«هايدن وايت» وأخلاقيات السرد

أهمية الخبرة في إعادة طرح الأسئلة اليومية البسيطة

«هايدن وايت» وأخلاقيات السرد
TT

«هايدن وايت» وأخلاقيات السرد

«هايدن وايت» وأخلاقيات السرد

وضع المفكر الأميركي هايدن وايت (1928 - 2018) أطروحة في التخييل التاريخي تقوم على فكرة أنّ القصة والتاريخ يمتلكان البنية السردية نفسها. ولقد أشاد بول ريكور بهذه الأطروحة وفضَّلها على أطروحتي المفكرين التاريخيين ويليام دراي وآرثر دانتو لسببين: الأول ما تميزت به تحليلات هايدن وايت من وضوح وقوة، وثانياً أنه وضع في كتابه «ما وراء التاريخ» وبلا تردد كلا من ميشيليه ورانكه وتوكفيل وبوركرت وهيغل وماركس ونيتشه وكروتشه في إطار واحد.
وإذا كان هايدن وايت قد كرَّس حياته لدراسة التاريخ، وألف كتباً مهمة فيه، فإن له دراسات ومقالات متفرقة في بطون المجلات الجامعية والمواقع الإلكترونية، فيها آراء وتوجهات تعزز الفهم لأطروحته في التخييل التاريخي. وهذا ما تنبَّه له الباحث الفرنسي «روبرت دوران» أستاذ الأدب المقارن، فجمع أبحاث وايت وكتاباته المتفرقة وحررها في كتاب من مجلدين، صدر الأول منه مؤخراً عن مطبعة جامعة كورنل بعنوان «أخلاقيات السرد: مقالات هايدن وايت في التاريخ والأدب والنظرية» 2022 وبمقدمتين الأولى للفيلسوفة الأميركية جوديث بتلر والأخرى لدوران. وسينشر المجلد الثاني عن المطبعة نفسها عام 2023
والتحرير ليس بالعمل الجديد على دوران، فلقد حرر كتباً سابقة، منها «المحاكاة والنظرية: مقالات في الأدب والنقد لرينيه جيرارد: 1953 - 2005» ستانفورد 2008 و«خيال السرد: مقالات عن التاريخ والأدب والنظرية، لهايدن وايت: 1957 - 2007» جونز هوبكنز، 2010... وتمت ترجمته إلى اللغتين الإسبانية 2011 والصينية 2019.
وأهمية كتاب «أخلاقيات السرد: مقالات هايدن وايت في التاريخ والأدب والنظرية» لا تكمن في أنه يجمع كتابات المفكر الأكثر تأثيراً في القرن العشرين فحسب، بل لأنه أيضاً «يمنح القارئ وصولاً فريداً إلى فكر وايت المتأخر» كاشفاً عن جانب أقل شهرة عن هايدن وايت والمتمثل في آرائه بموضوعات ثقافية وأخلاقية، وبعضها له صلة بالتخييل التاريخي. وهو ما تدلل عليه المقالات المجموعة في هذا الكتاب ومن ضمنها خمس محاضرات غير منشورة سابقاً ضمتها فصول الكتاب الخمسة عشر. وتتوزع موضوعات الكتاب بين البحث في إشكاليات الوطنية الحديثة والرموز الآليغورية المؤقتة والهوية والذاكرة الجماعية والخطاب الأوروبي والخطاب الأسطوري واستخدام الأسطورة في إعادة بناء المجتمع والتغييرات التاريخية الفرعية والاستغراب في تاريخ العالم والمجتمعات العابرة، والمتحف التاريخي كفضاء يوتوبي، والواقعية التصويرية في أدب المذكرات إلى جانب موضوعات أخرى مثل عناصر الشمولية عند حنا أرندت، وميتافيزيقيا التاريخ الغربي: الكون والفوضى والتوالي في التمثيل التاريخي، والتاريخية كميدان للخطاب السياسي، والمنفى والنبذ، والجانب المظلم من تاريخ الفن: الكآبة، وضد الواقعية التاريخية قراءة في الحرب والسلم لتولستوي.
