء يوم 5 يوليو، بعد جدالهما الصباحي حول الكرامة الوطنية، اجتمع كيري وظريف في غرفة صغيرة بالقرب من إحدى قاعات الطعام التي خصصها الفندق لوفود دول مجموعة (5+1)، (وكان الإيرانيون يتناولون الطعام في قاعة أخرى مستقلة). ولم يكن برفقتهما إلا أرنست مونيز وزير الطاقة الأميركي، وهو من علماء الفيزياء النووية، ونظيره الإيراني المدعو علي أكبر صالحي.
وروى أحد المسؤولين الأميركيين أن ظريف أراد إعادة التفاوض حول فترة مختلف القيود المفروضة على إيران في الاتفاق الجديد، وهو الطلب الذي رفضه الطرف الأميركي أو شعروا بأنها مسألة قد تم الاتفاق عليها وتجاوزها في الاتفاق الإطاري لشهر أبريل.
وقال المسؤول الأميركي: «كان كيري غاضبا. ودعوني أعيد صياغة ذلك لأقول، كان كيري مصرا على أن ذلك من شأنه أن يكون مشروعا محكوما عليه بالفشل من جانبه ومن جانب شركائه، كما أنه من غير الممكن إعادة التفاوض في بعض الأمور التي تم الاتفاق عليها بالفعل».
ومع ارتفاع أصواتهم، صارت المحادثات الداخلية مسموعة لأعضاء من الوفد الفرنسي الذين يتناولون طعامهم في القاعة المجاورة. ولقد انطلق أحد مساعدي كيري إلى داخل الغرفة، حيث يجتمع مع ظريف، ليخبره بضرورة الحديث بهدوء.
وفي مساء اليوم التالي، اجتمعت مجموعة كاملة من الوزراء مع الوفد الإيراني لعرض اقتراح يضم الكثير من المسائل العالقة، معتقدين أنه سيكون أمرا أكثر فعالية من مناقشتها بصورة مجزأة. وفي هذه المرة انفجر فيهم ظريف قائلا: «لا تهددوا الإيرانيين».
ومازحه سيرجي لافروف وزير الخارجية الروسي في محاولة منه لتهدئة الموقف قائلا: «أو الروس». إنه مجرد عرض، كما قال لظريف، وليس إنذارًا نهائيًا.
وقال أحد المسؤولين: «أدى الأمر لبعض مننا إلى القلق، أنه ربما هناك شيء آخر يجري. وربما أنه كان يخلص إلى عدم إمكانية حصوله على الموافقة على الاتفاق، أو ربما أن اتصالاته مع قيادته طلبا للإرشاد قد أعاقها عائق».
وإذا لم تكن مستعدا لإبرام الاتفاق، كما قال كيري لظريف، فإنه كان «على استعداد للعودة إلى الوطن».
وبعد مرور أكثر من ساعتين، تأجل الاجتماع. ثم اجتمعت دول مجموعة (5+1) منفردين في إحدى قاعات الطعام، من دون الموظفين المرافقين، لتقدير الموقف وأين يقفون. ولقد كانت أدنى نقطة في ماراثون المفاوضات حتى الآن، ثم ذهبوا إلى النوم من دون معرفة ما إذا كانت تلك النهاية أم لا.
ولكن في صباح اليوم التالي، الثلاثاء، 7 يوليو، ظهر ظريف في اجتماع وجها لوجه مع كيري وبحوزته استجابة شاملة على الاقتراح.
وقال المسؤول: «أيا كان ما حدث الليلة الماضية، فإننا تجاوزنا تلك المرحلة، وإننا الآن بصدد الحديث عن الجوهر».
وتم تنظيم اجتماع عبر شبكة الفيديو المؤمنة بين الرئيس أوباما وفريق الولايات المتحدة في مساء الأربعاء، 8 يوليو، في فيينا. ولقد التف الوفد الأميركي حول شاشة التلفاز في خيمة آمنة أقيمت خصيصا داخل إحدى الغرف بفندق كوبورغ.
