الحلقة الأولى: روسيا تستدير شرقاً صوب «التنين الصيني» وتخاطر بأن يقضمها يوماً

لوكاس أوبان يستعرض في كتابه «جيوبوليتيك روسيا» هدف موسكو من الحرب في أوكرانيا

نازحون أوكرانيون يمرون تحت جسر مدمر أثناء فرارهم من القصف الروسي على مدينة أربين شمال غربي كييف (أ.ف.ب)
نازحون أوكرانيون يمرون تحت جسر مدمر أثناء فرارهم من القصف الروسي على مدينة أربين شمال غربي كييف (أ.ف.ب)
TT

الحلقة الأولى: روسيا تستدير شرقاً صوب «التنين الصيني» وتخاطر بأن يقضمها يوماً

نازحون أوكرانيون يمرون تحت جسر مدمر أثناء فرارهم من القصف الروسي على مدينة أربين شمال غربي كييف (أ.ف.ب)
نازحون أوكرانيون يمرون تحت جسر مدمر أثناء فرارهم من القصف الروسي على مدينة أربين شمال غربي كييف (أ.ف.ب)

في كتابه «جيوبوليتيك روسيا» الصادر حديثاً عن دار «لا ديكوفيرت»، يرى لوكاس أوبان، المتخصص في دراسات العالم السلافي، ومدير الأبحاث في معهد الدراسات الدولية والاستراتيجية في باريس، أن الحرب الروسية على أوكرانيا، التي بدأت قبل عشرة أشهر، ليست سوى «نتيجة للاستراتيجية الروسية التي وضعت في عام 2000 والتي هدفها إعادة روسيا إلى واجهة المسرح الدولي، وضمان سيطرتها على المنطقة العازلة (عن الحلف الأطلسي) وما كان سابقاً أراضٍ سوفياتية».
وطريق القيادة الروسية إلى ذلك يتمثل بـ«جدلية القوة» المسماة باللغة الروسية «درجافنوست»، التي أطلقها بطرس الأكبر وسار على هديها ستالين وتبناها بوتين.
والأكثر من ذلك أن هذه الجدلية «تحولت بعد سقوط الاتحاد السوفياتي إلى وسيلة لتثبيت شرعية السلطة. لذا، فإن كافة السياسات التي اتبعت منذ ثلاثين عاماً سلكت هذا النهج الذي تفرضه بالدرجة الأولى، وفق المؤلف، جغرافيا روسيا. إذ إن موسكو تجد نفسها اليوم محاصرة: فمن الغرب والجنوب هناك الحلف الأطلسي الذي أخذ يضم الأكثرية الساحقة من الدول التي كانت تنتمي سابقاً إلى حلف وارسو، بينما تتأهب فنلندا والسويد للالتحاق بهذا النادي الذي يشكل أكبر تحالف عسكري في التاريخ. ومن الشرق، هناك الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، والطامح للتفوق على الولايات المتحدة الأميركية. ومن الشمال، هناك القطب الشمالي ومياهه المتجمدة، فيما كانت روسيا تبحث دوماً، منذ زمن القياصرة، عن الوصول إلى (المياه الدافئة)».
فما هي العلاقة العضوية التي تربط السياسة بالجغرافيا الروسية؟
تشكل مساحة روسيا ثمن أراضي الكرة الأرضية، وما يساوي ضعفي مساحة الولايات المتحدة، و25 مرة مساحة فرنسا. والفرق الزمني بين أبعد نقطتين من الأراضي الروسية هو 13 ساعة، فيما المسافة بينهما تصل إلى 10 آلاف كلم. وتمتد الحدود الروسية - الـصينية على طول أربعة آلاف كلم، فيما 76 في المائة من أراضي روسيا تقع في القارة الآسيوية مقابل 24 في المائة منها في أوروبا. وبالنظر لاتساعها الهائل، فإن الكثافة السكانية ضعيفة للغاية (8.5 أشخاص في الكيلومتر المربع). وبلغ عديد سكانها بداية العام المنتهي 145.47 مليون نسمة.
ويكرس الكاتب فصلاً كاملاً لشرح تكوين روسيا عبر المراحل التاريخية التي عنوانها التوسع في كافة الاتجاهات، بدءاً من القرن التاسع وحتى الإمبراطور بطرس الأكبر الذي سعى لجعل بلاده دولة أوروبية. ومن طرائفه أنه فرض «ضريبة اللحية» التي اعتبرها شرقية، ويتعين التخلص منها، كما جعل الفرنسية لغة الدبلوماسية الروسية. وبعده توسعت روسيا في ظل الإمبراطورة كاترين الثانية، التي ضمت شبه جزيرة القرم في عام 1783 بعد انتزاعها من الأتراك، ومدت حدود بلادها إلى ضفاف البحر الأسود، وغزت بولندا وأوكرانيا ودول البلطيق وفنلندا التي بقيت روسية حتى الحرب العالمية الأولى.
وعند موت ستالين في عام 1953، بلغت مساحة الاتحاد السوفياتي 22.5 مليون كلم مربع، لتكون ثالث أكبر إمبراطورية في التاريخ بعد إمبراطورية المغول والإمبراطورية البريطانية. بيد أن هذه المساحة الشاسعة انكمشت بشكل دراماتيكي إلى 17 مليون كلم مربع عقب انهيار الاتحاد السوفياتي، ما يعني عملياً أن سبعة عقود من التوسع الروسي انهارت بشطحة قلم. ولم يفتأ بوتين يكرر أن انهيار الاتحاد كان «أكبر كارثة استراتيجية» في القرن العشرين.
