«هايدن وايت» وأخلاقيات السرد

أهمية الخبرة في إعادة طرح الأسئلة اليومية البسيطة

«هايدن وايت» وأخلاقيات السرد
TT

«هايدن وايت» وأخلاقيات السرد

«هايدن وايت» وأخلاقيات السرد

وضع المفكر الأميركي هايدن وايت (1928 - 2018) أطروحة في التخييل التاريخي تقوم على فكرة أنّ القصة والتاريخ يمتلكان البنية السردية نفسها. ولقد أشاد بول ريكور بهذه الأطروحة وفضَّلها على أطروحتي المفكرين التاريخيين ويليام دراي وآرثر دانتو لسببين: الأول ما تميزت به تحليلات هايدن وايت من وضوح وقوة، وثانياً أنه وضع في كتابه «ما وراء التاريخ» وبلا تردد كلا من ميشيليه ورانكه وتوكفيل وبوركرت وهيغل وماركس ونيتشه وكروتشه في إطار واحد.
وإذا كان هايدن وايت قد كرَّس حياته لدراسة التاريخ، وألف كتباً مهمة فيه، فإن له دراسات ومقالات متفرقة في بطون المجلات الجامعية والمواقع الإلكترونية، فيها آراء وتوجهات تعزز الفهم لأطروحته في التخييل التاريخي. وهذا ما تنبَّه له الباحث الفرنسي «روبرت دوران» أستاذ الأدب المقارن، فجمع أبحاث وايت وكتاباته المتفرقة وحررها في كتاب من مجلدين، صدر الأول منه مؤخراً عن مطبعة جامعة كورنل بعنوان «أخلاقيات السرد: مقالات هايدن وايت في التاريخ والأدب والنظرية» 2022 وبمقدمتين الأولى للفيلسوفة الأميركية جوديث بتلر والأخرى لدوران. وسينشر المجلد الثاني عن المطبعة نفسها عام 2023
والتحرير ليس بالعمل الجديد على دوران، فلقد حرر كتباً سابقة، منها «المحاكاة والنظرية: مقالات في الأدب والنقد لرينيه جيرارد: 1953 - 2005» ستانفورد 2008 و«خيال السرد: مقالات عن التاريخ والأدب والنظرية، لهايدن وايت: 1957 - 2007» جونز هوبكنز، 2010... وتمت ترجمته إلى اللغتين الإسبانية 2011 والصينية 2019.
وأهمية كتاب «أخلاقيات السرد: مقالات هايدن وايت في التاريخ والأدب والنظرية» لا تكمن في أنه يجمع كتابات المفكر الأكثر تأثيراً في القرن العشرين فحسب، بل لأنه أيضاً «يمنح القارئ وصولاً فريداً إلى فكر وايت المتأخر» كاشفاً عن جانب أقل شهرة عن هايدن وايت والمتمثل في آرائه بموضوعات ثقافية وأخلاقية، وبعضها له صلة بالتخييل التاريخي. وهو ما تدلل عليه المقالات المجموعة في هذا الكتاب ومن ضمنها خمس محاضرات غير منشورة سابقاً ضمتها فصول الكتاب الخمسة عشر. وتتوزع موضوعات الكتاب بين البحث في إشكاليات الوطنية الحديثة والرموز الآليغورية المؤقتة والهوية والذاكرة الجماعية والخطاب الأوروبي والخطاب الأسطوري واستخدام الأسطورة في إعادة بناء المجتمع والتغييرات التاريخية الفرعية والاستغراب في تاريخ العالم والمجتمعات العابرة، والمتحف التاريخي كفضاء يوتوبي، والواقعية التصويرية في أدب المذكرات إلى جانب موضوعات أخرى مثل عناصر الشمولية عند حنا أرندت، وميتافيزيقيا التاريخ الغربي: الكون والفوضى والتوالي في التمثيل التاريخي، والتاريخية كميدان للخطاب السياسي، والمنفى والنبذ، والجانب المظلم من تاريخ الفن: الكآبة، وضد الواقعية التاريخية قراءة في الحرب والسلم لتولستوي.