وقال أحد كبار المسؤولين من واشنطن، متذكرا الاتفاق المعلق: «لقد كان كل شيء منظمًا ومرتبًا». وكانت النقاط العالقة الرئيسية، كما أفاد، تدور حول فترة قرار مجلس الأمن بالأمم المتحدة الذي سوف يصادق على الاتفاق ويضع له حدوده، وإدراج قرارات الحظر الحالية على المبيعات والمشتريات الإيرانية من الأسلحة التقليدية وتكنولوجيا الصواريخ الباليستية.
وقد أرادت الولايات المتحدة - المهتمة بشحنات الأسلحة الإيرانية إلى سوريا والجماعات الموالية لها في لبنان، واليمن وغيرها، وقررت عدم السماح لإيران بامتلاك القدرة على بناء الصواريخ طويلة المدى - الإبقاء على ذلك الحظر لأطول فترة ممكنة.
وكانت إيران قد دفعت منذ فترة طويلة بأن قرارات الحظر المذكورة ملحقة بالعقوبات الخاصة بالأسلحة النووية، وأنه ينبغي رفع قرارات الحظر اتساقا مع رفع باقي التدابير المقيدة كجزء من الاتفاق النووي.
ولقد شهدت القضية المزيد من التعقيد من جانب روسيا والصين اللتين كانتا حريصتين على بيع الأسلحة إلى الجانب الإيراني، حيث إنهما اتخذتا موقف إيران في تلك المسألة.
وقال لهم أوباما إنه من دون قرار مقبول، فلن يكون هناك اتفاق، وفقا للمسؤولين الأميركيين في فيينا وواشنطن. ولقد أوضح الرئيس الخطوط العريضة والمعاملات الرئيسية التي يستعد لقبولها.
ولم يكن الموعد النهائي المضروب من قبل الكونغرس من المسائل المقلقة، كما اتفقوا جميعا. أما الموعد النهائي المنفصل، والذي تنقضي فيه صلاحية القيود المؤقتة على البرنامج النووي الإيراني، فيمكن تمديده مجددا.
وكلما اقتربوا من إبرام الاتفاق خلال عطلة نهاية الأسبوع، كان كيري يريد أن يستقيم الأمر بينه وبين ظريف حيال مسألة وحيدة ومهمة. حيث سأله قائلا: «هل أنت مفوض بالإبرام الفعلي للاتفاق، وليس فقط من قبل الرئيس الإيراني، ولكن من قبل المرشد الأعلى»، مشيرا إلى آية الله علي خامنئي. ولقد أكد ظريف لكيري بأنه يحمل التفويض الكامل إزاء ذلك، وفقا لإفادة المسؤول الأميركي.
وبحلول يوم الأحد، تم تسوية كل المسائل تقريبا باستثناء الخلاف حول الحظر وفترات القرار الأممي. ولقد ذهب كيري لحضور القداس في كاتدرائية القديس ستيفن في فيينا.
وفي مساء الأحد والاثنين، عاد وزراء الخارجية الذين غادروا لقضاء عطلة نهاية الأسبوع إلى عقد الاجتماعات اللانهائية.
في نحو الساعة 10:30 مساء يوم الاثنين الماضي، كان كيري في جناحه الفندقي مجتمعا مع لافروف وفيديريكا موغريني منسقة السياسة الخارجية الأوروبية، حيث انضم إليهم ظريف لاحقا. ولقد طلبوا من الموظفين المرافقين مغادرة الجناح أثناء الاجتماع.
وبعد مرور نصف الساعة، خرج الدبلوماسيون ليعلنوا أنهم عملوا على تسوية كل القضايا الرئيسية. وأن الحظر على الأسلحة سيستمر لمدة خمس سنوات أخرى، وأن الحظر على تكنولوجيا الصواريخ الباليستية سيستمر لمدة ثماني سنوات. وسيستمر قرار الأمم المتحدة لعشر سنوات قادمة.
وفي تمام الساعة 11:50 مساء الاثنين، تحادث كيري عبر الهاتف مع أوباما.
وفي وقت مبكر من صباح الثلاثاء الماضي، اجتمع الوزراء مجددا.

