المصالحة التاريخية بين الفلسفة والدين

الباحث الكندي ريشار باستيان يؤكد أهميتها في بناء عالم جديد

TT

المصالحة التاريخية بين الفلسفة والدين

ربما كنا نعتقد أن الغرب كله ماديّ، إلحاديّ، محض. لا ريب في أن التيار الغالب هو هكذا. ولكن هناك تيار آخر لا يستهان به هو تيار العلم والإيمان. هذا ما يقوله لنا الباحث الكندي ريشار باستيان، مدير الجمعية الكاثوليكية لحقوق الإنسان (منطقة أوتاوا). فهو يقول إنه يوجد في الغرب علماء كبار ولكنهم في ذات الوقت مؤمنون بالله والدين والقيم العليا المتعالية التي تتجاوز الماديات على عكس فلاسفة الإلحاد. من أهمهم جون نيومان، وغلبيرت تشيستيرتون، وكلايف لويس، وآخرون. وجميعهم إنجليز وأميركان. وقد انتقدوا بعمق تطرفات الحداثة وضلالاتها وخروجها عن السكة الصحيحة. ثم يضيف: «عالمنا ليس بحاجة إلى إصلاحات سياسية أو اقتصادية بقدر ما هو بحاجة إلى إصلاحات دينية ومعالجات روحانية. وهو يقصد بذلك العالم الغربي بالدرجة الأولى لأنه تخلى كلياً عن الدين والروحانيات وعدّها أشياء «رجعية» عفا عليها الزمن وأصبحت من مخلفات الماضي. ويرى هذا الباحث أن علّة الحضارة الغربية الحديثة هي نسيان الإيمان والروحانيات نسياناً كاملاً والغرق في الإباحية المادية والشهوات الشذوذية. ويرى الباحث أن هناك أربعة تصورات فيما يخص العلاقة بين الإيمان والعقل. هذه التصورات هي التالية:
أولاً- الإيمان المطلق الأعمى بلا عقل ولا فكر ولا بصيص نور. وأصحاب هذا الموقف يعتقدون أننا بحاجة إلى الإيمان فقط دون العقل. فالإيمان وحده يكفي ولسنا بحاجة إلى أي شيء آخر. وهذا ما يُدعى الجهل المقدس. وهو الذي كان مهيمناً على الغرب المسيحي في القرون الوسطى أيام محاكم التفتيش ولا يزال مهيمناً على العالم الإسلامي حتى اليوم (انظر الدواعش).
ثانياً- هناك الموقف المضاد تماماً، وهو موقف الحداثة المتطرفة الذي يقول بأن العقل وحده يكفي للتوصل إلى الحقيقة ولسنا بحاجة إلى أي شيء آخر سواه: لا دين ولا إيمان ولا عوالم ميتافيزيقية ولا من يحزنون...
ثالثاً- موقف ما بعد الحداثة. وهو يتبنى موقف النسبوية الأخلاقية أو العدمية الأخلاقية في الواقع. بمعنى أن كل شيء يتساوى مع كل شيء، ولا شيء أفضل من شيء. الشذوذ واللاشذوذ سيان. إنه يميّع كل المواقف. ولذلك قلنا بأنه نسبويّ عدميّ وسوف يدمّر الحضارة الغربية إذا ما استفحل أمره أكثر من اللزوم.
رابعاً- الموقف الإيماني الصحيح الذي يقول بأن العقل والإيمان معاً ضروريان للتوصل إلى الحقيقة والعيش الطيب الكريم على هذه الأرض. وبالتالي فلا العقل وحده يكفي ولا الإيمان وحده يكفي وإنما يلزمنا الاثنان معاً. وهذا هو الموقف السليم.
لسوء الحظ فإن المؤلف وضع الإسلام كله في الخانة الأولى: أي خانة الإيمان المطلق الأعمى بلا عقل. وهذا خطأ كبير. فالإسلام هو دين العقل بامتياز إذا ما فهمناه بشكل صحيح على طريقة المعتزلة والفلاسفة وكبار الروحانيين لا على طريقة التيارات الإخوانية الظلامية المتطرفة. قبل أن نتحدث عن هذا الخطأ أو النقص الذي اعترى تصورات الباحث عن الإسلام دعونا نستعرض فكرته كما هي ثم نحكم عليها لاحقاً. ماذا يقول بالضبط؟ إنه يقول لنا ما معناه: بدءاً من منتصف القرن التاسع الميلادي راح بعض علماء الدين المسلمين يرفضون العقل من خلال رفض الفلسفة الإغريقية ومحاربتها وتكفيرها. وهذا ما أدى إلى تصور الكون على أساس أنه مسيَّر بشكل تعسفي اعتباطي ومفرغ من كل عقلانية. ومع مرور الزمن راحوا يرفضون حتى فكرة السببية. ومعلوم أنه لا عقلانية من دون سببية. نضرب على ذلك مثلاً العالم الديني الشهير الغزالي الذي أنكر قانون السببية وهاجم الفلاسفة وبخاصة ابن سينا لأنهم تأثروا بفلاسفة الإغريق كأفلاطون وأرسطوطاليس. ومن يُنكر قانون السببية المنطقية فهذا يعني أنه يؤيد قانون التعسفية الاعتباطية. بدءاً من تلك اللحظة انطفأت أنوار العالم الإسلامي وانتقل مشعل الحضارة إلى أوروبا.