وبسبب تفرق مقالات الكتاب وكثرتها احتاج روبرت دوران في جمعها إلى أكثر من خمسة أعوام. ومن باب الدقة العلمية والأمانة البحثية، وضع مسرداً بالمظان التي فيها عثر على المقالات كما كتب مقدمة تلت مقدمة بتلر استهلها بمقولة لهايدن وايت (من دون سرد الحقائق لا يمكن للحقائق أن تظهر)، مدللاً على الطريقة التي بها اهتم وايت بدراسة النظريات التاريخية بوجه عام والتخييل التاريخي بوجه خاص، فكان دراسته التاريخية عابرة حدود الدراسات الثقافية والأدبية. ومن أفكاره المهمة أن الشكل السردي ليس وعاءً محايداً أو طبيعياً في التعبير عن المعلومة التاريخية وأن التقانات السردية ليست مجرد أدوات جمالية بلا أدنى تأثير في الحقيقة التاريخية. وأن التاريخ وإن كان تصورياً تجريبياً أو شبه علمي في نقل وقائع الماضي فإنه في الواقع مشبع بأحكام القيمة.
من هنا اتبع وايت نهجاً تربولوجياً في تفحص سردية التاريخ بدءاً من مقالته المهمة «عبء التاريخ» 1966 ومروراً بتنظيراته لمفاهيم الحبكة والتمثيل والتخييل والمحاكاة والشعرية وغيرها. ويعد كتابه «ما وراء التاريخ: أوروبا في القرن التاسع عشر» الأكثر شهرة، ونال اهتماماً على نطاق واسع وتم تعريبه مؤخراً من قبل شريف يونس ونشره المركز القومي للترجمة بمصر 2022 بعنوان «ما بعد التاريخ: الخيال التاريخي في أوروبا في القرن التاسع عشر».
ولا مناص من تأكيد القول بأن أهمية كتاب «أخلاقيات السرد» متأتية من المقدمة النقدية المستفيضة التي كتبتها جوديث بتلر والمعنونة «الحداثة والمعرفة العملية». وتأتي إشادتها بالكتاب لا من باب المواطنة والانتماء وإنما من باب الاستيعاب الوافي لفكر هايدن وايت وإدراك معمق لأبعاد أطروحته التاريخية نظراً وتطبيقاً. واستهلت مقدمتها بتأكيد صعوبة تلخيص مساهمات هايدن وايت في العلوم الإنسانية والاجتماعية، قائلة: (رغم رحيل وايت، فإن كتاباته ما زال لها أثرها المهم وسماتها الخاصة وأسئلتها الوجودية المتعلقة بالتاريخ الحديث وفي مقدمتها السؤال: كيف يمكن لي أن أعيش؟ وما الطريق الصحيحة التي علي أن أتصرف بها؟) وأكدت أن من يعرف هايدن وايت يعلم أن هذه الأسئلة ليست بسيطة أو مباشرة، بل هي معقدة كونها تصب في باب التأمل الأخلاقي في التاريخ وبراغماتية نظرة وايت للحداثة ونقد الفلسفات العقلية وبشكل خاص نقد الفلسفة الكانطية بسؤاله الأثير: ما الذي ينبغي فعله إزاء السياسات الأخلاقية تجاه الاستبداد والعنف واليأس...؟.
وخصت بتلر كتاب وايت «الماضي العملي»، وتحديداً الفصل الأخير منه حول الخطاب التاريخي والنظرية الأدبية بالاهتمام، لما فيه من تأكيد لأهمية الخبرة التي يكتسبها المرء في إعادة طرح الأسئلة من قبيل: ما الذي يجب أن أفعله؟ وما الأفضل فيما يجب أن أفعله؟ وهدفه ليس الإجابة عن الأسئلة ولكن التفكير في الظروف التاريخية التي أنتجتها. وأكدت بتلر اقتراح وايت حول المعرفة العملية وأن فهمها يتم بالاستناد إلى الكتاب الثاني لكانط وهو «نقد العقل العملي»، وفيه اهتم كانط بنقد الأخلاق والضمير الإنساني وأن الحقائق مشروطة بالأسئلة التي يطرحها المرء، وأن أي معرفة للحقيقة مشروطة بفهم الواقع والهوية.
