بريطانيا 2023... التقشّف يمسّ أسس «القوّة الناعمة»

قرار حكومي «خطير» بتخفيض التمويل للفنون والثقافة والتعليم الجامعيّ

دار الأوبرا بلندن (غيتي)
دار الأوبرا بلندن (غيتي)
TT

بريطانيا 2023... التقشّف يمسّ أسس «القوّة الناعمة»

دار الأوبرا بلندن (غيتي)
دار الأوبرا بلندن (غيتي)

في خضم الضغوط التضخميّة الهائلة التي يتعرّض لها الاقتصاد البريطاني، وبعد تخبّط الحكومات المتعاقبة في منهجيّاتها المختارة لإدارة الأزمة، انتهى الأمر مع الحكومة الجديدة إلى اختيار طريق التقشّف، وإلزام المملكة للخضوع لسياسة «شد الأحزمة» لخمس سنوات مقبلة على الأقل؛ بغرض تمويل عجز في الميزانيّة يتوقّع أن يصل إلى 50 مليار جنيه إسترليني.
وفي الواقع فإن بريطانيا لم تخرج بداية عن سياسة التقشّف المستمرة واقعيّاً منذ أن اختارت السلطات استيعاب صدمة الأزمة الماليّة العالميّة في 2008 وما تلاها عبر تقليص نفقاتها على الخدمات العامّة، وتأجيل الاستثمارات الرأسماليّة في تطوير البنية التحتيّة، مع شبه تجميد للأجور على مستوياتها منذ عقدين تقريباً.
رهان النّخبة البريطانيّة المعاصرة دائماً هو على منعة مصادر اقتصاد البلاد القائم أساساً على مناحي القوّة الناعمة لا الماديّة المحض. فهذه المملكة لم تعد بعُشر قوتها العسكريّة أمام جبروتها أيّام الإمبراطوريّة الغاربة، ولم تعد حواضرها في مانشستر ولندن وليفربول مراكز للصناعات الاستراتيجيّة، وليست هي بحال قادرة على الاكتفاء الذاتيّ من الإنتاج الزراعيّ أو الطاقة أو حتى التكنولوجيّات المتخصصة دون الارتباط العضوي بالشبكات على البرّ الأوروبيّ، لكنّها مع ذلك مركز إقليمي للاستثمارات المالية والبنوك وتجارة الأسهم، وقطب سياحي هائل يتوفر على أدوات جذب تاريخيّة وحضريّة وثقافيّة وفنيّة وأكاديمية وفرص للتسوّق لا تكاد في مجموعها تُضاهى، ويسندها قطاع خدمات ممتاز، ناهيك عن نظام تعليمي وجامعيّ وبحثيّ متقدّم مرتبط بلغة صارت الأولى في عالم المال والأعمال والأكاديميات، وكذلك ماكينة نشر وإنتاج ثقافيّ وفنيّ ضخمة، وقطاع رياضيّ عالميّ الشعبيّة.
على أن تخبّط الحكومات المتعاقبة وسياساتها التقشفيّة العدميّة اتخذت في هذه الجولة الأخيرة منحنى ينذر بالخطر الشديد، بعدما استهدفت بالتخفيض والتقليص والإلغاء الميزانيات والإعفاءات للأعمدة التي تستند إليها القوّة البريطانيّة الناعمة.
خذ مثلاً في التسوّق، إذ طالما كانت لندن نقطة لا بدّ منها على خريطة التبضّع لأثرياء العالم وطبقاته البرجوازيّة، لكّن الحكومة الحاليّة قررت إلغاء إمكانيّة استرداد ضريبة القيمة المضافة (نحو 17 في المائة) من قبل الزوار غير المقيمين، الأمر الذي جعل أسعار لندن غير منافسة أبداً مقارنة، لنقل، بعواصم أوروبيّة أخرى مثل باريس وأمستردام وبرلين ومدريد، لتتراجع مبيعات الماركات الفاخرة بأكثر من النصف تقريباً، وهو ما يهدد شركات عدّة بالإفلاس، أو سيجبرها على الانتقال إلى البرّ الأوروبيّ لإدارة عملياتها واستثماراتها.