يقول الكاتب: «منذ وصوله إلى السلطة في عام 2000، جعل فلاديمير بوتين من اللجوء إلى القوة مبدأً رئيسياً للدفاع عن مصالح بلاده في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق»، ومنها بالطبع أوكرانيا. وفي عام 2014، استعاد 27 ألف كلم مربع هي مساحة شبه جزيرة القرم، بعد أن كان قد تدخل في الشيشان وفي جيورجيا.
وإذا كان الروس يشكلون السواد الأعظم من سكان روسيا (80 في المائة)، إلا أن روسيا تحتضن 160 مجموعة أتنو - لغوية مختلفة. ورغم انفلاشها وما يحتضنه باطن الأرض من ثروات (بترول، غاز، معادن ثمينة، يورانيوم، معادن نادرة...)، فإنها تعد بلداً ضعيفاً اقتصادياً، رغم أن عائداتها، خصوصاً من صادرات النفط والغاز والأسلحة والمعادن، توفر للسلطات الموارد المادية التي تمكنها من التحرك. ويقول الكاتب إنه بالنظر إلى التركيبة الاقتصادية - الاجتماعية، فإن بوتين «يتولى مسؤولية بلاد شاسعة تشبه بالأحرى محيطاً يغلب عليه الفقر، وتبز فيه بعض الجزر التي تعرف البحبوحة»، وهي في الحقيقة المدن الكبرى ومكامن الثروة والقوة الروسية الواقعة في غالبيتها في القسم الأوروبي من البلاد. وأبرز مثال على ذلك موسكو، التي تحتضن 8 في المائة من السكان، وتتمتع بـ20 في المائة من الناتج المحلي الخام. وكما أصبح معلوماً، يعد الاقتصاد الروسي «ريعياً»، إذ يعتمد على عائدات مبيعات النفط والغاز والمعادن المختلفة، حيث إن روسيا هي المنتج الأول للنفط (10.5 مليون برميل/يوم)، والثاني للغاز. أما المعادن فهي كثيرة، كالذهب والألماس والزنك والألومينيوم والنيكل.
- الاستدارة شرقاً
في «مبادئ سياسة روسيا الخارجية للعام 2016»، التي صادق عليها بوتين، تأكيد متكرر لوجود «تغيرات عميقة في النظام الدولي عنوانها قيام مراكز تأثير سياسية واقتصادية جديدة، أبرزها تلك القائمة في منطقة آسيا - المحيط الهادئ، حيث تتراجع قدرة الغرب التاريخية على الهيمنة السياسية والاقتصادية العالمية، وبالتوازي يبرز تنوع الثقافات والحضارات وتعدد نماذج التنمية». وترجمة ذلك بالنسبة لبوتين هي التحالف مع الصين التي لبى دعوة رئيسها شي جينبينغ لحضور افتتاح الألعاب الأولمبية في بكين في 4 فبراير (شباط)، أي قبل عشرين يوماً من إطلاقه «العملية العسكرية الخاصة» في أوكرانيا. وحضور بوتين تناقضَ مع غياب القادة الغربيين. وعلى هامش الألعاب، وقع بوتين ونظيره الصيني 15 وثيقة، أبرزها تلك التي تؤكد ضرورة قيام عالم متعدد الأقطاب، والمطالبة رسمياً بضمانات قانونية لعدم توسع الحلف الأطلسي. واقتصادياً، وقع الطرفان على اتفاقية قيمتها 400 مليار يورو لثلاثين عاماً، تقوم روسيا بموجبها بتصدير 48 مليار متر مكعب من الغاز، بحيث تكون الطرف الأول المصدر للغاز إلى التنين الصيني.
بيد أن البعد الاستراتيجي يتفوق على البعد الاقتصادي؛ إذ إن الحليفين يسعيان لنقل مركز الثقل الاقتصادي والسياسي والعسكري نحو الشرق.
وبحسب بوتين، فإن موسكو «تريد الاستفادة من نفخ الرياح الصينية في الأشرعة الروسية». لكن المؤلف يرى أن بكين، التي تخطط للتحول إلى القوة العالمية الأولى بعد عشرين عاماً «تستخدم روسيا مطية لتحقيق مصالحها»، حيث إن التحالف بين الطرفين «غير متكافئ»، نظراً لميزان القوى بينهما. ورغم تضارب الأهداف البعيدة، فإن للطرفين حالياً مصلحة في التحالف. ولذا، فقد عمدا سابقاً (في عام 2004) إلى «تنقية» علاقاتهما من الشوائب، خصوصاً على صعيد حل الخلافات الحدودية بينهما. ويبلغ طول خط الحدود بين الطرفين 4250 كلم. ومنذ تلك اللحظة، أخذ بوتين يسمي الصين «حليفاً استراتيجياً». والطرفان عضوان في «منظمة شانغهاي للتعاون» التي تضم أربع قوى نووية هي الصين وروسيا والهند وباكستان، وتمثل نصف سكان العالم، بينما يضم الحلف الأطلسي ثلاث قوى نووية (الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا). يضاف إلى ذلك أن كلا البلدين يبديان اهتماماً خاصاً بمجموعة «البريكس» التي تضم إليهما الهند وجنوب أفريقيا والبرازيل، والتي يريدان تحويلها إلى حصن بمواجهة التحالف الغربي ومجموعة السبع للدول الأكثر تصنيعاً التي أخرجت منها روسيا في عام 2014 عقاباً لها على اجتزاء شبه جزيرة القرم من أوكرانيا وضمها إلى الأراضي الروسية.