وذهبت بتلر إلى أن وايت أخذ كتاب كارل ماركس «برومير الثامن عشر» على محمل الجد لما يثيره فيه من أسئلة تدفع نحو التفكير بالأزمنة الماضية التي تتصاعد في شكل جديد داخل الواقع المعيش، مؤكداً أن الإحساس بالماضي إزاء السؤال: ماذا علي أن أفعل؟ ليس هو نفسه إحساس المؤرخ التاريخي الذي يعتمد النقد الأخلاقي بالمعنى الكانطي، وهو يختلف عن السؤال اللينيني: ما الذي ينبغي فعله؟ والاختلاف هو في اللحظة الذاتية التي لها صلة بوقتنا الحاضر التي تجعل الماضي آتياً إلى الحاضر.
وأيدت بتلر الرأي القائل بأن الحياة الأخلاقية تتطلب القدرة على وضع قصة مشتركة هي عبارة عن وجهة نظر لا بالمعنى الذي تذهب إليه نظريات التحليل النفسي وعلم الاجتماع ومنها نظرية فريديك جيمسون الذي ادعى أنه من دون قصة يمكن سردها لا وجود لحياة أخلاقية وآمن بفكرة أن التاريخ أفق مطلق للتحليل الأدبي والثقافي. وهو ما تراه بتلر تصوراً قاسياً لكنه ليس سيئاً تماماً وتعلل قلق جيمسون بما ورثه من لوكاش عن الحداثة الأدبية التي تخاطر بفصل الفن عن الأخلاق من خلال الطعن بالشروط السردية. ونقلت عن هايدن وايت رده على جيمسون - صديقه المقرب على حد وصفها - من خلال اقتراحه أن الحداثة الأدبية بأنواعها لا تعارض السرد ويمكن اعتبارها إعادة تشكيل للعلاقة بين الفن والأخلاق وليس تدميراً لها على وجه التحديد.
وبحسب وايت، فإن الأفكار الحداثية محددة بشكل مفرط - كما يقول ستيفت أرنست - من خلال هذا العدد الكبير من التمثيل التاريخي للحبكة. أما اسم «الواقعية التصويرية»، فاتخذه هايدن وايت مضاداً للواقعية التي تدافع ضد القول بتزوير التاريخ بكل أشكاله كالنفي والتحريف. وطبّق وايت أفكاره على مذكرات «كافكا»، وكيف يمكن للخيال أن يظل حياً في الوعي الجمعي فينقل من ثم الوقائع التي تزيفها التواريخ المرعبة.
وتساءلت بتلر، وهي بصدد هذه المذكرات كيف يمكن لنصوص مثل هذه أن تخبرنا عن التوجه الأخلاقي؟ وإلى أي مدى يمكنها أن تؤرخ لـ«الماضي العملي» فيفقد الفعل تسلسله ويصبح ما يسميه والتر بنجامين «إيماء»؟ وأجابت: (يبدو أن قصص كافكا تمضي قدماً مع الأحداث، وبحبكة بها ندرك أن التسلسل الحدثي والحركة السردية ليستا متماثلتين. ومع ذلك هناك إحساس بالزمانية يمتد إلى ما بعد الزمانية فتتغير إحداثيات العالم وتعاد صياغة الأسئلة الأخلاقية عن تغير المناخ مثلا أو الوباء أو الديون وغيرها. ولقد سجلت سرديات كافكا الأحداث بانفتاح على فضاءات جديدة، خرقت البنية التركيبة وأعطت إحساساً آخر بالزمان باستعمال المساحات الفارغة والانتقال من لحظة إلى أخرى). واختتمت مقدمتها بأن السجلات التاريخية هي شكل من أشكال التنظيم التي تسبب إرباكاً ثقافياً وأخلاقياً، مما يشير إلى وجود خسارة كتلك التي تظهر في مذكرات كافكا فتشتبك المعاناة مع الأمل لكن من دون انفراج.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