وتتعرض هيئة الإذاعة البريطانيّة، وهي من هي في الإعلام والإنتاجات الثقافيّة والفنيّة، إلى ضغوط مماثلة لتخفيض الإنفاق على نحو تسبب في إغلاق أنشطة إذاعيّة عدة وقنوات غير مربحة تجاريّاً، ولا شكّ سيؤدي ذلك إلى تراجع القدرة على المنافسة مع منتجي المادة الثقافيّة في الغرب عموماً وفي الولايات المتحدة تحديداً.
كما تشتكي الجامعات ومراكز البحث البريطانيّة من فقدانها الجاذبيّة التي كانت تتمتع بها من قبل وتسمح باستقطاب أفضل الكوادر الأوروبيّة والعالمية؛ بسبب تغيّر أنظمة الإقامة بعد قرار المملكة ترك عضوية الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى تراجع فرص التمويل المكثّف التي كانت تتمتع بها من ميزانية التكتل الأوروبيّ.
لكن الأخطر الآن قد يكون قرار الحكومة الأحدث بتخفيض التمويل بشكل دراماتيكي لقطاعات الفنون والثقافة والتعليم الجامعيّ المرتبط بها، إذ إنه على الرّغم من صغر تلك الميزانيّات نسبيّاً، فإنّها ستتعرض لضغوط تقشفيّة جذريّة الطابع، وستجعل أكثر من نحو 850 منظمة وهيئة وطنيّة، تعنى بجوانب من مصادر قوة بريطانيا الناعمة، في مأزق غير مسبوق بينما تدير نشاطاتها خلال الفترة المقبلة، إذ تلقى مجلس الفنون في إنجلترا تعليمات صريحة من الوزارة المعنيّة (وزارة الرقمية والثقافة والإعلام والرياضة) بتقليص الميزانيات المرصودة للسنوات الثلاث المقبلة، كما قرر وزير التعليم من جهته خفض الميزانية السنوية لدعم تعليم موضوعات الفنون والثقافة والإعلام والمسرح والتصميم في التعليم العالي بالجامعات بإنجلترا، من 36 مليون جنيه إسترليني إلى 19 مليوناً، على أن تحوّل قيمة تلك التخفيضات لدعم تعليم تخصصات العلوم الأساسيّة والتكنولوجيا والهندسة.
ويغفل وزير التعليم في قراره حقيقة أن قطاع الفنون والثقافة على الرغم من تصنيفه في حقل «القوة الناعمة» فإنّه أسهم حتى في قلب أزمة «كوفيد» عام 2020 برفد الاقتصاد القومي بمبلغ يقارب 11 مليار جنيه إسترليني مباشرة دون احتساب المساهمات الجانبيّة في رفد القطاعات الأخرى، وحقق نمواً عن السنة السابقة بمقدار 390 مليون جنيه إسترليني.