ويعمل الجانبان على تعزيز تعاونهما في المنظمات الدولية، خصوصاً في مجلس الأمن، حيث استخدما معاً حق النقض 14 مرة ما بين العام 2007 و2022. وقد وصلت علاقاتهما الاقتصادية إلى قمم غير مسبوقة، إذ تضاعفت 13 مرة، فتحولت الصين إلى شريك روسيا الاقتصادي الأول (15 في المائة من تجارتها الخارجية).
ودفعت الخلافات الروسية – الغربية، بشأن سوريا وأوكرانيا وسجل حقوق الإنسان وتوابعه، موسكو إلى الارتماء في أحضان الصين والعمل أكثر فأكثر لبناء نظام عالمي جديد. وما بين عامي 2008 و2019، تعززت العلاقات التجارية بين الطرفين، فارتفعت مبادلاتهما من 56 إلى 111 مليار دولار في العام، فيما يهدف بوتين إلى بلوغها 200 مليار في العام 2025.
وكما في الاقتصاد والسياسة، فإن علاقات الطرفين العسكرية تعززت بشكل مضطرد بدءاً من عام 2000، وتكثفت مبيعات الأسلحة الروسية للصين، وتكاثرت المناورات العسكرية الواسعة بين جيشيهما، ولم تعد روسيا تتردد في نقل التكنولوجيا العسكرية الحساسة لشريكها الصيني. ولعل أبرز دليل على التقارب بين الجانبين أن الرئيس شي جينبينغ زار موسكو ثماني مرات منذ العام 2013.
ولا يقتصر التعاون الروسي - الصيني على الأرض، بل يمتد أيضاً إلى الفضاء. ففي السنوات الخوالي، كان السباق القائم بين روسيا والولايات المتحدة مريراً. لكن الوضع تغير اليوم، ولم تعد روسيا قادرة على مواصلة التنافس الفضائي مع الولايات المتحدة الأميركية. واستشهد المؤلف بكلام لـديميتري روغوزين، المدير العام لـ«روس كوزموس» المسؤولة عن الأنشطة الفضائية، الذي قال العام الماضي ما حرفيته: «لم يعد هناك سباق في الفضاء (مع الولايات المتحدة). إذا أردتم تواصل السباق مع «ناسا» الأميركية، فعليكم أن توفروا لنا ما يعادل أموال «ناسا». نستطيع المنافسة حتى لو كانت ميزانية الطرف ضعف أو ثلاثة أو أربعة أضعاف ميزانيتنا. لكن لا نستطيع التنافس مع ميزانية تفوق ميزانيتنا بـ13 ضعفاً». ويسرد المؤلف أرقاماً تبين تأخر روسيا التي خصصت 2.5 مليار يورو للفضاء في عام 2019. إلا أنها بذلك تحل في المرتبة الخامسة بعد ألمانيا (3.8 مليار) والاتحاد الأوروبي (5.7 مليار) والصين (9.8 مليار) والولايات المتحدة المتربعة على المرتبة الأولى (19.8 مليار). لذا، كانت الاستدارة الروسية باتجاه الصين، التي وقعت معها اتفاقاً العام الماضي يقضي بإنشاء محطة روسية - صينية - دولية مأهولة في القطب الجنوبي للقمر بحلول العام 2030، ستكون ثمرة التعاون بين شركة «روس كوزموس» والإدارة الفضائية الصينية. وليس سراً أن للصين طموحات فضائية واسعة وبرنامجاً متعدد الأهداف، من هنا، فإن موسكو وبكين تجدان في تعاونهما، وفق المؤلف، وسيلة لمواجهة التقدم الفضائي الأميركي، لا بل تخطيه في الأعوام المقبلة.
- التنين الصيني والدب الروسي من يأكل الآخر؟
يرى المؤلف أن استدارة بوتين نحو شي جينبينغ هي «تحالف الضرورة». ورغم أنهما شريكان فإن المحور الجديد يبدو «مختل التوازن» لصالح بكين، الأمر الذي يطرح مجموعة من التساؤلات حول مستقبله.
فعلى المستوى الاقتصادي، أصبحت الصين في العام 2021 ثاني أغنى دولة في العالم بعد الولايات المتحدة، إذ بلغ ناتجها المحلي الخام 16493 مليار دولار، بينما احتلت روسيا المرتبة الـ11 مع 1584 مليار دولار، ما يبين أن حجم الاقتصاد الصيني يزيد عشرة أضعاف عن مثيله الروسي. وفيما تعاني روسيا من أزمات متلاحقة، بعيداً عن تبعات الحرب التي أطلقتها ضد أوكرانيا في فبراير (شباط) من العام المنتهي، والتي فاقمت أوضاعها الداخلية وأعباءها المالية وعزلتها الاقتصادية والسياسية، فإن الصين تبدو وكأنها على كوكب آخر. ويرى المؤلف أن التحالف بين الطرفين «سيدوم طالما أن مصالحهما الاقتصادية والسياسية تفرض دوامه. بيد أن طموح بوتين هو أن يعود إلى واجهة المسرح الدولي، وأن يفرض نفسه نداً للولايات المتحدة، بينما يرى شي جينبينغ في روسيا شريكاً من بين مجموعة شركاء، يمكن الارتكاز إليه (إلى جانب آخرين) حتى تتحول الصين إلى أكبر قوة عالمية بحلول العام 2049». ويضيف الكاتب أن مصالح الطرفين