البشير يقر أمام المحكمة بمسؤوليته عن انقلاب «الإنقاذ» سنة 1989

حاول تبرئة المدنيين والعسكريين المشاركين معه... ومحامون قالوا إن ما ذكره سيزيد وضعه القانوني سوءاً

الرئيس السوداني السابق عمر البشير (أرشيفية - الشرق الأوسط)
الرئيس السوداني السابق عمر البشير (أرشيفية - الشرق الأوسط)
TT

البشير يقر أمام المحكمة بمسؤوليته عن انقلاب «الإنقاذ» سنة 1989

الرئيس السوداني السابق عمر البشير (أرشيفية - الشرق الأوسط)
الرئيس السوداني السابق عمر البشير (أرشيفية - الشرق الأوسط)

برّأ الرئيس السوداني المعزول عمر البشير معاونيه من الإسلاميين المدنيين من المشاركة في انقلاب يونيو (حزيران) 1989 الذي أطاح الحكومة الديمقراطية المنتخبة بقيادة رئيس الوزراء الراحل الصادق المهدي، وأعلن تحمله المسؤولية كاملة عن الانقلاب، أمام محكمة في الخرطوم الثلاثاء، وذلك بخلاف تصريحات واعترافات سابقة على لسانه وألسنة معاونيه قبيل إطاحة حكومتهم.
في مايو (أيار) 2019، وجهت النيابة العامة بلاغات جنائية ضد البشير، الذي أُودع السجن بعد عزله من الرئاسة وإطاحة حكومته، عقب ثورة شعبية واحتجاجات عارمة نددت بحكمه وبالتردي الاقتصادي الذي تعيشه البلاد وقتها، وذلك في 11 أبريل (نيسان) 2019.
وبدأت المحاكمة الجارية الآن في 21 يوليو (تموز) 2020، ويواجه فيها البشير والمتهمون الآخرون تهمة تقويض النظام الدستوري، وهي تهمة عقوبتها الإعدام.
وقال البشير أمام لمحكمة التي تحاكمه و27 من المتهمين بتدبير الانقلاب، وأبرزهم نائبه السابق علي عثمان محمد طه، ومساعده نافع علي نافع، وأمين حزب الترابي علي الحاج محمد، والوزير السابق عوض أحمد الجاز، إنه يتحمل المسؤولية كاملة وبمفرده عن الانقلاب.
وسخر البشير مما سماه محاولات هيئة الاتهام لإثبات التهمة بقوله: «كنت أتابع محاولات هيئة الاتهام بتقديم فيديوهات وشهود اتهام، وأنا أسمع وأستمتع». وتابع: «أخاطب المحكمة الموقرة، وأقول: أنا أتحمل كل المسؤولية عما تم في 30 يونيو، وأعلم أن الاعتراف هو سيد الأدلة».
كما حاول البشير تحمل المسؤولية عن رفاقه العسكريين المتهمين معه بالقول: «أقول للمحكمة إن كل أعضاء مجلس قيادة الثورة الموجودين في هذه القاعة، ما كان عندهم أي دور في التخطيط أو التنفيذ، وإنما تم اختيارهم من بين خيرة ضباط القوات المسلحة ليمثلوا وحداتهم وبعض الجهات». وتابع: «ما كان عندهم دور، لا في التخطيط ولا في التنفيذ».
وقال عضو هيئة الاتهام ضد البشير المحامي المعز حضرة لـ«الشرق الأوسط» عقب جلسة المحكمة أمس، إن للمتهم الحق في دحض بينات الاتهام، لكن اعترافات البشير لا تخدم قضيته، وإنه أقر بارتكاب جريمة تقويض النظام الدستوري، ولن يفيده وصف القضية بأنها قضية سياسية، وأن محاولته تبرئة بقية المتهمين لن تفيدهم؛ لأن هناك بينات مباشرة ضدهم، وتابع: «ما ذكره سيزيد وضعه القانوني سوءاً».
