249 دولاراً تكلفة التسلح لكل فرد حول العالم سنويا

الميزانيات العسكرية في أوروبا تتراجع .. وتتصاعد في آسيا

249 دولاراً تكلفة التسلح لكل فرد حول العالم سنويا
TT

249 دولاراً تكلفة التسلح لكل فرد حول العالم سنويا

249 دولاراً تكلفة التسلح لكل فرد حول العالم سنويا

سيكون عام 2015 حاسما بالنسبة لبريطانيا بخصوص مكانتها الدولية وقدراتها العسكرية. الجانب الأول يخص إمكانية تفككها سياسيا واقتصاديا وجغرافيا، إذا قررت أسكوتلندا في استفتائها المزمع تنظيمه في سبتمبر (أيلول) المقبل انفصالها عن المملكة المتحدة، وانعكاسات ذلك على قدراتها العسكرية وترسانتها من الأسلحة النووية، حيث تتخذ غواصاتها النووية من المياه الأسكوتلندية قاعدة لها. أما الجانب الثاني فيخص خفض نفقاتها العسكرية، سواء بقيت متحدة أم لا، وهذا ما قاله المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية الذي يتخذ من لندن مقرا له. الاقتطاعات من النفقات العسكرية في الغرب لا تنطبق على بريطانيا وحدها وإنما على دول حلف شمال الأطلسي بشكل عام.
وأكد المعهد تراجع الميزانيات العسكرية في أوروبا وارتفاعها الكبير في آسيا، وازدياد نفقات الدفاع عمليا، أي خارج التضخم، بنسبة 11.6 في المائة بين 2010 و2013 في القارة الآسوية مدفوعة بالصين واليابان وكوريا الجنوبية، بينما انخفضت في أوروبا بـ2.5 في المائة في الفترة نفسها.
وحسب معهد استوكهولم الدولي لدراسات السلام فإن الإنفاق العسكري في العالم عام 2012 قدر بـ1756 مليار دولار، أي ما يساوي 2.5 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي (GDP)، أو 249 دولارا لكل فرد من سكان العالم. الإجمال الكلي أقل بـ0.4 في المائة عن عام 2011، منخفضا ولأول مرة منذ 1998. إلا أن المجموع الكلي للإنفاق هو الأعلى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى 2010. لكن التوزيع العالمي في 2012 يظهر أن الإنفاق العسكري بدأ يميل أكثر باتجاه مناطق أخرى في العالم، وبالتحديد نحو أوروبا الشرقية والدول النامية.
ومع تحديث الصين وروسيا ودول أخرى جيوشها بوتيرة سريعة عبر مسؤولو البنتاغون عن مخاوف متزايدة من إمكانية تراجع التفوق التكنولوجي الذي مكن القوات الأميركية من الهيمنة على الساحة خلال الربع قرن الماضي.
ولا يتوقع مسؤولو الدفاع صراعا مع الصين أو روسيا، لكن من الممكن أن يباع قدر من التكنولوجيا التي تطورانها لدول أخرى، وقد يواجه الجيش الأميركي هذه الأنظمة في نهاية المطاف.
قال مسؤول بوزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إن الصين تهدد على نحو متزايد تفوق الولايات المتحدة في مجال التكنولوجيا العسكرية، وإن خفض ميزانيات الدفاع من أجل التنمية يعقد جهود الحفاظ على هذا التفوق.
وأضاف فرانك كندال، نائب وكيل وزارة الدفاع الأميركي لشؤون الاستحواذ والتكنولوجيا، أن التفوق الأميركي في مجال التكنولوجيا العسكرية «مهدد بطريقة لم نشهدها منذ عقود، وبخاصة في منطقة آسيا والمحيط الهادي»، حيث تسعى الصين إلى تنفيذ برنامج تحديث سريع. وقال كندال في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب: «هذه ليست مشكلة مستقبلية، إنها مشكلة حالية».