كانت متقاربة حتى بداية العام 2022. بيد أن إرادة بوتين في التوسع مستنداً إلى القوة العسكرية (كما الحال في أوكرانيا وقبلها في جيورجيا) تدفع الصين إلى الحذر رغم أن للطرفين مآخذ مشتركة على واشنطن. فموسكو تتخوف من تمدد الحلف الأطلسي إلى حدودها، وبكين تنظر بقلق كبير إلى النظرية العسكرية الأميركية التي ترى في الصين منافساً يتعين احتواؤه، وهي عازمة على منعها من وضع اليد على تايوان التي تريد بكين إعادتها إلى البيت الصيني، حتى وإن اضطرت إلى استخدام القوة. ويشير الكاتب إلى أن الصين نددت بالحرب الروسية على أوكرانيا، لكنها امتنعت عن فرض عقوبات عليها، وهي بالتالي تلزم موقفاً دقيقاً، حيث لا ترغب مطلقاً في الانقطاع عن القوى الغربية وعلى رأسها أميركا، وما فتئت تؤكد رفضها المساس بالحدود القائمة وتدعو إلى حل المشكلات من خلال الوسائل الدبلوماسية. وذهب الرئيس الصيني إلى حد اقتراح «وساطة» في النزاع، بينما يسعى الغربيون لدفعه إلى ممارسة ضغوط على بوتين لوقف حربه الأوكرانية.
حقيقة الأمر أن التحالف الروسي - الصيني، رغم أهميته للطرفين، ولروسيا بالدرجة الأولى، ليس بالنقاء الذي يريدانه أو يحرصان على إبرازه. فروسيا، وفق المؤلف، تتخوف من تمدد النفوذ الصيني في دول آسيا الوسطى التي كانت سابقاً معقودة اللواء لموسكو إلا أنها أخذت تتحرر من الهيمنة الروسية، فيما بكين تنمي حضورها في هذه المنطقة. ولعل أبرز دليل على ذلك أن ثلاثاً من «الطرق الاستراتيجية الأرضية» التي أطلقتها الصين في سياق مشروعها الضخم «طرق الحرير»، تمر في دول آسيا الوسطى، مع ما يستتبعها من استثمارات وتوثيق للعلاقات وتعزيز حضورها المتنوع. ويقول الكاتب إن «فقدان روسيا لقدرتها على التأثير في بلدان آسيا الوسطى حقيقي». ولا تتوقف المخاوف الروسية عند هذا لحد، إذ إن موسكو تبدو «حذرة» إزاء تنامي الحضور الصيني في منطقة أقصى الشرق الروسي، إذ ثمة اختلال ديموغرافي فاضح. وتبين الأرقام التي يوردها الكاتب أن 4.3 مليون روسي يعيشون في المنطقة الروسية المحاذية للصين، مقابل 109 ملايين صيني في الجانب الآخر من الحدود. ومن جهة، هناك بنى تحتية حديثة وحضور ديموغرافي كثيف، ومن الجهة الثانية فقر وانعدام للبنى التحتية، وخصوصاً الفراغ الذي أخذت الجالية الصينية المتنامية بملئه. ويؤكد الكاتب أن مدناً رئيسية روسية، مثل فلاديفوستوك وخاباروفسك، تجتاحها الشركات الصينية التي فتحت لها روسيا الأبواب كبادرة لتعزيز العلاقات بين الطرفين، ولكنها اليوم أخذت تثير التساؤلات، وأحياناً المخاوف، من تغير البنية الديموغرافية والاقتصادية لهذه المنطقة.
وتتميز روسيا بكونها الدولة الوحيدة في العالم التي لديها حدود مشتركة مع الاتحاد الأوروبي من جهة، والصين من جهة أخرى. ومن ناحية ثانية، تمتلك روسيا 2000 كلم من الشواطئ المطلة على المحيط الهادئ. ولذا، تريد توسيع وتعزيز حضورها في بلدان شرق آسيا، وأن تتحول إلى محور اقتصادي رئيسي، وإلى الممر الأفضل للبضائع المتجهة من الغرب إلى الشرق، وبالعكس، الأمر الذي يفسر انضمامها، منذ عام 1998، إلى منظمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ.
وينقل الكتاب كلمة لوزير الخارجية سيرغي لافروف في اجتماع لـ«نادي فالداي»، يؤكد فيها أن «التوجه شرقاً أولوية وطنية روسية من أجل تطوير المناطق الشرقية للبلاد»، فيما سبقه بوتين لتأكيد أن تطوير أقصى الشرق الروسي يعد «المهمة الجيوسياسية الأكثر أهمية بالنسبة للفيدرالية الروسية».
ولا يبدو حتى اليوم أن خطط السلطات الروسية في هذا المجال قد حققت نتائج واضحة. والأسباب عديدة، وقد لخصها الكاتب بتأكيده أن أي قوة تريد تثبيت حضورها، يتعين عليها التمتع بأبعاد ثلاث: عسكرية وسياسية واقتصادية. والحال أن روسيا لا تتمتع بأي منها اليوم في منطقة آسيا - الهادئ، بشكل يمكنها من ممارسة تأثير ملموس. ويشير المؤلف إلى أن حضور روسيا العسكري فيها محدود، ودورها الاقتصادي ثانوي، ونفوذها كذلك على المنظمات الإقليمية الموجودة. أما دورها الاقتصادي فإنه لا يقارن بالدور الصيني، ما يعني عملياً أن «الاستدارة شرقاً» ما زالت هدفاً، ولم تتحول بعد إلى واقع.