وبسبب تفرق مقالات الكتاب وكثرتها احتاج روبرت دوران في جمعها إلى أكثر من خمسة أعوام. ومن باب الدقة العلمية والأمانة البحثية، وضع مسرداً بالمظان التي فيها عثر على المقالات كما كتب مقدمة تلت مقدمة بتلر استهلها بمقولة لهايدن وايت (من دون سرد الحقائق لا يمكن للحقائق أن تظهر)، مدللاً على الطريقة التي بها اهتم وايت بدراسة النظريات التاريخية بوجه عام والتخييل التاريخي بوجه خاص، فكان دراسته التاريخية عابرة حدود الدراسات الثقافية والأدبية. ومن أفكاره المهمة أن الشكل السردي ليس وعاءً محايداً أو طبيعياً في التعبير عن المعلومة التاريخية وأن التقانات السردية ليست مجرد أدوات جمالية بلا أدنى تأثير في الحقيقة التاريخية. وأن التاريخ وإن كان تصورياً تجريبياً أو شبه علمي في نقل وقائع الماضي فإنه في الواقع مشبع بأحكام القيمة.
من هنا اتبع وايت نهجاً تربولوجياً في تفحص سردية التاريخ بدءاً من مقالته المهمة «عبء التاريخ» 1966 ومروراً بتنظيراته لمفاهيم الحبكة والتمثيل والتخييل والمحاكاة والشعرية وغيرها. ويعد كتابه «ما وراء التاريخ: أوروبا في القرن التاسع عشر» الأكثر شهرة، ونال اهتماماً على نطاق واسع وتم تعريبه مؤخراً من قبل شريف يونس ونشره المركز القومي للترجمة بمصر 2022 بعنوان «ما بعد التاريخ: الخيال التاريخي في أوروبا في القرن التاسع عشر».
ولا مناص من تأكيد القول بأن أهمية كتاب «أخلاقيات السرد» متأتية من المقدمة النقدية المستفيضة التي كتبتها جوديث بتلر والمعنونة «الحداثة والمعرفة العملية». وتأتي إشادتها بالكتاب لا من باب المواطنة والانتماء وإنما من باب الاستيعاب الوافي لفكر هايدن وايت وإدراك معمق لأبعاد أطروحته التاريخية نظراً وتطبيقاً. واستهلت مقدمتها بتأكيد صعوبة تلخيص مساهمات هايدن وايت في العلوم الإنسانية والاجتماعية، قائلة: (رغم رحيل وايت، فإن كتاباته ما زال لها أثرها المهم وسماتها الخاصة وأسئلتها الوجودية المتعلقة بالتاريخ الحديث وفي مقدمتها السؤال: كيف يمكن لي أن أعيش؟ وما الطريق الصحيحة التي علي أن أتصرف بها؟) وأكدت أن من يعرف هايدن وايت يعلم أن هذه الأسئلة ليست بسيطة أو مباشرة، بل هي معقدة كونها تصب في باب التأمل الأخلاقي في التاريخ وبراغماتية نظرة وايت للحداثة ونقد الفلسفات العقلية وبشكل خاص نقد الفلسفة الكانطية بسؤاله الأثير: ما الذي ينبغي فعله إزاء السياسات الأخلاقية تجاه الاستبداد والعنف واليأس...؟.
وخصت بتلر كتاب وايت «الماضي العملي»، وتحديداً الفصل الأخير منه حول الخطاب التاريخي والنظرية الأدبية بالاهتمام، لما فيه من تأكيد لأهمية الخبرة التي يكتسبها المرء في إعادة طرح الأسئلة من قبيل: ما الذي يجب أن أفعله؟ وما الأفضل فيما يجب أن أفعله؟ وهدفه ليس الإجابة عن الأسئلة ولكن التفكير في الظروف التاريخية التي أنتجتها. وأكدت بتلر اقتراح وايت حول المعرفة العملية وأن فهمها يتم بالاستناد إلى الكتاب الثاني لكانط وهو «نقد العقل العملي»، وفيه اهتم كانط بنقد الأخلاق والضمير الإنساني وأن الحقائق مشروطة بالأسئلة التي يطرحها المرء، وأن أي معرفة للحقيقة مشروطة بفهم الواقع والهوية.