* خدمة: «واشنطن بوست» خاص بـ {الشرق الأوسط}



كيف مهَّد تدريب سري في أفريقيا لواحدة من أخطر العمليات ضد البرنامج النووي الإيراني؟

شعار جهاز «الموساد» وخلفه علم إسرائيل (رويترز)
شعار جهاز «الموساد» وخلفه علم إسرائيل (رويترز)
TT

كيف مهَّد تدريب سري في أفريقيا لواحدة من أخطر العمليات ضد البرنامج النووي الإيراني؟

شعار جهاز «الموساد» وخلفه علم إسرائيل (رويترز)
شعار جهاز «الموساد» وخلفه علم إسرائيل (رويترز)

بعد أكثر من ثماني سنوات على واحدة من أكثر العمليات الاستخباراتية إثارة في تاريخ إسرائيل الحديث، كشف رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي السابق يوسي كوهين لأول مرة، عن أن القارة الأفريقية احتضنت التدريب الميداني الكامل الذي سبق عملية الاستيلاء على الأرشيف النووي الإيراني مطلع عام 2018.

ويُنظر إلى العملية، التي نفذها عملاء الموساد داخل منشأة سرية في طهران، على أنها نقطة تحول في مسار الملف النووي الإيراني، بعدما أسهمت المعلومات التي تم الحصول عليها في تعزيز الموقف الأميركي الداعي إلى الانسحاب من الاتفاق النووي المبرم بين إيران والقوى الكبرى عام 2015. وبعد أشهر من الإعلان عن نتائج العملية، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق، في خطوة أعادت رسم ملامح المواجهة بين واشنطن وطهران، وفقاً لصحيفة «جيروزاليم بوست».

ويرى عدد من المراقبين أن انهيار الاتفاق النووي، وتعثر الجهود اللاحقة للتوصل إلى بديل له، أسهما في دفع المنطقة نحو مرحلة جديدة من التصعيد، انتهت بمواجهات عسكرية مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران خلال عامي 2025 و2026، قبل أن ينجح الطرفان في التوصل إلى اتفاق جديد وُقّع في 17 يونيو (حزيران) الماضي.

سر احتفظ به الموساد لسنوات

ورغم أن كتاب «استهداف طهران» (Target Tehran) الصادر عام 2023 كشف عن جانب واسع من تفاصيل العملية، كما أضاف كوهين روايات جديدة في مذكراته «سيف الحرية» (The Sword of Freedom) الصادرة عام 2025، فإن سؤالاً أساسياً ظل بلا إجابة: أين جرى التدريب على تنفيذ العملية؟

واليوم، يجيب كوهين عن هذا السؤال بالإشارة إلى أفريقيا، من دون أن يكشف اسم الدولة التي استضافت التدريبات، وهي معلومة ظلت طي الكتمان لاعتبارات أمنية ودبلوماسية.

عملية غير مسبوقة

وحسب الرواية الإسرائيلية، تمكن عشرات من عناصر الموساد من التسلل إلى منشأة الأرشيف النووي الإيراني شديدة التحصين والبقاء داخلها مدة ست ساعات وتسعٍ وعشرين دقيقة، قبل أن تغادر القوة الموقع بوقت كافٍ من دون أن تكتشف السلطات الإيرانية ما حدث إلا بعد نحو ساعتين إضافيتين.

وأتاح ذلك للعملاء الاستيلاء على آلاف الوثائق والملفات الأصلية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، ثم إخراجها من البلاد في واحدة من أكثر العمليات تعقيداً في تاريخ العمل الاستخباراتي الحديث.

ولم يكن نجاح المهمة ممكناً من دون أشهر طويلة من التحضير والتدريب، شملت إنشاء نموذج مطابق تقريباً للمنشأة الإيرانية، بما في ذلك الخزائن الفولاذية الضخمة التي احتاج فتحها إلى معدات حرارية تصل درجات حرارتها إلى نحو 3600 درجة مئوية.

لماذا اختيرت أفريقيا؟

لم يوضح كوهين أسباب الكشف عن هذه المعلومة في هذا التوقيت، إلا أن مراقبين يرجحون أن يكون ذلك مرتبطاً بالتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين، وما تعرضت له المؤسسات الأمنية والعسكرية الإيرانية من ضربات خلال الحرب الأخيرة.

وأشار كوهين إلى أن تنفيذ تدريبات بهذا الحجم داخل إسرائيل كان سيحمل مخاطر كبيرة؛ إذ قد يؤدي إلى تسريب معلومات عن العملية أو إثارة انتباه جهات استخباراتية أجنبية، الأمر الذي كان سيهدد المهمة قبل انطلاقها.

وفي ظل استمرار الغموض حول هذا الجانب من العملية، يبقى الكشف عن القارة التي استضافت التدريبات إضافة جديدة إلى واحدة من أكثر قصص التجسس إثارة في العقد الأخير، في حين لا تزال تفاصيل أخرى من العملية تنتظر الخروج إلى العلن، إن خرجت يوماً.


