استمرار الانقلاب الحوثي يهدد بتحويل أطفال اليمن إلى قتلة

70 % من طلبة المدارس يخضعون لإرهاب الميليشيات

أطفال يمنيون جندهم الحوثيون للقتال وأعيد تأهيلهم في مأرب برعاية سعودية (تويتر)
أطفال يمنيون جندهم الحوثيون للقتال وأعيد تأهيلهم في مأرب برعاية سعودية (تويتر)
TT

استمرار الانقلاب الحوثي يهدد بتحويل أطفال اليمن إلى قتلة

أطفال يمنيون جندهم الحوثيون للقتال وأعيد تأهيلهم في مأرب برعاية سعودية (تويتر)
أطفال يمنيون جندهم الحوثيون للقتال وأعيد تأهيلهم في مأرب برعاية سعودية (تويتر)

بعد مرور نحو ثماني سنوات من انقلاب الميليشيات الحوثية، التحق إبراهيم المولود لأسرة صنعانية في أوائل 2015 بالصف الأول الأساسي (الابتدائي) في إحدى المدارس الحكومية في منطقة مذبح غرب العاصمة اليمنية المختطفة، منضما إلى أكثر من ستة ملايين طالب وطالبة في صفوف التعليم العام، 70 في المائة منهم باتوا عرضة لإرهاب الميليشيات الحوثية عبر عملية تطييف واسعة وغسل أدمغة وصولا إلى خطر التجنيد وحمل السلاح.
إبراهيم الذي كان يتوقع والده ووالدته أن يصبح ذات يوم طبيبا أو مهندسا بات يفتح عينيه كل صباح عند ذهابه إلى مدرسته على آلاف الصور مختلفة الأحجام والأشكال لعناصر الميليشيات وقادتها الأحياء منهم والأموات، ليتشكل ذهنه من جديد على ثقافة الموت وشعارات «الولاية الخمينية» وتقديس سلالة زعيم الجماعة الحوثية، - بحسب ما يقول والده لـ«الشرق الأوسط».
ملايين الطلبة اليمنيين - على الرغم من مقاومة المجتمعات المحلية للفكر الحوثي - باتوا في أكبر مختطف فكري عقائدي في العالم، حيث المناهج التي بدلتها الميليشيات لتخدم أفكارها، وحيث برامج التطييف اليومية التي تبدأ من طابور الصباح، وصولا إلى الدروس الملغمة بآفة الأفكار الإرهابية، وتقديس الموت والحض عليه، وتقديم صورة زعيم الميليشيات في ثوب من القداسة الدينية.
لم يكن يعرف صالح وهو اسم مستعار لموظف إداري في سفارة لدولة شرقية شهيرة، أن حالته الميسورة وثقافته الجمهورية وعائلته البعيدة عن الأفكار الحوثية لن تكون كافية لتحصين ولده ذي الخمسة عشر عاما، إلا وقد صدم باختفائه مع ثلاثة من أقرانه من أحد الأحياء الشرقية في صنعاء، ليفاجأ بوجوده عبر أحد المشرفين الحوثيين في جبهة الجوف.
قتل أصدقاء ولده بعد أيام، وعاد ولده مصابا بلوثة ذهنية، فلم يستطع صالح مع ذلك سوى أن يبيع منزله ويغادر إلى منطقة أخرى في صنعاء لا يعرف فيها أحدا، بعيدا عن الأيادي الحوثية المتربصة باستقطاب بقية أولاده.
- خطر داهم
أدركت الميليشيات الحوثية مثلها مثل الحركات الإرهابية القائمة على أفكار ثيوقراطية أنها أمام منجم لا ينضب لتجييش الآلاف من الطلبة في المدارس ومن العاملين في قطاع التربية والتعليم، لذلك دفعت بيحيى الحوثي شقيق زعيمها ليتولى مع أبرز معاونيه وهو القاسم حمران (من أصهار زعيم الجماعة) عملية «حوثنة» قطاع التعليم العام.
يرى وكيل وزارة الإعلام اليمنية عبد الباسط القاعدي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الأمر أشد خطورة من الحرب ذاتها، إذ إن الحرب قد تنتهي وآثارها مقدور على معالجتها، لكن تسميم المناهج وتفخيخ عقول الطلاب لن ينتهي بسهولة وسيستمر لأجيال، وسيغذي الصراع وينميه ويجعله حاله مستوطنة ودائمة» وفق تعبيره.
فخلال السنوات الثماني الماضية، كرست الميليشيات كافة جهدها لاستقطاب الطلبة من المدارس، حيث تشير التقديرات إلى تجنيد أكثر من 40 ألف طفل في صفوفها، وهي الجهود التي دفعت كبار قادتها للتباهي بأنهم ينشئون جيلا جديدا من المؤمنين بأفكارها تستطيع من خلالهم مواصلة القتال ضد اليمنيين إلى ما لا نهاية.
لم تكتف الميليشيات بقطع رواتب نحو 130 معلما في مناطق سيطرتها لتسهيل إحلال الآلاف من عناصرها، ولكنها اعتمدت سياسة شاملة لإحكام قبضتها على كل مفاصل العملية التعليمية، ابتداء من إقالة كافة المديرين والمديرات غير الموالين لها في الإدارات العامة وفي المدارس وفي القطاعات التعليمية المختلفة، وصولا إلى إعداد طبعات سنوية معدلة من المناهج تكرّس فكر الجماعة الطائفي وتُمجد زعامتها وقتلاها، إضافة إلى طمس معالم الحكم الجمهوري القائم بعد 1962 وهي الثورة التي أطاحت بأسلاف الجماعة الإماميين.