وذهبت بتلر إلى أن وايت أخذ كتاب كارل ماركس «برومير الثامن عشر» على محمل الجد لما يثيره فيه من أسئلة تدفع نحو التفكير بالأزمنة الماضية التي تتصاعد في شكل جديد داخل الواقع المعيش، مؤكداً أن الإحساس بالماضي إزاء السؤال: ماذا علي أن أفعل؟ ليس هو نفسه إحساس المؤرخ التاريخي الذي يعتمد النقد الأخلاقي بالمعنى الكانطي، وهو يختلف عن السؤال اللينيني: ما الذي ينبغي فعله؟ والاختلاف هو في اللحظة الذاتية التي لها صلة بوقتنا الحاضر التي تجعل الماضي آتياً إلى الحاضر.
وأيدت بتلر الرأي القائل بأن الحياة الأخلاقية تتطلب القدرة على وضع قصة مشتركة هي عبارة عن وجهة نظر لا بالمعنى الذي تذهب إليه نظريات التحليل النفسي وعلم الاجتماع ومنها نظرية فريديك جيمسون الذي ادعى أنه من دون قصة يمكن سردها لا وجود لحياة أخلاقية وآمن بفكرة أن التاريخ أفق مطلق للتحليل الأدبي والثقافي. وهو ما تراه بتلر تصوراً قاسياً لكنه ليس سيئاً تماماً وتعلل قلق جيمسون بما ورثه من لوكاش عن الحداثة الأدبية التي تخاطر بفصل الفن عن الأخلاق من خلال الطعن بالشروط السردية. ونقلت عن هايدن وايت رده على جيمسون - صديقه المقرب على حد وصفها - من خلال اقتراحه أن الحداثة الأدبية بأنواعها لا تعارض السرد ويمكن اعتبارها إعادة تشكيل للعلاقة بين الفن والأخلاق وليس تدميراً لها على وجه التحديد.
وبحسب وايت، فإن الأفكار الحداثية محددة بشكل مفرط - كما يقول ستيفت أرنست - من خلال هذا العدد الكبير من التمثيل التاريخي للحبكة. أما اسم «الواقعية التصويرية»، فاتخذه هايدن وايت مضاداً للواقعية التي تدافع ضد القول بتزوير التاريخ بكل أشكاله كالنفي والتحريف. وطبّق وايت أفكاره على مذكرات «كافكا»، وكيف يمكن للخيال أن يظل حياً في الوعي الجمعي فينقل من ثم الوقائع التي تزيفها التواريخ المرعبة.
وتساءلت بتلر، وهي بصدد هذه المذكرات كيف يمكن لنصوص مثل هذه أن تخبرنا عن التوجه الأخلاقي؟ وإلى أي مدى يمكنها أن تؤرخ لـ«الماضي العملي» فيفقد الفعل تسلسله ويصبح ما يسميه والتر بنجامين «إيماء»؟ وأجابت: (يبدو أن قصص كافكا تمضي قدماً مع الأحداث، وبحبكة بها ندرك أن التسلسل الحدثي والحركة السردية ليستا متماثلتين. ومع ذلك هناك إحساس بالزمانية يمتد إلى ما بعد الزمانية فتتغير إحداثيات العالم وتعاد صياغة الأسئلة الأخلاقية عن تغير المناخ مثلا أو الوباء أو الديون وغيرها. ولقد سجلت سرديات كافكا الأحداث بانفتاح على فضاءات جديدة، خرقت البنية التركيبة وأعطت إحساساً آخر بالزمان باستعمال المساحات الفارغة والانتقال من لحظة إلى أخرى). واختتمت مقدمتها بأن السجلات التاريخية هي شكل من أشكال التنظيم التي تسبب إرباكاً ثقافياً وأخلاقياً، مما يشير إلى وجود خسارة كتلك التي تظهر في مذكرات كافكا فتشتبك المعاناة مع الأمل لكن من دون انفراج.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب


الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
TT

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب


الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)

افتتح الرئيس السوري أحمد الشرع، الخميس، «معرض دمشق الدولي للكتاب 2026»، في قصر المؤتمرات بالعاصمة، واستقبل وزيرَ الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، الذي تشارك فيه بلاده ضيفةَ شرف.

وتمثّل هذه الدورة من المعرض، محطة إشعاع ثقافي مهمة، تعيد الاعتبار للكتاب بوصفه حاملاً للمعنى ومساحة للحوار.

وخلال زيارته الرسمية، التقى وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، وقدَّم له التهنئة بمناسبة إقامة المعرض.

ودشّن الوزير السعودي جناح بلاده في المعرض، بحضور نظيريه السوري والقطري الشيخ عبد الرحمن بن حمد آل ثاني. وتستمر فعاليات المعرض حتى 16 فبراير (شباط) الحالي، في حضور ثقافي عربي يعكس دور السعودية الريادي في المشهد الثقافي العربي والدولي.


«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
TT

«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)

يغوص الفنان التشكيلي جوزيف أفرام في الذات، كاشفاً مشاعر وأحاسيس تكتنفها لعبة الحياة. ومن هذا المنطلق، يُتيح معرضه «القوى الدافعة» في غاليري «آرت ديستريكت» للزائر أن يُسقط قراءته الخاصة على الأعمال. وبين لعبة الحياة ولعبة الدول، يستكشف تركيبات السياسات الدولية المؤثرة في العالم، ويزيح الأقنعة التي تُخفى خلفها حالات الإحباط.

صاحب الغاليري ماهر عطّار يصف أفرام بأنه من المواهب اللبنانية اللافتة، وفنان ذو رؤية مختلفة وأفكار عميقة. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنه يخرج في أعماله عن المألوف، ويأخذ الزائر إلى مساحات فنية مفتوحة على احتمالات لا حدود لها.

يرسم أفرام الثبات والإحباط، كما الصمود والثورة، في لوحات تقوم على التناقض، مستخدماً الأبيض والأسود كلغتين بصريتين أساسيتين. ويرتكز في أعماله على «الأكريليك» والحبر الصيني، المتوَّجين بتقنية الـ«جيسو»، لتتراكم الطبقات وتُسلّط الضوء على موضوعاته. بهذا تتحوّل اللوحات إلى ما يشبه لآلئ لامعة، صاغها الفنان بالفرشاة والمجحاف والإسفنج.

من «القوى الدافعة» لجوزيف أفرام في غاليري «أرت ديستريكت» (الشرق الأوسط)

يشير أفرام إلى أن أعماله تبدأ برسوم تحضيرية تتطوّر لاحقاً إلى لوحات كبيرة. ويقول: «أعتمد هذا الأسلوب انطلاقاً من دراستي الجامعية في الهندسة الداخلية. لكن عندما أقف أمام المساحة البيضاء، حتى أغوص في عالم آخر يجرّني إلى تفاصيل لم أُحضِّر لها مسبقاً».

عناوين اللوحات المعروضة تحمل دلالات نفسية وإنسانية واضحة، وتعكس حالات نمرُّ بها في الحياة. في لوحة «المتأمِّل» تحلِّق في رحلة علاج داخلي، وفي «خيبة أمل في اللعبة» تدرك أن الحياة لا تستحق هذا القدر من التعقيد. أما في «الثوري» و«لا بأس بأن تكون معصوب العينين» فيدفعان المتلقي إلى التوقّف وإعادة النظر.

ويؤكد أفرام أن أكثر ما يشغله في أثناء تنفيذه أي لوحة هو وضوح الرسالة. ويقول: «أضيف تفاصيل صغيرة لتكشف عن نفسها بنفسها. أشكّل لوحتي من مجموعة رسومات يسكنها التجدد. أتناول أعماق الإنسان بصور تُكمل بعضها بعضاً؛ فتأتي أحياناً واضحة، وأحياناً أخرى مخفيَّة تحت وطأة لعبة الحياة التي تتطلّب منّا غضّ النظر».

في لوحة «الثوري»، يحرِّر أفرام مشاعر مدفونة تراكمت مع الزمن. وفي «المقاومة» يظهر وحيد القرن في مواجهة العواصف، رمزاً للثبات والقوة. ويعلّق: «اخترت هذا الحيوان لما يجسِّده من قدرة على التحمُّل والمواجهة».

