النفط الأفريقي... هل ينهي «مأزق» بايدن ويغير سياساته تجاه أزمات القارة؟

قبيل قمة واشنطن الأسبوع المقبل

الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)
TT

النفط الأفريقي... هل ينهي «مأزق» بايدن ويغير سياساته تجاه أزمات القارة؟

الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)

ضاعفت أزمة الطاقة العالمية، والتقارير التي تشير إلى تنامي احتياطيات النفط والغاز المؤكدة بالقارة الأفريقية، من أهمية «قمة قادة أفريقيا والولايات المتحدة» التي تنعقد في العاصمة الأميركية، واشنطن، في الفترة من 13 إلى 15 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، وسط توقعات لمراقبين بأن يكون النفط الأفريقي «أحد البدائل» التي تضعها الإدارة الأميركية نصب أعينها للتخفيف من وطأة «مأزق الطاقة» الذي تعيشه إدارة الرئيس جو بايدن، وأدت إلى تصاعد وتيرة الانتقادات الداخلية لاستراتيجيتها في التعاطي مع الأزمة.
وبحسب الخارجية الأميركية، فإنه من المرتقب أن يشارك معظم قادة الدول الأفريقية في القمة، بعدما أكد 45 رئيس دولة وحكومة أفريقية حضورهم، مما يجعل من القمة واحدة من أكثر المناسبات «كثافة» في الحضور رفيع المستوى.
ومع تصاعد أزمة الطاقة العالمية، توجهت الأنظار إلى مشروعات النفط والغاز في أفريقيا، بصفتها «الملاذ الآمن» لتوفير الإمدادات وأداء دور في تنويع مصادر إمدادات أوروبا بعيداً عن الوقود الروسي، الذي فرضت الولايات المتحدة وأوروبا عقوبات مشددة على تداوله، وكان آخرها تحديد سقف لأسعار الشراء، وهو ما رفضته موسكو بشدة.

استثمارات عالمية

وتدرس شركات الطاقة العالمية الكبرى استثمارات بقيمة إجمالية قدرها 100 مليار دولار في مشروعات النفط والغاز في أفريقيا، وفقاً لحسابات وكالة «رويترز» المستندة إلى تقديرات الشركات العامة والخاصة.
وبلغت الواردات الأميركية من دول غرب أفريقيا، في المقام الأول عن طريق عمليات الساحل الشرقي، 11.6 مليون برميل على الأقل في الربع الثاني، كما أظهرت بيانات الجمارك وتتبع السفن الأميركية، أن تلك الواردات هي الأعلى منذ الربع الثالث لعام 2019.
وتوقع مجلس المعلومات القومي الأميركي، أن تعتمد الولايات المتحدة على نحو 20 في المائة من احتياجاتها النفطية من أفريقيا خلال العقد المقبل، ستوفر دول غرب أفريقيا 15 في المائة منها، إلا أن ارتفاع تكلفة الإنتاج نتيجة الاعتبارات الفنية، وعدم الاستقرار الأمني، يجعل النفط الأفريقي «أعلى كُلفة» من نظيره الذي تنتجه دول الخليج العربي.
وتعول الولايات المتحدة على إمكانية الإسهام في مساعدة الدول الأفريقية على زيادة إنتاجها من النفط والغاز، خاصة في ظل التقارير التي تشير إلى ارتفاع الاحتياطيات المؤكدة؛ إذ تبلغ احتياطيات النفط الخام، وفقاً لتقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، أكثر من 80 مليار برميل؛ أي ما نسبته 8 في المائة من الاحتياطي العالمي الخام، وتتركز هذه الاحتياطيات في نيجيريا (نحو 70 في المائة)، وليبيا، وغينيا الاستوائية.
كما يمتلك ما يقرب من نصف الدول الأفريقية، البالغ عددها 55 دولة، احتياطيات مؤكدة من الغاز الطبيعي؛ إذ تمتلك القارة مجتمعة نحو 9 في المائة من إجمالي احتياطيات الغاز في العالم، وتنتج 17 دولة الغاز حالياً.