ومن الجليّ أن هجمة حكومات المحافظين المتعاقبة هذه على مصادر «القوّة الناعمة» للمملكة المتحدة نتاج نظرة شعبويّة قاصرة تتعامل مع السياسة استناداً إلى الرأي العام العابر، وتستهدف بشكل أو آخر إعادة الفنون والثقافة إلى حيّز الطبقات المرفهة بعيداً عن متناول المواطن العاديّ، وتكاد تكون تكراراً للتسرع الشعبوي في ترك عضوية الاتحاد الأوروبيّ والتي تتجه المؤشرات كافة الآن إلى اعتباره قراراً خاطئاً بكل أبعاده، الاقتصادية والثقافيّة، بما في ذلك موقف الناخبين نفسه الذي يميل الآن لمصلحة البقاء في نطاق تلك العضويّة.
الجهات المعنيّة بالثقافة عبّرت عن دهشتها من فشل متخذي القرار في فهم التفاعل التاريخيّ بين العلم والثقافة، لا سيّما في المملكة المتحدة. واستحضر أحدهم كيف تشاركت الأكاديميّة الملكيّة للفنون المبنى ذاته في سومرست مع الجمعيّة العلميّة الملكيّة في أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، حيث كان الفنانون العظام ومؤسسو العلوم الحديثة يلتقون ويعملون جنباً إلى جنب ويتبادلون الأفكار.
وبالطبع فإن أي مؤرخ ناشئ للثورة الصناعيّة التي كان مهدها بريطانيا سيجد صعوبة كبيرة في فصل مسارات تطوّر الأفكار الفلسفيّة والفنيّة عن القفزات العلميّة التي شهدتها تلك المرحلة وأنتجت للعالم النظام الرأسماليّ بصيغته الحديثة. لكن وزراء الحكومة الحاليين يرون أن الخيال والإبداع الفكريّ والفنيّ والأدبي ترف ينبغي التخلّص منه الآن في هذه الأوقات العصيبة.
وبالطبع فإن اقتطاع التمويل عن قطاع الثقافة والفنون يعني حكماً الأموال التي يتم ضخها حالياً لدعم العمليّات الإبداعيّة في المناطق الأقل حظاً في بريطانيا خارج العاصمة، وهي المناطق ذاتها التي رفدت البلاد بأهم فنانيها المعاصرين الذين انحدروا من خلفيات الطبقة العاملة، وكانوا من دون الفرص التي قدمتها مؤسسات ثقافية وفنية سيضيعون في شبكات التعليم التقليدي، وستنتهي الفنون والثقافة تالياً إلى فضاءات محتكرة يقتصر عبورها على الطبقات المتيسرة مادياً.
لا مندوحة بالطبع عن تفهّم الحاجة الماسة إلى إجراء خفض في النفقات وإعادة تقييم طرائق الصرف الحاليّة للأموال العامّة.
لكن المسألة تتعدى ذلك إلى تحديد الأولويات. فلا يعرف كثيرون مثلاً أن الحكومة البريطانيّة قد طلبت للتو يختاً فاخراً مخصصاً للرحلات الملكيّة البحريّة علماً بأنّه سيكلف دافعي الضرائب سعراً معلناً قدره 250 مليون جنيه إسترليني.
وبالطبع فإن مثل هذا المشروع ليست له أية أغراض عمليّة باستثناء استعراض «القوة الناعمة» للمملكة المتحدة، وسيتحوّل فور تسلمه إلى مصدر تكلفة مستمرة.
ولكن ألا يمكن تحقيق تأثير «ناعم» أكبر ينعكس إيجاباً على نطاق أوسع وأكثر إنتاجيّة من خلال دعم المبدعين في الموسيقى والأدب والسينما والفنون الأدائية للحصول على فرص أفضل لإلهام العالم وتحفيز التبادلات مع جهاته الأربع؟
إن هذه الإمبراطوريّة المتقاعدة ليست على ما يرام.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
TT

مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)

أكدت وزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة جيهان زكي، أن الوزارة بصدد تنفيذ استراتيجية متعددة الأبعاد لنشر الثقافة والوعي والفنون والاحتفاء بالرموز الوطنية وبالمبدعين المصريين في كل أنحاء العالم.

وقالت خلال لقائها، رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، الاثنين، إن من ضمن خطة الوزارة أنه سيتم إطلاق منصة موحدة لمتاحف رموز الدولة المصرية؛ للتعريف بمسيرة تلك الرموز عبر أشكال رقمية لافتة، مثل «الريلز» وغيرها من داخل تلك المتاحف، بشكل رقمي جاذب للأجيال المُستهدفة، بالإضافة إلى تنظيم رحلات للمدارس والجامعات إلى تلك المتاحف لربط الأجيال بالرموز الوطنية، والترويج لزيارتها من خلال برامج مع وزارة السياحة، وتنفيذ برامج أخرى لتسويق التراث الوطني.

ومن المتاحف التي تخص رموزاً وطنية في مجالات شتى وتابعة لوزارة الثقافة، متحف سعد زغلول «المركز الثقافي بيت الأمة» ومتحف «رامتان» منزل «عميد الأدب العربي» طه حسين، ومتحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» ومتحف محمود مختار، ومتحف أم كلثوم ومتحف محمد عبد الوهاب.

وترتكز خطة الوزارة خلال الفترة المقبلة على ثلاثة أبعاد، هي «البعد الاجتماعي» ويستهدف تحقيق العدالة الثقافية وضمان الثقافة بصفتها حقاً للجميع، ثم «البعد الوطني»، ويسعى لضمان الأمن الثقافي عبر حماية الهوية والوعي، وأخيراً «البعد الحضاري»، ويرمي إلى تمكين المبدعين ونشر الإبداع في مصر، وفق بيان لرئاسة الوزراء، الاثنين.

ويستند البعد الاجتماعي إلى إرساء مبدأ العدالة الثقافية، وأكدت الوزيرة أنه من المخطط البدء الفوري في تطوير 30 قصر ثقافة في محافظات عدة، وذلك مرحلة أولى خلال 12 شهراً، وفق خطة تستهدف رفع جودة الخدمات الثقافية المُقدمة في القصور المطورة وزيادة إقبال المواطنين عليها.

وزيرة الثقافة خلال عرض خطة عمل الوزارة بمجلس الوزراء (رئاسة مجلس الوزراء)

بينما يهدف البعد الوطني إلى إنشاء برنامج متخصص لجيلَي «زد وألفا» يجمع بين التكنولوجيا والتراث المصري عبر تطبيقات تفاعلية وألعاب تعليمية ورحلات ثقافية، مع دمج المحتوى الثقافي المصري الأصيل في مناهج التعليم الأساسي لجميع المراحل لتعريف الأجيال بهويتهم وتراثهم.

ويتخذ البعد الحضاري شعار «مصر تبدع للعالم»، ويستهدف الاحتفاء بالمبدعين المصريين في كل مجالات الفنون والثقافة في أنحاء العالم، من خلال إنشاء استوديو مصر الرقمي ليكون مركز إنتاج رقمي متكاملاً لإنتاج محتوى مصري عالي المستوى يحكي قصة مصر للعالم بلغة العصر، بالإضافة إلى إنشاء برنامج التصدير الثقافي المصري، وبناء شراكة بين متاحف مصر الفنية وعواصم العالم لعرض قطع فنية للتعريف بالفنون المصرية والمبدعين المصريين.

وعرضت وزيرة الثقافة آليات تنفيذ محاور العمل المُستهدفة، سعياً لبناء منظومة ثقافية متكاملة، مشيرة إلى أن محور «الرقمنة» يشغل اهتماماً كبيراً ضمن أجندة عمل الوزارة، حيث تعدّه عصب منظومة الثقافة المصرية، وأنه لم يعد اختياراً، حيث تستهدف «الثقافة» بناء المنصة الثقافية الموحدة منصةً واحدة تجمع كل المبادرات الثقافية المصرية، مع السعي للوصول إلى عدد أكبر من المستفيدين لتحقيق الأهداف المرجوة.


مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
TT

مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)

ضمن ديكورات تتنقّل مشاهدها بين ثلاثة فضاءات مختلفة، تدور أحداث مسرحية «كذبة بيضا» (Mensonge blanc)، من تأليف ألكسندر نجار، وإخراج لينا أبيض، وبطولة أنطوني توما. تتوزّع هذه الفضاءات بين منزل عائلي، وثكنة لمقاتلين في ميليشيا، وخطوط تماس تفصل بين مناطق المدينة الواحدة، لتشكّل مشهداً بصرياً درامياً يعكس انقسام الشخصيات وتقلّباتها الداخلية.

