مضيق هرمز يضع الاقتصاد العالمي في «غرفة العناية المركزة»

النفط اخترق الـ85 دولاراً للمرة الأولى منذ 2024... والغاز واصل قفزاته... والأسواق العالمية في «المنطقة الحمراء»

الدخان يتصاعد في منطقة صناعة النفط بالفجيرة إثر حريق نجم عن حطام بعد اعتراض الدفاعات الجوية لطائرة مسيّرة (رويترز)
الدخان يتصاعد في منطقة صناعة النفط بالفجيرة إثر حريق نجم عن حطام بعد اعتراض الدفاعات الجوية لطائرة مسيّرة (رويترز)
TT

مضيق هرمز يضع الاقتصاد العالمي في «غرفة العناية المركزة»

الدخان يتصاعد في منطقة صناعة النفط بالفجيرة إثر حريق نجم عن حطام بعد اعتراض الدفاعات الجوية لطائرة مسيّرة (رويترز)
الدخان يتصاعد في منطقة صناعة النفط بالفجيرة إثر حريق نجم عن حطام بعد اعتراض الدفاعات الجوية لطائرة مسيّرة (رويترز)

لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي دولي، بل تحوّل في لحظة فارقة إلى عنق زجاجة مغلق يطبق على أنفاس الاقتصاد العالمي. فبينما تتصاعد أعمدة الدخان من منشآت الطاقة الحيوية إثر المواجهات العسكرية بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، يجد العالم نفسه في قبضة «صدمة إمدادات»، حيث تسببت الهجمات على الناقلات والمنشآت في تعطيل تدفقات النفط والغاز التي يعتمد عليها نبض الصناعة الدولية، محولةً الممرات الآمنة إلى ساحات مواجهة مفتوحة تئن تحت وطأتها الأسواق من طوكيو إلى لندن.

لقد انعكست هذه الفوضى فوراً على أسعار خام برنت، التي قفزت متجاوزة 85 دولاراً للبرميل، وسط تحذيرات جدية من أن استمرار هذا الحصار البحري قد يجر العالم نحو سيناريو الـ100 دولار.

وفي أوروبا، وصلت الأزمة إلى ذروتها؛ حيث سجلت أسعار الغاز قفزة تراكمية مذهلة بلغت 70 في المائة خلال يومين فقط. فقد قفز عقد «تيت إف» (Dutch TTF) الهولندي بنسبة 29.5 في المائة ليصل إلى 57.50 يورو لكل ميغاواط في الساعة، وهو أعلى مستوى له منذ أكثر من عام، مما دفع محللي «إيه إن زد» للتحذير بأن هذا هو «أكبر تهديد لأسواق الغاز العالمية منذ غزو روسيا لأوكرانيا في 2022».

ويشع هذا الصعود الحاد أوروبا، التي تعاني أصلاً من انخفاض المخزونات، أمام ضغوط مضاعفة للتنافس مع آسيا على شحنات فورية محدودة، في وقت لا تستطيع فيه الإمدادات الأميركية تعويض الفراغ القطري الطويل.

وفي محاولة لكسر هذا الوضع، نقلت «رويترز» عن مصادر أن شركة «أرامكو السعودية» بدأت تحركاً لوجيستياً عالي الخطورة لإعادة توجيه صادراتها الخام بعيداً عن مضيق هرمز، وأنها أبلغت بعض مشتري خامها العربي الخفيف بضرورة تحميل شحناتهم من ميناء ينبع على البحر الأحمر، معتمدةً على خط أنابيب «شرق - غرب» (بترولاين) العملاق.

الغاز الطبيعي

على الضفة الأخرى من الخليج، أحدث الاستهداف العسكري لمجمع رأس لفان الصناعي في قطر خللاً هيكلياً في منظومة الإنتاج التحويلي، متجاوزاً في أثره مجرد التوقف عن تصدير الغاز الطبيعي المسال. ولا يمثل هذا المجمع مجرد وحدة لاستخراج وتسييل الغاز، بل يعمل بوصفه مركز إمداد يغذي مجمعات صناعية كبرى باللقيم الأساسي والاحتياجات الطاقية اللازمة لعمليات الصهر والتحويل.

وقد تسبب توقف العمليات في المجمع في قطع سلاسل الإمداد اللوجيستية والتشغيلية التي تربط المجمع بمصانع اليوريا، والبوليمرات، والميثانول، والألمنيوم. وبالنسبة لشركة «قطالوم» - المشروع المشترك بين «قطر للطاقة» و«نورسك هيدرو» - فإن هذا التوقف لم يكن مجرد أزمة توريد طاقة، بل أدى إلى انعدام القدرة على تشغيل خلايا الصهر التي تتطلب تدفقاً مستمراً وغير منقطع من التيار الكهربائي والغاز الطبيعي. وبقدرة إنتاجية تصل إلى 648 ألف طن سنوياً، باتت «قطالوم» أمام معضلة فنية تتجاوز توقف الإنتاج، لتصل إلى خطر «تجميد الأفران» وهو تحدٍ تقني قد يتطلب تكاليف باهظة وزماناً طويلاً لإعادة التشغيل إذا ما طال أمد انقطاع الطاقة.