ماذا يمكن أن نقول عن هذا الكلام؟ عدة أشياء. أولاً: صحيح أن الفقهاء هاجموا الفلسفة اليونانية في القرن التاسع الميلادي، بل حتى قبله، ولكنّ الفلسفة العربية لم تتوقف في القرن التاسع وإنما استمرت حتى القرن الثاني عشر وانتهت بموت ابن رشد عام 1198. ثانياً: إذا كان الفقهاء قد هاجموا الفلسفة والعقلانية السببية وقالوا بأن الإيمان المطلق وحده يكفي فإن الفارابي ومن بعده ابن سينا اتخذا موقفاً مغايراً وقالا بضرورة الجمع بين الإيمان والعقل، أو بين الفلسفة والدين. وهذا ما فعله ابن رشد أيضاً بعدهما في كتابه الشهير: «فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال». المقصود بالحكمة هنا: الفلسفة. وبالتالي فقد جمع فلاسفة الإسلام الكبار من أمثال الفارابي وابن سينا وابن الطفيل وابن رشد وابن باجة... إلخ، بين الإيمان والعقل، أو بين الدين والفلسفة ولم يقولوا أبداً بأن الإيمان (على العميانة) بلا عقل يكفي. هذا رد مفحم على أطروحة الباحث الخاطئة عن الإسلام. لكن يبقى صحيحاً القول بأن تيار الغزالي هو الذي انتصر وليس تيار الفارابي وابن سينا وابن رشد. وهو الذي ساد كل العصور الانحطاطية وهيمن على العالم الإسلامي منذ القرن الثالث عشر حتى يومنا هذا. وإلا كيف يمكن أن نفسر سبب تأخر المسلمين وتقدم غيرهم؟ كيف يمكن أن نفسّر سبب انتشار الحركات الأصولية إلى مثل هذا الحد حتى في عز القرن الحادي والعشرين؟ نضيف بأن تيار المعتزلة الذي يجهله المؤلف كلياً على ما يبدو جمع أيضاً بين الإيمان والعقل بشكل رائع ومدهش. ومعلوم أن المعتزلة هم أكثر المذاهب عقلانية ونضجاً في الإسلام. ولكنهم أُبيدوا بعد أن تغلب التيار الأصولي كلياً عليهم وسحقهم وأحرق كتبهم في الأمصار. لماذا لا يوجد معتزلة اليوم مثلما يوجد سنة وشيعة وإباضية... إلخ؟ لماذا انقرضوا؟ لا أحد يطرح هذا السؤال. لا أحد يتساءل: لماذا انتصر الأصوليون انتصاراً مطلقاً على العقلانيين (أعتذر عن خطأ وقع في مقالتي السابقة عن «مجلة الإسلام في القرن الحادي والعشرين» حيث ورد اسم تقي الدين السيوطي في حين أنه جلال الدين السيوطي العلّامة الأصوليّ الشهير).
ثم نلاحظ أن الباحث لا يكتفي بمهاجمة الإسلام ككل بغير حق وإنما يهاجم أيضاً المذهب البروتستانتي في المسيحية. وهذا أكبر دليل على مدى تعصبه لمذهبه الكاثوليكي البابوي. وذلك لأن المذهب البروتستانتي هو العدو اللدود للمذهب الكاثوليكي في أوروبا أو قل كان عدوه اللدود طيلة عدة قرون قبل أن يتصالحا أخيراً بفضل تطور الوعي واستنارة الشعوب الأوروبية. وقد كان المذهب البروتستانتي أقرب إلى العقلانية من المذهب الكاثوليكي على عكس ما يدّعي الباحث. ولم يحارب العلماء والفلاسفة مثله. ولكن ينبغي الاعتراف بأن المذهب الكاثوليكي بذل جهوداً جبارة لاحقاً وتصالح مع العقلانية والحداثة والعصر واعتذر لغاليليو وداروين، إلخ. وهذا شرف له. بل اعتذر عن المجازر الطائفية التي أنزلها بالبروتستانتيين «الزنادقة» بخاصة مجزرة «سانت بارتيليمي» الشهيرة في قلب باريس (1572). ويُشكر أيضاً على الجهود التي بذلها للتصالح مع المذهب البروتستانتي، بل حتى مع الإسلام وبقية الأديان كاليهودية والبوذية والهندوسية، إلخ. انظر القرارات الجريئة للمجمع الكنسي الشهير باسم الفاتيكان الثاني (1962 - 1965). وهذه ثورة لاهوتية تحريرية ضخمة (ليتها تحصل عندنا في الإسلام أيضاً. بل إنها حصلت مؤخراً على يد الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. انظر وثيقة الأخوة الإنسانية واتفاق إبراهيم الخليل ووثيقة مكة المكرمة. هذا أيضاً تطور كبير يَعِد بالخير العميم).
أخيراً نلاحظ أن الباحث يهاجم مفكري الحداثة الكبار وعلى رأسهم ديكارت. ولكن ديكارت كان مؤمناً بالله كل الإيمان على طريقته الفلسفية. كما يهاجم نيوتن وجون لوك وفولتير وجان جاك روسو وكانط على الرغم من أنهم كانوا من المؤمنين بالله أيضاً. وما كانوا ملاحدة على الإطلاق. ولم يثوروا على الدين في المطلق ولا على الإيمان في المطلق. وإنما ثاروا فقط على التعصب الديني الذي كان يكتسح أوروبا آنذاك ويكاد يدمرها أو يفتك بها فتكاً ذريعاً. ولذلك خاضوا المعركة ضده على المكشوف وربحوها في نهاية المطاف. فهل نلومهم على ذلك؟ هل نلومهم لأنهم نوّروا شعوبهم وأنقذوها من براثن التعصب الطائفي والمذهبي؟


