مبارزة ثقافية ودينية وتاريخية على هامش نهائي المونديال

مواقف فرنسا «حشدت» الخصوم... و«البشت» يفجّر سجالاً بين الشرق والغرب

النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي (أ.ب)
النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي (أ.ب)
TT

مبارزة ثقافية ودينية وتاريخية على هامش نهائي المونديال

النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي (أ.ب)
النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي (أ.ب)

تجاوز الاهتمام بنهائي كأس العالم لكرة القدم بين منتخبي الأرجنتين وفرنسا، حدود الرياضة، إذ لم تقتصر الإثارة في المباراة، التي ظلت معلقة حتى لحظاتها الأخيرة، على مجريات اللقاء في ملعب لوسيل بالعاصمة القطرية الدوحة، بل كانت هناك مباراة لا تقل إثارة بين المشجعين، حتى غير المهتمين بكرة القدم.
المباراة التي اتخذت من مواقع التواصل الاجتماعي ساحة لها، اتخذت أبعاداً ثقافية ودينية حتى تاريخية، إذ تباينت ميول المشجعين في مختلف أنحاء العالم عموماً، وفي المنطقة العربية على وجه الخصوص، اعتماداً على اعتبارات «غير رياضية»، وهو ما فسّره مراقبون بأنه «فشل للعولمة في تذويب الفوارق بين الثقافات».
المباراة النهائية للمونديال مساء «الأحد» حفلت بكثير من المشاهد التي عكست «تسييس» كثير من المشجعين للمباراة، ومالت كفة المنحازين إلى «رفاق ميسي»، ليس حباً في اللاعب صاحب المسيرة الفذة، إنما نكاية في مواقف باريس وماضيها الاستعماري، إذ مال مشجعون أفارقة إلى «الشماتة» في خسارة فرنسا للكأس، ونشر كثير من أبناء القارة السمراء على وسائل التواصل الاجتماعي تدوينات مصحوبة بصورة يبدو فيها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون منكسراً، وعلّق بعضهم على تلك الصورة بالقول: «حزنك يسعدنا... بكاؤك يطربنا... غمك يفرحنا»، إضافة إلى استخدام «هاشتاغ» (#جرائم_فرنسا).
وبرز كذلك استخدام الصورة نفسهل من جانب شخصيات محسوبة على تيار الإسلام السياسي، مصحوبة بدعوات «الخزي» استناداً إلى ما يراه أصحاب هذا الموقف «دعماً فرنسياً للرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم».
واستحوذت لقطة ارتداء ليونيل ميسي قائد المنتخب الأرجنتيني المتوج لحظة تسلم كأس العالم «البشت العربي» على الجانب الأكبر من السجال الدائر على هامش نهائي المونديال، وأبرزت بعض الآراء اعتراض وسائل إعلام غربية، من بينها صحيفة «تليغراف» البريطانية، التي اعتبرت تقليد ميسي «حركة غريبة (خرّبت) أعظم لحظة في تاريخ كأس العالم»، لافتة إلى أن «ميسي لم يبدُ سعيداً بارتداء البشت الذي غطى على قميص بلاده أثناء رفعه كأس أغلى البطولات»
https://twitter.com/TheUKAr/status/1604607030244904961?ref_src=twsrc%5Egoogle%7Ctwcamp%5Eserp%7Ctwgr%5Etweet
وهو ما ردّ عليه كثير من الناشطين العرب بأن ارتداء اللاعبين والسياسيين الأجانب لرموز وطنية أو تراثية لدول أخرى ليس بالأمر الجديد، مستشهدين بصور للملك البريطاني تشارلز الثالث، وهو يرتدي ثوباً عربياً، ويؤدي رقصة «العرضة» خلال زيارة إلى الرياض، قبل 8 أعوام، وأسطورة كرة القدم البرازيلية بيليه، وهو يعتمر قبعة مكسيكية عقب الفوز بكأس العالم عام 1970.
https://www.facebook.com/abeer.saady/posts/pfbid0qWeavuxU5no6VKfyTgGCrBwvQuZn3dpFAMnLJCRLu5KmPKfJxe4sJheKNKtZqvb4l
وقدّم آخرون صوراً للاعبين بارزين، مثل الفرنسي زين الدين زيدان والإسباني أندريس إنييستا، وهم يرتدون في مناسبات سابقة «البشت» العربي.

