استدعاء تراث المساجلات الفكرية... وانفتاح أوسع على الرواية والشعر

قراءات المثقفين والكتاب المصريين خلال 2022

استدعاء تراث المساجلات الفكرية... وانفتاح أوسع على الرواية والشعر
TT

استدعاء تراث المساجلات الفكرية... وانفتاح أوسع على الرواية والشعر

استدعاء تراث المساجلات الفكرية... وانفتاح أوسع على الرواية والشعر

ترصد «الشرق الأوسط» في هذا الاستطلاع السنوي أبرز ملامح وعناوين الكتب والأفكار التي شغلت المثقفين والمبدعين العرب، وشكلت زاداً فكرياً لهم خلال عام 2022 الحافل بالأحداث العاصفة، التي لا تزال تهز العالم على شتى الأصعدة.
ففي مصر، وما بين المعارك الأدبية الكبرى التي تحتل موقعاً مركزياً في التراث العربي إلى أفكار وهواجس وهموم المرأة، مروراً بروايات الحب وكتابات التفاصيل الصغيرة، تنوعت قراءات المثقفين والكتاب والشعراء المصرين على مدار 2022... هناك من قرر أن يستعيد المساجلات الفكرية التي اتسم بها عصر النهضة العربية منذ نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ودورها في إثراء الحوار الأدبي وتعميق البعد الثقافي في المجتمع، بينما ارتمى البعض في أحضان ديوان شعر مرهف اللغة، فيما أبحر كثيرون بين ضفاف الرواية بأمواجها العاتية وجزرها المتشعبة.
هنا، آراء كوكبة من الشعراء والكتاب المصريين في هذا الاستطلاع:

دكتور حسين محمود، مترجم وأستاذ الأدب الإيطالي: متعة قراءة المساجلات الفكرية في تراثنا العربي
- قراءاتي في هذا العام بدأت بكتاب «الكليات في الطب» لابن رشد، وفيه تعليقات المؤلف على نظريات الطبيب الإغريقي القديم جالينوس الذي عالج أشهر أباطرة الرومان، وكيف اختلف معه في العديد من وجهات النظر، وانطلقتُ منه إلى الاهتمام بابن رشد عموماً كفيلسوف يحتل موقعاً مركزياً في التراث العربي. من هنا قرأت كتابه المهم «تهافت التهافت»، الذي يرد فيه ابن رشد على كتاب «تهافت الفلاسفة»، لأبي حامد الغزالي ويهاجم فيه الفلاسفة، خصوصاً ابن سينا، وبعده بثمانين عاماً رد عليه ابن رشد في مساجلة فلسفية شهيرة. تلك المساجلة التي تكررت بين أحد رموز النهضة العربية وهو فرح أنطون (1874 – 1922) في كتابه «ابن رشد وفلسفته»، وبين الإمام محمد عبده، ونشرت المساجلة على صفحات مجلتي «الجامعة» التي كان فرح أنطون صاحبها ومديرها، و«المنار» التي كان صاحبها ومديرها رشيد رضا، وكلاهما جاء من لبنان إلى القاهرة على المركب نفسه، لكنهما بعد صداقة قديمة تحولا إلى خصمين فكريين. وقد نُشرت «المساجلة بين محمد عبده وفرح أنطون» فيما بعد في كتابين مهمين قرأتهما، أحدهما للكاتب اللبناني ميشيل جحا (1930 - 2022) والآخر للمفكر السوري طيب تزيني (1934 - 2019)، وكلاهما رتب المناظرة ونظر إليها بمنهجية مختلفة، وكتب مقدمة كاشفة ومهمة عن القضايا التي تناولتها المساجلة، وإن كان طيب تزيني أكثر ميلاً إلى نقد الفكر العربي، وليس مجرد العرض.
مثل هذه الكتب تظل - برأيي - كاشفة للبعد الفلسفي العميق للفكر العربي، والفلاسفة العرب الكبار مثل ابن سينا والكندي والرازي والغزالي نفسه الذي كان تكوينه فلسفياً ناقلاً عن ابن سينا في البداية، ثم مهاجماً إياه لأسباب سياسية وآيديولوجية، كما كانت كاشفة أيضاً عن الوهم الذي ساد طويلاً عن تردي مستويات الكتابة النثرية العربية، فقد كان أسلوب هؤلاء جميعاً في الكتابة النثرية علمياً موضوعياً هادئاً خالياً من الزخرف والبديع. والقضايا المطروحة في تلك الكتب جميعاً يصح استعادتها اليوم لأنها تجيب عن أسئلة جوهرية في علاقة الدين والإيمان بالعقل والفكر.