مسرحية «كذبة بيضا» على مسرح مونو (الفنانة جوزيان بولس)

يبدأ عرض المسرحية في 5 مارس (آذار) على خشبة «مونو» في بيروت، وتروي حكاية شاب لبناني أراد الالتحاق بميليشيا مسلَّحة أسوة بأصدقائه، فيقرّر أهله إرساله إلى اسكوتلندا لإبعاده عن أجواء الحرب الأهلية في السبعينات.

يوصل الأهل ابنهم إلى مطار بيروت مطمئنين إلى أنه متجه نحو بلد ينعم بالسلام، لكن الشاب يعود سريعاً لينخرط مع أصدقائه في ثكنة للمقاتلين في منطقة السوديكو، ويخوض تجربة قاسية تستمر 6 أشهر تترك أثرها في مسيرته الحياتية.

وتوضح المخرجة لينا أبيض لـ«الشرق الأوسط» أن القصة حقيقية وصلت إلى مسامع المؤلف ألكسندر نجار، فتأثر بها وكتبها، مشيرة إلى أن الوجهة الأصلية للشاب كانت رومانيا، ومنها ولدت فكرة العمل في استعادة لحقبة عاشها اللبنانيون.

تدور المسرحية في حقبة الحرب الأهلية في السبعينات (الفنانة جوزيان بولس)

يشارك في المسرحية، إلى جانب أنطوني توما، 9 ممثلين منهم جو أبي عاد، وجلال الشعر، وغاييل عايلة، وجاك مارون، وعلي بليبل، وجوزيان بولس. وتُقدَّم باللغتين العربية والفرنسية، في انعكاس لأسلوب اللبنانيين في المزج بينهما، مع ترجمة متبادلة للحوار تُعرض على شاشة عملاقة أثناء العرض.

وعن سبب التسمية، تشرح لينا أن الشاب حين عاد إلى بيروت مخالفاً قرار أهله، بدأ يتساءل إن كان قد ارتكب خطأً وكذب عليهم، قبل أن تصف ممرضة فرنسية في الثكنة ما فعله بأنه «كذبة بيضاء»، وهو ما يفتح باباً لصراع داخلي وأسئلة وجودية.

تحمل المسرحية أبعاداً سياسية واجتماعية وفلسفية، وتطرح موضوع العلاقة بين الأهل والأبناء وفرض القرارات عليهم. وتستطرد لينا أبيض قائلة: «كان الشاب يحلم باحتراف الغناء، بينما أراد والده له مساراً مهنياً مختلفاً، رافضاً دخوله المجال الفني». وتشير لينا إلى أن العمل، رغم استعادته أحداث منتصف السبعينات، فإنه يعكس واقعاً لا تزال آثاره حاضرة اليوم، حيث تستمر التعقيدات السياسية وتبعات الحرب في حياة اللبنانيين.

وتؤكد أن الفكرة الأساسية تتمحور حول العلاقة بين الأجيال، وكيف يرث الأبناء أفكار ذويهم من دون مساحة كافية للاختيار أو الاعتراض، في دوامة تتكرر من جيل إلى آخر.

يتضمن العرض عناصر فنية متعددة، بينها الغناء، والموسيقى، وديكورات ذات حضور بصري لافت، إذ يؤدي أنطوني توما عدداً من الأغنيات، محققاً رمزياً حلم الشخصية التي حُرمت من ممارسة شغفها الفني.

الفنان أنطوني توما بطل العمل (الفنانة جوزيان بولس)

وترى لينا أن كل مشاهد سيتلقى العمل من زاويته الخاصة؛ فقد يدرك الأهل أخطاءهم، بينما يكتشف الشباب أهمية اتخاذ قراراتهم بأنفسهم، مؤكدة أن المسرحية تسعى إلى تعزيز التفاهم بين الأجيال من دون إصدار أحكام أو توجيه نقد مباشر.

كما يضم العمل ممثلين من أعمار مختلفة، من العشرينات حتى الستينات، لتقديم نماذج تمثِّل أجيالاً متعددة، مما يضفي على العرض نضجاً فنياً وإنسانياً. ويستغرق عرض المسرحية نحو ساعة، وهي، بحسب مخرجتها، «مسلية وفلسفية في آن واحد».


