«هايدن وايت» وأخلاقيات السرد

أهمية الخبرة في إعادة طرح الأسئلة اليومية البسيطة

«هايدن وايت» وأخلاقيات السرد
TT

«هايدن وايت» وأخلاقيات السرد

«هايدن وايت» وأخلاقيات السرد

وضع المفكر الأميركي هايدن وايت (1928 - 2018) أطروحة في التخييل التاريخي تقوم على فكرة أنّ القصة والتاريخ يمتلكان البنية السردية نفسها. ولقد أشاد بول ريكور بهذه الأطروحة وفضَّلها على أطروحتي المفكرين التاريخيين ويليام دراي وآرثر دانتو لسببين: الأول ما تميزت به تحليلات هايدن وايت من وضوح وقوة، وثانياً أنه وضع في كتابه «ما وراء التاريخ» وبلا تردد كلا من ميشيليه ورانكه وتوكفيل وبوركرت وهيغل وماركس ونيتشه وكروتشه في إطار واحد.
وإذا كان هايدن وايت قد كرَّس حياته لدراسة التاريخ، وألف كتباً مهمة فيه، فإن له دراسات ومقالات متفرقة في بطون المجلات الجامعية والمواقع الإلكترونية، فيها آراء وتوجهات تعزز الفهم لأطروحته في التخييل التاريخي. وهذا ما تنبَّه له الباحث الفرنسي «روبرت دوران» أستاذ الأدب المقارن، فجمع أبحاث وايت وكتاباته المتفرقة وحررها في كتاب من مجلدين، صدر الأول منه مؤخراً عن مطبعة جامعة كورنل بعنوان «أخلاقيات السرد: مقالات هايدن وايت في التاريخ والأدب والنظرية» 2022 وبمقدمتين الأولى للفيلسوفة الأميركية جوديث بتلر والأخرى لدوران. وسينشر المجلد الثاني عن المطبعة نفسها عام 2023
والتحرير ليس بالعمل الجديد على دوران، فلقد حرر كتباً سابقة، منها «المحاكاة والنظرية: مقالات في الأدب والنقد لرينيه جيرارد: 1953 - 2005» ستانفورد 2008 و«خيال السرد: مقالات عن التاريخ والأدب والنظرية، لهايدن وايت: 1957 - 2007» جونز هوبكنز، 2010... وتمت ترجمته إلى اللغتين الإسبانية 2011 والصينية 2019.
وأهمية كتاب «أخلاقيات السرد: مقالات هايدن وايت في التاريخ والأدب والنظرية» لا تكمن في أنه يجمع كتابات المفكر الأكثر تأثيراً في القرن العشرين فحسب، بل لأنه أيضاً «يمنح القارئ وصولاً فريداً إلى فكر وايت المتأخر» كاشفاً عن جانب أقل شهرة عن هايدن وايت والمتمثل في آرائه بموضوعات ثقافية وأخلاقية، وبعضها له صلة بالتخييل التاريخي. وهو ما تدلل عليه المقالات المجموعة في هذا الكتاب ومن ضمنها خمس محاضرات غير منشورة سابقاً ضمتها فصول الكتاب الخمسة عشر. وتتوزع موضوعات الكتاب بين البحث في إشكاليات الوطنية الحديثة والرموز الآليغورية المؤقتة والهوية والذاكرة الجماعية والخطاب الأوروبي والخطاب الأسطوري واستخدام الأسطورة في إعادة بناء المجتمع والتغييرات التاريخية الفرعية والاستغراب في تاريخ العالم والمجتمعات العابرة، والمتحف التاريخي كفضاء يوتوبي، والواقعية التصويرية في أدب المذكرات إلى جانب موضوعات أخرى مثل عناصر الشمولية عند حنا أرندت، وميتافيزيقيا التاريخ الغربي: الكون والفوضى والتوالي في التمثيل التاريخي، والتاريخية كميدان للخطاب السياسي، والمنفى والنبذ، والجانب المظلم من تاريخ الفن: الكآبة، وضد الواقعية التاريخية قراءة في الحرب والسلم لتولستوي.