مقالات ذات صلة

الروائي المغربي مبارك ربيع: حضورنا الأدبي في المشرق غير مُرضٍ

ثقافة وفنون تكريم مبارك ربيع في أصيلة

الروائي المغربي مبارك ربيع: حضورنا الأدبي في المشرق غير مُرضٍ

يُعدّ الروائي والأكاديمي المغربي مبارك ربيع أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في تأسيس الرواية المغربية الحديثة، ومن الجيل الذي رافق تحولات المجتمع المغربي

ميرزا الخويلدي (أصيلة - المغرب)
كتب هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

لم يعد الكتاب الصوتي يقف على هامش عالم النشر، بوصفه نسخة أخرى من كتاب سبق أن اكتملت حياته على الورق. ففي معرض فرانكفورت للكتاب،

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب «صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

ليس الكتاب الصوتي نصاً مطبوعاً أضيف إليه تسجيل فحسب. ففي المسافة بين الكلمة المكتوبة والكلمة المنطوقة، ينشأ عمل آخر يشتغل على المعنى

رشا أحمد (القاهرة)
كتب الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

تحت عنوان «الصراع حول أفريقيا»، صدر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة الجزء الأول من كتاب «يوميات ويلفريد بلنت - سردية شخصية للأحداث من 1888 حتى 1914»،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق ما أخطأته المطبعة قبل 29 عاماً أصابته سوق المزادات اليوم (دار مزادات «هيريتيج»)

أخطاء مطبعية تُحوّل نسخة نادرة من «هاري بوتر» إلى «كنز»

بيعت نسخة نادرة من الطبعة الأولى لكتاب «هاري بوتر وحجر الفيلسوف» مقابل 302 ألف جنيه إسترليني، في مزاد أقيم بمدينة دالاس الأميركية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟
TT