وبين معهد ستوكهولم أن سياسة التقتير وشد الأحزمة في دول غرب أوروبا ووسطها قللت من ميزانيات الدفاع في هذه الدول. أما في آسيا والدول الواقعة في المحيط الهادي بين آسيا والأميركيتين، فإن الإنفاق زاد فعليا، لكن بوتيرة أقل بسبب ضعف نمو اقتصاداتها منذ بداية الأزمة المالية العالمية في عام 2008. أما في وسط وجنوب آسيا، وأميركا الشمالية والدول الواقعة في المحيط الهادي بين آسيا والأميركتين، وفي غرب ووسط أوروبا، قد ازدادت في الفترة بين 2003 و2009، لكنها بدأت تنخفض ما ين 2009 و2012، لكن بوتيرة أقل. وشهد اقتصاد دول جنوب الصحراء الأفريقية وشرق آسيا وأميركا اللاتينية تباطؤا كبيرا مقارنة مع تباطؤ أقل منه في دول أوروبا الشرقية وجنوب شرقي آسيا. لكن في المقابل، فإن اقتصاد دول الشرق الأوسط قد نمى باضطراد. الهند والصين وباكستان كانت أكبر الدول استيراد للسلاح بين 2008 و2012. الهند زادت بشكل كبير إنفاقها على التسلح على الأسلحة التقليدية والنووية.
وفي نهاية يناير الماضي حذر الأمين العام للحلف الأطلسي الدول الأوروبية من الهوة المتسعة بين الدول الحليفة التي تواصل الاستثمار في القطاع العسكري وتلك التي تقتطع من موازنة الدفاع بسبب الأزمة الاقتصادية.
وحسب تقارير إعلامية متعددة، صرح اندرس فوغ راسموسن خلال تقديمه التقرير السنوي للحلف في بروكسل بأن «الخلل في توازن النفقات العسكرية في ازدياد بين دول الحلف، وليس فقط بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية، بل أيضا داخل أوروبا نفسها». وأضاف: «في الوقت الذي سيواصل فيه بعض الحلفاء الأوروبيين اقتناء وسائل عسكرية حديثة ومتطورة، ستواجه دول أخرى صعوبات متزايدة للقيام بذلك. وهذا من شأنه التأثير على قدرة الحلفاء على التعاون بشكل فعال في إدارة الأزمات الدولية».
وأضاف التقرير سنوي للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية الذي جاء في 500 صفحة حول الميزان العسكري لسنة 2014 «ومع دخول الحرب في أفغانستان عامها الـ13، وبعد سنتين من انسحاب القوات الغربية من العراق، أصبح التفكير العسكري في الغرب محكوما بمجموعة من الضرورات، منها التقتير المالي».
وتحت عنوان «تحليل النزاعات وتوجهاتها» يضيف المعهد أن الاعتبارات الأخرى وراء تخفيض ميزانيات الدفاع فجاءت «لتعكس الرغبة في محاولة نسيان التجارب العسكرية المؤلمة التي مرت بها القوات الغربية في هذه البلدان» بسبب الضغط الشعبي، الذي أصبح يمقت هذا النوع من التدخلات، وخصوصا بعد تلطخ مصداقية الحكومات حول أسباب الحروب وتداعياتها وإدارتها، وتحديدا كما حدث في الحربين العراقية والأفغانية، وهذا ما عبر عنه عدد من السياسيين في بريطانيا، خصوصا بعد فشل مشروع قرار في البرلمان البريطاني يدعو إلى تدخل عسكري محدود في سوريا، كما حصل سابقا في ليبيا، عندما ساندت قوات حلف الناتو قوى المعارضة الليبية في حربها ضد العقيد معمر القذافي. المتتبع للتطورات السياسية في بريطانيا شاهد رد فعل رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون الذي بدى عليه علامات الارتياح تجاه فشل قرار التدخل. وتكلم كاميرون حول أهمية احترام إرادة البرلمان وإرادة الشعب البريطاني الذي قال عنه، إنه لا يرغب في التورط في حروب أخرى. حتى بعض زملائه في حزب المحافظين انتقدوا بشدة موقف الحكومة التي سمحت بتمرير هذا القرار بهذه السهولة، واعتبروا ذلك توجها لا يعكس الإرادة والمكانة البريطانية على المسرح العالمي.