وبسبب تفرق مقالات الكتاب وكثرتها احتاج روبرت دوران في جمعها إلى أكثر من خمسة أعوام. ومن باب الدقة العلمية والأمانة البحثية، وضع مسرداً بالمظان التي فيها عثر على المقالات كما كتب مقدمة تلت مقدمة بتلر استهلها بمقولة لهايدن وايت (من دون سرد الحقائق لا يمكن للحقائق أن تظهر)، مدللاً على الطريقة التي بها اهتم وايت بدراسة النظريات التاريخية بوجه عام والتخييل التاريخي بوجه خاص، فكان دراسته التاريخية عابرة حدود الدراسات الثقافية والأدبية. ومن أفكاره المهمة أن الشكل السردي ليس وعاءً محايداً أو طبيعياً في التعبير عن المعلومة التاريخية وأن التقانات السردية ليست مجرد أدوات جمالية بلا أدنى تأثير في الحقيقة التاريخية. وأن التاريخ وإن كان تصورياً تجريبياً أو شبه علمي في نقل وقائع الماضي فإنه في الواقع مشبع بأحكام القيمة.
من هنا اتبع وايت نهجاً تربولوجياً في تفحص سردية التاريخ بدءاً من مقالته المهمة «عبء التاريخ» 1966 ومروراً بتنظيراته لمفاهيم الحبكة والتمثيل والتخييل والمحاكاة والشعرية وغيرها. ويعد كتابه «ما وراء التاريخ: أوروبا في القرن التاسع عشر» الأكثر شهرة، ونال اهتماماً على نطاق واسع وتم تعريبه مؤخراً من قبل شريف يونس ونشره المركز القومي للترجمة بمصر 2022 بعنوان «ما بعد التاريخ: الخيال التاريخي في أوروبا في القرن التاسع عشر».
ولا مناص من تأكيد القول بأن أهمية كتاب «أخلاقيات السرد» متأتية من المقدمة النقدية المستفيضة التي كتبتها جوديث بتلر والمعنونة «الحداثة والمعرفة العملية». وتأتي إشادتها بالكتاب لا من باب المواطنة والانتماء وإنما من باب الاستيعاب الوافي لفكر هايدن وايت وإدراك معمق لأبعاد أطروحته التاريخية نظراً وتطبيقاً. واستهلت مقدمتها بتأكيد صعوبة تلخيص مساهمات هايدن وايت في العلوم الإنسانية والاجتماعية، قائلة: (رغم رحيل وايت، فإن كتاباته ما زال لها أثرها المهم وسماتها الخاصة وأسئلتها الوجودية المتعلقة بالتاريخ الحديث وفي مقدمتها السؤال: كيف يمكن لي أن أعيش؟ وما الطريق الصحيحة التي علي أن أتصرف بها؟) وأكدت أن من يعرف هايدن وايت يعلم أن هذه الأسئلة ليست بسيطة أو مباشرة، بل هي معقدة كونها تصب في باب التأمل الأخلاقي في التاريخ وبراغماتية نظرة وايت للحداثة ونقد الفلسفات العقلية وبشكل خاص نقد الفلسفة الكانطية بسؤاله الأثير: ما الذي ينبغي فعله إزاء السياسات الأخلاقية تجاه الاستبداد والعنف واليأس...؟.
وخصت بتلر كتاب وايت «الماضي العملي»، وتحديداً الفصل الأخير منه حول الخطاب التاريخي والنظرية الأدبية بالاهتمام، لما فيه من تأكيد لأهمية الخبرة التي يكتسبها المرء في إعادة طرح الأسئلة من قبيل: ما الذي يجب أن أفعله؟ وما الأفضل فيما يجب أن أفعله؟ وهدفه ليس الإجابة عن الأسئلة ولكن التفكير في الظروف التاريخية التي أنتجتها. وأكدت بتلر اقتراح وايت حول المعرفة العملية وأن فهمها يتم بالاستناد إلى الكتاب الثاني لكانط وهو «نقد العقل العملي»، وفيه اهتم كانط بنقد الأخلاق والضمير الإنساني وأن الحقائق مشروطة بالأسئلة التي يطرحها المرء، وأن أي معرفة للحقيقة مشروطة بفهم الواقع والهوية.