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

لم يعد الكتاب الصوتي يقف على هامش عالم النشر، بوصفه نسخة أخرى من كتاب سبق أن اكتملت حياته على الورق. ففي معرض فرانكفورت للكتاب، الذي أقيم بين السابع والحادي عشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2026، احتلّ موقعاً بارزاً، لا بوصفه ابتكاراً في وسائل الإتاحة فحسب، بل بوصفه تجربة ثقافية تعيد طرح أسئلة القراءة نفسها: كيف نتلقّى الأدب حين نسمعه؟ وماذا يضيف صوت الراوي إلى النص؟ وهل تستطيع الحكاية، حين تغادر الصفحة إلى الأذن، أن تبلغ قرّاء لم تكن تصل إليهم من قبل؟

اللافت، أن المعرض منح هذا التحوّل حيّزاً أوسع ضمن «فرانكفورت أوديو»، فجمع بين مركز جديد للقاء الناشرين والمنتجين والمنصّات، ومساحات تتيح للجمهور اكتشاف الأعمال المسموعة والاقتراب من أصحابها. ولم يقتصر البرنامج على مناقشة الأسواق ووسائل الإنتاج؛ بل شمل لقاءات بين الكتّاب والرواة، وفضاءً للاستماع إلى أدب الفانتازيا.

حين يصبح الصوت جزءاً من الكتاب

ليس الكتاب الصوتي نصًّا مطبوعاً أضيف إليه تسجيل فحسب. ففي المسافة بين الكلمة المكتوبة والكلمة المنطوقة، ينشأ عمل آخر يشتغل على المعنى: نبرة تكشف التردّد، ووقفة تمنح الصمت ثقله، وإيقاع يقرّب الشخصيات أو يباعد بينها. لا يكتب الراوي الحكاية من جديد، لكنه يقترح سبيلاً إلى سماعها، ويصبح أداؤه ضرباً من التأويل؛ فقد يلتقط المستمع في جملة مألوفة سخرية خفيّة أو حزناً لم ينتبه إليه على الصفحة.

وتزداد هذه العلاقة خصوصية حين يقرأ الكاتب سيرته بنفسه. ففي النسخة المسموعة من «وأصبحت» لميشيل أوباما، التي أدّتها بصوتها، يغدو الاستماع لقاءً بين رواية الحياة والصوت الذي يستعيدها. وكانت دار «بنغوين راندوم هاوس» قد وصفت النسخة المسموعة من مذكراتها بأنها الأسرع مبيعاً بين كتبها الصوتية آنذاك.

أما الأعمال الروائية التي ارتبط بها القرّاء طويلاً، فتفتح النسخة المسموعة باباً آخر للعودة إليها. ومن الأمثلة الدالّة اهتمام «فرانكفورت» بعالم «هاري بوتر»؛ إذ تضمّن برنامجه لقاءً مع الأصوات التي أدّت الكتب بالألمانية. هنا لا يأتي الجمهور لاكتشاف الحكاية وحدها، بل للتعرّف إلى من منح شخصياتها حضورها المسموع؛ كأنّ للرواية ذاكرة صوتية تضاف إلى ذاكرتها المكتوبة.

على أن خصوصية هذه التجربة لا تجعل الاستماع أعلى منزلة من القراءة البصرية أو أدنى منها. فقارئ الورق يضبط سرعته، ويتوقّف عند عبارة، ويعود بعينه إلى صفحة سابقة، في حين يختبر المستمع زمناً يصوغه الأداء، وإن استطاع إيقافه أو استعادته. إنهما علاقتان مختلفتان بالنص، ليست امتحاناً لإثبات أفضلية أحدهما على الآخر. وتكمن جاذبية الكتاب الصوتي أيضاً في أنه يوسّع الأوقات التي يمكن للأدب أن يجد فيها مكاناً: في الطريق، وأثناء المشي، وبين الأعمال اليومية.

جمهور يتّسع... ومبيعات يصعب حصرها

تقدّم فرنسا صورة دالّة على اتّساع هذه الصلة. فحسب بارومتر «صوفيا» والنقابة الوطنية للنشر وجمعية أهل الأدب لاستخدامات الكتاب الرقمي والكتاب الصوتي، الذي أنجزه معهد «ميديامتري» ونُشر في 2026، استمع نحو 10.1 مليون شخص، أي 17 في المائة من السكان بين 6 و80 عاماً، إلى كتاب صوتي رقمي خلال الاثني عشر شهراً الماضية. وتكشف الدراسة أيضاً عن أن جمهور هذا النوع من الكتب أصغر سنًّا، في المتوسط، من جمهور الكتاب المطبوع. والأهم ثقافيًّا ليس الرقم وحده، بل ما يفتحه من سؤال: هل يصبح الصوت مدخلاً إلى الأدب لدى فئات لا تجعل القراءة الورقية عادة ثابتة؟