ديناصور عمره 125 مليون سنة يحمل اسم أب بريطاني

عظام من عصور سحيقة تحمل امتنان هذا العصر (رويترز)
عظام من عصور سحيقة تحمل امتنان هذا العصر (رويترز)
TT

ديناصور عمره 125 مليون سنة يحمل اسم أب بريطاني

عظام من عصور سحيقة تحمل امتنان هذا العصر (رويترز)
عظام من عصور سحيقة تحمل امتنان هذا العصر (رويترز)

أُطلق اسم أب من مقاطعة ساري البريطانية على جنس ونوع جديدين من الديناصورات. وسُمّي الديناصور «بالودوهادروس براودلوفي»، وهو من مجموعة «الإغوانودونتيات»، تكريماً للراحل ويل براودلوف، الذي كان يدير مصنعاً للطوب وقرميد الأسقف في إيورهيرست، حيث عُثر على الحفرية.

وتوفي براودلوف عن 35 عاماً، قبيل العثور على الحفرية عام 2001 وإهدائها إلى متحف التاريخ الطبيعي.

وقالت زوجته راشيل لإذاعة «بي بي سي» في ساري، إن موقع عمل زوجها، والد طفليهما، شهد على مدى سنوات اكتشاف بقايا ديناصورات. وأضافت: «كان مفتوناً بهذا الأمر إلى حد كبير»، موضحةً أن ويل كان يتفحّص الطين كلما أُزيلت طبقة منه من المحجر، بحثاً عمّا يشبه حفريات الديناصورات.

ووصفت راشيل تسمية الديناصور باسم ويل، الذي تدرّج في المناصب حتى أصبح مديراً للمصنع، بأنها تكريم «كبير».

وقالت: «إنه أمر مثير جداً. إنه إرث عظيم لزوجي يُخلّد ذكراه. نحن في غاية السعادة».

وتعود البقايا التي عُثر عليها في مصنع إيورهيرست إلى أحد «الإغوانودونتيات»، وهي مجموعة من الديناصورات تشتهر بمخالب إبهامها الشبيهة بالأشواك، وفق متحف التاريخ الطبيعي.

وأضاف المتحف أن «الإغوانودونتيات» المكتَشفة في جنوب إنجلترا كانت تُصنَّف تاريخياً على أنها تنتمي إما إلى «الإغوانودون» وإما إلى قريبه الأصغر حجماً «مانتيليسورس».

وإنما إعادة وصف مفصّلة للنوع الأخير، أجراها علماء متحف التاريخ الطبيعي عام 2023، أتاحت تحديد فروق رئيسية بين هذه الأنواع.

وأدّى ذلك إلى تسمية أنواع جديدة عدة من «الإغوانودونتيات» في السنوات الأخيرة، منها: «برايتستونيوس»، و«كومبتوناتوس»، و«إستيوراكيس» ذي الظهر الشراعي، وصولاً إلى «بالودوهادروس» حالياً.

وقال المتحف إن هذا الحيوان العاشب، الذي كان يسير على 4 قوائم، عاش قبل نحو 125 مليون سنة، خلال العصر الطباشيري المبكر.

وفي ذلك الوقت، كانت المستنقعات الموحلة تغطّي جنوب إنجلترا، وهو ما أسهم في اختيار اسم الديناصور، إذ تعني كلمة «بالوس» باللاتينية «المستنقع»، وفق المتحف.

ويبلغ طول «بالودوهادروس براودلوفي» نحو 5 أمتار، ويتراوح وزنه بين طن ونصف الطن وطنين تقريباً، ممّا جعله يضاهي وحيد القرن حجماً عند نفوقه.

لكن المتحف أوضح أن من المرجّح أن تكون الحفرية لديناصور يافع، لأن عظامه لم تكن مكتملة النمو، ممّا يعني أنه كان قادراً على بلوغ ضعف هذا الحجم.

وكان «بالودوهادروس» يعيش إلى جانب «باريونيكس ووكيري»، وهو ديناصور مفترس ضخم يسير على قدمين، اكتُشف في مصنع إيورهيرست عام 1983.


السويد تخشى أسرارها... وتحظر «تشات جي بي تي» و«كلود»

علم السويد (بكسلز)
علم السويد (بكسلز)
TT

السويد تخشى أسرارها... وتحظر «تشات جي بي تي» و«كلود»

علم السويد (بكسلز)
علم السويد (بكسلز)

تخيّل أن تكتب سراً من أسرار عملك في خانة سؤال، طلباً لمساعدة سريعة من الذكاء الاصطناعي، ثم تكتشف أن معلوماتك ربما خرجت من المكان الذي كان يفترض أن تبقى فيه. هذا الاحتمال، الذي قد لا يخطر على بال موظف يريد إنجاز مهمته في دقائق، أصبح مصدر قلق للحكومة السويدية، التي قررت حظر استخدام النسخ المتاحة عبر متصفحات الإنترنت من تطبيقي «تشات جي بي تي» و«كلود» على أجهزة العمل الحكومية.