مقالات ذات صلة

روسيا والصين لتعزيز «علاقة راسخة» في مواجهة «عالم مضطرب وتحديات جديدة»

أوروبا لقاء الرئيسين الصيني شي جينبينغ ونظيره الروسي فلاديمير بوتين بقاعة الشعب الكبرى في بكين يوم الأربعاء (أ.ب) p-circle

روسيا والصين لتعزيز «علاقة راسخة» في مواجهة «عالم مضطرب وتحديات جديدة»

روسيا والصين لتعزيز «علاقة راسخة» في مواجهة «عالم مضطرب وتحديات جديدة» وعارضتا استئناف الحرب بالشرق الأوسط وحذرتا من خطر العودة إلى «قانون الغاب»

رائد جبر (موسكو)
العالم جنود صينيون يسيرون خلال عرض عسكري في بكين (رويترز - أرشيفية)

صحيفة ألمانية: الجيش الصيني درّب سرّاً جنوداً في الجيش الروسي

درّب الجيش الصيني سرّاً على أراضيه المئات من الجنود الروس، نُشر بعضهم في أوكرانيا، حسبما ذكرت صحيفة «دي فيلت» الألمانية.

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا سفير روسيا لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا يلقي كلمة أمام أعضاء مجلس الأمن الدولي في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك بالولايات المتحدة 19 سبتمبر 2025 (رويترز)

روسيا تحذّر لاتفيا من السماح لأوكرانيا بإطلاق مسيّرات... وتهدد برد انتقامي

حذّرت روسيا من هجمات أوكرانية بطائرات مسيّرة تنطلق من دول البلطيق، مؤكدة أن عضوية «الناتو» لن تمنع الردّ الانتقامي.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
رياضة عالمية الفريق الروسي للجمباز حصد ذهبية أولمبياد باريس تحت علم اللجنة الأولمبية الروسية (رويترز)

الاتحاد الدولي للجمباز يدافع عن قراره رفع القيود عن رياضيي روسيا وبيلاروسيا

دافع الاتحاد الدولي للجمباز، الثلاثاء، عن قراره رفع جميع القيود المفروضة على الرياضيين من روسيا وبيلاروسيا.

«الشرق الأوسط» (لوزان (سويسرا))
الاقتصاد يستغرق تسليم شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا لآسيا عادة ما يصل إلى 45 يوماً (رويترز)

بيانات: ناقلة غاز روسية تسلم شحنة إلى الصين بعد 6 أشهر في البحر

أظهرت بيانات تتبع السفن الصادرة عن مجموعة بورصة لندن، أن ناقلة غاز سلّمت شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا إلى الصين بعد أن ظلت ستة أشهر تقريباً في البحر.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص
TT

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

في مايو (أيار) من عام 1950، وفي مدينة سان فرانسيسكو، كبرى مدن الغرب الأميركي، أعلنت الأميرة أو «البرنسيسة» فتحية ابنة الملك فؤاد وصغرى شقيقات الملك فاروق زواجها من رياض غالي الذي لا يحمل إلا لقباً متواضعاً يمتلكه عامة الناس ويمنحه الناس بعضهم البعض على سبيل المجاملة وهو لقب «الأفندي».

كما أن الزوج فضلاً عن ذلك قبطي ينتمي إلى الكنيسة الأرثوذكسية، وكان طبيعياً أن يثير إعلان زواج أميرة مسلمة من شاب قبطي حملة صحافية شهرّت بالسلوك الاجتماعي للأسرة المالكة في مصر، وأن يفجر أزمة سياسية بدأت بأمر ملكي يقضي بتجريد «صاحبة السمو الملكي» الأميرة فتحية ووالدتها «صاحبة الجلالة» الملكة نازلي من ألقابهما الملكية لتصبحا فتحية هانم فؤاد ونازلي هانم صبري، وانتهت بالقضاء على النظام الملكي بعد ذلك بأعوام قليلة. تلك هى اللحظة الدرامية المتفجرة بالأسئلة والمشحونة بحقائق تشبه الخيال، التي يعيد كتابتها من كل أوجهها السياسية والاجتماعية والثقافية المؤرخ المصري الراحل صلاح عيسى في كتابه الشهير «البرنسيسة والأفندي»، الذي صدرت منه طبعةٌ جديدةٌ في جزأين عن «دار الكرمة» بالقاهرة.

يتميز الكتاب بجمال الطرح الأدبي وعمق تفكيك الحدث وبراعة قراءة دلالاته، لا سيما أنه بعده بسنوات عديدة أطلق الأفندي رياض غالي خمس رصاصات على رأس زوجته البرنسيسة فتحية ثم أطلق الرصاصة السادسة والأخيرة على رأسه. وذلك عقب مغادرة البرنسيسة الصغيرة جناحها المزين باللونين الأبيض والأخضر، اللذين كانا يتألف منهما العلم المصري آنذاك، في فندق «فيرمونت» بالولايات المتحدة لتظهر بعد قليل في مدخل البهو حتى تدافع الصحافيون ليحتشدوا حولها يطلبون في أصوات متداخلة تعليقها على البيان الرسمي الذي أذاعه الديوان الملكي في القاهرة بإحالة قضيتها إلى مجلس البلاط، فردت بصوت لم يخل من توتر خفيف: «إن كثيرات من صديقاتي الأميركيات لا يرين فيما فعلت شيئاً يدعو للعجب فلماذا كل هذه الضجة التي تثور في مصر؟».