واشنطن تتمسك باتفاق مع طهران… لكن ليس «بأي ثمن»

 روبيو يغادر البحرين بعد جولة شرق أوسطية تناولت الاتفاق المؤقت بين واشنطن وإيران (رويترز)
روبيو يغادر البحرين بعد جولة شرق أوسطية تناولت الاتفاق المؤقت بين واشنطن وإيران (رويترز)
TT

واشنطن تتمسك باتفاق مع طهران… لكن ليس «بأي ثمن»

 روبيو يغادر البحرين بعد جولة شرق أوسطية تناولت الاتفاق المؤقت بين واشنطن وإيران (رويترز)
روبيو يغادر البحرين بعد جولة شرق أوسطية تناولت الاتفاق المؤقت بين واشنطن وإيران (رويترز)

أكدت الولايات المتحدة، الخميس، تمسكها بمواصلة المفاوضات مع إيران للتوصل إلى اتفاق نهائي ينهي الحرب، لكنها شددت على أن أي تفاهم يجب أن يكون «حقيقياً وقابلاً للتحقق»، في وقت دخلت المحادثات مرحلة أكثر حساسية مع انتقالها من المبادئ العامة إلى بحث آليات التنفيذ، وسط استمرار التباينات بين الجانبين بشأن البرنامج النووي، ومستقبل مضيق هرمز، وترتيبات وقف القتال في لبنان.

وجاءت تصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بالتزامن مع تحركات دبلوماسية إيرانية ركزت على تنسيق الترتيبات المؤقتة للملاحة في مضيق هرمز مع سلطنة عُمان، بينما أصدر «الحرس الثوري» تحذيراً جديداً بشأن عبور السفن، وأعاد التأكيد على موقف طهران من الوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان، قبل أيام من استئناف الجولة الثانية من المحادثات الفنية في سويسرا.

اتفاق قابل للتحقق

وقال روبيو إن الولايات المتحدة لا تزال تسعى إلى التوصل لاتفاق مع إيران، لكنها لن تقبل بتسوية لا توفر ضمانات واضحة وقابلة للتنفيذ.

وأضاف، خلال اجتماع مع وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي في البحرين، أن واشنطن «ترغب في اتفاق، لكنها لا تريد اتفاقاً بأي ثمن»، موضحاً أن الهدف هو التوصل إلى «اتفاق جيد، واتفاق حقيقي، واتفاق قابل للتحقق، واتفاق يُلتزم به».

وأكد أن الولايات المتحدة «منفتحة على السلام»، لكنها تريد «سلاماً دائماً وحقيقياً لا يقوض بأي شكل أمنها وازدهارها».

وتأتي تصريحات روبيو بعد أسبوع من توقيع الولايات المتحدة وإيران مذكرة تفاهم أنهت الحرب وفتحت الباب أمام مفاوضات تمتد ستين يوماً للتوصل إلى اتفاق أشمل يعالج القضايا النووية والاقتصادية والأمنية.

وفي هذا السياق، أعلن روبيو أن المحادثات الفنية بين البلدين ستُستأنف يومي 29 أو 30 يونيو (حزيران) في سويسرا. وقال: «الفريق الفني سيعود، على ما أعتقد، في 29 أو 30... وأعتقد أنهم سيعودون إلى سويسرا، إذا لم أكن مخطئاً».

وتمثل هذه الجولة أول اختبار عملي لمذكرة التفاهم، إذ يفترض أن تنتقل المفاوضات من المبادئ العامة إلى وضع آليات تنفيذية للاتفاق، بما يشمل البرنامج النووي، ورفع العقوبات، والرقابة، وإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية.

وكانت طهران قد أعلنت أن الجولة الفنية الأولى انتهت إلى تشكيل أربع مجموعات عمل، تتولى ملفات رفع العقوبات، والبرنامج النووي، وإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية، وآليات الرقابة والتنفيذ، على أن تعمل تحت إشراف اللجنة العليا للمفاوضات.

هرمز خط التماس

وبقي مضيق هرمز أكثر الملفات تعقيداً في المرحلة الحالية، مع تمسك واشنطن برفض أي رسوم على الملاحة، مقابل إصرار طهران على أن ترتيبات العبور لن تعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب.

وقال روبيو إن «حقيقة الأمر أنه لا يحق لأي دولة على وجه الأرض فرض رسوم على استخدام الممرات المائية الدولية»، مؤكداً أن ذلك «لن يكون أبداً شرطاً مقبولاً في أي اتفاق».

وأضاف أن قبول فرض رسوم على استخدام ممر مائي دولي «سيمتد إلى باقي العالم كالعدوى»، مشدداً على أن «الممرات المائية الدولية لا تتبع لأي بلد، وهذا مبدأ أساسي في العالم اليوم، ومن دونه ستعم الفوضى».