يشدد القاعدي في هذا السياق على «أن بقاء هيمنة ميليشيات الحوثي على التربية والتعليم في ظل تحريف المناهج وتضمينها أفكارها الطائفية يعني خلق أجيال مشحونة بالعنصرية ومتمنطقة بالعداء تجاه المختلف وغير قابلة للتعايش معه». ويجزم «أن هذا مقدمة لتمزيق النسيج المجتمعي، وتفتيت وشائج القربى، وتهديد للسلم الاجتماعي والأمن والاستقرار».
- «حوثنة» شاملة
مع فهم الجماعة الانقلابية بأنه لن يكون في مقدورها السيطرة المجتمعية إلا من بوابة التعليم، شنت عمليات «حوثنة» شاملة في هذا القطاع، حيث قامت بتغيير أسماء المدارس لتضفي عليها طابعا طائفيا إما بإطلاق أسماء رموز تاريخية أو أسماء قادتها القتلى أو صفات تكرس نهج الجماعة كما حدث مع الكثير من مدارس صنعاء وعمران وحجة وإب وذمار.
ولكي تحكم سيطرتها أكثر لجأت إلى اعتماد تغييرات جذرية في المناهج، خاصة في مناهج التربية الإسلامية والتربية الوطنية والجغرافيا والتاريخ واللغة العربية، وحتى المناهج ذات الطبيعة العلمية البحتة قامت بتطعيمها بمحتويات دالة على أفكارها ذات النهج الطائفي والتدميري، كما هي الحال في مناهج الحساب للصفوف الابتدائية.
وبحسب ما تقوله المصادر التربوية في مناطق سيطرة الحوثيين، قامت الميليشيات بفصل آلاف المعلمين والمعلمات وحلت عناصرها بدلا منهم، كما وجهت إدارات الأنشطة لإرغام الطلبة على ترديد «الصرخة الخمينية» ويمين الولاء لزعيمها، فضلا عن تخصيص حصص أسبوعية لتلقي أفكار الجماعة عبر معممين أوكلت لهم تلك المهمة. إلى جانب تحويل جدران المدارس إلى معارض لصور القتلى من الكبار والصغار، لجهة تمجيد القتل والحض على حمل السلاح في صفوفها.
- مقاومة يائسة
يحاول السكان في مناطق سيطرة الميليشيات مقاومة هذه الأمواج من أعمال التطييف للتعليم والاستقطاب، لكن مع طول أمد بقاء الانقلاب بات يتملك الكثير منهم اليأس، فمعظم المدارس الحكومية باتت في قبضة الميليشيات وخاضعة لإرادتها وثقافتها، وليس في مقدورهم أن ينفقوا على تعليم أولادهم في مدارس خاصة، وحتى هذه المدارس - وفق ما يقوله ياسين وهو اسم مستعار لأحد أولياء الأمور - لم تسلم من الهجمة الحوثية، حيث بات عناصر الجماعة يتغلغلون فيها ويفرضون عليها مناهجهم الجديدة وأنشطتهم الطائفية، بل ويحددون هيئة الملابس وطبيعة الأفكار، ويهددون أي مدرسة لا تلتزم بالتوجيهات بسحب الترخيص أو الغرامة.
يؤكد ياسين في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن اليأس بدأ يدب في نفوس الناس بعد طول انتظار لتحرير صنعاء واستعادة الدولة ويقول: «لا يمكن أن تسيطر على أطفالك مهما كنت حريصا على تلقينهم خطأ الأفكار الحوثية، فالميليشيات وعناصرها وإعلامها ومشرفوها موجودون في كل مكان، في المدرسة والشارع والمسجد وفي كل مكان».
ويرى قاسم - من جهته - وهو اسم مستعار لمدير سابق لمدرسة شهيرة في صنعاء، أن السلاح الأخطر الذي يملكه الحوثيون ليس طائراتهم المسيرة ولا صواريخهم الإيرانية، «ولكن سيطرتهم على التعليم، حيث من الممكن في غضون سنوات أن تكون كافة الكتلة السكانية من الشبان في صنعاء وبقية المناطق الخاضعة للميليشيات عبارة عن جيش عقائدي مؤمن بأفكار (الولاية الإيرانية) وبقدسية زعيم الميليشيات وسلالته». وفق تعليقه لـ«الشرق الأوسط».
ويتابع «قد تجد في المدن والمناطق الحضرية القليل من المقاومة بفعل وسائل الاتصال وتراكم المناعة الثقافية لدى الأسر، غير أن الأرياف التي تضم أكثر من 65 في المائة من الطلبة في المدارس بالتوازي مع اتساع رقعة الفقر والجهل ستكون لقمة سائغة ليتحول هذا الجيل بأكمله إلى رأس حربة حوثية». وفق تعبيره.
وينتقد مدير المدرسة السابق الدور الأممي والدولي ويقول: «حتى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المعنية بالطفولة لا تستشعر الخطر المحدق، وكل اهتمامها ينصب على فكرة الذهاب للمدرسة والحصول على تغذية للطلبة، لكن لا ينتبهون إلى خطر المحتوى الذي يقدمه الحوثيون للملايين من الأطفال، حيث أصبح عشرات الآلاف بالفعل في طور التحول إلى قتلة مستقبليين يأتمرون بأمر زعيم الجماعة».
يشار إلى أن تقارير حكومية يمنية وأخرى أممية قدرت أن نسبة الأمية فيما يتعلق بالقراءة والكتابة لا تزال عند مستويات 65 في المائة على الأقل. وهي واحدة من الإشكاليات التي بات من السهل معها السيطرة على المجتمعات المحلية من قبل الجماعات المسلحة.
آليات المواجهة الحكومية