وذهبت بتلر إلى أن وايت أخذ كتاب كارل ماركس «برومير الثامن عشر» على محمل الجد لما يثيره فيه من أسئلة تدفع نحو التفكير بالأزمنة الماضية التي تتصاعد في شكل جديد داخل الواقع المعيش، مؤكداً أن الإحساس بالماضي إزاء السؤال: ماذا علي أن أفعل؟ ليس هو نفسه إحساس المؤرخ التاريخي الذي يعتمد النقد الأخلاقي بالمعنى الكانطي، وهو يختلف عن السؤال اللينيني: ما الذي ينبغي فعله؟ والاختلاف هو في اللحظة الذاتية التي لها صلة بوقتنا الحاضر التي تجعل الماضي آتياً إلى الحاضر.
وأيدت بتلر الرأي القائل بأن الحياة الأخلاقية تتطلب القدرة على وضع قصة مشتركة هي عبارة عن وجهة نظر لا بالمعنى الذي تذهب إليه نظريات التحليل النفسي وعلم الاجتماع ومنها نظرية فريديك جيمسون الذي ادعى أنه من دون قصة يمكن سردها لا وجود لحياة أخلاقية وآمن بفكرة أن التاريخ أفق مطلق للتحليل الأدبي والثقافي. وهو ما تراه بتلر تصوراً قاسياً لكنه ليس سيئاً تماماً وتعلل قلق جيمسون بما ورثه من لوكاش عن الحداثة الأدبية التي تخاطر بفصل الفن عن الأخلاق من خلال الطعن بالشروط السردية. ونقلت عن هايدن وايت رده على جيمسون - صديقه المقرب على حد وصفها - من خلال اقتراحه أن الحداثة الأدبية بأنواعها لا تعارض السرد ويمكن اعتبارها إعادة تشكيل للعلاقة بين الفن والأخلاق وليس تدميراً لها على وجه التحديد.
وبحسب وايت، فإن الأفكار الحداثية محددة بشكل مفرط - كما يقول ستيفت أرنست - من خلال هذا العدد الكبير من التمثيل التاريخي للحبكة. أما اسم «الواقعية التصويرية»، فاتخذه هايدن وايت مضاداً للواقعية التي تدافع ضد القول بتزوير التاريخ بكل أشكاله كالنفي والتحريف. وطبّق وايت أفكاره على مذكرات «كافكا»، وكيف يمكن للخيال أن يظل حياً في الوعي الجمعي فينقل من ثم الوقائع التي تزيفها التواريخ المرعبة.
وتساءلت بتلر، وهي بصدد هذه المذكرات كيف يمكن لنصوص مثل هذه أن تخبرنا عن التوجه الأخلاقي؟ وإلى أي مدى يمكنها أن تؤرخ لـ«الماضي العملي» فيفقد الفعل تسلسله ويصبح ما يسميه والتر بنجامين «إيماء»؟ وأجابت: (يبدو أن قصص كافكا تمضي قدماً مع الأحداث، وبحبكة بها ندرك أن التسلسل الحدثي والحركة السردية ليستا متماثلتين. ومع ذلك هناك إحساس بالزمانية يمتد إلى ما بعد الزمانية فتتغير إحداثيات العالم وتعاد صياغة الأسئلة الأخلاقية عن تغير المناخ مثلا أو الوباء أو الديون وغيرها. ولقد سجلت سرديات كافكا الأحداث بانفتاح على فضاءات جديدة، خرقت البنية التركيبة وأعطت إحساساً آخر بالزمان باستعمال المساحات الفارغة والانتقال من لحظة إلى أخرى). واختتمت مقدمتها بأن السجلات التاريخية هي شكل من أشكال التنظيم التي تسبب إرباكاً ثقافياً وأخلاقياً، مما يشير إلى وجود خسارة كتلك التي تظهر في مذكرات كافكا فتشتبك المعاناة مع الأمل لكن من دون انفراج.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