المفارقة أن التكنولوجيا التي تعد بتسهيل العمل وتسريع إنجازه باتت تثير أسئلة محرجة داخل المؤسسات التي تسعى إلى الاستفادة منها: هل يمكن الوثوق بأداة ذكية عندما يتعلق الأمر بأسرار الدولة؟ وأين تنتهي المعلومات التي يشاركها الموظف معها؟

في السويد، لم يعد الأمر مجرد نقاش نظري. فمنذ 26 أكتوبر (تشرين الأول)، بات على الموظفين الالتزام بقيود جديدة، في خطوة لا تستهدف الذكاء الاصطناعي نفسه، بقدر ما تستهدف المخاطر التي قد تنشأ عندما تُستخدم أدواته من دون ضمانات أمنية واضحة، وفقاً لموقع «يورونيوز».

قد ينحرف وكيل الذكاء الاصطناعي بسبب طبيعة النموذج الاحتمالية أو نتيجة تلاعب خارجي بالمدخلات التي يعتمد عليها (شاترستوك)

بدأت المخاوف تتضح بعد مراجعة أجرتها السلطات السويدية لاستخدام هذه الأدوات لدى موظفي إدارة النقل، كشفت عن ممارسات وصفت بأنها إشكالية، فالموظف الذي يستعين بمساعد ذكي لتلخيص تقرير أو صياغة رسالة قد يُدخل، من دون انتباه، بيانات لا يجوز تداولها خارج المؤسسة. وما يبدو اختصاراً للوقت قد يتحول إلى مشكلة أمنية إذا لم تكن هناك ضمانات واضحة بشأن تخزين المعلومات ومعالجتها والجهات التي تستطيع الوصول إليها.

ويحذر ميكائيل فيتركرانتس، مدير التحول الرقمي في مكاتب الحكومة السويدية، من مخاطر استخدام أدوات تقنية خارج الأنظمة المعتمدة رسمياً، وهي ممارسة تُعرف باسم «تقنية المعلومات الظلية». وتكمن المشكلة في أن المؤسسة قد لا تعرف ما الذي يشاركه موظفوها مع تلك الخدمات، ولا كيف تُستخدم البيانات بعد إدخالها.

لكن السويد لا تطلب من موظفيها التخلي عن الذكاء الاصطناعي، بل تدعوهم إلى استخدام أدوات خضعت للفحص الأمني. ومن بينها «كوبايلوت»، مساعد شركة «مايكروسوفت»، الذي أصبح متاحاً بموجب اتفاقية أمنية مع الحكومة. أما استخدام «تشات جي بي تي» و«كلود»، فسيظل ممكناً لعدد محدود من الموظفين عبر منصة حكومية مخصصة للمساعدين المعتمدين.

وامتدت قيود مماثلة إلى مؤسسات سويدية أخرى، بينها مصلحة الضرائب والمجلس الوطني للرعاية المؤسسية، في مؤشر على أن المسألة لا تخص جهة واحدة، بل تتصل بكيفية التعامل مع التكنولوجيا الجديدة داخل القطاع العام.

وليست هذه المرة الأولى التي تتعامل فيها السويد بحذر مع أدوات الذكاء الاصطناعي الأجنبية، فقد سبق أن فرضت قيوداً على «ديب سيك» الصينية، وسط مخاوف تتعلق بالخصوصية وحماية البيانات. وتثير هذه الحالات أسئلة تتجاوز هوية الشركة المطورة، لتشمل مكان تخزين المعلومات، والقوانين التي تحكمها، ومدى قدرة المؤسسات على مراقبة استخدامها.

المفارقة أن الأدوات نفسها التي تعد بتوفير الوقت ورفع الإنتاجية قد تفرض على الحكومات وقتاً إضافياً للتدقيق والمراجعة. فليس كل ما يستطيع الموظف فعله بمساعدة الذكاء الاصطناعي مناسباً بالضرورة لبيئة العمل الرسمية.