الحكومة اليمنية الشرعية ومؤسساتها الموجودة في المناطق المحررة، إضافة إلى النقابات التعليمية، تعرف جيدا ما يعنيه بقاء ملايين الطلبة تحت قبضة الانقلاب الحوثي، لكنها لا حول ولاقوة لها على الأرض، لذلك يكتفي المسؤولون بإطلاق التحذيرات لأولياء الأمور من خطورة الأفكار الحوثية التدميرية، فيما يكتفي الحقوقيون برصد الانتهاكات الانقلابية في قطاع التربية والتعليم.
وترى الحكومة اليمنية أن «حجم التغييرات الحوثية في المناهج الدراسية، يؤكد محاولات الميليشيات الدؤوبة لفرض الرؤية والهوية والمعتقدات الإيرانية على اليمن خاصة والمنطقة العربية بشكل عام، واستهدافها المنظم لعقول الأجيال القادمة، وهويتهم الوطنية والعربية».
المسؤول الإعلامي بنقابة المعلمين اليمنيين، يحيى اليناعي، كان تحدث في تصريحات سابقة عن تغييرات جديدة فرضتها الجماعة في المناهج الدراسية من شأنها تكريس التبعية الفكرية والسياسية لإيران، حيث حذفت الميليشيات من كتاب التاريخ للصف السادس اسم الخليج العربي وحلت بدلا منه اسم الخليج الفارسي وهي التسمية التي تطلقها إيران على بحر الخليج العربي، مشيرا إلى إضافة دورس بعنوان «الدولة العلوية في طبرستان» وذلك بهدف محاولة الربط بين اليمن وإيران تاريخياً.
ويتحدث اليناعي في تصريحاته عن أكثر من 31 ألف انتهاك حوثي طال العملية التعليمية والتربويين، خلال الفترة بين سبتمبر (أيلول) 2014 وديسمبر (كانون الأول) 2021، ويرى أن ذلك «أمر مفزع ومؤشر خطير على حقيقة ما تقوم به الجماعة من انتهاكات جسيمة بحق العاملين التربويين».
- أرقام أممية
التقارير الأممية والدولية لاعتبارات كثيرة، تركز أكثر على الأضرار الشكلية للانقلاب الحوثي فيما يتعلق بالتعليم، حيث أكدت خروج أكثر من 2900 مدرسة عن وظيفتها إما لجهة تضررها كليا أو جزئيا، أو جراء تحويلها إلى ثكنات عسكرية أو مخازن للأسلحة، كما هي الحال في بعض المناطق التي سيطرت عليها الميليشيات أو في مناطق التماس مع سيطرة الحكومة الشرعية.
وبسبب الآثار التي نجمت عن الانقلاب الحوثي والحرب المستمرة للسنة الثامنة على التوالي، قادت ظروف الفقر وانعدام سبل العيش إلى تسرب أكثر من مليوني طفل من العملية التعليمية، بحسب البيانات الأممية، إلا أن تقارير يمنية تؤكد وجود أكثر من ثلاثة ملايين طفل في سن الدراسة خارج العملية التعليمية.
وطبقا للمعلومات التي وثقتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، فهناك أكثر من ثمانية ملايين طفل في مختلف مراحل التعليم يحتاجون إلى دعم لمواصلة تعليمهم، في وقت تعرضت فيه مدرسة من بين كل أربع مدارس للتدمير أو التضرر أو استخدامها لأغراض غير تعليمية.
كما تؤكد اليونسيف في تقاريرها أن اليمن يواجه أزمة حادة في التعليم، حيث من الممكن أن يصل عدد الأطفال الذين يعانون من الاضطرابات التي تلحق تعليمهم إلى ستة ملايين طالب وطالبة، «وهو ما سيكون له تبعات هائلة عليهم على المدى البعيد».
وخلفت الهجمات التي تعرض لها أطفال المدارس والمعلمون والبنية التحتية التعليمية آثاراً مدمرةً على النظام التعليمي في البلاد وعلى فرص الملايين من الأطفال اليمنيين في الحصول على التعليم. وفقا للتقارير ذاتها.
وحاولت الوكالات الأممية، خلال سنوات الحرب أن تساهم في تحسين العملية التعليمية من خلال ما تحصل عليه من تبرعات الجهات المانحة وفي مقدمها المانحون السعوديون والخليجيون، إلا أنها تقول إن «الهيكل التعليمي يواجه مزيداً من العوائق تتمثل في عدم حصول أكثر من ثلثي المعلمين (ما يقرب من 172 ألف معلم ومعلمة) على رواتبهم بشكل منتظم منذ عام 2016 أو أنهم انقطعوا عن التدريس بحثاً عن أنشطة أخرى مدرة للدخل».
وتؤكد أن من بين العوامل الأخرى التي تساهم في زيادة مواطن الضعف لدى الأطفال «النزوح المتكرر وبعد المدارس والمسائل التي تتعلق بالسلامة والأمن، بما في ذلك مخاطر المتفجرات، ونقص المعلمات (حيث يبلغ عدد المعلمين الذكور 80 في المائة) وعدم إمكانية الوصول إلى مرافق المياه والصرف الصحي التي تراعي الفوارق بين الجنسين».
وفي حين تحذر تقارير اليونسيف، من مخاطر تسرب الفتيات اليمنيات من المدارس وتعرضهن للزواج المبكر والعنف الأسري، تقول إن الفتيان المنقطعين عن الدراسة يكونون أكثر عرضة للتجنيد في صفوف الجماعات المسلحة، كما هي الحال مع إبراهيم الذي يخشى والده من أن تستقطبه الميليشيات الحوثية للقتال قبل أن يكمل تعليمه الابتدائي.