وقال اللورد براون (ديز براون) وزير الدفاع السابق في الحكومة العمالية في تصريحات لمعهد الدراسات الاستراتيجية في تعليقاته على تقريره السنوي: «لقد أصبح جليا أن الشارع البريطاني لا يدعم أي مغامرات عسكرية اختيارية، حتى عندما يكون لهذه المغامرات بُعد يخص الأمن القومي. قد يقبلون ما تقوم به بعض الأنظمة ضد شعوبها، لكن التدخلات العسكرية باستخدام قوات بريطانية في أماكن بعيدة فقد تم استبعادها في الوقت الراهن»، مضيفا أن السياسيين البريطانيين الحاليين أصبحوا مدركين لهذه المسألة بشكل جيد «لقد لاحظوا استنزاف رأس المال السياسي لمن سبقوهم في الحكومات السابقة في وقت الحروب».
«هذه الرغبة ساعدت في خلق تفكير جديد حول مستقبل التدخلات العسكرية، وذلك بأن تشن بشكل سريع وخاطف، وبأقل التكاليف، وبكفاءة عالية، أي أن تجرى، على أقل تقدير، دون وجود عسكري مستمر»، يقول المعهد، ومن هنا جاء دور الـ«درون».
انخفاض ثمن الطائرات من دون طيار بفضل تقنيات التصغير كثف من استخدامها في القطاعين العسكري والمدني. ويجعل سقوط الحواجز التكنولوجية الواحد تلو الآخر، هذه الآلات من دون طيار متوفرة لعدد متزايد من البلدان حتى إنها لم تبقَ حكرا على القوات المسلحة في الدول الغربية. وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي أعلنت شركة «أمازون» أنها تنوي خلال 2015 استخدام طائرات صغيرة من دون طيار لإيصال الطرود إلى زبائنه.
مبيعات إسرائيل من الطائرات من دون طيار تبلغ 400 مليون دولار سنويا. ويشهد الطلب العالمي على هذا النوع من الطائرات زيادة مطردة، حيث يصل عدد زبائن مؤسسة الصناعات الجوية الإسرائيلية إلى 49 دولة ومنطقة، ويجري تصدير 80 في المائة من الطائرات التي يجري تصنيعها في إسرائيل. ويقول محللون، إن هذه الطائرات هي سلاح إسرائيل في المستقبل. وقال مسؤولو مؤسسة الصناعات الجوية الإسرائيلية، إن الطائرات من دون طيار قد تحل محل الطائرات المقاتلة بسلاح الجو الإسرائيلي في نصف القرن المقبل، حسبما ذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية في موقعها الإلكتروني قبل فترة.
لا يزال حلف الناتو أهم قوة عسكرية في العالم وأعضاؤه الـ28 يشكلون أكثر من نصف الإنفاق الدفاعي العالمي، هذا الأمر سبق أن أكده الأمين العام لحلف شمال الأطلسي في تصريحات له ببروكسل وأشار إليها المكتب الإعلامي بالحلف في رده سابقا على أسئلة لـ«الشرق الأوسط» حول مخاوف الحلف من تخفيضات في الإنفاق الدفاعي من جانب الدول الأعضاء. ويأتي هذا التحذير في أعقاب تحذير مشابه أصدره مسؤولون أميركيون منذ سنوات بشأن تقليل النفقات العسكرية.
ويقول راسموسن: «على الرغم من أن الأمن مكلف، فإنه من الواضح أن غياب الأمن أكثر تكلفة». وأشار راسموسن الذي سيترك منصبه عقب قمة الحلف هذا العام، في مقابلة مع وكالة الأنباء الألمانية إلى أن الحلف يواجه صعوبات في الحفاظ على تدفق الاستثمارات العسكرية بين الدول الـ28 الأعضاء في الحلف. وحذر من أن تراجع ميزانيات الدفاع، خاصة في أوروبا، ينذر بإيجاد فراغ سوف تملأه قوى «ليس بالضرورة تتبنى نفس المصالح والقيم الأوروبية». وقال راسموسن إنه على الرغم من انتهاء الحرب الباردة، وإن الكثير من المواطنين لا يشعرون بأن حياتهم اليومية مهددة من قوى خارجية، فإنه حذر من أن العالم لم يصبح مكانا آمنا. وأضاف: «نحن نستيقظ على مجموعة من التهديدات الأمنية تشمل الإرهاب، وخطر الهجمات الصاروخية، وهجمات القرصنة الإلكترونية. حتى القرصنة أصبحت أحد التحديات الأمنية».