فرقة وطنية للفنون الأدائية في السعودية تبرز موروثها عالمياً

تعزيز حضور الفلكلور السعودي بأساليب إبداعية تمزج بين أصالة الموروث وروح المعاصرة (واس)
تعزيز حضور الفلكلور السعودي بأساليب إبداعية تمزج بين أصالة الموروث وروح المعاصرة (واس)
TT

فرقة وطنية للفنون الأدائية في السعودية تبرز موروثها عالمياً

تعزيز حضور الفلكلور السعودي بأساليب إبداعية تمزج بين أصالة الموروث وروح المعاصرة (واس)
تعزيز حضور الفلكلور السعودي بأساليب إبداعية تمزج بين أصالة الموروث وروح المعاصرة (واس)

تبدأ مرحلة جديدة للفنون الأدائية التقليدية في السعودية، ينتقل فيها الموروث الشعبي المتنوع إلى آفاق جديدة وبأسلوب يحاكي لغة الفن العالمي، مع الحفاظ على بصمته التاريخية العريقة.

وأعلنت هيئة المسرح والفنون الأدائية السعودية عن إطلاق «فرقة الفنون الأدائية التقليدية»، في خطوة استراتيجية تهدف إلى تطوير القطاع، وتعزيز حضور الفلكلور السعودي بأساليب إبداعية تمزج بين أصالة الموروث وروح المعاصرة.

وفتحت الهيئة باب التسجيل لاستقطاب الكوادر الوطنية وتكوين فرقة احترافية تكون واجهة ثقافية للسعودية في المحافل المحلية والدولية، حيث تسعى من خلال هذه المبادرة إلى تمكين نحو 60 مؤدياً ومؤدية من مختلف مناطق المملكة، عبر توفير بيئة عمل فنية متكاملة تضمن صقل مهاراتهم ورفع جودة الإنتاج الفني.

وأكدت «هيئة المسرح» أن الانضمام للفرقة يمثل «خطوة مهنية متقدمة» للممارسين، حيث تتيح لهم فرصة التدريب المكثف والمشاركة في الفعاليات الكبرى، بما يسهم في إبراز الهوية الثقافية السعودية وتنوعها الثري.

خريطة تجارب الأداء

دعت الهيئة المهتمين والممارسين إلى المبادرة بالتسجيل والمشاركة عبر موقع إلكتروني، طوال مرحلة التسجيل التي انطلقت خلال الفترة من 19 أبريل (نيسان) حتى 23 مايو (أيار) 2026. وتشمل تجارب الأداء الرجال والسيدات؛ بهدف استقطاب المواهب، واختيار العناصر المؤهلة للانضمام إلى الفرقة.

وحددت الهيئة جدولاً زمنياً لاستقبال المواهب، بعد الانتهاء من مرحلة التسجيل، حيث من المقرر أن تجوب لجنة التحكيم 5 مناطق رئيسية لإجراء تجارب الأداء، وهي الرياض، جدة، الدمام، أبها، تبوك. وتستهدف هذه الجولات استكشاف التنوع الأدائي في مختلف مناطق المملكة، وضمان تمثيل كل ألوان الفنون الشعبية السعودية برؤية فنية موحدة.

معايير المهنية والالتزام

وضعت الهيئة شروطاً دقيقة لضمان احترافية الفرقة، حيث اشترطت أن يكون المتقدم سعودي الجنسية، ويتراوح عمره بين 18 و35 عاماً، مع امتلاك خبرة مسبقة ولياقة بدنية تتناسب مع طبيعة الأداء الحركي.

وشددت الهيئة على ضرورة التزام الأعضاء بالتدريبات المقامة في المقر الرئيسي للفرقة بمدينة الرياض، والحصول على رخصة «منصة أبدع» سارية المفعول في مجال الفنون الأدائية. ويستهدف بناء فرقة متخصصة، تُقدِّم أداءً احترافياً يعكس ثراء الفنون السعودية بأسلوب يواكب المسارح العالمية.