وفي النهاية، لا يتعلق الأمر برفض التكنولوجيا، بل بمعرفة حدود استخدامها، فحين يكتب الموظف سؤالاً لمساعد ذكي، قد لا يعرف أين تنتهي كلماته، ولا من يمكن أن يطّلع عليها لاحقاً. ولهذا، بات السؤال الأهم بالنسبة إلى الحكومات ليس ما الذي يستطيع الذكاء الاصطناعي إنجازه، بل ما الذي ينبغي ألا نضعه بين يديه؟


مصر: «دعوات تشجير» القاهرة تعيد جدل إزالة الحدائق للواجهة

محافظة القاهرة زرعت آلاف الأشجار خلال الآونة الأخيرة (محافظة القاهرة)
محافظة القاهرة زرعت آلاف الأشجار خلال الآونة الأخيرة (محافظة القاهرة)
TT

مصر: «دعوات تشجير» القاهرة تعيد جدل إزالة الحدائق للواجهة

محافظة القاهرة زرعت آلاف الأشجار خلال الآونة الأخيرة (محافظة القاهرة)
محافظة القاهرة زرعت آلاف الأشجار خلال الآونة الأخيرة (محافظة القاهرة)

جدَّدت محافظة القاهرة دعوتها للمواطنين للمشاركة في تشجير العاصمة، وسط جدل بشأن إزالة الأشجار وتراجع المساحات الخضراء في الشوارع المصرية، وانتقادات للأجهزة المحلية بسبب قطع أشجار معمّرة خلال أعمال تطوير الطرق، وتساؤلات عن مدى قدرة المبادرات الجديدة على تعويض ما فقدته المدن من غطاء أخضر.

ودعت المحافظة، في بيان صدر الاثنين، المواطنين والشركات والبنوك والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني إلى المشاركة في جهود التشجير، مؤكدة أنها «مسؤولية مشتركة بين الأجهزة التنفيذية والمواطنين». كما أعلنت توفير أشجار من مشاتل هيئة نظافة وتجميل القاهرة بأسعار مخفَّضة تصل نسبة التخفيض فيها إلى 60 في المائة، وشجَّعت المواطنين على زراعتها أمام المنازل والمحلات التجارية.

وتشمل المبادرة تحديد مسافات تتراوح بين 4 و5 أمتار بين الأشجار، مع اختيار أنواع توفر ظلالاً واسعة ولا تستهلك كميات كبيرة من المياه، من بينها البونسيانا، واللبخ، والجاكراندا. كما تتضمن التوجه إلى استغلال بعض الأراضي والمساحات غير المستخدمة لإنشاء حدائق ومتنزهات.

دعوة محافظة القاهرة لزراعة الأشجار على منصات التواصل (محافظة القاهرة)

وتأتي دعوة محافظة القاهرة بعد أيام من طرح أزمة قطع الأشجار خلال فعاليات «منتدى مصر 2026»، الذي شهد توصيات بالإسراع في إدخال تعديلات على قانون البيئة، بما يتضمن تجريم قطع الأشجار بصورة عشوائية أو من دون ضوابط، إلى جانب وضع استراتيجية تنموية تستهدف مضاعفة الغطاء النباتي في المحافظات المصرية.

وكانت وزيرة التنمية المحلية والبيئة، منال عوض، قد أعلنت خلال مشاركتها في المنتدى زراعة 12 مليون شجرة ضمن المبادرة الرئاسية للتشجير، فيما أفادت تقارير باستعداد الوزارة لطرح تعديلات تشريعية على قانون البيئة رقم 4 لسنة 1994، بهدف سد الثغرات المتعلقة بمواجهة عمليات قطع الأشجار.

وأثار بيان محافظة القاهرة تساؤلات لدى متابعين وناشطين بيئيين بشأن الضمانات اللازمة لحماية الأشجار المزروعة، والحيلولة دون إزالتها لاحقاً خلال تنفيذ مشروعات التطوير.