لوحة «لا بأس أن تكون معصوب العينين» (الشرق الأوسط)

أما «الرجل الجنين» فيستحضر الحاجة إلى الأمان؛ يقول: «مرحلة وجود الجنين في رحم أمّه قد تكون الوحيدة التي تعيدنا إلى الأمان المطلق». وفي اللوحة الثنائية «الفائض بالروح» يقف كل قسم منها في مواجهة الآخر، مستحضراً مرحلة الغوص في الذات.

بعض الأعمال يدخل إليها اللونان البرتقالي والأزرق إلى جانب الأبيض والأسود. ويوضح: «في الحياة لا نكشف دائماً عن مشاعرنا الحقيقية، كما تترك السياسات آثارها السلبية علينا. استخدمت البرتقالي لتقديم الإحباط ضمن مساحة مضيئة، والأزرق للدلالة على حقائق زائفة تحتاج إلى مواجهة هادئة».

ويلاحظ أفرام أن المتلقي اليوم يميل إلى مشاهدة العمل الفني بوصفه مساحة تحليل، لا مجرد صورة عابرة. ويقول: «مع تسارع العصر وحضور الذكاء الاصطناعي، تزداد حاجتنا إلى التأمل للحفاظ على تواصلنا مع ذواتنا، لذلك اعتمدت لغة جسد مرنة تمنح الشكل بُعداً إنسانياً».

في لوحة «لا بأس أن تكون معصوب العينين» يقدِّم رسالة مباشرة: «أحياناً يكون غضّ الطرف ضرورة». ويختم: «المهم أن نبدأ من جديد وألا نستسلم للعتمة، بل نبحث عن الضوء الذي يسمح بالاستمرار».


مصريون في قوائم انتظار لربط مدخراتهم بـ«سبائك الذهب»

تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
TT

مصريون في قوائم انتظار لربط مدخراتهم بـ«سبائك الذهب»

تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)

فشلت عزة حمدي، وهي موظفة في الأربعين من عمرها تعيش في محافظة بني سويف (120 كم جنوب القاهرة)، في شراء سبيكة ذهبية صغيرة، بعدما سحبت جزءاً من مدخراتها المالية لشراء سبيكتين يزن كل منهما غراماً واحداً، مستفيدة من التراجع الجزئي في سعر الذهب. واضطرت في النهاية إلى دفع أموالها والانتظار نحو أسبوعين لتتسلم السبائك الخاصة بها.

طافت عزة محلات الصاغة في مدينتها، لكنها بعد جولة شملت أكثر من 10 محلات لم تجد ما تريد، وعادت إلى منزلها بعدما أخبرها عاملون بعدم وجود سبائك أو جنيهات ذهبية، وأن المتاح يقتصر على أوزان كبيرة من السبائك الذهبية فقط، يتراوح وزنها بين 20 غراماً و100 غرام، وهو ما يفوق قدرتها المالية.

تقول عزة لـ«الشرق الأوسط» إن بعض زميلاتها اشترين الذهب الشهر الماضي بعد انتهاء شهادات بنكية ذات عائد مرتفع، وحققن أرباحاً عند إعادة البيع عقب الارتفاع الكبير في الأسعار. وتشير إلى أنها قررت شراء سبائك صغيرة بجزء من مدخراتها، لكنها لم تتمكن من العثور عليها، ما اضطرها إلى الموافقة على دفع المبلغ والانتظار مدة تصل إلى أسبوعين، وفق ما أبلغها الصائغ، لتتسلم ما طلبته، بغضّ النظر عن ارتفاع سعر الذهب أو انخفاضه.

اختفت السبائك الذهبية ذات الأوزان الصغيرة من الأسواق (شركة بي تي سي)

بلغت مشتريات المصريين من الذهب 45.1 طن في عام 2025، متراجعة بنحو 10 في المائة مقارنة بعام 2024، مع تسجيل زيادة في الربع الأخير من 2025 بنسبة 4 في المائة عن الفترة نفسها من العام السابق. وهي الفترة التي شهدت قفزة قوية في مشتريات السبائك والعملات الذهبية بنسبة 27 في المائة، وفق تقرير صادر عن مؤسسة «جولد بيليون» الشهر الماضي.