ويأتي هذا المشروع بوصفه جزءاً من حراك ثقافي واسع تقوده وزارة الثقافة السعودية، لتحويل الفنون التقليدية من إطارها المحلي الضيق إلى فضاءات عالمية، مع التركيز على بناء استدامة مهنية للمؤدي السعودي، وتوثيق الفنون الأدائية وحمايتها من الاندثار عبر ممارستها في قوالب فنية متجددة تجذب الأجيال الصاعدة والجمهور الدولي على حد سواء.

وشهدت الفنون الأدائية في السعودية نقلة نوعية من خلال الاهتمام الذي حظيت به وإعادة الاعتبار لكثير من تفاصيل الموروث خلال السنوات الأخيرة. وفي السياق نفسه أطلق المعهد الملكي للفنون التقليدية، برنامج الدبلوم المتوسط في تصميم الأداء الحركي، وذلك ضمن برامجه الأكاديمية المتخصصة الهادفة إلى تعليم وتطوير الفنون الأدائية السعودية.

ويضم البرنامج مسارات تدريبية تصب في تطوير كوادر وطنية متمكنة من تمثّل أشكال وصور التراث السعودي بأساليب معاصرة، بما يحقق حضوراً لافتاً للفنون الأدائية السعودية في المشهد الثقافي المحلي والعالمي.

وعلى صعيد المشاريع النوعية التي ستشهدها السعودية لدعم قطاع الفنون الأدائية التقليدية، أعلنت شركة «القدية للاستثمار»، في يونيو (حزيران) 2014، عن إطلاق مركز الفنون الأدائية أول معلم ثقافي في مدينة القدية، للإسهام في إثراء المشهد الثقافي في السعودية، بتصميم معماري فريد وتكنولوجيا رائدة ونهج فني مبتكر في تقديم عروضه.

ويهدف مركز الفنون الأدائية إلى إعادة تعريف التجربة الثقافية للمقيمين بالقدية وزوارها على حد سواء، حيث يتوقع أن يستقبل المركز أكثر من 800 ألف زيارة سنوياً.

وسيتخصص المركز المرتقب في تقديم التجارب الرائدة وتمكين المواهب السعودية، من خلال استخدام تقنيات متطورة، مع استضافة إنتاجات جديدة مبتكرة تتخطى حدود المسرح التقليدي، معززاً مكانته بوصفه نموذجاً رائداً في عرض التجارب الأدائية الفريدة والاستثنائية؛ بهدف تنمية شعور الفخر بالثقافة والتراث السعودي.


يمدحك ليستغلك ويهددك ويسرق إنجازاتك... هل تعمل مع مدير «ميكيافيلي»؟

تتسم الشخصية الميكيافيلية بخدمة الذات والانتهازية والطموح (بكسلز)
تتسم الشخصية الميكيافيلية بخدمة الذات والانتهازية والطموح (بكسلز)
TT

يمدحك ليستغلك ويهددك ويسرق إنجازاتك... هل تعمل مع مدير «ميكيافيلي»؟

تتسم الشخصية الميكيافيلية بخدمة الذات والانتهازية والطموح (بكسلز)
تتسم الشخصية الميكيافيلية بخدمة الذات والانتهازية والطموح (بكسلز)

إذا كنت تعمل تحت ضغط دائم، أو تشعر بأن مديرك يراقبك باستمرار، أو ينسب إنجازاتك لنفسه، فقد لا يكون الأمر مجرد أسلوب إداري سيئ، بل قد يرتبط بما يُعرف بـ«الشخصية الميكيافيلية».

ويشير خبراء علم النفس إلى أن الشخصية «الميكيافيلية»، تتسم بالتلاعب والانتهازية والسعي إلى السلطة على حساب الآخرين، ما قد تجعل بيئة العمل أكثر توتراً واستنزافاً للصحة النفسية.