ويعود السبب الرئيسي لإطلاق رياض النار على حبيبته وزوجته هو رغبتها القاطعة في الانفصال عنه نهائياً والعودة إلى مصر، وذلك بعد أن ساءت حالتهما المادية وأعلنا الإفلاس نتيجة خسارتها كل أموالها وأموال والدتها الملكة نازلي في مضاربات البورصة والاستثمارات الفاشلة. وظل رياض غالي بجانب الجثة لعدة ساعات، ثم وجه المسدس إلى رأسه، وأطلق النار محاولاً الانتحار، غير أن الرصاصة لم تقتله، بل أصابته بتهتك في خلايا المخ أدى إلى إصابته بالشلل التام والعمى لاحقاً حيث قضى نحبه داخل السجن.

فيما رأى البعض الأمر وكأنه عقاب على ما فعلته البرنسيسة حفيدة الخديو إسماعيل، التي تزوجت من شاب من أواسط الناس وليس بين أصول شجرة عائلته من حمل يوماً لقباً من ألقاب التشريف.

كان هذا «الأفندي» موظفاً حكومياً في الدرجة الخامسة بالكادر الفني العالي في وزارة الخارجية إلا أنه كان قد استقال من عمله قبل إتمام زواجه من «البرنسيسة» بشهور حين أصدرت الوزارة قراراً بنقله من وظيفته كسكرتير ثالث بالقنصلية المصرية بمرسيليا في محاولة لإبعاده عن الأميرة الصغيرة، فأصبح بذلك لا يستحق على الأكثر إلا لقب «أفندي سابق».

ولأن البرنسيسة الصغيرة الجميلة والأفندي القبطي كانا يسيران طيلة السنوات الأربع السابقة على ذلك التاريخ فوق خريطة القارتين الأميركية والأوروبية بصحبة الملكة الوالدة نازلي إلى أن استقرا أخيراً في سان فرانسيسكو، فإن الضجة العلنية التي ثارت في القاهرة كانت خاتمة شهور من المباحثات السرية بين العاصمة المصرية وعدد من المدن الأميركية عبر اتصالات شخصية وتليفونية وبرقية سريعة ومكثفة غاضبة ومهددة وراجية ومستعطفة على كل مستوى وعلى أعلى مستوى تحاول منع هذا الزواج.

ولكن البرنسيسة الصغيرة الرقيقة تمسكت بغرامها العنيف للأفندي، وأعلنت لكل الوسطاء تصميمها على الزواج، حتى بدا لهؤلاء الوسطاء أنها تقمصت دور البطولة في فيلم سينمائي أميركي من النوع الذي ينتهي عادة بزواج الفتاة الجميلة ابنة المليونير من فارس الأحلام الوسيم متواضع الأصل والثروة.

وكان لافتاً مساندة الملكة نازلي للأميرة، فدفعتها بذلك إلى العناد، وحين أشهرت القاهرة في وجه الملكة الأم سيف التهديد بتجريدها من لقبها الملكي قالت بحزم: «لن أكسر قلب ابنتي الصغيرة من أجل لقب تافه هو صاحبة الجلالة».

ويرى صلاح عيسى أن قصة زواج البرنسيسة فتحية من رياض أفندي غالي عام 1950 تعيد طرح الأسئلة ذاتها التي طرحتها الدعوى التي رفعها عام 1904 عبد الخالق السادات أمام محكمة مصر الشرعية العليا يطلب فيها التفرقة بين ابنته صفية السادات وبين زوجها الشيخ علي يوسف، أشهر الصحافيين العرب المسلمين في عصره، لعدم التكافؤ بينهما في النسب وفي المهنة. وقالت الدعوى إن الزوجة تنتمي إلى أسرة من الأشراف بينما الزوج فلاح بسيط بلا أصل معروف، والد الزوجة - لا الزوجة نفسها - يعمل بمهنة شريفة هي مشيخة السادة، بينما يعمل الشيخ علي يوسف في أخس المهن وأدناها، وهي مهنة الصحافة، بحسب ما قيل آنذاك.

وخلال نصف القرن الذي فصل بين القضيتين، شُغل المجتمع المصري بعشرات من القضايا كان موضوعها هو الزواج بين «أولاد وبنات الذوات» من ناحية وبين «أولاد وبنات الشعب» من ناحية أخرى، من أشهرها زواج السيدة صفية السادات نفسها بعد وفاة الشيخ علي يوسف من المطرب زكي عكاشة، وزواج الوجيه محمد بك شعراوي من المطربة فاطمة سرس، وزواج أكثر من أمير وأميرة من العائلة المالكة من أجنبيات وأجانب.

ويتوقف صلاح عيسى عند مفارقة صارخة على مستوى الوعي الثقافي في هذا السياق، حيث كانت الثورات القومية العربية تتقدم خلال تلك العقود وهي ترفع أعلام الحرية والإخاء والمساواة في حقوق المواطنة، وتحظر التفرقة بين المواطنين بسبب اللون أو الجنس أو الدين أو المعتقد، وتجعل صيانة الحريات العامة أو الشخصية أحد أهم حقوق المواطنة التي يكفلها الدستور كعقد اجتماعي بين المحكومين والحاكمين للجميع دون تمييز.

كما كانت الجماهير العربية تخرج في مظاهرات عارمة غضباً لانتهاك تلك الدساتير، وتستبسل دفاعاً عنها إلى درجة الاستشهاد أحياناً، كما أن كثيرين من الكتاب والمفكرين والزعماء السياسيين من منظري وقادة العصر الليبرالي العربي كانوا يتحمسون نظرياً للدفاع عن هذه المبادئ، إلا أن هذا النمط من الزيجات المختلطة بين أولاد الأصول و«من لا أصل لهم» كان ينفجر كالقنابل تحت أقدام الجميع فيخل باتزانهم ويكشف عن التناقض بين ما يذيعونه من آراء وما يتخذونه من مواقف عملية، فإذا بحشود الجماهير التي تفتح صدرها للرصاص ببسالة دفاعاً عن الدستور تندفع بالدرجة نفسها من البسالة للتظاهر دفاعاً عن نقاء الدم واحتجاجاً على تهجين البذور!