وفاء عامر: «الست موناليزا» يسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها

الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
TT

وفاء عامر: «الست موناليزا» يسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها

الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)

قالت الممثلة المصرية وفاء عامر، إن مسلسل «الست موناليزا» منذ حلقاته الأولى لم يكن يعتمد على الصدمات السريعة أو المفاجآت، بقدر ما كان يبني توتره بهدوء وثقة، عبر تفاصيل صغيرة تتراكم تدريجياً حتى تصل إلى لحظة فارقة تغيّر مسار الحكاية بالكامل، مؤكدة أن هذا النفس الدرامي الطويل هو ما جذبها إلى العمل وجعلها تتحمس للمشاركة فيه؛ لأنها شعرت بأن النص يراهن على وعي المشاهد وصبره، وليس على إبهاره اللحظي فقط.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن التحولات التي شهدتها شخصية «عفاف» في الحلقات التي أُذيعت لم تكن انقلاباً مفاجئاً أو تغييراً مصطنعاً لخلق الإثارة، بل نتيجة طبيعية لمسار درامي محسوب بدقة شديدة، موضحة أنها حين قرأت السيناريو أدركت أن الشخصية ستسير في هذا الاتجاه، حتى وإن ظهر في البداية أنها امرأة بسيطة، حنونة، قريبة من الجميع، تحمل ملامح الطيبة والتلقائية.

وأشارت إلى أن هذا الهدوء الظاهري كان يخفي خلفه طبقات أعمق، وأن «عفاف» منذ ظهورها الأول كانت تحمل بذور تحوّلها، لكن هذه البذور احتاجت وقتاً كي تنبت أمام أعين الجمهور، وهو ما حدث في أحدث الحلقات.

ويدور العمل حول شخصية «موناليزا» التي تجسدها مي عمر، والتي تعاني من زواج فاشل مرتبط بشروط صعبة، وتمر بسلسلة من المواقف المعقدة مع شخصيات متنوعة في محيط العائلة والأصدقاء، وبعد الانفصال تحاول إعادة بناء ذاتها.

وتتوقف وفاء عند فكرة أن «الدراما لا تقدم أسوأ ما في المجتمع» كما يظن البعض، بل تسلط الضوء على مناطق مسكوت عنها، معتبرة أن وظيفة الفن هي التنبيه، لا الإدانة فقط. فحين تعرض الدراما بوادر أزمة أو أعراض خلل نفسي أو اجتماعي، فإنها تمنح المشاهد فرصة للفهم والانتباه، وربما التصحيح.

راهنت وفاء عامر على تأثير دورها في الأحداث (صفحتها على «فيسبوك»)

وتؤكد أن شخصية «عفاف» تنتمي إلى هذا النوع من الشخصيات المركبة، التي تحمل داخلها صراعات لا يراها المحيطون بها بسهولة، لافتة إلى أنها تناقشت مع المؤلف والمخرج في الكثير من التفاصيل حول خلفياتها وطريقة التعامل معها.

وأوضحت أن أكثر ما أسعدها بعد عرض الحلقات هو أن عدداً كبيراً من المشاهدين عادوا إلى الحلقات الأولى ليتأملوا التفاصيل من جديد، فاكتشفوا أن الإشارات كانت موجودة منذ البداية، سواء في نظرة عابرة، أو جملة قصيرة بدت عادية في سياقها، لكنها حملت دلالة مختلفة بعد اكتمال الصورة.

وأكدت أن تعاونها مع المؤلف محمد سيد بشير كان سبباً أساسياً في حماسها للتجربة؛ لكونه كاتباً يؤمن بالشخصيات التي لا تُختصر في صفة واحدة، ولا يُحكم عليها من مشهد أو موقف، لافتة إلى أنه يجيد توزيع المفاجآت على امتداد الحلقات، بحيث لا يشعر المشاهد بقطيعة مفاجئة في تطور الشخصية.