وأوضح أن العُمانيين أبلغوا واشنطن بأنهم لا يدعمون فرض نظام لتحصيل رسوم على عبور مضيق هرمز، مضيفاً أنه لا يعرف «أي دولة في العالم تؤيد فرض رسوم عبور أو بدلات مرور لاستخدام المضيق».

وجاءت تصريحات روبيو بعد يوم واحد من تأكيد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن إيران أبلغت الولايات المتحدة بأنها لا تعتزم فرض أي رسوم عبور أو تكاليف تأمين أو أعباء مالية أخرى على السفن العابرة لمضيق هرمز.

وقال ترمب إن طهران أكدت لواشنطن أنه «لا توجد أي رسوم عبور، ولا تكاليف تأمين، ولا أي رسوم أخرى من أي نوع تسعى إيران إلى فرضها أو تحصل عليها من السفن التي تعبر مضيق هرمز»، محذراً من أن ثبوت خلاف ذلك سيعني إنهاء المفاوضات «فوراً».

وفي الوقت نفسه، أكد روبيو أن دول المنطقة أبدت مخاوف جدية بشأن عدد من ملفات الاتفاق، لكنه شدد على أن الولايات المتحدة لن تقدم أي تنازل يقوض أمن شركائها أو يغير المبادئ الأساسية المتعلقة بحرية الملاحة.

وفي أحدث رد إيراني على التصريحات الأميركية بشأن آلية استخدام الأصول الإيرانية المفرج عنها، هاجم رئيس البرلمان وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة محمد باقر قاليباف الرواية الأميركية، قائلاً إن واشنطن «تزعم زوراً» أن هذه الأموال ستُستخدم لهذا الغرض.

وكتب قاليباف على منصة «إكس»: «المحصول الوحيد الذي نحصدُه هو ما زرعتموه: عقود من انعدام الثقة»، مضيفاً أن هذا المحصول «عضوي، وفير، ومحلي». وأضاف أن الولايات المتحدة «لا تصدّر سوى فول الصويا المعدل وراثياً، والوعود المنقوضة، والخطابات المتشددة».

ممر بشروط إيرانية

بالتوازي مع الموقف الأميركي، كثفت طهران اتصالاتها مع سلطنة عُمان التي تضطلع بدور رئيسي في ملف الملاحة عبر مضيق هرمز.

وأجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ونظيره العُماني بدر البوسعيدي اتصالاً هاتفياً بحثا خلاله آخر التطورات الإقليمية، والملفات ذات الاهتمام المشترك.

واستعرض الجانبان المستجدات المتعلقة بحركة الملاحة في مضيق هرمز، والترتيبات المؤقتة المقررة لفترة الستين يوماً، وأكدا أهمية استمرار التنسيق والمشاورات الثنائية، ومواصلة الاتصالات الفنية والخبرائية بشأن هذا الملف.

كما أعرب الوزيران عن ارتياحهما لنتائج الزيارة الأخيرة التي قام بها الوفد الإيراني إلى مسقط، والمباحثات التي جرت خلالها، مؤكدين مواصلة التنسيق ومتابعة الملفات المشتركة عبر القنوات الدبلوماسية والتعاون المستمر بين البلدين.

وجاء هذا الاتصال بعد إعلان طهران ومسقط أنهما ستبحثان الإدارة المستقبلية للملاحة في المضيق، والخدمات والترتيبات المرتبطة به، فيما أكد وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي لاحقاً أن الترتيبات المستقبلية الخاصة بهرمز «لا تتضمن فرض أي رسوم للعبور».

وقالت وزارة الخارجية العُمانية، في بيان، إن الاتصال تناول متابعة نتائج زيارة قاليباف إلى سلطنة عُمان، والتفاهم حول آلية التعاون المشترك لتحقيق أهداف مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية، خصوصاً ما يتعلق بحرية الملاحة في مضيق هرمز.

وأضافت أن الوزيرين بحثا الترتيبات المؤقتة ذات الصلة، بما ينسجم مع قواعد القانون الدولي واحترام سيادة الدول، وأعربا عن ارتياحهما لزيارة الوفد الإيراني إلى مسقط وما شهدته من مباحثات «بنّاءة»، مؤكدين أهمية مواصلة التشاور ومتابعة القضايا ذات الاهتمام المشترك عبر القنوات الدبلوماسية، بما يعزز التعاون المستمر بين البلدين.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصافح رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف فيما يتابع نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس وجاريد كوشنر المشهد قبل انطلاق الاجتماع الرباعي بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان وقطر في منتجع بورغنستوك المطل على بحيرة لوسيرن (أ.ف.ب)

وبالتوازي مع التحركات الدبلوماسية، وجّه «الحرس الثوري» رسالة مباشرة بشأن مستقبل الملاحة في مضيق هرمز، مؤكداً أن المرور خلال المرحلة الحالية سيخضع للترتيبات التي أعلنتها إيران، رغم استمرار المفاوضات مع الولايات المتحدة.