وعلى عكس المشغولات الذهبية التي انخفضت مشترياتها بنسبة 18 في المائة في 2025 مقارنة بعام 2024، سجلت مشتريات السبائك والعملات الذهبية خلال الفترة نفسها تراجعاً بنحو 2 في المائة فقط.

يقول مجدي موريس، أحد العاملين في محلات الذهب، لـ«الشرق الأوسط» إن «السبائك اختفت بسبب زيادة الطلب عليها بشكل كبير في الأسابيع الماضية، مع دخول الشهر الثالث على التوالي من تركيز المواطنين على شرائها؛ نظراً لإمكانية إعادة بيعها دون خصم أي نسبة، على عكس المشغولات التي تتراوح نسبة الخصم عند إعادة بيعها بين 1 و3 في المائة، حسب المحل وحالة المشغولات نفسها».

وأضاف أن «السبائك الصغيرة هي الأكثر إقبالاً عليها، وأصبح من الصعب الحصول عليها مع تأخر الشركات في التوريد، مما دفع بعض التجار إلى الاتفاق على تنفيذ عمليات بيع بأسعار اليوم، على أن يجري التسليم في وقت لاحق»، مشيراً إلى أن «هذا الأمر قد يؤدي إلى مشكلات عند تغيّر السعر في ظل حالة الاضطراب صعوداً وهبوطاً بشكل يومي، وقد حدثت بسببه خلافات بين بعض التجار والزبائن».

ولفت موريس إلى أنهم، على مدى 3 أيام تقريباً، لم يستقبلوا شخصاً واحداً يرغب في إعادة بيع سبيكة يملكها، مقابل مئات الاستفسارات اليومية عن الشراء، في حين لم تسلِّمهم الشركة التي يتعاملون معها أي سبائك جديدة منذ 5 أيام تقريباً. وأشار إلى وجود فارق سعري بين البيع والشراء للسبائك يصل إلى 300 جنيه (الدولار يعادل 46.9 جنيه في البنوك)، في إطار سعي التجار إلى تجنب الخسارة بسبب تذبذب الأسعار.

وسجلت أسعار الذهب تذبذباً عالمياً في الأسابيع الماضية، مع تسجيل أرقام قياسية لسعر «أونصة الذهب» التي اقتربت من حاجز 5600 دولار، قبل أن تتراجع بأكثر من ألف دولار. كما تشهد الأسواق العالمية تبايناً في السعر اليومي يصل أحياناً إلى 300 دولار، ما يجعل التسعير في محلات الذهب المصرية يتغير مرات عدّة خلال اليوم الواحد.

تعاني السوق المصرية من نقص في توافر السبائك (شركة بي تي سي)

أرجع رئيس «شعبة الذهب بالاتحاد العام للغرف التجارية» هاني ميلاد، نقص المعروض من السبائك في الأسواق إلى الزيادة الكبيرة في الطلب على الشراء، بما يتجاوز القدرات الإنتاجية والطاقة التشغيلية للمصانع. وأوضح أن هذا النقص ظهر بوضوح خلال الأيام الأخيرة، لا سيما في السبائك صغيرة الحجم والجنيهات الذهبية؛ نظراً لكونها الأكثر جذباً للمشترين.

وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن الذهب يُعد في الأساس أداة استثمارية طويلة الأجل، لكن موجة الصعود الأخيرة في الأسعار دفعت بعض المتعاملين إلى الشراء بغرض المضاربة قصيرة الأجل، مع تركيز واضح على السبائك والجنيهات الذهبية باعتبارها الأقل من حيث تكلفة «المصنعية»، مع إمكانية استرداد جزء منها عند إعادة البيع.

ونفى ميلاد وجود توجّه لإيقاف أو تعليق التعاملات في محلات الذهب بسبب التذبذب في الأسعار العالمية، مؤكداً أن عمليات البيع والشراء تسير بصورة اعتيادية في معظم الأوقات، رغم التقلبات السعرية.