رأت لور ساجيه، المديرة العامة لدار «أوديوليب»، في اتّساع العرض فرصة لتجديد الجمهور. وقالت لصحيفة «لوموند»، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إن هذا التطوّر «سيجعل جمهور الكتاب الصوتي أصغر سنًّا، ويوسّع انتشاره». وربطت ذلك بإمكان تجربة مؤلّفين وأجناس مختلفة، بدلاً من حصر الاختيار منذ البداية في عنوان واحد. بهذا المعنى، قد تقود عتبة الاستماع السهلة إلى مغامرة أدبية: قصّة قصيرة لم يكن المتلقّي ليشتريها منفردة، أو كتاب للأطفال، أو كاتب يلتقيه للمرة الأولى.

غير أن عدد المستمعين لا يساوي عدد المشترين، ولا يكفي وحده لقياس مكانة الكتاب الصوتي في اقتصاد النشر. ففي مقالها «سبوتيفاي يربك عالم الكتاب الصوتي» المنشور في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أوضحت «لوموند» أن السوق الفرنسية لا تُقاس بدقّة، بسبب امتناع منصّات رئيسية عن نشر بياناتها، وقدّرتها آنذاك بنحو اثنين في المائة من قطاع النشر. وفي المقابل، تُظهر بيانات جمعية ناشري الكتب الصوتية الأميركية استمرار نموّ الإيرادات في الولايات المتحدة خلال 2025؛ إذ ارتفعت 9 في المائة لتبلغ 2.43 مليار دولار، بما يؤكّد أن الكتاب الصوتي لم يعد تجربة عابرة في أسواق النشر الكبرى. لكنّ نجاحه الثقافي يظلّ أوسع من حصيلته التجارية.

مَن يتحكّم في بوابة الاستماع؟

خلف الألفة التي يصنعها صوت الراوي، تقف وساطة أخرى أقلّ ظهوراً: المنصّة التي يكتشف عبرها المستمع كتابه. في فرنسا، رسّخت «أوديبل»، التابعة لـ«أمازون»، موقعاً مهيمناً في هذا المجال. وقدّرت صحيفة «لو فيغارو»، في مقالها «سبوتيفاي يستثمر مليون يورو لإنتاج كتب صوتية في أوروبا»، المنشور في 11 أبريل (نيسان) 2025، حصّتها آنذاك بنحو ثلثي السوق الفرنسية. وتناول المقال نفسه استثماراً أعلنت عنه «سبوتيفاي» لدعم الإنتاج في أسواق من بينها فرنسا وهولندا. وفي حديثها إلى «لوموند»، وصفت لور ساجيه عرضَي «أوديبل» و«سبوتيفاي» بأنهما «عرضان متكاملان»، يتيحان بيع كتب مختلفة. وأوضحت أن الاضطرار إلى مفاضلة حاسمة قد يدفع إلى اختيار الكتب الأشهر أو الأطول، في حين يشجّع إمكان التجربة على التنقّل بين مؤلّفين وأجناس أدبية قبل الاستقرار على عمل بعينه.

الناشرون بين توسيع الجمهور وحماية القيمة

لا يقف الناشرون خارج هذا التحوّل؛ فهم من يصنع مادّته الأدبية ويختار الأصوات التي تحملها. وفي فرنسا، تعمل دور متخصّصة، من بينها «أوديوليب» المرتبطة بهاشيت وألبان ميشيل، و«ليزي» التابعة لإديتيس، إلى جانب نشاط مجموعة «مادريغال»، على توسيع حضور الكتاب الصوتي. وقد ربط مسؤولو هذه الجهات وصول منصّات جديدة بإمكان تنويع الجمهور وإعادة تحريك أعمال من رصيدهم المنشور، لا بالاكتفاء بمرافقة الإصدارات الحديثة.

وفي هذا السياق، قال إريك ماربو، مدير المبيعات الرقمية في مجموعة «مادريغال»، لصحيفة «لوموند» إن العرض الجديد يتيح «استقطاب مستمعين عرضيّين جدد»، ولاحظ «تنوّعاً جميلاً في الأعمال المستمع إليها»، مرحّباً خصوصاً بالتفات الجمهور إلى عناوين أقدم في فهارس المجموعة. وهذه نقطة جوهرية في الرهان الثقافي: أن يمنح الصوت الكتاب حياة إضافية، وأن يعيده إلى التداول بعدما يكون قد ابتعد عن واجهات المكتبات.