«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي
TT

«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي

صدر عن «مؤسسة الانتشار العربي» كتابُ «فلسفتي» للكاتب السعودي الزميل خالد الغنامي. جاء الكتاب في 360 صفحة، وهو عبارة عن مقالات كثيرة متوسطة الحجم، قُسّمت إلى أربعة أبواب: «الفلسفة والقلق والمعرفة» و«التصوف» و«الفن بوصفه تجربة ومعرفة» و«الأخلاق والحياة».

جاء في تقديم الكتاب:

لم تتشكل هذه الصفحات وفق خطة مسبقة، ولا انطلقت من تصور كتابي واضح. ما حدث أقرب إلى تراكم بطيء لأفكار متفرقة، ثم إلى لحظة شعرتُ فيها بأن هذا التراكم لم يعد محتملاً في صمته، وأنه يطلب شكلاً ما، لا لأنه نضج أو اكتمل، بل لأنه صار يضغط عليّ بوصفه تجربة فكرية عشتها أكثر مما كتبتها.

كثير مما يرد هنا لم يصدر عن رغبة في بناء موقف، ولا عن ثقة بامتلاك رؤية مميزة، بل عن احتكاك مباشر بما تطرحه الحياة من أسئلة صغيرة ومزعجة، وعن شعور متكرر بأن الإجابات الجاهزة، مهما بدت مطمئنة، تُغفل توترات أساسية، أو تؤجل التفكير فيها بدل مواجهتها. من هنا جاءت الكتابة بوصفها محاولة للفهم قبل أي شيء، ومحاولة للإصغاء للتجربة وهي تتشكل، لا لتقنينها أو إغلاقها.


تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص
TT

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً مركزياً حول إمكانية «النجاة» في عالم يتعرض فيه كل شيء للهدم والاقتلاع القسري.

صدرت الرواية أخيراً عن «دار الكرمة» للنشر بالقاهرة، وتبدأ من لحظة ذروة؛ من خبر منشور عن استشهاد الطبيب المصري «عمر المهدي» في أثناء قيامه بجراحة لطفل بالمستشفى المعمداني في «غزة»، وهي اللحظة التي تُصيب البطلة «إيمان» بصدمة عنيفة، لتفتح السرد على مسارين متوازيين؛ الأول يعود بها إلى سنوات الجامعة وبدايات علاقتها العاطفية بـ«عمر»، بينما يتتبع المسار الثاني حياتها المعاصرة بعد أن أصبحت زوجة لمهندس زراعي طموح، اختارته امتثالاً لضغوط أسرتها للابتعاد عن حبيب سنواتها الجامعية، وزواجها ممن «تنطبق عليه شروط عائلتها الميسورة»، ليصبح اقتلاع الحب من منابته الأولى أحد الاختبارات المبكرة التي ستترك أصداءها العميقة في حياة البطلين لاحقاً.

منذ تلك اللحظة المبكرة، لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم، واكتشاف لهوية دفنتها البطلة طويلاً تحت حياة أكثر امتثالاً واستقراراً ظاهرياً، قبل أن يُعيد استشهاد «عمر» استدعاء نبوءة «السماء الثامنة» التي أخبرها بها ذات يوم، تحت ظلال أشجار عتيقة، حين تبادلا الحديث عن الحب وسماواته السبع وهما في سنوات الجامعة، وهي السماء التي ستدرك إيمان معناها بعد أن صار الوصول إليها مستحيلاً.

دين قديم

يطل السرد على سنوات الجامعة، وتشكّل حب «إيمان» و«عمر» داخل فضاء مُشبّع برومانسية البدايات وجسارة الأحلام، وتبدو نزهات الحبيبين وثيقة الصلة بالأماكن التي يعبرانها معاً، كاشفةً عن وعيهما بامتدادها التاريخي؛ لا سيما في حديقة الحيوان، بأشجارها العتيقة الممتدة منذ عصر الخديو إسماعيل.

وعبر جولات تتقاطع فيها الثقافة بالفن والتاريخ، تظهر المدينة كذاكرة حيّة مُهددة، خاصة مع الإشارات المتكررة في الرواية إلى هدم الفيلات ذات الطُرز المعمارية التاريخية، وتحويل البيوت القديمة إلى أبراج سكنية، وكأن الرواية تضع مصير العلاقات الإنسانية ومصير المدينة داخل المسار نفسه؛ فكما يُنتزع العاشقان من حلمهما القديم، تُنتزع الأمكنة بدورها من ذاكرتها، لتتحول القاهرة تدريجياً من فضاء حميمي للتجوال والحب، إلى مدينة تفقد ملامحها القديمة تدريجياً.

يعتني السرد برسم شخصية «عمر» بوصفه نموذجاً متسقاً مع الحب والقضية معاً؛ فهو طالب كلية الطب الحالِم الذي يقود مظاهرات منذ كان طالباً ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين حتى يستشهد بعد سنوات وهو يمارس مهنته متطوعاً في غزة، يتحدث عن «السماوات السبع للعشق»، حيث تمثل المرتبة السابعة «الهُيام»، قبل أن يلمّح إلى معنى آخر للحب يتجاوز المشاعر الفردية: «لا تقتصر السماء الثامنة على المشاعر التي تجمع العاشقين، إنما تسمو بهما معاً إلى مرحلة التضحية في سبيل القضايا الكبرى».