وتناقض اعترافات البشير أمام المحكمة اعترافات زعيم حركة الإسلاميين السودانيين الراحل حسن عبد الله الترابي، التي أدلى بها في برنامج «شاهد على العصر» عبر قناة «الجزيرة»، والذي قال إن البشير لا علاقة له بالتخطيط أو التنفيذ، وإنهم أتوا به قبل يوم من الانقلاب من منطقة نائية في السودان ليقوده باعتباره الرتبة الأعلى بين الضباط الإسلاميين، وأنه لم يشارك لا في التخطيط ولا في التنفيذ.
واعترف الترابي، في حديثه للفضائية التي بثت اعترافاته بعد وفاته، بأن الضباط من الإسلاميين الذين قادوا الانقلاب شاركوا في التخطيط والتنفيذ، ولم يكن البشير بينهم، وأن الجنود الذين شاركوا معظمهم من الإخوان المدنيين الإسلاميين الذين ارتدوا أزياء عسكرية؛ لدعم الانقلاب الذي خططت له حركته على مدى أكثر من عقدين من الزمان.
وقال البشير مبرئاً مساعديه المدنيين من قادة الحركة الإسلامية السودانية المتهمين معه: «أؤكد للمحكمة: ما في أي مدني دخل معنا. عمل عسكري بحت، وما كنا محتاجين لمدنيين ليساعدونا على التخطيط ولا التنفيذ».
وتخالف اعترافات البشير تصريحات للعسكريين والمدنيين المتهمين معه أثناء وجودهم في السلطة. فقد نقلت وسائل الإعلام السودانية والأجنبية تصريحات لمعظمهم، تناولوا فيها بإسهاب أدوارهم في الانقلاب، كما تحتفظ الذاكرة الشعبية السودانية بتصريحات وأفعال إبان الانقلاب وبعده، تكشف دور كل من المتهمين بتدبير الانقلاب.
وأوضح البشير أن انقلابه لم يكن يهدف للانفراد بالسلطة، لذلك فتح حواراً مع كل القوى السياسية، وأعطى الضباط المكلفين بالاعتقالات تعليمات صارمة بعدم الإساءة للقيادات المعتقلة وإحسان معاملتهم، وأشار في ذلك لاعتقال الزعيم الديني والسياسي محمد عثمان الميرغني.
وقال إنهم استأذنوه وأمهلوه قبل اعتقاله، ثم سمحوا له حين طلب السفر للعلاج في الخارج مع تعهد بالعودة، بيد أنه سافر ولم يعد. وقال: «حين اعتقاله، وجهت بعدم تفتيش بيته، وعدم الدخول على الشريفيات».
وتباهى البشير بما سماه إنجازات حكومته، بما في ذلك اهتمامها بقضية السلام واعتبارها حلاً لكل القضايا التي يعاني منها الوطن، ونجاحها في استخراج النفط، وشروعها في حوار وطني شاركت فيه معظم الأحزاب السياسية، ووقفها الحرب في جنوب السودان.
* متهمون يتمسكون بالبراءة
وكان 6 من معاوني البشير المقربين قد أنكروا في المحكمة المشاركة في الانقلاب، وأبرزهم مساعده الأسبق نافع علي نافع، واللواء يونس محمود، والعميد يوسف عبد الفتاح، وعلي الحاج محمد، واللواء الطيب إبراهيم خير، وأنكر المدنيون معرفتهم بالانقلاب، فيما قال العسكريون إنهم عرفوا بالانقلاب بعد حدوثه، واختيروا أعضاء في مجلس الانقلاب والمناصب التنفيذية بالأوامر العسكرية.
وفي بدايات حكمه، فصل البشير وأعوانه الإسلاميون وشردوا عشرات الآلاف من العاملين في الدولة، تحت مظلة ما أطلقوا عليه وقتها «الصالح العام»، وأدخلوا عناصر «الإخوان» والمحاسيب بدلاء عنهم تحت مسمى «التمكين»، لكن الدخلاء على الخدمة المدنية الذين أطلق عليهم «ذوو الأيدي المتوضئة»، أوغلوا في الفساد والإفساد والتجبر والطغيان.