ويستعرض تقرير نشره موقع «ذا كونفرسايشن»، أبرز صفات المدير الميكيافيلي، وكيفية اكتشافه، ولماذا يُعد التعامل معه تحدياً نفسياً ومهنياً، وما أفضل الطرق لحماية نفسك في مكان العمل.

ما علامات الشخصية الميكيافيلية؟

«الميكيافيلية»، هي سمة شخصية مظلمة سُمّيت نسبة إلى المفكر السياسي الإيطالي في القرن السادس عشر نيكولو ميكيافيلي، الذي كتب أول دليل عملي للحكام.

تتسم الشخصية الميكيافيلية بخدمة الذات، والانتهازية، والطموح، وهي صفات قد تساعد أصحابها على الوصول إلى مواقع السلطة والمكانة.

ورغم أن تقديرات انتشار الميكيافيلية غير دقيقة، فإن الخبراء لديهم أسباب وجيهة للاعتقاد بأنها شائعة في بيئات العمل على الأقل بقدر الاعتلال النفسي، الذي يصيب نحو 1 في المائة من العالم، لكنه يوجد لدى نحو 3.5 في المائة من المديرين أو الإداريين.

والعمل تحت إدارة مدير ميكيافيلي قد يكون مثيراً للغضب، ومسبباً للتوتر، وضاراً بالصحة النفسية. ومن خلال فهم ما يدفع هذه الشخصية، وكيف تختلف عن غيرها من «السمات المظلمة»، يمكن الحد من آثارها السلبية.

أصول الميكيافيلية

كان نيكولو ميكيافيلي (1469 - 1527) دبلوماسياً في فلورنسا خلال فترة صراع على السلطة شاركت فيها عائلة ميديشي النافذة. وعندما عادت العائلة لحكم المدينة عام 1512 بعد نحو عقدين من المنفى، سُجن لفترة وجيزة ثم نُفي. بعدها كتب كتابه الشهير «الأمير» (The Prince) كأنه طلب وظيفة.

ويُنظر إلى الكتاب، الذي لم يُنشر رسمياً حتى عام 1532، بوصفه أول عمل في الفلسفة السياسية الحديثة. وقد نصح الحكام بأن يكونوا عمليين وماكرين واستراتيجيين.

ومن عباراته الشهيرة: «الأسد لا يستطيع حماية نفسه من الفخاخ، والثعلب لا يستطيع الدفاع عن نفسه من الذئاب، لذلك يجب أن يكون المرء ثعلباً ليتعرف إلى الفخاخ، وأسداً ليخيف الذئاب».

وفي عام 1970، نشر عالما النفس الأميركيان ريتشارد كريستي وفلورنس غايس كتاب «دراسات في الميكيافيلية»، مستخدمين المصطلح لوصف سمة شخصية تتصف بالمصلحة الذاتية، والتلاعب، والانتهازية، والخداع.

ضمن «الثالوث المظلم»

تُعد الميكيافيلية اليوم واحدة من ثلاثة أنماط شخصية معادية للمجتمع تُعرف باسم «الثالوث المظلم»، إلى جانب النرجسية والاعتلال النفسي.

لكن رغم جمع هذه السمات تحت تصنيف واحد، فإن بينها فروقاً مهمة:

-فالنرجسية تتسم بالتمركز حول الذات والحاجة إلى الشعور بالتفوق على الآخرين.

-أما الاعتلال النفسي فيتميز بغياب التعاطف أو الضمير.

-في المقابل، لا تُصنف الميكيافيلية اضطراباً رسمياً في الشخصية.

وقد تبدو الشخصية الميكيافيلية جذابة مثل النرجسية، لكنها مدفوعة بالمصلحة الذاتية لا بتضخيم الذات، وتميل إلى الحسابات الدقيقة أكثر من الاندفاع الذي يميز المعتل نفسياً.

كيف يتم قياسها؟

وضع كريستي وغايس اختباراً من 20 سؤالاً مستنداً إلى أفكار ميكيافيلي لقياس السمات الميكيافيلية، ويُعرف باسم «MACH-IV»، ولا يزال مستخدماً حتى اليوم.