مقالات ذات صلة

مأرب: دعوات لتوحيد الجهود السياسية والعسكرية لاستعادة صنعاء

العالم العربي جانب من لقاء المكونات الوطنية ورجال المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) (الشرق الأوسط)

مأرب: دعوات لتوحيد الجهود السياسية والعسكرية لاستعادة صنعاء

دعا عدد من القوى الوطنية وقيادات المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) إلى توحيد الجهود السياسية والعسكرية، والعمل الجاد من أجل استعادة العاصمة اليمنية صنعاء.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص قوات تابعة لـ«حماية حضرموت» بمدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

خاص حضرموت: دعوات لإدراج أبو علي الحضرمي في قوائم الإنتربول

تصاعدت في حضرموت مطالب قبلية وميدانية بملاحقة قائد «لواء الدعم الأمني»، صالح بن الشيخ أبو بكر، المعروف بـ«أبو علي الحضرمي»، وجلبه عبر الإنتربول الدولي.

عبد الهادي حبتور (المكلا (اليمن))
العالم العربي سجن انفرادي حسب ما وثقته اللجنة الوطنية اليمنية في سقطرى (اللجنة الوطنية)

لجنة يمنية تختتم توثيق ومعاينة مراكز اعتقال وانتهاكات في سقطرى

اختتمت اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان نزولها الميداني إلى محافظة أرخبيل سقطرى، ضمن إطار ولايتها القانونية للتحقيق في…

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي القطاع الصحي في مناطق سيطرة الحوثيين يزداد انهياراً بعد تراجع التمويل الأممي (الأمم المتحدة)

القطاع الصحي الخاضع للحوثيين مهدد بالانهيار الشامل

تعيش مناطق سيطرة الحوثيين كارثة صحية بعد اضطرار الأطباء للإضراب احتجاجاً على انقطاع الرواتب في ظل انسحاب الدعم الدولي وتسارع انهيار القطاع الصحي.

وضاح الجليل (عدن)
الخليج جانب من اجتماع دولي في الرياض لتعزيز دعم قوات خفر السواحل اليمني (سبأ)

اجتماع دولي في الرياض لتعزيز دعم خفر السواحل اليمني

اجتماع دولي في الرياض يؤكد دعم خفر السواحل اليمني وتعزيز قدراته في حماية المواني والملاحة الدولية، ومواجهة التهديدات البحرية، بالتعاون مع شركاء إقليميين ودوليين

«الشرق الأوسط» (عدن)

مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
TT

مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)

ما إنْ نشرت وسائل إعلام مصرية مقترحاً تقدمت به النائبة بمجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، أميرة صابر، بهدف تأسيس «بنك وطني للأنسجة البشرية»، وللمطالبة بتفعيل منظومة التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، حتى عجت مواقع التواصل الاجتماعي بردود أفعال عديدة، أغلبها أخذ منحى «السخرية» من المقترح قبل أن تلقى النائبة دعماً من أوساط طبية وثقافية وسياسية، أكدت على أهمية ما ذهبت إليه.

وأعاد المقترح تباينات دائماً ما تبقى حاضرة عند الحديث عن «التبرع بالأعضاء» بعد الوفاة، رغم صدور تشريع مصري ينظم «تنظيم زرع الأعضاء البشرية» منذ ما يقرب من 16 عاماً، لكنه يبقى معطلاً، حسب ما جاء في مقترح النائبة، الذي أشار في مذكرته التوضيحية إلى أن التطبيق الفعلي «يواجه معوقات إدارية وثقافية».

وقالت النائبة وفق المقترح، الذي تقدمت به مساء الجمعة، إن الحروق «تمثل أزمة صحية عامة خطيرة في مصر، ونحو نصف المرضى في وحدات الحروق بالمستشفيات الجامعية هم أطفال، كما أن الأطفال دون سن الخامسة هم الأكثر تضرراً، ومعدلات الوفيات في وحدات الحروق أعلى بكثير مقارنة بالدول المتقدمة، مع معاناة نسبة كبيرة من الناجين من إعاقات دائمة، وخطر الوفاة بسبب نقص الجلد المتاح».

وشددت النائبة على «أهمية تسهيل إجراءات التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، ونشر شروطها وطريقتها، وإنشاء سجل إلكتروني وطني للمتبرعين، يمكن التسجيل فيه عبر بوابة إلكترونية أو تطبيق على الهواتف الذكية، بالتنسيق مع المستشفيات ووحدات الرعاية المركزة، إضافة إلى التعاون مع المؤسسات الدينية لإطلاق حملات توعية، تؤكد مشروعية التبرع بالأنسجة بعد الوفاة».