وحولت حكومة البشير الحرب ضد المتمردين في جنوب السودان من تمرد سياسي إلى حرب دينية، ورفعت شارات الجهاد والأسلمة، ونتج عن ذلك مقتل وتشريد ملايين الأشخاص. ونتيجة لضغوط محلية ودولية، اضطر البشير لتوقيع اتفاقية سلام مذلة مع «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، أدت لانفصال جنوب السودان في 2011 وتكوين دولته المستقلة.
كما أشعل البشير والإسلاميون حرباً أخرى في إقليم دارفور غربي البلاد، وقُتل تحت ذات الشعارات الدينية وإثارة النعرات العرقية أكثر من 300 ألف مدني، وفقاً للأمم المتحدة؛ ما أدى لتدخل المنظمة تحت الفصل السابع، في ثاني أكبر قوة دولية مسلحة في تاريخ الأمم المتحدة.
وبسبب ممارسات البشير في دارفور، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أوامر بالقبض عليه وعلى ثلاثة من معاونيه، بتهم تتعلق بجرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم التطهير العرقي، ولا تزال هذه التهم قائمة وتطالب المحكمة بتسليمه.
وكان البشير قد أدلى في خطاب جماهيري سنة 2006 بتصريحات تحدث فيها عما جرى في دارفور، وحمل فيها حكومته وكل من حمّل السلاح معها المسؤولية عن الدماء هناك، وقال بنبرة ندم: «سفكنا دماء المسلمين لأتفه الأسباب... كيف استحللنا دماء المسلمين ونحن نعلم تماماً أن زوال الكعبة لأهون عند الله من قتل نفس مؤمنة، وأن أي خطأ له عقوبة وكفارة في الدنيا إلا قتل النفس المؤمنة؟».
وفي خطاب آخر في العام ذاته، زعم البشير أن من تم قتلهم في دارفور 9 آلاف، وليس 300 ألف كما تقول الأمم المتحدة.
وتحول السودان في عهد البشير إلى مركز لتجميع المطرودين والمغضوب عليهم في بلادهم، وفُتحت أبوابه أمام قادة وتنظيمات المنظمات المتطرفة، وعلى رأسهم زعيم تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن، والإرهابي كارلوس. وبسبب ذلك، وجهت لحكومته اتهامات بالضلوع في عمليات إرهابية خارج البلاد.
ونتج عن تصرفات البشير أن وضعت الدولة السودانية منذ 1993 في القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب، ولم يشطب اسمها من هذه اللائحة إلا بعد أن اضطرت الحكومة المدنية الانتقالية، برئاسة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، لدفع تعويضات باهظة لذوي ضحايا أميركيين.
وشنت حكومة الإسلاميين حملات إعلامية عدائية ومستفزة ضد دول المنطقة، وعلى وجه الخصوص دول الخليج العربي ومصر، بلغت ذروتها بمحاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، أثناء مشاركته في القمة الأفريقية عام 1995، وتحالفت مع إيران قبل أن تقطع علاقاتها بها لاحقاً.
واستخدم نظام البشير عائدات النفط في دعم عملياته الحربية في جنوب السودان ودارفور، وتمويل ميليشياته المتعددة، وأشهرها «الدبابين» و«كتائب الظل» وغيرها. وتقول تقارير اقتصادية إن نظامه بدد أكثر من 90 مليار دولار هي كل عائدات تصدير النفط قبيل انفصال جنوب السودان. ولا يعرف أحد أين ذهبت هذه الإيرادات في الوقت الذي لا تزال فيه البلاد تعاني من تركة الديون الثقيلة والقروض.