وتُظهر البيانات أن الرجال يسجلون درجات أعلى من النساء في المتوسط، كما أنهم أكثر احتمالاً للحصول على أعلى نتيجة ممكنة.

وتُعد الدرجة 60 من أصل 100 أو أكثر مؤشراً على «ميكيافيلية مرتفعة»، وأقل من ذلك «ميكيافيلية منخفضة».

صاحب الدرجة المرتفعة غالباً ما يكون شديد التلاعب، بطرق قد لا تُلاحظ في حينها، بينما يكون صاحب الدرجة المنخفضة أكثر تعاطفاً وأقل ميلاً لاستغلال الآخرين.

لكن التمييز بينهما في الواقع ليس سهلاً. فكما كتب ميكيافيلي في «الأمير»: «الجميع يرون ما تبدو عليه، والقليل فقط يختبرون حقيقتك».

كيف تتعامل مع مدير ميكيافيلي؟

قد يسعى المدير الميكيافيلي إلى التلاعب بك عبر المديح أو الترهيب، فيَعِد بالمكافأة أو يهدد بالعقاب. كما أنه أقل ميلاً للثقة، ما يدفعه إلى الإدارة الدقيقة المفرطة والانتقاد المستمر.

وغالباً لا تكون مشاعرك موضع اهتمام لديه، ما قد يتركك غاضباً، ومستنزفاً عاطفياً، وممتلئاً بالتشاؤم.

أولاً: افهم ما يحركه

الدافع الأساسي للشخصية الميكيافيلية هو المصلحة الذاتية. لذلك لا تحكم على نياتها من خلال اللطف الظاهري أو الجاذبية الشخصية.

قد يبدو المدير متعاوناً وودوداً لأنه يرى أن ذلك يخدم مصالحه. لكن إذا سبق أن أظهر سلوكه المظلم تجاهك، فمن المرجح أن يكرر ذلك عندما تسمح الظروف.

ثانياً: تعامل بحذر دون أن تصبح مثله

لا يمكن الوثوق بالشخص الميكيافيلي بسهولة، لكن التعامل معه بعقلية الشك الدائم أو الضربة الاستباقية قد يكون مرهقاً نفسياً، وقد يجعلك أكثر تشاؤماً وعدم ثقة بالجميع.

ثالثاً: ابحث عن التضامن

كان ميكيافيلي يؤيد مبدأ «فرّق تسد»، لكن الأفضل أن تتبنى العكس تماماً.

هذا وقت بناء شبكة دعم داخل العمل. إن معرفة أنك لست وحدك يمكن أن تشكل دعماً نفسياً مهماً.


صورة للوجه تحدد مدى استجابة الأشخاص للعلاج من السرطان

معدل شيخوخة الوجه يمكن أن يكون مؤشراً حيوياً غير جراحي لتوقع مدى استجابة الأشخاص لعلاج السرطان (بكسباي)
معدل شيخوخة الوجه يمكن أن يكون مؤشراً حيوياً غير جراحي لتوقع مدى استجابة الأشخاص لعلاج السرطان (بكسباي)
TT

صورة للوجه تحدد مدى استجابة الأشخاص للعلاج من السرطان

معدل شيخوخة الوجه يمكن أن يكون مؤشراً حيوياً غير جراحي لتوقع مدى استجابة الأشخاص لعلاج السرطان (بكسباي)
معدل شيخوخة الوجه يمكن أن يكون مؤشراً حيوياً غير جراحي لتوقع مدى استجابة الأشخاص لعلاج السرطان (بكسباي)

أظهرت دراسة جديدة، أجراها فريق من الباحثين في مستشفى ماساتشوستس العام في بريغهام بالولايات المتحدة، أن معدل شيخوخة الوجه، الذي يستخدم الصور لقياس التغيرات في العمر البيولوجي بمرور الوقت، يمكن أن يكون مؤشراً حيوياً غير جراحي لتوقّع مدى استجابة الأشخاص لعلاج السرطان.