بل تدخل في النقاش إعلاميون غربيون، تعليقاً على ما وصفوه بـ«التغطية المنحازة» للقطة نهائي المونديال، إذ ردّ الإعلامي البريطاني روبرت كارتر على اللاعب الإنجليزي الشهير غاري لينيكر قائلاً: «لو حدث وارتدى ميسي شارة المثلية الجنسية لأشاد به لينيكر وبقية المنزعجين، لكن عندما ارتدى البِشت العربي ظهرت التغطية الإعلامية بشكل سلبي... أمر مخجل وقبيح من شبكة (BBC) التي تدعي الحياد»، على حد تعبيره.
ويرى الدكتور محمد عفيفي، أستاذ التاريخ في جامعة القاهرة، والأمين الأسبق للمجلس الأعلى للثقافة في مصر، أن ما شهده مونديال قطر 2022، والمباراة النهائية من سجالات سياسية وأخلاقية وتاريخية لافتة، يجسد حقيقة أن الفوارق الثقافية «لا تزال حية في عقول الشعوب المختلفة»، وأن العولمة «فشلت في تذويب تلك الفوارق، بل زادتها وضوحاً وعنفاً».
ويضيف عفيفي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «كرة القدم يفترض فيها أنها لعبة ووسيلة للتسلية، كانت دائماً (أداة سياسية ودينية) منذ بداياتها الأولى في بريطانيا، فقد ارتبط ظهور كرة القدم في العصر الفيكتوري بمحاولة منع التلاميذ من التسرب من المدارس، وترشيد جهد المواطن المسيحي».
ويتابع أنه «مع انتقال كرة القدم إلى المستعمرات، تحولت اللعبة إلى أداة سياسية بامتياز، وصارت المواجهات بين الفرق الوطنية ونظيرتها الأجنبية (وسيلة لمقاومة الاستعمار)، وقد شهدت مصر عقب ثورة 1919 أكثر من واقعة تؤكد ذلك».
ويشير عفيفي إلى أن «مونديال قطر كان حافلاً بالمشاهد غير الكروية اللافتة، فالبعد الديني كان حاضراً، سواء في دعوة بعض الدعاةِ الجماهيرَ الأجنبيةَ إلى الإسلام، أو في اتخاذ مواقف مناوئة لفرنسا، على خلفية أزمة الرسوم المسيئة للرسول (ص)، أو من خلال حضور البعد القومي العروبي كاصطفاف المشجعين العرب وراء المنتخب المغربي، وكذلك (تصفية الحسابات) مع قوى الاستعمار القديم، ويتجلى ذلك في الفرحة التونسية بهزيمة فرنسا رغم الخروج من المنافسات، إضافة إلى (الشماتة الأفريقية) في فرنسا، المستعمرة القديمة، أو الفرحة بفوز إحدى دول الجنوب، وهي الأرجنتين بكأس العالم بعد 20 عاماً من احتكار الشمال الأبيض للفوز».
ويعتبر أستاذ التاريخ كل تلك المشاهد تعبيراً عن أن «الصراع الثقافي» في العالم «يزداد قوة وتأثيراً»، وأنه «ينتهز أي فرصة ليطفو على السطح»، حتى ولو كان ذلك في مباراة لكرة القدم، يفترض فيها أن تعزز الروح الرياضية والمنافسة الشريفة».


مقالات ذات صلة

الاتحاد الإيراني يطالب بتجريد الولايات المتحدة من استضافة كأس العالم 2026

رياضة عالمية الاتحاد الإيراني طالب بتجريد أميركا من استضافة المونديال (الاتحاد الإيراني)

الاتحاد الإيراني يطالب بتجريد الولايات المتحدة من استضافة كأس العالم 2026

أصدر الاتحاد الإيراني لكرة القدم بياناً على وسائل التواصل الاجتماعي، في وقت متأخر، الخميس، قال فيه إنه لا ينبغي السماح للولايات المتحدة باستضافة كأس العالم.

«الشرق الأوسط» (طهران)
رياضة عالمية السياسات المتعلقة بالهجرة في عهد الرئيس  (رويترز) الأميركي دونالد ترمب قد تثير الخوف

جماعات حقوقية تحث «فيفا» على ضمان شمولية وسلامة كأس العالم 2026

حثت جماعات حقوقية الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) على ضمان التزام كأس العالم 2026 بالشمولية والسلامة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
رياضة عالمية النجم الألماني السابق مايكل بالاك (د.ب.أ)

بالاك لا يزال مستاء من استبعاد لوف له في «مونديال 2010»

أكد النجم الألماني السابق مايكل بالاك أنه لا يزال غير متقبلٍ قرار استبعاده من منتخب ألمانيا قبل 16 عاماً.