ملف الطاقة

ويعتقد السفير صلاح حليمة، نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية، أن «هناك العديد من القضايا التي يمكن أن تطرحها الولايات المتحدة خلال القمة على القادة الأفارقة، وبالتأكيد سيكون ملف التعاون الاقتصادي، وعلى وجه الخصوص ملف الطاقة، حاضراً بقوة، فالولايات المتحدة شأنها شأن كل الدول الصناعية تواجه مشكلة حقيقية في توفير احتياجاتها من الطاقة، وبالتالي فإنها تبحث عن بدائل على المدى القصير والمتوسط لتأمين تلك الاحتياجات، ويمكن لأفريقيا أن تكون بديلاً مناسباً في هذا الصدد».
ويوضح حليمة لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك العديد من التقارير الغربية الحديثة التي أشارت إلى أنه «يمكن لإمدادات النفط والغاز في أفريقيا مجتمعة أن تحل محل ما يصل إلى خُمس صادرات الغاز الروسي إلى أوروبا بحلول عام 2030، إلا أن التمويل لا يزال هو أكبر التحديات التي تواجه التنمية المتجددة والنفطية على حد سواء في القارة السمراء، وهو ما يمكن للولايات المتحدة أن تلعب دوراً مهماً فيه من خلال شركات الطاقة العملاقة لديها، التي تستطيع أن تسهم في توفير البنية التحتية اللازمة لطرح الإنتاج الأفريقي من الطاقة لتستفيد منه الأسواق العالمية، وفي مقدمتها السوق الأميركية».
وتواجه الإدارة الأميركية انتقادات داخلية متصاعدة خلال الآونة الأخيرة، بسبب «فشلها في السيطرة على أسعار البنزين»، وبدأت لجنة الرقابة والإصلاح في مجلس النواب الأميركي تحقيقاً واسع النطاق في سياسات إدارة بايدن بشأن الطاقة، واتهم عضو اللجنة، «الجمهوري» جيمس كومر، في وقت سابق، بايدن بإساءة استخدام احتياطي النفط الاستراتيجي، ورفع التكاليف على العائلات الأميركية.

منافسون أقوياء لواشنطن

كما تواجه الولايات المتحدة منافسين أقوياء على الساحة الأفريقية، سواء من حلفاء واشنطن كالدول الأوروبية المتعطشة للطاقة، أو حتى من خصومها كالصين وروسيا.
ويبدو أن تعطش أوروبا المتجدد للغاز سيساعد في دفع الإنتاج الأفريقي إلى ذروة إنتاج تقارب 500 مليار متر مكعب بحلول أواخر 2030، وفقاً لشركة أبحاث واستشارات الطاقة «ريستاد إنرجي»، مقارنة بـ260 مليار متر مكعب في عام 2022.
ووقعت تنزانيا خلال العام الحالي اتفاقية إطارية للغاز الطبيعي المسال مع شركة الطاقة النرويجية «إكوينور»، وشركة النفط الأنجلو هولندية «شل» التي تسرع تطوير محطة تصدير بقيمة 30 مليار دولار. كما تستهدف شركة النفط الفرنسية «توتال إنرجي» استئناف مشروع للغاز الطبيعي المسال في موزمبيق بقيمة 20 مليار دولار هذا العام.
في المقابل، أعلنت شركة «الصين الوطنية للنفط البحري» (كنوك)، أن استثماراتها في قطاع النفط النيجيري بلغت 16 مليار دولار، وباتت بكين على مدى السنوات الاثنتي عشرة الماضية الشريك التجاري «الأول» لأفريقيا.
وأعلنت واشنطن في أغسطس (آب) الماضي «وثيقة توجيهية جديدة» تتضمن «إعادة صياغة شاملة لسياستها في أفريقيا جنوب الصحراء لمواجهة الوجود الروسي والصيني ومكافحة الإرهاب».
ويرى الدكتور مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأميركية، وكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن «القضية الأولى التي ستركز عليها الولايات المتحدة في القمة الأميركية - الأفريقية المرتقبة ستكون مواجهة اتساع النفوذ الصيني». ويضيف السيد لـ«الشرق الأوسط»، أن الصين تتمتع بمزايا تجعلها «تتفوق على الولايات المتحدة في أفريقيا، وتمثل مصدر إزعاج حقيقياً للإدارات الأميركية، فبكين تقدم مساعدات غير مشروطة لدول القارة، ولا تفرض متطلبات تتعلق بحقوق الإنسان أو تمكين القطاع الخاص، ولا تتدخل في غايات التنمية مثلما تفعل الولايات المتحدة، وهو ما يجعل الصين خياراً مفضلاً لدى الدول الأفريقية».
ويرى السيد أن «واشنطن إذا أرادت أن تستفيد من علاقاتها مع أفريقيا، فعليها أن تغير من نهجها في المجال السياسي والاقتصادي على حد سواء، وأن تعمل على تقديم مساعدات حقيقية للدول الأفريقية تتجاوز ما تقدمه الصين، لكن الواقع يؤكد أن واشنطن في موقف صعب، وأن التمدد الصيني والروسي في أفريقيا بات أمراً واقعاً يفرض نفسه على كل الحسابات السياسية والاقتصادية».