غير أن الجدل الذي صاحب مقترحها جاء بسبب تأكيدها على أن «إنشاء بنك للأنسجة يوفر على الدولة ملايين الجنيهات سنوياً من تكاليف الاستيراد»، واستشهدت بتجربة «مستشفى أهل مصر» (أهلية متخصصة في علاج الحروق)، الذي استقبل أول شحنة من الجلد الطبيعي المحفوظ من متبرعين متوفين في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وأكدت أميرة صابر لـ«الشرق الأوسط»، أن بعض وسائل الإعلام «أظهرت صياغةً لا تتماشى مع الهدف الرئيسي من المقترح»، موضحةً أن هدفها «ليس توفير ملايين الجنيهات على الدولة فحسب، بل أن يكون هناك (بنك وطني للأنسجة البشرية) التي يحتاجها الأطفال بالأساس، لأن هؤلاء يشكلون حالات إنسانية عاجلة، ومن الصعب أن يقف أي شخص سوي أمام هذا المقترح، الذي لا يتعارض مع الدين، مع حسم المسألة من جانب المؤسسات الدينية ومع وجود تشريع منظم».

وأضافت صابر موضحة: «واجهت حملة سلبية للغاية بعد نشر المقترح، لكن سرعان ما انعكست إيجاباً بدعم شخصيات عامة، وسياسيين وأطباء، وأضحت هناك حملة دعم واسعة، ومن المهم أن يتم توعية المواطنين بالمقترح، بعيداً عن مصطلحات أخرجت المقترح عن سياقه».

وجاءت تعليقات بعض المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي منتقدة لهذا المقترح، كون النائبة تركت العديد من المشكلات الأخرى الاجتماعية، وتطرقت إلى «التبرع بالجلد»، فيما شكك آخرون في عدم جواز التبرع بالأعضاء شرعاً.

ودخل العديد من الأطباء على خط الجدل، إذ أكدت رئيس مجلس أمناء «مؤسسة ومستشفى أهل مصر»، هبة السويدي، في تصريحات إعلامية، أن التبرع بالجلود «لا يختلف عن التبرع بأي عضو آخر، والجلد هو أكبر عضو في الجسم، وهذا الإجراء معمول به عالمياً، لكنه جديد وصادم في الشارع المصري».

وكشفت السويدي «عن إجراء عمليات جراحية معقدة لإنقاذ أطفال مصابين بحروق خطيرة، بعد استيراد جلد طبيعي من الخارج»، مشيرةً إلى أن قانون التبرع بالأعضاء لم يُفعَّل بشكل كامل، وأن التبرع الحالي يقتصر على أقارب الدرجة الأولى.

مقر مجلس النواب المصري بالعاصمة الجديدة (مجلس النواب)

وتضمن مقترح إحدى عضوات «الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي» تعريفاً لـ«الجلد المتبرع به»، باعتباره «تدخلاً طبياً منقذاً للحياة، خصوصاً للأطفال الذين تتجاوز نسبة الحروق لديهم 40 في المائة من مساحة الجسد، وهي فئة تعاني من ارتفاع معدلات الوفيات والإعاقات الدائمة في ظل غياب التغطية الجلدية المناسبة».

وأوضح بعض من أيد مقترح النائبة أنهم سيقومون بالتبرع بـ«أعضاء الجلد» بعد الوفاة، بينهم أميرة صابر التي قالت لـ«الشرق الأوسط»، إنها ستتبرع بأعضائها بعد وفاتها، لكنها لم تسجل وصيتها بشكل رسمي، موضحة أنها بانتظار تحركات الجهات التنفيذية عقب المقترح الذي تقدمت به.

من جهتها، قالت عضو لجنة الصحة بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، إيرين سعيد، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تقدمه به نائبة الشيوخ «ليس جديداً، لكن الأزمة أن هناك تشريعاً قديماً ليس مفعلاً، مع عدم شيوع ثقافة التبرع بالأعضاء عقب الوفاة بين المصريين، وهناك فجوة كبيرة بين المعتقدات الدينية والثقافية وبين التشريع، ما يتطلب توعية بأهمية التبرع دون أن يدخل في مجالات (تجارة الأعضاء)، وهي ذات سمعة سيئة بين المصريين».

وأوضحت إيرين أن الجدل الذي صاحب المقترح يرجع لأن التعامل معه إعلامياً «لم يكن بالقدر المطلوب، ولم يراعِ الأبعاد الإنسانية، واقتصر الأمر على جزء سطحي، ارتبط بالحفاظ على موارد الحكومة، رغم أن وزارة الصحة تنفق موازنات ضخمة على استيراد الجلود».


ويتكوف وكوشنر يزوران حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»

The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
TT

ويتكوف وكوشنر يزوران حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»

The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)

أجرى المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، السبت، زيارة لحاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب.

وقال ويتكوف، عبر منصة «إكس»: «التقيتُ اليوم مع الأدميرال براد كوبر وجاريد كوشنر، مع البحارة ومشاة البحرية الشجعان على متن حاملة الطائرات( يو إس إس أبراهام لينكولن)، والمجموعة القتالية التابعة لها، والجناح الجوي التاسع، الذين يحموننا، ويحافظون على رسالة الرئيس ترمب للسلام من خلال القوة».

وأضاف: «شاهدنا عمليات إقلاع الطائرات، وتحدثنا مع الطيار الذي أسقط طائرة إيرانية مسيرة من دون طيار اقتربت من الحاملة».

وتابع: «أشعر بالفخر للوقوف مع الرجال والنساء الذين يدافعون عن مصالحنا، ويردعون خصومنا، ويظهرون للعالم كيف تبدو جاهزية الولايات المتحدة وعزيمتها، في حالة استعداد دائم».

كانت شبكة «سي إن إن» أفادت، في وقت سابق من اليوم (السبت)، بأن المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر قاما بزيارة حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» بعد محادثات أميركية غير مباشرة مع إيران بوساطة من سلطنة عمان عقدت في مسقط أمس.

المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف يصافح أحد الضباط الأميركيين على متن حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» وخلفه جاريد كوشنر (حساب ويتكوف عبر منصة إكس)

ونقلت الشبكة عن مصادر القول إن الزيارة جاءت بدعوة من قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، وإن الغرض من الزيارة، وفقاً لما قاله مسؤول أميركي رفيع المستوى، هو «التعبير عن الامتنان للقوات الأميركية الموجودة في المنطقة».

وجاءت الزيارة بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، بأن المحادثات مع إيران كانت «جيدة جداً».

ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وخلفهما طائرة «إف 35» على سطح حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» (حساب ويتكوف عبر منصة إكس)

وتسارعت وتيرة الحشد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط خلال الأسابيع الماضية بعد إعلان ترمب أنه يضع من ضمن خياراته توجيه ضربة إلى إيران، رغم أن الرئيس لم يُشر إلى أنه اتخذ قراراً محدداً بعد.

وانتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في مسقط، الجمعة، من دون اختراق حاسم، ووصفها عراقجي بأنها «بداية جيدة» مقرونة بتفاهم على مواصلة المسار، لكن بشروط تتصل بمشاورات العواصم.


الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
TT

الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

دعا رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية (LAU) الدكتور شوقي عبد الله الأكاديميين في الجامعات اللبنانية ليكونوا جزءاً من المجتمع، وأن يتفاعلوا معه، إذ لا يمكنهم أن يعيشوا في برج عاجي بمعزل عن هموم محيطهم، ومشكلاته الكثيرة، لا سيما لجهة وضع حد لهجرة الأدمغة، والطاقات، والإفادة منها لبنانياً. وقال عبد الله في حديث لـ«الشرق الأوسط» في بيروت عرض فيه رؤيته لحاضر التعليم الجامعي في لبنان، ومستقبله، إن الجامعة «تصمم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية».

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

وعبد الله -وهو رجل فكر، وعلوم، وأبحاث- يجمع ما بين الحداثة الأميركية وأصوله اللبنانية التي يعتز بها. ويعمل منذ توليه رئاسة الجامعة اللبنانية-الأميركية في لبنان رسمياً في أكتوبر (تشرين الأول) العام 2024 على رفع مستوى مواكبة التطورات العلمية المتلاحقة، خصوصاً لجهة قطاع الذكاء الاصطناعي الأبرز عالمياً. وقال عبد الله إن خطة الجامعة تتضمن العمل على وضع تصاميم لإنشاء مركز للذكاء الاصطناعي ينسق الأنشطة التربوية، والمقررات التعليمية، لتجنب أن تعمل كل مؤسسة تربوية بمعزل عن الأخرى، وذلك ضمن أحدث خطط مواكبة التطور الرقمي في التعليم، إلى جانب جهود تبذل وتندرج ضمن الإطار الوطني، وتتمثل في إبقاء المواهب داخل لبنان، للإفادة من طاقاتها، ووضع حدّ لـ«هجرة الأدمغة» بعد سنوات من الأزمات الاقتصادية، والمعيشية، والأمنية التي ضربت البلاد.

الفصل الثاني من مسار الجامعة

استناداً إلى الدكتور عبد الله، الذي يتمتع بشبكة علاقات دولية ما يضيف الكثير على رصيد الجامعة اللبنانية-الأميركية التي احتفلت العام الفائت بمرور المئوية الأولى على تأسيسها، فإن «الفصل الثاني من مسار الجامعة اللبنانية-الأميركية بدأ»، وينصب اهتمام الجامعة التي تأسست العام 1924 في بيروت، ومع بدء المائة الثانية من مسيرتها، على الدفع بخطة طموحة لمواكبة التطورات الرقمية، مع الأخذ في الاعتبار أن «الجامعات في لبنان، ومن بينهاLAU ، تشكّل خط الدفاع الأكثر صلابة عن معنى لبنان الحضاري، واستطراداً الثقافي–الاجتماعي التعددي، والذي يقدم نموذجاً اقتصادياً مميزاً لطالما قدم إجابات، وحلولاً غير عادية لمشكلات لبنان القديمة»، حسبما يقول. ويضيف: «الجامعات اللبنانية، ومن خلال موقعها الأكاديمي، تمثل رابطاً حقيقياً للتفاعل بين الثقافتين الغربية والشرقية، وتقدم عبره نموذجاً للعمل الإبداعي بما يخدم الدور المطلوب منها». ويضيف: «ضمن هذا المبدأ، يمكن الكلام عن الموقف المشرف للجامعة اللبنانية-الأميركية خلال الأزمة الاقتصادية الأخيرة التي ضربت لبنان، ولا يزال الشعب اللبناني يعاني من تردداتها، حيث بادرت إلى سحب الأموال من (وقفيتها) الخاصة لضمان قدرة الطلاب على الدفع، وتأمين استمرارية الدروس لهم». وبرأي الدكتور عبد الله ،فإن ما تحقق على هذا الصعيد لجهة مساعدة الطلاب «يجب أن يدخل في صلب توجهات كل الجامعات العاملة في لبنان».