«الشرق الأوسط» (برلين)
رياضة عالمية (رويترز)

اتفاق بين ماساتشوستس ومنظمي كأس العالم بشأن تمويل الأمن في المباريات

لم يعد مصير مباريات كأس العالم لكرة القدم، المقرر إقامتها هذا الصيف في ولاية ماساتشوستس الأميركية، محل شك بعد التوصل إلى اتفاق بشأن التمويل اللازم لتنظيمها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
رياضة عالمية توماس كريستيانسن المدير الفني لمنتخب بنما (رويترز)

مدرب بنما يرفع راية التحدي قبل كأس العالم 2026

رفع توماس كريستيانسن، المدير الفني لمنتخب بنما، سقف الطموحات قبل مشاركة فريقه في نهائيات كأس العالم لكرة القدم التي تستضيفها أميركا الشمالية هذا الصيف.

«الشرق الأوسط» (بنما سيتي)

هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
TT

هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

أعلنت نقابة «الموسيقيين» المصرية في بيان صحافي، الخميس، تحسن الحالة الصحية للفنان هاني شاكر خلال الأيام الماضية بعد تلقيه رعاية طبية دقيقة على يد أطباء مختصين، فيما يستعد لاستكمال علاجه في فرنسا.

وقالت النقابة إن «شاكر سيتوجه خلال الساعات المقبلة إلى فرنسا لاستكمال بعض الفحوصات الطبية، والاطمئنان بشكل كامل على حالته الصحية، وذلك وفقاً لتوصيات الفريق الطبي المعالج».

وخلال الساعات القليلة الماضية انتشرت شائعات تفيد بوفاة هاني شاكر، وجاء اسمه ضمن قائمة الأكثر بحثاً على موقع «غوغل»، الخميس في مصر، بعدما كتب عدد من المشاهير في الوسط الفني بمصر خبر الوفاة على حساباتهم بالسوشيال ميديا، ومعاودة حذفه ونفيه فيما بعد.

ونفى حساب يحمل اسم «أعضاء نقابه المهن الموسيقية المصرية»، على موقع «فيسبوك»، خبر وفاة هاني شاكر، وكتب: «لا صحة على الإطلاق لما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن وفاة الفنان هاني شاكر، وأنه ما زال على قيد الحياة ويتلقى العلاج حالياً»، مضيفاً: «نرجو من الجميع تحري الدقة قبل نشر أو تداول أي أخبار غير مؤكدة، وعدم الانسياق وراء الشائعات».

وبدوره، أكد الشاعر الغنائي والناقد الموسيقى المصري فوزي إبراهيم أن «هاني شاكر بخير وحالته الصحية في تحسن مستمر»، موضحاً أن «مسألة سفره للاستشفاء والنقاهة وليس للعلاج»، حسب تأكيد الفنانة نادية مصطفى.

تحسن حالة هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

واستنكر فوزي إبراهيم، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، «الأخبار المغلوطة والشائعات السيئة التي انتشرت عنه»، معرباً عن أسفه لما يتم تداوله، وعدم احترام رغبة أسرته في عدم الكلام وسط انشغالهم بحالته.

وتساءل فوزي إبراهيم: «هل من الطبيعي أن تصدر الأسرة بيانات صحافية تخصه وسط انشغالهم بحالته الصحية؟، لذلك لا بد أن يحترم الناس رغبتهم، وعدم الانسياق وراء ما يتردد، طالما لم يتم نشر أي بيانات رسمية من قبلهم».

مصدر مقرب من الفنان هاني شاكر أوضح أن «حالته في تحسن مستمر، بعد تعرضه لإجهاد شديد نتيجة إجراء عملية وقف نزيف القولون»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «سفره لفرنسا سيكون خلال يومين».

وفي السياق، ردت الفنانة نادية مصطفى عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، على ما يتم تداوله من شائعات تفيد بأن سفر هاني شاكر للخارج كان بسبب فشل الأطباء في علاجه داخل مصر، مؤكدة أنها «تواصلت مع زوجته السيدة نهلة، التي نفت هذه الأخبار».