أما عن تعاونها مع مي عمر، فأكدت أنها وجدت فيها ممثلة مجتهدة تحب عملها بصدق وتسعى دائماً إلى تطوير أدواتها، لافتة إلى أنها تواصلت معها فور قراءة السيناريو لتعبّر عن إعجابها بالشخصية التي تقدمها، وشعورها بأنها تناسبها للغاية، مشيرة إلى أن العلاقة بينهما على المستوى الإنساني انعكست بشكل واضح على الشاشة.

وقالت إن «الكيمياء بين الممثلين لا تُصنع فقط أمام الكاميرا، بل تبدأ من الاحترام المتبادل والثقة، وهو ما شعرت به منذ الأيام الأولى للتصوير»، معتبرة أن هذا التفاهم ساعدهما على تقديم مشاهد تعتمد على شدّ نفسي وتوتر داخلي أكثر من اعتمادها على المواجهات الصريحة.

وعلّقت على ما يُثار أحياناً عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن مي عمر، معتبرة أن «الجدل في حد ذاته دليل حضور وتأثير، وأن الفنان الذي لا يُثار حوله نقاش قد يكون بعيداً عن دائرة الضوء، في حين أن الجدل يعكس اهتمام الجمهور وترقبه، لكن الأهم في النهاية هو الاستمرار في العمل والاجتهاد وتقديم اختيارات متنوعة»، ومؤكدة أنها على المستوى الشخصي تحب متابعة أعمال مي عمر وتشاهدها كممثلة قبل أن تكون زميلة.

وفاء عامر تحدثت عن دورها في «الست موناليزا» (صفحتها على «فيسبوك»)

وتطرقت وفاء عامر إلى فكرة التنقل بين البطولة المطلقة والأدوار الرئيسية داخل الأعمال الفنية، معتبرة أن هذا الأمر بالنسبة لها مرتبط بالاختيارات الفنية وليس بحسابات المساحة أو عدد المشاهد.

وقالت: «لا أنظر إلى حجم الدور بقدر ما أنظر إلى تأثيره في البناء الكلي للعمل»، مشيرة إلى أن الشخصية التي تُحدث تحولاً في مسار الحكاية قد تكون أكثر أهمية من شخصية حاضرة في كل المشاهد بلا تأثير حقيقي.

وأشارت إلى أن هذا المفهوم يتجلى بوضوح في «الست موناليزا»؛ فشخصية «عفاف» رغم أنها ليست محور الحكاية الوحيد، فإن وجودها كان عنصراً مفصلياً في تغيير مسار العلاقات والصراعات بين الشخصيات. فبمجرد انكشاف دوافعها الحقيقية، أعادت ترتيب موازين القوى داخل العمل، ودفعت شخصيات أخرى إلى اتخاذ قرارات مصيرية، وهو ما تعتبره جوهر البطولة من وجهة نظرها.

وأضافت أن الفنان الحقيقي يجب أن يملك شجاعة التنقل بين المساحات المختلفة؛ لأن البطولة في رأيها ليست لقباً ثابتاً يُعلّق على «الأفيش»، بل حالة درامية تتحقق حين تكون الشخصية مكتوبة بعمق ومؤثرة في مجرى الأحداث. وأكدت أن هذا الوعي بات يحكم اختياراتها في السنوات الأخيرة؛ إذ تسعى إلى أدوار تضيف إلى رصيدها مناطق جديدة وتكشف جوانب لم تقدمها من قبل، بدلاً من تكرار أنماط نجحت سابقاً، لكنها لم تعد تشبع طموحها الفني.

وفي الختام عدّت وفاء عامر مسلسل «الست موناليزا» تجربة تعتز بها، ليس فقط بسبب ردود الفعل الإيجابية التي تلقتها؛ بل لأن شخصية «عفاف» منحتها مساحة تمثيلية ثرية، جمعت بين الهدوء الظاهري والعاصفة الداخلية.