وكان ملف خفض الموازنات الدفاعية بارزا في مناقشات وزراء الدفاع خلال اجتماعهم في بروكسل في فبراير (شباط) العام الماضي. وخلال تصريحات له على هامش الاجتماعات أقر راسموسن بالوضع المالي الصعب لدول الحلف، ولكنه شدد على ضرورة تحديد الأولويات قائلا: «لا يمكن الاستمرار في الإنفاق في الاتجاهات الخاطئة ولا يمكن تجميد الكثير من المشاريع»، وقال إن تخفيض ميزانيات الحلف، أمر مثير للقلق، مشيرا إلى أن سياسة التقشف التي تتبعها بعض الدول الأوروبية، نتيجة الأزمة الاقتصادية، انعكست على موازنات الدفاع، ودعا حكومات الدول الأعضاء إلى «وقف الخفض والاستخدام الأكثر كفاءة للموارد التي تتاح لنا عبر تعزيز التعاون المتعدد الجنسيات وبمجرد أن تبدأ الاقتصادات في التعافي فإنه يمكن زيادة الاستثمارات في مجال الدفاع مرة أخرى».
ومع إكمال انسحاب بريطانيا من أفغانستان خلال عام 2014 فإن المملكة المتحدة ستدخل العام المقبل، ولأول مرة منذ قرن، أي منذ إعلان الحرب على ألمانيا 1914، في حالة من السلم. هذه هي المرة الأولى في تاريخ بريطانيا خلال قرن من الزمن (دون الرجوع إلى تاريخها الكولونيالي الذي يعود إلى بداية القرن الـ18) لن تكون القوات البريطانية منخرطة في نزاع مسلح في أي مكان بالعالم.
ومن هنا تكمن أهمية تناول التوجه الجديد في الإنفاق العسكري الغربي من خلال الحالة البريطانية.
تصريحات كريس هيون، وزير الطاقة السابق، قبل يومين، عكست هذا التوجه. اذ قال في مقابلة مع «بي بي سي» (راديو 4) قال هيون معلقا على الفيضانات الحالية التي تجتاح إنجلترا، إن الدبابات البريطانية التي كانت «تحمينا من الاتحاد السوفياتي» ما زالت موجودة في القواعد العسكرية في ألمانيا، متسائلا: «هل هناك حاجة ضرورية لها؟» بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفياتي.
وجاءت تصريحات وزير الدفاع الأميركي السابق روبرت غيتس في يناير الماضي، والتي أثارت حالة من الجدل في بريطانيا، لتعكس هذا التوجه والخوف في آن واحد. وقال غيتس إن هذه أول مرة تجد بريطانيا نفسها من دون حاملة طائرات، مضيفا أن اقتطاعات ميزانيتها العسكرية تؤثر على كونها شريكة كاملة للولايات المتحدة عسكريا.
التقليص في النفقات الدفاعية قد يشجع بعض الدول الأوروبية على أن تبرم اتفاقيات ثنائية للتعاون العسكري.
وقبل أسابيع وصل الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند إلى قاعدة بريز - نورتون العسكرية قرب أكسفورد لعقد قمة سريعة مع رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون هيمنت عليها المسائل العسكرية والخلافات الأوروبية. ورافق هولاند أربعة وزراء بينهم وزيرا الخارجية لوران فابيوس، والدفاع جان إيف لو دريان. القمة تناولت قضايا مثل الصاروخ المضاد للسفن والطائرة القتالية من دون طيار والبرنامج المشترك لإنتاج غواصات كاسحة للألغام ومكافحة الإرهاب. وتندرج هذه القضايا في إطار معاهدة الدفاع والأمن التي أبرمت بين البلدين في 2010 ووقع عليها كاميرون والرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، والتي تسمح للقوات المسلحة في البلدين استخدام الخدمات العسكرية التي بحوزة الدولة الأخرى، وفي هذه الحالة استخدام بريطانيا، التي لا تملك حاملة طائرات، لحاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول».
وأكد غيتس الذي كان وزيرا للدفاع في عهدي الرئيسين جورج بوش وباراك أوباما، أن بريطانيا لم تعد تملك مجموعة القدرات نفسها، ما يعني أن علاقتها مع الولايات المتحدة تشهد تحولا. وتشير هذه التصريحات إلى أن قيام بريطانيا بالحد من قدراتها العسكرية قد يؤثر سلبا على «العلاقة الخاصة» بين واشنطن ولندن.