وحسب منشور نادية مصطفى، فقد وصفت زوجة هاني شاكر، «ما قام به الأطباء المصريون بأنه (معجزة طبية)؛ نظراً لخطورة الحالة، كما وجهت الشكر لوزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، ولكل الأطباء القائمين على علاجه، وللعاملين بالمستشفى على ما بذلوه من جهد ورعاية فائقة».

وأوضحت زوجة هاني شاكر أن «قرار السفر للخارج جاء لاستكمال مرحلة الاستشفاء والعلاج والنقاهة، بعد تحسن حالته الصحية».

شاكر يستعد للسفر إلى فرنسا لاستكمال رحلة العلاج (حسابه على موقع فيسبوك)

وكان هاني شاكر قد أجرى قبل أيام جراحة لاستئصال جزء من القولون بعد إصابته بنزيف حاد، وقام بزيارته بالمستشفى وزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، كما طمأنت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، في بيان رسمي قبل أيام، الجمهور على صحته، مؤكدة أنه «قيمة فنية كبيرة تمثل جزءاً من تاريخ الغناء المصري الأصيل، وأن حضوره وإبداعه أثريا المشهد الفني المصري وألهما أجيالاً من الفنانين والموسيقيين».

بدأ هاني شاكر، والملقب بـ«أمير الغناء العربي»، مسيرته الفنية مطلع سبعينات القرن الماضي، وقدم بعض التجارب التمثيلية السينمائية في بداية مشواره من بينها فيلما «عايشين للحب»، و«هذا أحبه وهذا أريده»، كما أصدر هاني شاكر خلال مشواره الذي تعدى الـ50 عاماً أغنيات وألبومات غنائية عدة، وشارك في حفلات غنائية بالداخل والخارج، كما شغل منصب «نقيب الموسيقيين»، في مصر.


فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
TT

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

لم تستطع الحرب المشتعلة على أرض لبنان وجواره إسكات المسحراتي في مناطق لبنانية عدّة. فهو لا يزال يتنقل بين الأحياء موقظاً الصائمين لتناول وجبة السحور قبل أذان الفجر، ويحافظ بذلك على موروث ثقافي يضفي البهجة، إذ يجوب الشوارع منادياً سكانها بأسمائهم. كما ينشد المسحراتي أهازيج دينية؛ «يا أهل الله قوموا تسحروا»، أو «يا عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة». أما عبارته المشهورة «يا نايم وحِّد الدايم» فينتظر سماعها الكبار كما الصغار. ينهضون من أسرّتهم عائلات وأفراداً للتجمّع حول مائدة السحور وتأدية صلاة الفجر.

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية.

وكما في مدينتَي طرابلس وبيروت، فإن صيدا وجوارها تتمسّك بهذه الرمزية للشهر الكريم. صحيح أنّ قلة لا يزالون يمارسون هذه المهنة، وإنما بعضهم يحافظ على تأديتها منذ عشرات السنوات. بعضهم ورثها أباً عن جدّ، وبعضهم الآخر رأى فيها أسلوب عبادة من نوع آخر. فمن خلالها يخدم القوم ويحضّهم على ممارسة تقاليد ثقافية ودينية كي لا تؤول إلى زوال.

يرافقه فريق من العازفين والمنشدين في جولاته (محمد الغزاوي)

ويشير المسحراتي محمد الغزاوي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ رمضان هذه السنة حمل تحدّيات كثيرة. ويوضح: «بدأتُ في ممارسة عملي كما في كلّ موسم بهدوء وسكينة. ولكن اندلاع الحرب بدَّل في وجهاتنا زملائي وأنا. لم تعد جولاتنا تقتصر على زيارة أحياء معيّنة، بل توسَّعت لتشمل مراكز إيواء في صيدا وجوارها».

ويخبر بأنّ هذه المراكز تطلبه بالاسم لكونه من أقدم المسحراتية في المنطقة، إذ يحبّ الجميع صوته ويُعجَبون بأسلوبه في إنشاد الأهازيج.

ويتابع: «ثمة نحو 10 مراكز إيواء نعمل على تلبية طلبات النازحين إليها، نزورهم ونبلسم جراحهم كي لا يشعروا بالغربة. وفي مناطق أخرى اضطررنا إلى إضافة أحياء جديدة نتجوّل فيها نظراً إلى اتساع رقعة السكان في أرجاء المدينة».