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

بعد 3 أيام عصيبة قضتها المسنة السودانية زينب عمر، بمعبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان، وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على غر

شمال افريقيا الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، أنها تحتاج إلى 445 مليون دولار لمساعدة 860 ألف شخص توقعت أن يفروا بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من القتال الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين هذا النداء لجمع الأموال من الدول المانحة، مضيفة أن مصر وجنوب السودان سيسجّلان أكبر عدد من الوافدين. وستتطلب الاستجابة للأزمة السودانية 445 مليون دولار حتى أكتوبر؛ لمواجهة ارتفاع عدد الفارين من السودان، بحسب المفوضية. وحتى قبل هذه الأزمة، كانت معظم العمليات الإنسانية في البلدان المجاورة للسودان، التي تستضيف حالياً الأشخاص الفارين من البلاد، تعاني نقصاً في التمو

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

وجّه الصراع المحتدم الذي يعصف بالسودان ضربة قاصمة للمركز الرئيسي لاقتصاد البلاد في العاصمة الخرطوم. كما عطّل طرق التجارة الداخلية، مما يهدد الواردات ويتسبب في أزمة سيولة. وفي أنحاء مساحات مترامية من العاصمة، تعرضت مصانع كبرى ومصارف ومتاجر وأسواق للنهب أو التخريب أو لحقت بها أضرار بالغة وتعطلت إمدادات الكهرباء والمياه، وتحدث سكان عن ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السلع الأساسية. حتى قبل اندلاع القتال بين طرفي الصراع في 15 أبريل، عانى الاقتصاد السوداني من ركود عميق بسبب أزمة تعود للسنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عمر البشير واضطرابات تلت الإطاحة به في عام 2019.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟


الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
TT

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

استخدمت الشرطة في مدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم الاثنين، مع متظاهرين مشاركين في مَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورشّت الشرطة المتظاهرين ومراسلين صحافيين برذاذ الفلفل، أثناء محاولة المَسيرة المؤيدة للفلسطينيين الخروج من المنطقة المحدَّدة للتظاهر بها.

تجمّع متظاهرون في ساحة قاعة المدينة للاحتجاج على زيارة الرئيس إسحاق هرتسوغ الرسمية إلى أستراليا (رويترز)

وتظاهر الآلاف في أنحاء أستراليا احتجاجاً على زيارة هرتسوغ. وفي سيدني، تجمع الآلاف في ساحة ‌بحي الأعمال المركزي ‌بالمدينة، واستمعوا إلى خطب ورددوا شعارات مؤيدة للفلسطينيين.

وقال ‌متظاهر ⁠يبلغ ​من ‌العمر 30 عاما من سيدني «كانت مذبحة بونداي مروعة، لكن قيادتنا الأسترالية لا تعترف بالشعب الفلسطيني وسكان غزة»، وفق «رويترز».
وأضاف «يتهرب هرتسوغ من جميع الأسئلة المتعلقة بالاحتلال وقال إن هذه الزيارة تتعلق بالعلاقات بين أستراليا وإسرائيل، لكنه متواطئ».
وكان هناك وجود مكثف للشرطة مع طائرة هليكوبتر تحلق في السماء ودوريات ينفذها أفراد من الخيالة.

وبدأ هرتسوغ زيارة لأستراليا، اليوم الاثنين، لتكريم ضحايا هجوم بونداي الذي أودى بحياة 15 شخصاً كانوا يحتفلون بعيد الأنوار اليهودي «حانوكا» على الشاطئ الشهير في سيدني، وتقديم دعم للجالية اليهودية. وقال الرئيس الإسرائيلي إن زيارته تهدف إلى «التعبير عن تضامنه ومنح القوة» للجالية اليهودية، بعد الهجوم الذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً في 14 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تجمَّع متظاهرون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

وفي مواجهة دعوات إلى الاحتجاج أطلقها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين، حضّت السلطات على الهدوء، وحشدت قوة أمنية كبيرة في سيدني، حيث يقوم هرتسوغ بزيارة مُدّتها أربعة أيام.

ودعت مجموعة «بالستاين أكشن» إلى تظاهرة، بعد ظهر الاثنين، أمام مبنى بلدية سيدني، ورفضت طلب الشرطة بنقل التجمع إلى حديقة قريبة.

وتُندد المجموعة بـ«الإبادة الجماعية» التي تقول إن إسرائيل ترتكبها في قطاع غزة، وتدعو السلطات الأسترالية إلى التحقيق مع هرتسوغ بتهمة ارتكاب جرائم حرب باسم التزامات كانبيرا الدولية. وخلصت لجنة تحقيق مستقلة، مكلَّفة من الأمم المتحدة، عام 2025، إلى أن إسرائيل كانت ترتكب إبادة جماعية في غزة، منذ بداية الحرب على القطاع.