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

مصنع العقول

أفادت دراسة «تعزيز فرص توظيف الخريجين في لبنان» أجريت حديثاً للوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) بأن 67 في المائة من خريجي الجامعات في لبنان يسعون إلى مغادرة البلاد، لكن 18 في المائة منهم فقط يريدون فعلاً المغادرة، فيما الباقون يرون أنفسهم مضطرين إلى الهجرة، لأنه لا خيار أمامهم سوى الرحيل، لتأمين مستقبلهم، وإيجاد فرص العمل التي تتناسب مع مؤهلاتهم، وتعليمهم الجامعي. ويقول عبد الله: «ثمة حاجة متزايدة، وخصوصاً في بلد مثل لبنان، إلى حل مشكلات مثل الكهرباء، وتحفيز البلديات على معالجة مياه الصرف الصحي، والنفايات، ناهيك عن المشكلات الكثيرة في قطاعات مختلفة»، وانطلاقاً مما تقدم، يشدد رئيس الجامعة على أن «أهم ما في التعليم الجامعي ليس المواد الأكاديمية التي تدرس، بل توصل الطالب إلى القناعة بأن التعليم عملية مستمرة، وأن البحث التطبيقي يشكل أحد أعمدة التعليم العالي الجامعي، واستطراداً، لا بد من انخراط الأكاديميين في التواصل مع الواقع من خلال البحث الأكاديمي الرصين، والتدريب المتواصل للطلاب قبل خروجهم إلى سوق العمل، والإنتاج». ويتابع عبد الله: «من الأفضل ألا يدار التعليم بدافع الفوز بالأرباح، والتركيز على جني المال، بل بروحية إنسانية تحمل رؤى للحاضر، والمستقبل، وتواكب العصر».

هجرة الأدمغة

يمتلك رئيس (LAU) سجلاً حافلاً على مستويات عدة، وخبرة في بناء أحد أكبر مراكز الأبحاث، وريادة الأعمال، وأكثرها ابتكاراً في جامعة معهد جورجيا للتكنولوجيا الأميركي من موقعه بوصفه نائب رئيس تنفيذي للأبحاث فيها. كما تولى عبد الله رئاسة جامعة نيومكسيكو الأميركية، وقاد جهوداً كبيرة ساهمت في رفع نسبة الطلاب، وزيادة معدلات التخرج بنسبة 125 في المائة، فضلاً عن أنه خبير رائد في نظرية التحكم وهندسة النظم، وله ثمانية كتب، وأكثر من 400 مقالة.

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

انطلاقاً من هذه التجربة، يشدد عبد الله على أهمية أن تبذل الجامعة -وكل الجامعات- جهداً أكبر في اتجاه إبقاء المواهب التي تخرجها داخل لبنان. وبرأيه، فإن لبنان أضحى أخيراً وكأنه مصنع لإنتاج الأدمغة، والكفاءات التي تتلقى التعليم النوعي، والعالي، وسرعان ما تغادر أرضها الأم بحجج مختلفة، أبرزها: استمرار الأزمات اللبنانية دون حل، وانحسار مشروع الدولة المؤسساتية، وتالياً تراجع الاستثمارات، ما يؤدي إلى البحث عن فرص للعمل خارج لبنان بما يتناسب مع حجم هذه المواهب الشابة، وإمكاناتها الواعدة. ويقول عبد الله: «نستورد كل شيء آخر، لكننا نصدّر أشخاصاً يريدون تحقيق إنجازات كبيرة في أماكن أخرى. وليس الأمر أننا نريد إبقاء الجميع هنا، فالسوق والمجتمع لا يمكنهما استيعاب كل هذه المواهب، ولكن علينا العمل لتغيير هذا الواقع، وبناء مستقبل أفضل للبنان، لوقف نزيف الأدمغة إلى الخارج».

فرص ريادة الأعمال

أكاديمياً، يؤكد رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية الحاجة الملحة إلى مركز تُجرى فيه دراسات حول أثر التعليم العالي على مستويات عدة: وطنية، اجتماعية، اقتصادية، تربوية، وغيرها، ويوضح: «نحن نفكّر في كيفية القيام بذلك. وإن سألتني كيف سأُقيّم إجمالي الأثر الاقتصادي لـLAU الآن، فلن أستطيع حتى التخمين». وقال بالأرقام: «ميزانيتنا اليوم في حدود 308ملايين دولار بما يشمل المستشفيات، وهذا هو الأثر الاقتصادي الفوري على محيطنا، وبيئتنا، لكن الأمور أبعد من ذلك بكثير، وحضور الجامعة يترك آثاره الشاملة على المستوى الوطني والإنساني بما يفوق التصور».

ويشرح عبد الله أن «الجامعة اللبنانية-الأميركية» تعمل على «رفع منسوب تفاعلها وطنياً مع المجتمع من خلال مؤسسات عدة تعمل تحت لوائها، مثل المعهد العربي للمرأة (AiW) ، ومع القطاع الاقتصادي، والشركات من خلال المجمع الصناعي (Industrial Hub)، ومع القطاع الخاص، والمجتمع المدني، وشرائح المجتمع المختلفة، مثل البلديات، والجمعيات من خلال أكاديمية التعليم المستمر (ACE). كما تسعى لزيادة النشاط الريادي، والتفاعل مع عالم الأعمال، ومع الشركات من خلال «مركز مخزومي للإبداع»، فضلاً عن أن الجامعة تستضيف 15 شركة وأكثر سنوياً لدمج ريادة الأعمال مع التعليم. ويشدد الدكتور عبد الله على أن «أصولنا بحسب الأرقام في الجامعة ليست المال ولا الأبنية، ولا أي شيء مادي بل هي الطلاب، لا الرئيس، ولا أعضاء الهيئة التعليمية. هناك رئيس واحد و440 عضو هيئة تدريس، وهناك 9 آلاف طالب. وعليهم نعوِّل، وهذا ما يفترض أن يفعله كل مركز ابتكار، أو قطب الابتكار».