وقد أعادت الكتب الصوتية إلى بعض روائع الأدب الكلاسيكي قرّاءً جدداً؛ فاستعادت «البؤساء» لفيكتور هوغو و«الكونت دي مونت كريستو» لألكسندر دوما حضورها بين المستمعين، كما سهّلت التسجيلات الصوتية الاقتراب من «البحث عن الزمن المفقود» لمارسيل بروست. وشهدت «كبرياء وهوى» لجين أوستن ارتفاعاً ملحوظاً في الاستماع، بما يثبت أن الصوت قادر على إحياء النصوص القديمة وإعادة الشباب إليها.

وبعيداً عن التفاؤل التجاري الذي يحمله هذا القول، فإن جمهور الكتاب الصوتي ليس كتلة واحدة؛ فتعدّد منافذ الوصول يمكن أن يتيح طرائق متباينة للقاء الأدب، بشرط أن يصاحبه تعدّد حقيقي في الأعمال المعروضة. ومن هنا يتّصل السؤال الثقافي بالتجاري: كيف تصل رواية أقلّ شهرة إلى الأذن التي قد تحبّها؟ وما الذي يضمن بقاء مكان للقصّة القصيرة، وللأعمال التي تحتاج إلى إصغاء صبور، حين يصبح الإقبال معياراً حاسماً في الاختيار؟ إن زيادة المعروض فرصة، لكنها لا تكفي وحدها لصون التنوّع. فليست قيمة الكتاب في قدرته على جمع ساعات الاستماع فحسب، بل في التجربة التي يتركها، ولو لدى جمهور محدود.


«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي
TT

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

يوثِّق كتاب «كتابة المذبحة... أشكال تناول صبرا وشاتيلا»، الصادر عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، للباحثة سمية ممدوح الشامي، الكثير من وقائعها، كما يأتي مواكباً للذكرى الرابعة والأربعين لحدث اختلط فيه السياسي بالإنساني بالثقافي، وتعددت بشأنه السرديات والشهادات، لكن المؤكد أنه يظل وصمة عار على جبين كل حر، حتى لو لم يعاصر وقائع إبادة المخيمين اللذين كانا يضمان لاجئين فلسطينيين في بيروت بين يومي 16 و18 سبتمبر (أيلول) 1982.

وحسب تقارير الأمم المتحدة، دخل مسلحون من «القوات اللبنانية»، الجناح العسكري لـ«حزب الكتائب»، إلى صبرا وشاتيلا، واستمرت عمليات القتل الجماعي نحو 43 ساعة لتخلف أعداداً غير مسبوقة من الضحايا، بينهم جثامين أطفال ونساء، لكن الكتاب الذي كان في الأصل آخر رسالة علمية بالإنجليزية ناقشتها الكاتبة والأكاديمية الراحلة رضوى عاشور قبل أسابيع من رحيلها في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، يعيد تفكيك سردية المذبحة من منظور ثقافي ليرصد تجلياتها في التحليل الغربي والرواية العربية، على حد سواء.

يتوقف الكتاب، الذي ترجمته نسمة محمد دياب وياسمين أسامة الشيمي وراجعه عمرو زكريا عبد الله، بشكل خاص، عند تجارب ثلاثة مثقفين غربيين اختاروا أن ينظروا إلى المأساة الفلسطينية من خارج القوالب الجاهزة، وأن يستندوا إلى ما شاهدوه وقرأوه وعايشوه، بدلاً من الاكتفاء بإعادة إنتاج الخطاب الإعلامي السائد آنذاك.

على رأس هؤلاء يأتي الكاتب الفرنسي جان جينيه، لا سيما مقاله «أربع ساعات في شاتيلا» الذي يصف فيه، بلغة مشحونة بالألم، تفاصيل الصدمة التي خلفتها المشاهد التي رآها، كما توقف مطولاً عند إشكالية اللغة التي استخدمها الخطاب السياسي في وصف الفلسطينيين، وكيف يمكن لكلمة أو توصيف مختزل أن يحجب إنسانية الضحية ويطمس هويتها، كما ذهب إلى أن الواقعة تحولت من منظوره إلى مواجهة أوسع مع الاستبداد، بعد أن بات «يشتم رائحة الموت تنبعث من جسده»، وفق تعبيره.