يمارس محمد مهنته على الأصول، يرافقه بعض العازفين على الطبل والرق لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الصائمين. وفي ظلّ ارتفاع سعر الوقود، آثر القيام بجولاته سيراً: «أضطر أحياناً للمشي كيلومترات. في الماضي القريب كنتُ أقود سيارتي وأركنها في أقرب مكان من الحيّ الذي أنوي زيارته. كبرت أعداد البيوت والسكان وما عدتُ قادراً على زيارة 5 أحياء مشياً مرّة واحدة. حالياً عدتُ إلى التجوّل بين هذه الأحياء سيراً، وأستخدم زواريب وطرقاً نسمّيها (قادومية) لاختصار المسافات بينها. كما أنّ سنّي لم تعد تسمح بقطع مسافات طويلة. لذلك أستخدم اليوم دراجتي النارية للقيام بجولاتي الطويلة».

يسير في الشوارع والأزقة منادياً «يا نايم وحّد الدايم» (محمد الغزاوي)

ويؤكد أنه لا يزال ينادي سكان الأحياء التي يزورها بأسمائهم: «أتوقف عند كلّ عمارة ومنزل منادياً السكان، فأنا أعرفهم جميعاً. وفي حال مصادفتي بيوتاً يسكنها أناس جدد آخذ على عاتقي التعرُّف إليهم لأضيفهم إلى لائحتي. والجميل أنّ السكان يستيقظون ويلوّحون لي من شرفات منازلهم تفاعلاً معي».

وعن سبب ممارسته هذه المهنة، يجيب: «في أحد الأيام، سمعتُ أحد المسحراتية يطرق على التنك لإيقاظ المؤمنين. استفزني الموضوع لأن التنك لا يليق بقيمة الشهر الكريم. تقدّمت إلى دار الأوقاف في صيدا وطلبت ترخيصاً يسمح لي بممارسة المهنة. وعندما سألوني مستفسرين عن الأسباب التي تدفعني للقيام بهذه المهمّة شرحت لهم وجهة نظري، مؤكداً أنني أرغب في ممارستها على الأصول وبما يرضي رب العالمين».


المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
TT

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» ضمن المسابقة الرسمية لم تأتِ من لحظة إلهام واحدة، أو من مشروع مخطط له مسبقاً، بل تشكلت تدريجياً عبر سنوات من التفكير والتجارب الشخصية، فالبداية الحقيقية كانت بعد مشاركته في جنازة والده في غينيا بيساو، وهي تجربة وصفها بأنها كانت مؤثرة وعميقة إلى درجة أنه شعر بأن فيها مادة إنسانية تستحق أن تتحول إلى فيلم، حتى لو لم يكن يعرف آنذاك الشكل الذي يمكن أن يأخذه هذا المشروع.

وأضاف غوميز لـ«الشرق الأوسط» أن تلك الفكرة ظلت لفترة طويلة مجرد إحساس أو رغبة مبهمة في تحويل تجربة شخصية إلى عمل سينمائي، قبل أن تتضح معالمها لاحقاً، فبعد فترة من الزمن حضر حفل زفاف داخل محيطه العائلي، وهناك بدأ يرى العلاقة الخفية بين طقوس الفرح وطقوس الفقدان؛ لأن الجمع بين هذين الحدثين منحه الإطار الدرامي الذي كان يبحث عنه، لكونهما يمثلان لحظتين حاسمتين في حياة أي عائلة.

جنازة في غينيا بيساو

وأشار إلى أن الفيلم يتنقل بين زفاف يقام في فرنسا ومراسم جنازة تقام في قرية بغينيا بيساو، وهذا الانتقال بين مكانين مختلفين يعكس حركة دائرية للحياة؛ لأن الفكرة بالنسبة له كانت أن يرى المشاهد كيف تتجاور النهاية والبداية في اللحظة نفسها، وكيف يمكن للموت أن يفتح باباً للتفكير في المستقبل بقدر ما يستدعي الماضي بكل ما يحمله من ذكريات.

المخرج السنغالي - الفرنسي آلين غوميز (الشركة المنتجة)

وأوضح أن العمل يتناول أيضاً تجربة أبناء المهاجرين الذين نشأوا بعيداً عن أوطان آبائهم، فكثيراً من هؤلاء يصلون إلى مرحلة من العمر يصبحون فيها مسؤولين عن نقل تاريخ العائلة إلى الجيل التالي، رغم أنهم في الواقع لا يعرفون الكثير عن ذلك التاريخ، وهذا الانقطاع في المعرفة يخلق شعوراً غامضاً بالنقص؛ لأن هناك دائماً قصصاً ناقصة أو مفقودة داخل الذاكرة العائلية.