ويستخدم الباحثون، الذين نشروا نتائج دراستهم في دورية «نيتشر كومينيكيشينز»، أداة مطوَّرة يُطلق عليها «فيس إيج» (FaceAge)، وهي أداة ذكاء اصطناعي قادرة على تقدير العمر البيولوجي للشخص من صورة واحدة.

وأفادت نتائجهم بأن تقدير العمر البيولوجي من صور متعددة ملتقطة على مدار فترة زمنية يمكن أن يوفر معلومات أدق حول مدى استجابة المريض.

حلَّلت الدراسة الجديدة صورتين لكل مريض من بين 2279 مريضاً بالسرطان، التقطتا في أوقات مختلفة خلال فترة العلاج. ووجد الباحثون أن ارتفاع معدل شيخوخة الوجه (FAR) يرتبط ارتباطاً وثيقاً بانخفاض احتمالية النجاة.

قال الدكتور ريموند ماك، طبيب الأورام الإشعاعي في معهد ماساتشوستس العام بريغهام للسرطان والمؤلف المشارك الرئيسي للدراسة، إن «استخلاص معدل شيخوخة الوجه من صور الوجه الروتينية المتعددة يتيح تتبُّع صحة الفرد بشكل شبه فوري».

وأضاف، في بيان، الثلاثاء: «تشير دراستنا إلى أن قياس (فيس إيج) بمرور الوقت قد يُحسِّن تخطيط العلاج الشخصي، ويُعزّز تقديم المشورة للمرضى، ويُساعد في تحديد وتيرة وكثافة المتابعة في مجال الأورام».

و«فيس إيج» هي أداة ذكاء اصطناعي تستخدم تقنيات التعلم العميق لتحديد العمر البيولوجي من صورة وجه الشخص. وفي دراسة نُشرت عام 2025، وجد الباحثون أن مرضى السرطان يُرجَّح أن يظهروا أكبر من عمرهم الزمني بنحو 5 سنوات وفقاً لهذا المقياس، وأن التقديرات الأكبر سناً ترتبط بنتائج بقاء أسوأ بعد علاج السرطان.

في الدراسة الجديدة، سعى الباحثون إلى معرفة المعلومات التي يمكن أن يوفرها برنامج «فيس إيج» عند تطبيقه على صور متعددة للشخص نفسه، التقطت على فترات زمنية مختلفة. وفحصوا صوراً لوجوه مجموعة من المرضى المصابين بأنواع مختلفة من السرطان، الذين تلقوا دورتين على الأقل من العلاج الإشعاعي في مستشفى بريغهام والنساء بين عامي 2012 و2023.

وأشارت نتائج متوسط معدل شيخوخة الوجه إلى أن وجوه المرضى تجاوزت شيخوختهم الزمنية بنسبة 40 في المائة. وارتبط ارتفاع هذا المعدل، أو ما يُعرف بـ«تسارع الشيخوخة» بانخفاض معدل البقاء على قيد الحياة.

وكان المؤشر أكثر قدرة على التنبؤ بنتائج البقاء على قيد الحياة بثبات على مدى فترات زمنية أطول مقارنة بالتقنيات والوسائل الأخرى المتاحة حالياً؛ حيث أظهرت النتائج أن المرضى الذين كان تقدير «فيس إيج» لديهم أكبر من عمرهم الزمني بعشر سنوات أو أكثر، كانت معدلات بقائهم على قيد الحياة أسوأ بشكل ملحوظ، بينما كانت النتائج أفضل لدى المرضى الذين كان تقدير «فيس إيج» لديهم أكبر من عمرهم الزمني بخمس سنوات أو أقل.

يقول الدكتور هوغو آيرتس، مدير برنامج الذكاء الاصطناعي في الطب في مستشفى ماساتشوستس العام بريغهام، والمشارك في تأليف الدراسة: «يوفّر تتبّع المؤشر الجديد بمرور الوقت من خلال صور بسيطة مؤشراً حيوياً غير جراحي وفعالاً من حيث التكلفة، ولديه القدرة على إطلاع الأفراد على حالتهم الصحية».