وقال «الحرس الثوري»، في بيان، إن «المسار الوحيد المسموح به للعبور عبر مضيق هرمز هو المسار الذي أعلنته الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، محذراً من أن أي عبور خارج هذا المسار أو من دون إذن من السلطات الإيرانية سيكون «غير مقبول وخطيراً».

ونقلت وكالة رويترز عن البيان أن «العبور الآمن عبر مضيق هرمز ممكن فقط عبر المسارات التي تحددها إيران»

وأضاف أن السفن التي لا تلتزم بالتعليمات الإيرانية ستواجه «الإجراءات المناسبة»، من دون أن يوضح طبيعة تلك الإجراءات.

ويأتي البيان في وقت لا يزال فيه مضيق هرمز يمثل إحدى أكثر القضايا تعقيداً في المفاوضات الأميركية - الإيرانية، إذ تنص مذكرة التفاهم الموقعة الأسبوع الماضي على السماح بمرور السفن التجارية عبر المضيق من دون فرض رسوم طوال مهلة الستين يوماً المخصصة للتفاوض على اتفاق نهائي.

وتبقى ترتيبات الملاحة بعد انتهاء مهلة الستين يوماً إحدى أبرز نقاط الخلاف بين واشنطن وطهران. وتعكس هذه المواقف استمرار التباين بين الطرفين بشأن أحد أكثر البنود حساسية في مذكرة التفاهم، حتى مع بدء العمل على التفاصيل التنفيذية في اللجان الفنية.

لبنان على الطاولة

إلى جانب مضيق هرمز، بقي الملف اللبناني حاضراً في المفاوضات بين واشنطن وطهران، وإن كان خارج أولويات الجولة الفنية الحالية.

وقال روبيو إن دعم إيران لـ«حزب الله» سيُطرح في المراحل اللاحقة من المفاوضات، مؤكداً في الوقت نفسه استمرار المسار المنفصل للمحادثات المباشرة بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية، الذي استؤنف هذا الأسبوع في واشنطن.

ويمثل هذا الموقف استمراراً للرؤية الأميركية التي تفصل بين التفاوض مع إيران وبين الاتصالات المباشرة الجارية بين بيروت وتل أبيب، في حين تصر طهران على أن وقف الحرب في لبنان جزء لا يتجزأ من أي تسوية إقليمية شاملة.

وكان رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف قد أكد، الأربعاء، أن وقف إطلاق النار في لبنان «كان ولا يزال» بالنسبة إلى إيران بأهمية وقف إطلاق النار في إيران، معتبراً أن إنهاء الحرب على الجبهة اللبنانية لا يقل أهمية عن إنهاء الحرب التي دارت بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.

وقال قاليباف إن إدراج لبنان في مذكرة التفاهم يعكس تمسك طهران بربط جميع الجبهات التي شهدت مواجهات خلال الحرب الأخيرة، وهو ما تراه إيران جزءاً من أي اتفاق دائم.

وفي موازاة المسار السياسي، صعّد قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» إسماعيل قاآني لهجته تجاه إسرائيل، مؤكداً أن وجودها العسكري في جنوب لبنان يجب أن ينتهي.

ونقلت وسائل إعلام إيرانية رسمية عن قاآني قوله إن على إسرائيل أن «تنسحب طوعاً من كامل الأراضي اللبنانية، وإلا ستُجبر على الفرار مهزومة».

وتعتبر طهران أن تنفيذ هذا الالتزام يستوجب انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، بينما تؤكد إسرائيل أنها ستواصل انتشارها العسكري طالما رأت أن «حزب الله» يشكل تهديداً لقواتها وسكانها.

اختبار الستين يوماً

وبينما تؤكد واشنطن أنها تريد اتفاقاً «حقيقياً وقابلاً للتحقق» ولن تقبل به «بأي ثمن»، تتمسك طهران بأن تنفيذ أي التزامات سيظل مرتبطاً بنتائج المفاوضات النهائية. ومع اقتراب استئناف الجولة الفنية في سويسرا، تتجه الأنظار إلى قدرة الطرفين على تحويل المبادئ العامة الواردة في مذكرة التفاهم إلى ترتيبات تنفيذية واضحة في ملفات البرنامج النووي، ومضيق هرمز، ولبنان، وهي الملفات التي ستحدد مستقبل الاتفاق المؤقت وإمكان تحوله إلى اتفاق نهائي.