الرئيس الإسرائيلي يزور موقع إطلاق النار في بونداي بأستراليا

هرتسوغ متحدثا بعدما وضع إكليلا من الزهور خارج جناح بونداي (رويترز)
هرتسوغ متحدثا بعدما وضع إكليلا من الزهور خارج جناح بونداي (رويترز)
TT

الرئيس الإسرائيلي يزور موقع إطلاق النار في بونداي بأستراليا

هرتسوغ متحدثا بعدما وضع إكليلا من الزهور خارج جناح بونداي (رويترز)
هرتسوغ متحدثا بعدما وضع إكليلا من الزهور خارج جناح بونداي (رويترز)

قال الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ الاثنين إن اليهود «سيتغلبون على هذا الشر» بينما كان يقدم تعازيه لضحايا عملية إطلاق النار التي أودت بحياة 15 شخصا كانوا يحتفلون بعيد يهودي على شاطئ بونداي في سيدني.

وصرّح هرتسوغ بعدما وضع إكليلا من الزهور خارج جناح بونداي «ستبقى الروابط بين الناس الجيّدين من كل الأديان وكل الأمم قوية في مواجهة الإرهاب والعنف والكراهية».

من جهة ثانية، يعتزم متظاهرون مؤيدون للفلسطينيين التجمع في سيدني للاحتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي، بعد أن وصفت السلطات زيارته بالحدث المهم ونشرت آلافا من رجال الشرطة للسيطرة على الحشود. وحثت الشرطة المتظاهرين على التجمع في حديقة بوسط سيدني لأسباب تتعلق بالسلامة العامة، لكن منظمي الاحتجاج قالوا إنهم يعتزمون التجمع عند مبنى البلدية التاريخي في المدينة بدلا من ذلك.

ومنحت السلطات الشرطة صلاحيات نادرا ما يتم اللجوء إليها خلال الزيارة، بما في ذلك القدرة على تفريق الحشود ونقلها وتقييد دخولها إلى مناطق معينة وتوجيه الناس للمغادرة وتفتيش المركبات.

وقال بيتر ماكينا مساعد مفوض شرطة نيو ساوث ويلز لقناة ناين نيوز «نأمل ألا نضطر إلى استخدام أي من هذه الصلاحيات، لأننا على تواصل وثيق مع منظمي الاحتجاج». وأضاف « نريد بوجه عام الحفاظ على سلامة جميع أفراد المجتمع... سنكون موجودين بأعداد كبيرة فقط لضمان سلامة المجتمع». وسيتم نشر حوالي 3000 شرطي في جميع أنحاء سيدني، أكبر مدينة في أستراليا.

يزور هرتسوغ أستراليا تلبية لدعوة من رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي في أعقاب حادث إطلاق النار الدامي في شاطئ بونداي.

ولاقت زيارة هرتسوغ معارضة من الجماعات المؤيدة للفلسطينيين، حيث جرى التخطيط لتنظيم احتجاجات في المدن الكبرى في جميع أنحاء أستراليا، كما رفعت مجموعة العمل الفلسطينية دعوى قضائية في محكمة سيدني ضد القيود المفروضة على الاحتجاجات المتوقعة.

وقالت مجموعة العمل الفلسطينية في بيان «سيكون يوما للاحتجاج الوطني للمطالبة باعتقال إسحق هرتسوغ والتحقيق معه بعد أن خلصت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة إلى أنه حرض على الإبادة الجماعية في غزة».

وأصدر المجلس اليهودي الأسترالي، وهو من أشد منتقدي الحكومة الإسرائيلية، اليوم الاثنين رسالة مفتوحة وقعها أكثر من ألف من الأكاديميين والشخصيات المجتمعية البارزة من يهود أستراليا حثوا فيها ألبانيزي على إلغاء دعوة هرتسوغ.