وفيما يتعلق بالصحافي البريطاني روبرت فيسك، فقد اقترب من مأساة المخيم بأدوات التحقيق الصحافي الميداني، إذ توجه إلى المكان وعاين آثار المذبحة وطرح أسئلة مباشرة حول الروايات التي قُدمت لتفسير ما حدث، ومن بين ما لفت انتباهه الطريقة التي جرى بها استخدام اللغة، مثل استبدال تعبير فضفاض هو «أحداث» بكلمة «مذبحة»، أو حذف كلمة «فلسطيني» من بعض الصياغات، بما يسهم في طمس حقيقة ما جرى.

أما المفكر الأميركي نعوم تشومسكي، فيركز على الروايات الرسمية والحجج التي قُدمت حول المذبحة، محاولاً تفكيك ما اعتبره «تناقضات داخل بنيتها»، عبر أدوات التحليل والسخرية للكشف عن الفجوات بين ما قيل وما حدث على الأرض. كما توقف كذلك عند الطريقة التي يمكن أن يتحول بها الجدل السياسي إلى وسيلة لإغلاق النقاش، من خلال وضع «منتقدي الصهيونية» تلقائياً في مواجهة اتهامات بـ«معاداة السامية»، بما يصرف الانتباه عن مناقشة الظروف السياسية التي أحاطت بالمذبحة، على حد تعبيره.

في المقابل، تتوقف الباحثة عند ثلاث روايات عربية، هي: «الحب في المنفى» لبهاء طاهر، و«الطنطورية» لرضوى عاشور، و«باب الشمس» لإلياس خوري، إذ تتناول تلك النصوص المأساة من زوايا مختلفة، وتقدم سردية أدبية إبداعية لما حدث بالفعل، من خلال منظور فني يستند إلى سردية الواقع.

تضع «الحب في المنفى» الواقعة في سياق إنساني يتجاوز حدود فلسطين ولبنان، فالرواية تربط بين ما يواجهه المعارضون في العالم العربي وبين مآسٍ شهدتها شعوب أخرى، من تشيلي وغينيا إلى إسبانيا، لتصبح «صبرا وشاتيلا» واحدة من صور القمع التي يتعرض لها الإنسان عندما يتم إخضاع الآخرين وسلب حقوقهم بالقهر. وتقدم «الطنطورية» معالجة مختلفة، إذ تمتد أحداث الرواية زمنياً من نكبة 1948 إلى تحرير الجنوب اللبناني عام 2000، عبر حكايات الشخصيات وذكرياتها وما عاشته من تهجير وفقد، عبر سردية تمتزج فيها التفاصيل التاريخية مع جوانب من الحياة اليومية والتراث الشعبي الفلسطيني، مما يمنح الأحداث بعداً إنسانياً لافتاً. وتعيد «باب الشمس» بناء جانب واسع من تاريخ النكبة من خلال قصص الفلسطينيين وذاكرتهم، مثل سقوط قرى: عين الزيتون والبروة والشعب خلال عام 1948، فالكاتب هنا لا يتوقف فقط عند الأحداث الكبرى المحفورة في الوجدان العام، إنما يهتم أيضاً بالتفاصيل الصغيرة التي حفظها أصحابها، من أسماء الأماكن إلى حكايات العائلات وتجارب النزوح.


الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني
TT

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

تحت عنوان «الصراع حول أفريقيا»، صدر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة الجزء الأول من كتاب «يوميات ويلفريد بلنت - سردية شخصية للأحداث من 1888 حتى 1914»، من تأليف الرحالة والشاعر والدبلوماسي البريطاني ويلفريد سكاون بلنت، ترجمة أسامة الغزولي.

يعد الكتاب سجلاً تاريخياً واجتماعياً يلتقي فيه الخاص بالعام، والسفر بالتأمل السياسي، عبر مفارقة نادرة لرجل انحاز للشرق وتعاطف معه ضد سياسات بلاده الاستعمارية، كما يكتسب أهمية خاصة للقارئ العربي لأنه يقدم شهادة شخصية مباشرة على مرحلة شديدة الاضطراب من تاريخ المنطقة، تمتد في الأصل إلى الفترة من 1888 إلى 1914.