ووجَّه متابعون انتقادات حادة إلى مسؤولي المحليات، محمِّلين إياهم مسؤولية قطع الأشجار في الحدائق والجزر الخضراء على الطرق والشوارع خلال تنفيذ مشروعات التطوير، فضلاً عن إقامة الأكشاك والمطاعم في مساحات عامة كانت مخصصة للمناطق الخضراء.

وأثار قطع الأشجار المعمّرة في شارع جامعة الدول العربية بحي المهندسين في الجيزة، خلال الفترة الأخيرة، جدلاً واسعاً وانتقادات حادة، ما دفع مسؤولين إلى إعادة تشجير الشارع والتشديد على عدم قطع الأشجار مجدداً، مع تكثيف أعمال التشجير لتعويض الأشجار التي أُزيلت.

وانتقدت الناشطة البيئية المصرية مريم حامد غياب الضمانات الكفيلة بحماية الأشجار التي يزرعها المواطنون، معتبرة أن دعوة محافظة القاهرة إلى المشاركة في التشجير، رغم إيجابيتها، لا تعالج المشكلة الأساسية المتمثلة في إزالة الأشجار القائمة.

عمال يشاركون في غرس أشجار جديدة (محافظة القاهرة)

وقالت الناشطة البيئية لـ«الشرق الأوسط» إن «تجارب سابقة شهدت إزالة أشجار زرعها مواطنون ومتطوعون خلال أعمال صيانة الطرق وتطوير الشوارع»، متسائلة عن الضمانات التي تحول دون تكرار ذلك في إطار المبادرة الجديدة.

وأضافت أن «تشجيع المواطنين وأصحاب المحلات على التشجير يحتاج إلى آليات تنفيذ واضحة تضمن استدامة هذه الجهود»، مشيرة إلى أن المبادرة لا تعفي الجهات الحكومية من مسؤوليتها عن إزالة الأشجار المعمّرة.

ولفتت الناشطة البيئية إلى استمرار تضارب الاختصاصات بين المحافظات والأحياء وهيئات النظافة والتجميل والجهات المسؤولة عن الطرق، ما يصعّب على الناشطين البيئيين تحديد الجهة المسؤولة عن إزالة الأشجار أو مخاطبتها. ورأت أن ملف حماية الأشجار لا يزال يفتقر إلى وضوح المسؤوليات والضمانات الفعلية للحفاظ على الغطاء الأخضر.

من جانبه، حذّر الناشط البيئي المصري أحمد فتحي من أن دعوة المواطنين إلى زراعة الأشجار أمام منازلهم ومحلاتهم، من دون ضوابط واضحة، قد تؤدي إلى نتائج عكسية.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «تشجيع المواطنين على التشجير خطوة إيجابية، لكن ترك عملية الزراعة من دون تنظيم قد يؤدي إلى الفوضى، وربما يتسبب في مشكلات بيئية أكبر».

وأضاف أنه «من الضروري تحديد أنواع الأشجار التي يمكن للمواطنين زراعتها وفقاً لكود الزراعة المعتمد لدى وزارة التنمية المحلية والبيئة، مع وضع آلية واضحة للري والمتابعة، حتى لا نزرع أشجاراً اليوم ثم تموت غداً».

جانب من عمليات التشجير في شوارع القاهرة (محافظة القاهرة)

ولفت فتحي إلى «ضرورة الاستعانة بجهاز شؤون البيئة لتقديم المشورة بشأن اختيار أنواع الأشجار الأكثر ملاءمة للبيئة المحلية، مع مراعاة البصمة الكربونية»، موضحاً أن «الأهداف النبيلة للمبادرات المجتمعية قد تتحوَّل إلى مشكلات أكبر في غياب التنظيم».

وأكد أن المجتمع المدني يمكن أن يؤدي دوراً مهماً في تنظيم جهود التشجير، والقيام بدور الوسيط بين الحكومة والقطاع الخاص والمواطنين، فضلاً عن متابعة تنفيذ المبادرة لضمان استدامتها وتحقيق أهدافها البيئية.

وكانت وزارة التنمية المحلية والبيئة قد وجّهت المحافظات، في سبتمبر (أيلول) الماضي، إلى رصد حالات قطع الأشجار أو اقتلاعها أو إتلافها، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين، في إطار جهود الحفاظ على الغطاء النباتي.