يشار إلى أن الأرقام الصادرة في لبنان مؤخراً أفادت بأن هناك نحو 200 ألف طالب جامعي: 80 ألفاً منهم في الجامعة اللبنانية، و12 ألفاً في جامعة القديس يوسف، و9 آلاف في الجامعة اللبنانية-الأميركية، و8 آلاف في الجامعة الأميركية في بيروت، إضافة إلى جامعات أخرى.

الذكاء الاصطناعي

برأي الدكتور شوقي عبد الله، فإنه لا يجب عزل الذكاء الاصطناعي عما يحوطه من علوم، وتطورات متلاحقة. ويقول: «أعلم أن زملائي في الجامعة الأميركية في بيروت AUB ينشؤون كلية تركّز على الرقمية، وما إلى ذلك، لكنني أعتقد أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون حاضراً في كل الاختصاصات، وأينما نحتاجه. ومع ذلك، بما أن الجميع يتجه إلى اعتماده، والتعامل معه، فلا يمكنك أن تدع كل طرف يعمل بمعزل عن الآخر». وأشار عبد الله إلى أهمية إنشاء حاضنة، أو مجمع للذكاء الاصطناعي (Hub)، وأنه استخدم هذا النموذج في جامعة جورجيا تك الأميركية. وأضاف: «ما أقصده أنه لن تكون هناك كلية للذكاء الاصطناعي، ولا بنية منفصلة، إنما سيكون هناك مركز للذكاء الاصطناعي لتنسيق كل هذه الأنشطة، وبالتالي سيشكّل الركيزة التي سيعتمد عليها كثير من الأعمال، داخلياً، وخارجياً». وكشف عن تقديم مقررات، والعمل على تصميمات على هذا الأساس، مؤكداً أنهم في الجامعة يستخدمون الذكاء الاصطناعي، ونقيّم أشخاصاً باستخدام بعض أدواته.

برامج دعم اجتماعي

لا يغيب الجانب الاجتماعي عن هذه الجامعة التي لطالما وقفت إلى جانب الطلاب، ولا سيما خلال الأزمة الاقتصادية، وفي فترات الحرب، وغيرهما، وقدمت برامج دعم واسعة للطلاب، سواء بقدراتها الذاتية من وقفية الجامعة، ومالها الخاص (كما سلف القول)، أو من المؤسسات العالمية، مثل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID التي علمت الكثير من الطلاب، وأتاحت لهم الفرصة للدخول إلى الجامعات رفيعة المستوى، مثل الجامعة اللبنانية-الأميركية. وشرح رئيس الجامعة هذا الأمر: «كان حجم هذا الدعم الأميركي يقارب الـ20 مليون دولار، وشكل ثاني أكبر مصادر التمويل لدينا، ما ترك آثاراً إيجابية هائلة لجهة النهوض بتعليم الطلاب المحتاجين»، وأضاف: «بعد توقف قسم من برنامج المساعدة الأميركية (USAID)، تحمّلنا مسؤولية طلابنا، وتكفلنا بهم، لكن انحسار مصدر التمويل هذا سيجعلنا أكثر حرصاً فيما نقوم به لجهة معايير المساعدة، وحجمها، ومدى توسعها». وأوضح عبد الله أن الدعم الأميركي للجامعات لم يتوقف تماماً، بل هناك أوجه عدة، مثل: «مبادرة الشراكة الأميركية الشرق الأوسطية MEPI» التي لا تزال مستمرة، وتوفر تمويلاً لمجموعة محددة من الطلاب. كما نعمل في المرحلة الحالية على استقطاب دعم من جهات مانحة في لبنان، والدول العربية، والأوروبية.

أما عن كيفية تأمين الموارد المالية لاستمرارية الجامعة، فأوضح عبد الله أن الأقساط الجامعية تشكل اليوم أكثر من 90 في المائة من إيرادات الجامعة اللبنانية-الأميركية. لكنه استدرك أن هذا الأمر غير قابل للاستدامة، لأن الجامعة تعيد توزيع أكثر من 50 في المائة على شكل مساعدات مالية. وقال: «لا نستطيع الاستمرار في عدم رفع الأقساط وسط إصرارنا على الحفاظ على الجودة، والدعم المالي، وما إلى ذلك، ولكننا نفكر، أو نسعى وراء طرق أخرى». وأضاف: «لدينا اليوم حرم في نيويورك نأمل أن يدرّ إيرادات، ولدينا برنامج ناجح للدراسة عبر الإنترنت يجب توسعته، لكننا نتطلع قدماً إلى خيارات بديلة تتجاوز الأقساط، ومنها: حملات جمع الأموال، والعمل الخيري، إضافة إلى زيادة أموال الوقف لدى الجامعة». ولكن رغم كل التحديات المالية يؤكد الدكتور عبد الله أن الجامعة ماضية في رسالتها الإنسانية، ومهمتها الأكاديمية، وقال: «إنه لا يمكن لأي جامعة أن تستغني عن نموذج المنح الدراسية، إذ لا بد دائماً من تقديم مساعدات مالية قائمة على الحاجة، وعلى الجدارة الأكاديمية».

يشار إلى أن الجامعة اللبنانية-الأميركية نجحت في تحويل مركزها الأكاديمي في مدينة نيويورك الأميركية إلى حرم جامعي متكامل الشروط والأوصاف، استناداً إلى موافقة مجلس أمناء ولاية نيويورك.