الشاعر أحمد الشهاوي: أقرأ فرويد وعيني على المتصوفة المسلمين المقتولين
- شهدت قراءاتي العودة من جديد إلى بعض رموز علم النفس الحديث مثل فرويد (1856 – 1939) وكارل يونغ (1875 – 1961)، حيث أرى أنه من الضروري النظر إلى الواقع الذي نعيشه عبرهما، كما شُغلتُ بقراءة الرواية أكثر من أي سنة مضت، سواء أكانت العربية أم العالمية، مثل رواية «عزيزي صديق المرحوم» للروائي الأوكراني أندري كوركوف ترجمة الكاتب التونسي وليد سليمان، وقد صدرت في تونس.
وتوقفت في قراءاتي أيضاً عند المتصوفة المقتولين مثل الحلاج والسهروردي وعين القضاة الهمداني وسواهم، وهو حقلٌ أقرأ فيه بشكلٍ منتظم منذ صباي، كما عدت بشكلٍ قوي إلى تاريخ وحضارة وأدب وديانة مصر القديمة، خصوصاً في كتب المتون المقدسة عند قدماء المصريين مثل «الخروج إلى النهار» ويتكون من مائتي فصل وله أكثر من ترجمة، ويحتوي نحو ثمانمائة تعويذة.
وأعتقد أنه على المرء أن يقرأ تراثه المصري القديم ويعيه بشكل عميق، مثلما يذهب نحو التراث العربي في الشعر والنثر والتصوف والأدب الجغرافي. كما توقفت طويلاً أمام النتاج الشعري الجديد في الوطن العربي، لكن هناك كتباً شعرية أحبها على نحو خاص مثل مختارات من شعر يونس أمرة ترجمة البروفسور التركي محمد حقي صوتشين وقد صدرت في إسطنبول.

الكاتبة شيرين سامي: الروايات ودفء المشاعر والحب
- أعتبر أن الرواية القصيرة «احتضان» للكاتبة الآيرلندية كلير كجين، مواليد 1968، أفضل ما قرأت في عام 2022 الذي بدأت شمسه في الغروب. الرواية نص مرهف ندخل من خلاله في وعي فتاة صغيرة تنتقل للعيش مؤقتاً مع أسرة ريفية. نراقب معها العالم وهو يتغير ونكتشف معها الاكتشافات الصغيرة الصادمة عن حقيقة الدفء والحب والاهتمام على نحو يجعلك تعيد تفكيرك في الأبوة والبنوة، ويجعلك تشعر بعمق الحكايات الصغيرة العفوية المباشرة، وكيف يمكن أن تغيّر العالم.
وتوقفت كذلك عند رواية «لا تمت قبل أن تحب» لمحمد الفخراني، التي تروي قصة حب حالمة ومختلفة بين رجل وامرأة لم يتقابلا إلا مرة واحدة، قصة مكتوبة بشكل بسيط وحلو. أجمل ما في كتابة محمد الفخراني أنها تأخذ من يقرأها لعالم غير العالم حتى وهو يقصد أن يطعم كتابته بالواقع ومواجعه، تبقى هناك دائماً هذه الرائحة المميزة لقلم مليء بالمشاعر والتساؤلات والفلسفة الجميلة التي تلمس شيئاً داخلك لأنها لا تنتمي إلا لصدق الحكاية.