الكولونيل ريتشارد كيمب، قائد القوات البريطانية السابق في أفغانستان، والذي شارك في تدخلات عسكرية بريطانية في شمال آيرلندا والبلقان قال لصحيفة «غارديان» البريطانية معلقا على الاقتطاعات في ميزانية الدفاع وقرار عدم التدخل في سوريا «الاقتطاعات في ميزانية الدفاع ستحد من خياراتنا العسكرية.. في المستقبل سنقول لحلفائنا (الولايات المتحدة الأميركية) ليس بمقدورنا مشاركتكم بدلا من القول لا يمكننا».
وأشار غيتس في حديثه إلى إذاعة هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) إلى عدم امتلاك البحرية الملكية حاملة طائرات قادرة على إطلاق طائرات نفاثة هجومية. وقال: «على الضفة الأخرى للأطلسي كنا نستطيع الاعتماد على القوات البريطانية التي كان لديها مجموعة واسعة ومتنوعة من القدرات توازي تقريبا قدرات قواتنا، ويمكنها أداء مجموعة مختلفة من المهام.. لكن مع التقليصات الكبيرة نسبيا في نفقات الدفاع، نجد أنهم لن يملكوا القدرات الواسعة والمتنوعة ولا إمكانية أن يكونوا شريكا كاملا على ما كان عليه الوضع في الماضي»، مؤكدا أن «هذه الحالة تؤسفني جدا».
وكانت الحكومة الائتلافية برئاسة كاميرون أعلنت اقتطاعات كبرى في ميزانية الدفاع لعام 2010 في مسعى للجم العجز الهائل في البلاد وتقليص ميزانية الدفاع بنسبة ثمانية في المائة على مدى أربع سنوات.
وستحد بريطانيا من عديدها العسكري بين 2010 و2020 من 178 ألفا إلى 147 ألفا مع تعزيز عدد جنود الاحتياط.
وتملك بريطانيا ثلاث حاملات للمروحيات. لكنها لن تملك القدرة على توجيه ضربات من حاملة طائرات حتى دخول حاملة الطائرات الجديدة كوين إليزابيث، التي ستكون أضخم سفينة بريطانية عاملة، مسرح العمليات في 2020 بطائراتها النفاثة المقاتلة «إف 35».
وكانت بريطانيا في القرن الماضي أهم شريك للولايات المتحدة، خصوصا في حربي العراق وأفغانستان. وتابع غيتس: «من الأفضل بكثير أن يكون لدينا، في أي مرفأ متوسطي، سفينة تحمل علم بريطانيا وأخرى تحمل علم الولايات المتحدة». كما حث بريطانيا على تجديد قوتها النووية الرادعة. وأرجأ الائتلاف الحكومي قرارا حول تجديد برنامج بريطانيا النووي العسكري وهو نظام صواريخ ترايدنت على غواصاتها، إلى ما بعد الانتخابات العامة 2015.

* الجزائر تحتل المرتبة الـ20 عالميا من حيث ميزانية الدفاع
* صنفت دراسة بريطانية الجزائر في المرتبة الـ20 عالميا والأولى أفريقيا من حيث الميزانيات الموجهة للدفاع. وقالت مجموعة «إي إتش إس جينس» المتخصصة في قضايا الدفاع وتتخذ من لندن مقرا لها إن ميزانية الجزائر في مجال الدفاع ارتفعت إلى 10.8 مليار دولار في عام 2013 بنسبة 14.2 في المائة، أي ما يعادل خمسة في المائة من مجمل الناتج المحلي (GDP). ولهذا تعد ميزانية دفاع الجزائر، من بين الأكبر في العالم والأولى أفريقيا، رغم زيادة نفقات كل من أنغولا ونيجيريا وجنوب أفريقيا بنحو 18 في المائة، كما أنها تأتي مباشرة وراء إسرائيل. وتتصدر الولايات المتحدة التصنيف بميزانية وصلت إلى 582.4 مليار دولار متبوعة بالصين التي أنفقت العام الماضي 139.2 مليار دولار. وستخفض الميزانية الدفاعية في الولايات المتحدة إلى أقل من 500 مليار دولار في 2014 بموجب اتفاق جرى الانتهاء منه في يناير الماضي.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.