ومع اقتراب عودة الوفود الفنية إلى سويسرا، تتجه الأنظار إلى قدرة الجانبين على تحويل المبادئ العامة التي أرستها مذكرة التفاهم إلى ترتيبات تنفيذية واضحة، في ملفات تتداخل فيها الاعتبارات النووية والأمنية والإقليمية، وتشكل في مجموعها الاختبار الأول لمدى صمود الاتفاق المؤقت وإمكانية تطويره إلى اتفاق نهائي.


جمهوريو مجلس الشيوخ يرضخون لضغط ترمب بشأن إيران

TT

جمهوريو مجلس الشيوخ يرضخون لضغط ترمب بشأن إيران

منظر لقبة مبنى الكابيتول الأميركي في كابيتول هيل بواشنطن العاصمة سبتمبر الماضي (رويترز)
منظر لقبة مبنى الكابيتول الأميركي في كابيتول هيل بواشنطن العاصمة سبتمبر الماضي (رويترز)

بدأت المواجهة خلال مأدبة غداء، فيما بدأت محاولة احتواء تداعياتها بعد العشاء. فبعد ساعات من مواجهة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بغضب، أعضاء جمهوريين في مجلس الشيوخ لانضمامهم إلى الديمقراطيين في إقرار قرار بشأن صلاحيات الحرب ينتقد طريقة تعامله مع الحرب في إيران، أعاد القادة الجمهوريون طرح مشروع قرار آخر يكاد يكون مطابقاً له.

وفي تصويت انتهى بنتيجة 50 مقابل 47، مع تصويت عضو واحد بـ«الحضور»، أسقط الجمهوريون القرار في خطوة رمزية إلى حد كبير لم تغيّر شيئاً في القرار الذي أقره مجلس الشيوخ بفارق ضئيل في اليوم السابق. وبدلاً من ذلك، شكّلت الخطوة رسالة واضحة لتهدئة رئيس غاضب كان قد وبّخهم قبل ساعات.

ومن بين أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين الذين صوّتوا الثلاثاء لصالح قرار يطالب ترمب بإنهاء الحرب مع إيران أو الحصول على موافقة الكونغرس لمواصلتها، غيّر اثنان موقفهما، هما السيناتور بيل كاسيدي عن لويزيانا، والسيناتور راند بول عن كنتاكي.

السيناتور الأميركي بيل كاسيدي يغادر بعد مأدبة غداء أقامها الجمهوريون في مجلس الشيوخ مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب بمبنى الكابيتول (إ.ب.أ)

وقال كاسيدي، الذي واجه ترمب بغضب قبل ساعات بسبب غياب الشفافية بشأن وضع الحرب، إنه غيّر تصويته بعد اجتماع في البيت الأبيض مع نائب الرئيس جي دي فانس، والمبعوث الرئاسي الخاص ستيف ويتكوف.

وقال بعد دقائق من تصويته ضد القرار: «كنت سأصوّت بنعم، لكنني حضرت جلسة إحاطة هذا المساء، وكانت شاملة»، مضيفاً: «لقد طمأنني ذلك».

أما بول، الذي صوّت بـ«الحضور»، فقال إن تصريحات ترمب خلال اجتماع الغداء مع أعضاء مجلس الشيوخ أثرت في تصويته، وإن لم تغيّر قناعاته بشأن الحرب أو دور الكونغرس في إعلانها.

وقال بول: «استمعت إلى الرئيس اليوم، والرئيس يرى أن ذلك يقلّص نفوذه في التوصل إلى اتفاق، وأعتقد أنه من المهم أن تكون هناك مفاوضات سلام».

واحتفى ترمب بالتصويت الذي جرى في وقت متأخر من مساء الأربعاء، وشكر القادة الجمهوريين في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، زعم فيه، على غير الصحيح، أن مجلس الشيوخ «غيّر تصويته بشأن إيران». وقال إن التصويت الجديد «يوجه رسالة تحذير إلى إيران».

لكن هذه المناورة لم تُلغِ تصويت الثلاثاء، الذي كان أول إجراء يتعلق بصلاحيات الحرب يوافق عليه الكونغرس منذ اندلاع الحرب، ولا يزال سارياً. كما أن تصويت الأربعاء لم يُلغِ القرار السابق أو يحل محله. ومع ذلك، سعى الجمهوريون إلى تصوير الخطوة الإجرائية على أنها فرصة لـ«إعادة التصويت»، رغم أن الإجراء الأول لا يمكن محوه ببساطة من خلال تصويت لاحق على تشريع مختلف.