* الكاتبة عزة سلطان: الكتاب الصوتي أصبح خياراً مريحاً
كنت قديماً لا أفضل الاستماع، أحب القراءة وأجلها كثيراً، حتى أنني كنت أحافظ طيلة عمري على عادة القراءة قبل النوم مهما كانت الظروف، لكن هذا العام كان مختلفاً، هل لزخم الإنتاج الإبداعي، أو ارتفاع أسعار الكتب، أو الكتب التي تزاحمت في مكتبتي وخرجت من الغرفة المخصصة لتحتل حجرات أخرى؟ ربما هذه الأسباب مجتمعة هي ما جعلني أذهب إلى خيار جديد هو «الكتاب الصوتي»، ربما أيضاً لأن تطبيقات الكتب المسموعة استطاعت أن تقتطع مساهماتها من سوق القراء باختيار معلقين وقراء أكفاء حولوا بأصواتهم الكتب المقروءة إلى حكايات مسموعة وأعادوا الحنين إلى الأذن.
عن طريق تطبيق الكتب المسموعة، استطعت إذن سماع الكثير من الروايات، التي جاءتني كحواديت مثل «صالة أورفانيلي» لأشرف العشماوي، و«خرائط التيه» لبثينة العيسى، و«كاتيوشا» لوحيد الطويلة. وأعترف أنني رغم قدرتي على تحييد مشاعر المحبة والصداقة عند قراءة عمل أدبي، إلا أنني منحازة بالطبع للكاتبات مثل ريم نجمي بروايتها «تشريح الرغبة» التي تأخذ القارئ لعوالم عديدة عن المرأة، والعلاقات بتعقيداتها، ومعارك تقررها النساء لأنفسهن، وكقارئ بطيء وجدت أن ذلك البطء يُكسبني مُتعة جديدة، فلا أغادر بسهولة، حيث تكمن خصوصية المرأة في إضاءة مناطق أحياناً لا نعرفها عن أنفسنا.

القاص والروائي سمير الفيل: رعب «بوكو حرام» وتراث ابن دانيال
- يحتل كتاب «المختطفات - شهادات عن فتيات بوكو حرام» موقعاً مهماً في حصاد قراءاتي لهذا العام. الكتاب تأليف فولجانج باور، ترجمة د.علا عادل. وهو يستعرض شهادات عن حكايات اعترفت بها سيدات وفتيات من نيجيريا اختطفن لفترات متفاوتة، من خلال جماعة «بوكو حرام» الإرهابية، بعضهن من المسلمات أجبرن على ارتداء النقاب، ثم الزواج من أعضاء الجماعة، وبعضهن تعرضن لعميات غسيل مخ ليتحولن إلى إرهابيات يفجرن أنفسهن من أجل رضا الولي.
وهناك أيضاً مسرحية «ابن دنيال والأمير وصال» للكاتب محمد أبو العلا السلاموني، وهي كوميديا شعبية تتناول تراث ابن دنيال في القرن السابع الهجري، حيث عاصر أكبر محنتين قوميتين مرت بهما المنطقة العربية، وهما السقوط المروع للخلافة العباسية في بغداد على أيدي جحافل التتار، فضلاً عن استهداف التطرف الديني للفنون والثقافة.

الكاتب د. محمد إبراهيم طه: «همس العقرب» و«وادي الكون»
- من بين قراءاتي العديدة، طوال عام كامل، أتوقف عند رواية «همس العقرب» لمحمد توفيق، حيث أرى فيها عملاً على درجة عالية من الجودة الفنية، نموذج للرواية المرتكزة على أحداث تاريخية لكنها تظل مفتوحة على عالم الفن، لا تسقط في فخ التسجيل التاريخي، وتخلص أكثر لتقنيات وجماليات الفن الأدبي، نص شيق وجاذب يجر التاريخ إلى الأدب ولا يذهب إليه، مفعم بالتأمل والتحليل، يحتل تصوير الشخوص من الداخل القسط الأكبر من السرد.
وهناك كذلك رواية «وادي الكون» لهالة البدري التي أصفها بأنها رواية الأسئلة المستمرة التي تدفع إلى إعادة التفكير في قصة الوجود، كما تولي المؤلفة الحضارة المصرية أهمية كبرى، يطغى المعرفي فيها على المتخيل الروائي، لكنها تظل رواية جريئة ومحفزة على القراءة وإعادة التفكير في الكون والوجود بتناقضاته الشرهة الفارقة.



الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».