ولفت غوميز إلى أن «كثيراً من تلك القصص بقي غير مروي؛ لأن الأحداث المرتبطة بها كانت مؤلمة أو صادمة، خصوصاً تلك التي تعود إلى فترات الاستعمار أو الحروب أو الهجرة القسرية، فبعض الآباء يختارون الصمت بدافع حماية أبنائهم من الألم، لكن هذا الصمت قد يترك فراغاً في فهم الأجيال الجديدة لهويتها، وهو ما حاول الفيلم الاقتراب منه بطريقة إنسانية هادئة».

ويؤكد المخرج أن فكرة «الانتقال» أو «التوريث» كانت حاضرة بقوة أثناء العمل على الفيلم، لكنه لم يكن يقصد بها فقط نقل التقاليد أو العادات، بل نقل التجارب والذاكرة أيضاً، موضحاً أن العائلات غالباً ما تعيد اكتشاف نفسها في اللحظات التي تجتمع فيها، مثل حفلات الزفاف أو الجنازات، حيث يظهر بوضوح كيف يرتبط الماضي بالحاضر، وكيف تتشكل القرارات التي ستؤثر في المستقبل.

وأوضح أن تلك المناسبات العائلية تكشف أيضاً مرور الزمن بطريقة لا يمكن تجاهلها؛ لأن الأطفال الذين كانوا صغاراً يصبحون شباباً، في حين يختفي الكبار الذين كانوا يمثلون ذاكرة العائلة، مؤكداً أن رحيل هؤلاء يعني في كثير من الأحيان ضياع جزء من القصص التي لم تُحكَ بعد، وهو ما يجعل الجيل التالي مسؤولاً عن محاولة استعادة ما يمكن استعادته من تلك الذاكرة.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

ووفق غوميز، فإن الفيلم يحمل أيضاً تحية إلى جيل كامل من المهاجرين الذين اضطروا إلى بدء حياتهم من الصفر في بلدان جديدة، فهؤلاء الأشخاص لم يكن لديهم نموذج واضح يحتذون به، بل كانوا مضطرين إلى ابتكار طرقهم الخاصة للعيش والتعبير عن أنفسهم داخل مجتمعات مختلفة، وهو ما جعل تجربتهم مليئة بالصعوبات، لكنها أيضاً مليئة بالإبداع.

الحياة في المهجر

وأضاف أن هذا الجيل تمكن رغم كل التحديات من بناء حياة جديدة لأبنائه، وهو ما يستحق التقدير والاعتراف، فهناك شعور عميق بالفخر تجاه هؤلاء الأشخاص الذين استطاعوا تحويل تجربة الهجرة الصعبة إلى فرصة لبناء مستقبل أفضل، وهو ما حاول الفيلم أن يعكسه من خلال قصص شخصياته.

وأشار غوميز إلى أن أحد أهدافه الأساسية كان تقديم صورة مختلفة عن المجتمعات الأفريقية وأبناء الشتات الأفريقي؛ لأن السينما كثيراً ما قدمت هذه المجتمعات من منظور خارجي، وهو ما أدى إلى ظهور صور نمطية لا تعكس الواقع الحقيقي لحياة الناس؛ لذا أراد من خلال الفيلم أن يمنح الشخصيات فرصة لتقديم نفسها كما تريد أن تُرى.

الفيلم نال إشادات نقدية مع عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأوضح أن هذا الهدف كان حاضراً منذ المراحل الأولى للعمل؛ لأن الفيلم بالنسبة له ليس مجرد قصة تُروى، بل مساحة يمكن للناس من خلالها التعبير عن أنفسهم، معتبراً أن «داو» صُمم ليكون تجربة جماعية؛ إذ يشارك الأشخاص الذين يظهرون فيه في صياغة جزء من المعنى الذي يقدمه الفيلم.

وتحدث غوميز عن عملية اختيار الممثلين، مؤكداً أنها كانت جزءاً أساسياً من بناء الفيلم نفسه، فاللقاءات الأولى مع المشاركين لم تكن اختبارات أداء تقليدية، بل كانت محادثات طويلة ومحاولات للتعرف على الأشخاص بشكل حقيقي؛ لأن الهدف كان بناء علاقة إنسانية بينهم قبل بدء التصوير.