مقالات ذات صلة

مضيق هرمز تحت المجهر الأميركي وأسواق النفط تترقب

الاقتصاد رجل يسير بجوار مضخات النفط في مدينة الرميلان بسوريا (رويترز)

مضيق هرمز تحت المجهر الأميركي وأسواق النفط تترقب

تراجعت أسعار النفط بشكل طفيف، يوم الثلاثاء، مع ترقب المتداولين لاحتمالية حدوث اضطرابات في الإمدادات.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
المشرق العربي صورة لعملية إطفاء الحريق نشرتها وكالة الأنباء العراقية (واع)

مقتل عامل وإصابة 6 في حريق بمصفاة «بيجي» العراقية

قالت مصادر إن اشتعال وحدة لإنتاج الوقود أدى إلى اندلاع حريق كبير في مصفاة «بيجي» العراقية، الاثنين، ما أسفر عن مقتل عامل وإصابة ستة آخرين على الأقل.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
الولايات المتحدة​ ناقلة نفط في البحر الكاريبي (أرشيفية - رويترز)

الجيش الأميركي يحتجز سفينة بالمحيط الهندي بعد فرارها من الحظر في الكاريبي

أعلن البنتاغون، الاثنين، أن القوات الأميركية احتجزت ناقلة نفط بالمحيط الهندي، بعد انتهاكها الحظر الذي فرضه الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، على السفن في الكاريبي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أميركا اللاتينية رئيسة المكسيك كلوديا شينباوم تتحدث خلال مؤتمرها الصحافي الصباحي اليومي في القصر الوطني في مكسيكو سيتي 5 يناير 2026 (أ.ف.ب)

رئيسة المكسيك: الرسوم الأميركية «الجائرة» قد تخنق اقتصاد كوبا

انتقدت رئيسة المكسيك، كلوديا شينباوم، الاثنين، بشدة، تهديدات الولايات المتحدة بفرض رسوم جمركية على الدول المصدرة للنفط إلى كوبا.

«الشرق الأوسط» (مكسيكو سيتي)
الولايات المتحدة​ شارع شبه خالٍ في هافانا بسبب أزمة الوقود (أ.ف.ب)

موسكو تتهم إدارة ترمب بـ«خنق» كوبا

أدت أزمة الوقود في كوبا إلى وقف جزئي لحركة الطائرات، وسط اتهامات من الكرملين للرئيس الأميركي دونالد ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة الشيوعية.

علي بردى (واشنطن)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