عاش بلنت في الفترة من 1840 حتى 1922، وعمل في السلك الدبلوماسي البريطاني بين عامي 1858 و1869، ثم اتجه لاحقاً إلى السفر والكتابة، وارتبط اهتمامه بالشرق بعلاقته بزوجته الليدي آن بلنت، حفيدة الشاعر الإنجليزي لورد بايرون، إذ جاب الزوجان مناطق واسعة من الشرق الأوسط، وأسسا لاحقاً مزرعة لتربية الخيول العربية.

ورغم ذلك، لم يكن اهتمامه بالشرق مجرد شغف بالرحلات أو بالحياة البدوية، فقد تطور تدريجياً إلى موقف سياسي ناقد للإمبريالية البريطانية، بالتزامن مع موقف أقرب إلى الانبهار بالثقافة العربية.

وتكمن قيمة الكتاب في أن مؤلفه لم يكن مؤرخاً يكتب بعد عقود من وقوع الأحداث، وإنما رجل تحرك داخل دوائر سياسية واجتماعية متعددة، وشاهد شخصيات وأحداثاً وصراعات كانت لا تزال في طور التشكل، ولذلك تبدو اليوميات أقرب إلى كاميرا تتحرك بين لندن والقاهرة ومناطق الشرق، فتسجل الانطباعات والمحادثات والأخبار والقرارات، ثم تربطها بسياق سياسي أكبر.

ينتقل المؤلف إلى تونس وليبيا، في خطوة من شأنها توسيع زاوية النظر من مصر إلى شمال أفريقيا في الوقت الذي كانت فيه القوى الأوروبية تتنافس على المنطقة، كما أولى شبه الجزيرة العربية اهتماماً خاصاً، في إطاراهتمامه بالخيول العربية والمجتمعات البدوية، إذ انتقد النظرة الغربية المنحازة سلفاً ضد المجتمعات المحلية.

يتسع المشهد ليشمل السودان أيضاً، من خلال فصل «أم درمان وفاشودة»، حيث تدخل اليوميات في قلب التنافس البريطاني الفرنسي في أفريقيا، ضمن محطات التوتر بين القوتين في نهاية القرن التاسع عشر، مع تحول موقف المؤلف من «الاستشراق الرومانسي» في شبابه إلى بلورة موقف نقدي أكثر تماسكاً للسياسة الاستعمارية.

ولأنه شاعر في الأساس، لا يمكن فصل الحس الأدبي عن طريقة كتابة اليوميات لدى ويلفريد بلنت فحتى عندما يتناول الشأن السياسي المباشر لا يكتفي بتسجيل أسماء المسؤولين أو القرارات، إنما يهتم بالشخصيات وطباعها وعلاقاتها بما وراء التصريحات الرسمية، عبر لغة تجمع بين الصورة الأدبية ودقة المؤرخ والحس التوثيقي.

على هذه الخلفية، يصعب التعامل مع الكتاب بوصفه وثيقة محايدة فيما يتعلق بتناول الشأن المصري تحديداً، فالمؤلف نفسه شخصية سياسية ذات مواقف واضحة، فقد عاش خصماً للسياسة الإمبراطورية البريطانية، ومناصراً لثورة الزعيم الوطني أحمد عرابي، وهو ما يعني أن اختياراته لما يسجله وطريقته في وصف الشخصيات والأحداث تأثرت برؤيته الفكرية كناقد للإمبريالية ومتعاطف مع الحركة الوطنية المصرية.

من هنا تكتسب المواجهة بين بلنت واللورد كرومر، المندوب السامي البريطاني في القاهرة، أهمية خاصة لأنها تكاد تكون مواجهة بين رؤيتين متناقضتين لمصر بعيون إنجليزية، فالثاني يمثل الإدارة الاستعمارية ويدافع عن تجربتها في مستعمرات الشرق، بينما كان بلنت يرى أن الوجود البريطاني تحول إلى سيطرة سياسية تتعارض مع حق المصريين في تقرير مستقبلهم.

اللافت أن هذه اليوميات تجعل التاريخ أقل تجريداً وحيادية كما تمنحه بعداً شخصياً ملموساً، فبدلاً من أن نقرأ الاحتلال البريطاني للبلدان العربية في صورة تواريخ ومعاهدات وأسماء حكام، نراه من خلال رجل يتحرك بين لندن والشرق، ويتابع العلاقات بين القوى السياسية، ويراقب المجتمع والناس، ويكتب عن صراع الإمبراطوريات وهي تتوسع، على نحو يثبت أن الاستعمار لم يكن مجرد احتلال عسكري، وإنما شبكة من النفوذ المالي والإداري والسياسي والثقافي.