إلا أن حلم «عمر» بالوصول مع حبيبته إلى «السماء الثامنة» لا يكاد يتجاوز عتبة الحلم، بعد أن تخضع «إيمان» لضغوط أسرتها وتبتعد عنه، لتتحوّل تلك السماء تدريجياً إلى ما يشبه النبوءة الروحية التي تظل الرواية تستدعيها باستمرار.

ولا تدرك «إيمان» المعنى الحقيقي لهذه النبوءة إلا متأخرة، عبر الفقد والذنب، حين يتحوّل خبر استشهاد «عمر» من مجرد صدمة عاطفية إلى لحظة تعيد فيها تقييم حياتها التي تكتشف زيفها، فتغدو رحلتها إلى «رفح» محاولة متأخرة لإنقاذ ما تبقّى من ذاتها القديمة، وسداد دين قديم تجاه رجل عجزت يوماً عن التمسك باختياره له: «اعذرني يا عمر، تأخرت في اتخاذ قراري ولكني اتخذته أخيراً، وهأنذا قد جئتك بكامل إرادتي».

رغم غلبة القضية الفلسطينية على عالم الرواية، فإن حضورها لا يأتي بوصفه مساراً منفصلاً عن الحياة الشخصية للأبطال، بل يتسلل تدريجياً داخل نسيجهم العاطفي والإنساني، بحيث تبدو التحوّلات السياسية جزءاً من تكوين الوعي نفسه، لا مجرد خلفية للأحداث، فمنذ الإحالة إلى الحرب الأخيرة على غزة، تفتح الرواية طبقات متعددة من الذاكرة السياسية المصرية، عبر استدعاء مظاهرات الطلبة ضد الاحتلال الإسرائيلي في زمن الرئيس السادات، وما ارتبط بها من لحظات استقطاب سياسي، في إشارة إلى التشققات التي أصابت المجال العام مبكراً، وإلى هشاشة فكرة التضامن نفسها تحت ضغط الانقسامات السياسية.

في هذا السياق، لا تظهر جماعات «الإسلام السياسي» في الرواية كعنصر منفصل عن المشهد، بل كقوة تتغلغل تدريجياً داخل النسيج الوطني، مستفيدة من مساحات سمحت بها الدولة ذاتها في لحظات معينة، قبل أن تتحوّل إلى بنية تعمل في الخفاء وتعيد تشكيل المجال الاجتماعي والسياسي من الداخل، غير أن الرواية لا تتوقف طويلاً عند التحليل المباشر، بقدر ما تترك هذه التحوّلات تنعكس على مصائر الشخصيات.

لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم

إحالات فنية

ومع انتقال السرد إلى غزة، يقترب النص من الجانب الأكثر قسوة في الحرب، خاصة عبر تفاصيل العمل داخل مستشفياتها، حيث يصبح الجسد الفلسطيني نفسه مساحة يومية للعنف والحصار، ليقترب السرد مع نهاية الرواية من المشهد الذي يضطر فيه «عمر» إلى إجراء عملية بتر لمصاب من دون استخدام «مُخدر»، بعدما منع الاحتلال الإسرائيلي دخول الإمدادات الطبية، هنا لا تكتفي الرواية بإدانة الحرب من بعيد، بل تقترب من أثرها المادي المباشر على الجسد الإنساني، كاشفة كيف يتحوّل الطب نفسه من فعل إنقاذ إلى مواجهة شبه مستحيلة مع الألم.

تمتلئ الرواية بإحالات فنية وأدبية بوصفها امتداداً شعورياً للشخصيات نفسها، فعندما تُزيّن «إيمان» شعر «عمر» بزهور البنفسج، يحيلنا السرد إلى صورة الإله «باخوس» في لوحة «كارافاجيو» الشهيرة، وحين تعثر البطلة لاحقاً بين أشيائها القديمة على الرواية الفرنسية «الأميرة دي كليف» تجد نفسها متقاطعة مصيرياً مع بطلتها؛ امرأة ممزقة بين حب حقيقي وحياة اختارتها تحت ضغط، قبل أن يفيض بها الذنب هي الأخرى، وتستدعي الرواية تحديداً قرار «الأميرة دي كليف» في نهايتها «باللجوء إلى الخدمة العامة للتكفير عن ذنبها»، وهو ما ينعكس بدوره على رحلة «إيمان» إلى رفح، بوصفها محاولة متأخرة للخلاص، أو لسداد دين عاطفي وأخلاقي قديم، ليصبح توظيف الفنون في الرواية أقرب إلى انعكاسات مرآوية شجية.

ولا تبدو هذه الإحالات الفنية والأدبية منفصلة عن التكوين النفسي للأبطال، بقدر ما تكشف عن الطريقة التي يرى بها «عمر» و«إيمان» العالم؛ فالحب عندهما لا يتشكل في فراغ، بل عبر الفن، والموسيقى، والكتب، والمدينة القديمة بكل طبقاتها الثقافية والرمزية لذلك تأتي استعادة اللوحات والروايات والأماكن التاريخية بوصفها محاولة لمقاومة القبح والعنف المحيطين بهما، وكأن الشخصيتين تحاولان الاحتماء بالجمال من عالم يتآكل تدريجياً تحت وطأة الحرب والهدم والخسارات المتتالية.

من ثم، في موازاة رثاء الحب، تبدو «السماء الثامنة» في أحد مستوياتها رثاءً لأبرياء الحرب، ومحاولة للتمسك بما تبقى من الحب والحقوق والذاكرة، في عالم يتآكل فيه البشر والمدن معاً.