وقال السيناتور الديمقراطي تيم كين، عن ولاية فرجينيا، صاحب القرار الذي أعاد القادة الجمهوريون طرحه: «ذلك القطار غادر المحطة بالفعل».

وأوضح أن قواعد الأداة الإجرائية المستخدمة لطرح التصويت تعني أن تصويت الأربعاء على إسقاط ما يُعرف بـ«طلب المضي في النظر» لا يمنعه من فرض تصويت جديد على القرار نفسه في وقت لاحق، وإنما يمنع المجلس فقط من الانتقال إلى التصويت النهائي عليه في هذه المرحلة.

وأضاف: «مشروعي ما زال في الموقع نفسه تماماً الذي كان فيه قبل هذا التصويت».

السيناتور الديمقراطي تيم كين (يسار) يتحدث مع السيناتور الديمقراطي كريس مورفي قبيل بدء جلسة لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ بمبنى الكابيتول بواشنطن 18 يونيو 2026 (أ.ب)

وأبرز هذا التسلسل غير المعتاد مدى استعداد قادة الحزب الجمهوري لبذل جهود لاحتواء أحدث مواجهة بين ترمب وبعض أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين المتشككين في الحرب، التي اندلعت خلال اجتماع غداء مغلق في وقت سابق من اليوم.

وكان ذلك آخر تصويت يجريه أعضاء مجلس الشيوخ قبل بدء عطلة برلمانية مقررة تستمر حتى 13 يوليو (تموز). وجاء في ختام يوم مضطرب في الكابيتول بدأ بعدما ألغى ترمب بشكل مفاجئ مراسم التوقيع على مشروع قانون للإسكان يحظى بدعم الحزبين، كان الجمهوريون قد بدأوا بالفعل الترويج له بوصفه أحد أبرز إنجازاتهم قبل انتخابات التجديد النصفي.

ووصف ترمب مشروع القانون بأنه «ثانوي»، وحث الجمهوريين بدلاً من ذلك على الإسراع في إقرار مشروع قانون يتعلق بالانتخابات، رغم إقرارهم بأنه لا يحظى بالأصوات الكافية للمضي قدماً.

وخلال اجتماع الغداء، أوضح ترمب أنه غاضب أيضاً من إقرار مجلس الشيوخ، الثلاثاء، قراراً يطالبه بإنهاء الحرب مع إيران أو الحصول على موافقة الكونغرس لمواصلتها. وكان أربعة جمهوريين قد انضموا إلى الديمقراطيين في ذلك التصويت، فيما أُقر القرار بسبب غياب عضوين جمهوريين آخرين.

وحسب عدد من المشرعين الذين حضروا اجتماع الأربعاء، وبّخ الرئيس الجمهوريين الذين صوّتوا مع الديمقراطيين، وخصّ عدداً من أعضاء مجلس الشيوخ بالاسم، قبل أن يتحول الاجتماع إلى مشادة كلامية بينه وبين كاسيدي، الذي أصبح من أبرز منتقدي الرئيس داخل الحزب بعد خسارته الانتخابات التمهيدية أمام منافس مدعوم من ترمب.

وكان من أبرز اعتراضات كاسيدي أن أعضاء مجلس الشيوخ لم يحصلوا حتى ذلك الوقت على إحاطة شاملة بشأن الحرب مع إيران. وبعد ساعات، توجّه إلى البيت الأبيض لحضور إحاطة حول الحرب مع إيران مع فانس وويتكوف.

وقال كاسيدي، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، إن الاجتماع تناول «كثيراً من مخاوفي» بشأن الحرب مع إيران.

كما استفاد قادة الجمهوريين في مساعيهم لإسقاط القرار من حضور السيناتور ديف ماكورميك عن ولاية بنسلفانيا، الذي غاب عن تصويت الثلاثاء لأنه كان يرافق ترمب في ذلك الوقت.

لكن التوتر مع المشرعين بشأن الحرب مرشح للاستمرار، بعدما طلب ترمب، الأربعاء، الموافقة على إنفاق إضافي بقيمة 87.6 مليار دولار خلال العام الحالي لتمويل الحرب وعدد من البرامج الأخرى غير المرتبطة بها، وهو طلب بدا أنه محكوم عليه بالفشل منذ لحظة وصوله إلى مجلس الشيوخ.

*خدمة «نيويورك تايمز»