هذا الانكشاف الصناعي دفع بالأسواق العالمية إلى مرحلة من الذعر التوريدي، حيث قفزت أسعار الألمنيوم في بورصة لندن للمعادن بنسبة 3.8 في المائة لتبلغ 3250 دولاراً للطن، وهي عبارة عن «علاوة مخاطر» إضافية فرضتها الأسواق نتيجة اختلال التوازن بين العرض والطلب.

ومع ازدياد حدة الاضطرابات اللوجيستية في المواني الرئيسية مثل ميناء الفجيرة ودقم، لم يعد العائق أمام المصنعين هو نقص المواد الخام فحسب، بل باتت الأزمة اللوجيستية الناتجة عن ندرة الناقلات وانغلاق مضيق هرمز تفرض حصاراً على المنتجات النهائية.

قطاع الشحن البحري

توازياً مع ذلك، دخل قطاع الشحن البحري في أزمة غير مسبوقة؛ حيث قفزت تكاليف الناقلات العملاقة في الشرق الأوسط إلى مستويات تاريخية، مسجلةً أرقاماً قياسية تجاوزت 423 ألف دولار يومياً لشحن النفط من الخليج إلى الصين. إن التهديدات الإيرانية بإطلاق النار على أي سفينة تحاول المرور عبر مضيق هرمز أدت إلى توقف فعلي في عمليات الشحن، بينما شهدت أسعار الشحن اليومية لناقلات الغاز الطبيعي المسال قفزات تتجاوز 40 في المائة، مع توقعات لمحللي «وود ماكنزي» بأن تتجاوز الأسعار الفورية 100 ألف دولار يومياً هذا الأسبوع نتيجة شح السفن المتاحة. هذا الاضطراب اللوجيستي، إضافة لتعطل إمدادات الوقود في مركز «الفجيرة» للإمداد، دفع بشركات الشحن العالمية مثل «هيونداي غلوفيس» إلى إعلان خطط طوارئ لتأمين طرق بديلة، مما يعكس حالة من الذعر اللوجيستي الذي يهدد بعزل سلاسل التوريد العالمية.

الأسواق العالمية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على أسواق السلع الأساسي، بل امتدت لتحدث هزة في أسواق المال العالمية؛ حيث سيطرت حالة من عزوف المستثمرين عن المخاطرة على الأسواق العالمية.

وانخفض المؤشر الأوسع لأسهم آسيا والمحيط الهادئ خارج اليابان الذي تصدره «إم إس سي آي» بنسبة 2.9 في المائة، ليواصل خسائره لليوم الثاني على التوالي، بقيادة انخفاض المؤشر الكوري بنسبة 7.2 في المائة عند عودة البلاد من عطلة، وهو أكبر انخفاض يومي منذ أغسطس (آب) 2024. وتراجع مؤشر «نيكي 225» في طوكيو بنسبة 3.1 في المائة، في حين هبطت عقود «ستاندرد آند بورز 500» الآجلة الإلكترونية بنسبة 0.9 في المائة، وفق «رويترز».

براميل نفط مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد ومضخة نفط وخريطة توضح مضيق هرمز وإيران (رويترز)

الذهب

في المقابل، شهدت أسعار الذهب الفورية، تراجعاً حاداً بأكثر من 4 في المائة إلى حوالي 5075 دولاراً للأونصة، حيث فضّل بعض المستثمرين الدولار على الذهب بوصفه ملاذاً آمناً، مع تأثير الحرب الجوية الأميركية الإسرائيلية على إيران، وتقليص المتداولين لمراهناتهم على خفض أسعار الفائدة في ظل مخاوف التضخم.


مقالات ذات صلة

الذهب يرتفع مع تنامي آمال انحسار شبح التضخم في ظل تراجع النفط

الاقتصاد مجوهرات ذهبية معروضة للبيع في متجر بمدينة ليانيونغانغ في مقاطعة جيانغسو بالصين (أ.ف.ب)

الذهب يرتفع مع تنامي آمال انحسار شبح التضخم في ظل تراجع النفط

ارتفعت أسعار الذهب، الثلاثاء، مدعومة بضعف الدولار وانخفاض تكاليف الطاقة بعد أن أشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى إمكانية انتهاء الحرب في الشرق الأوسط قريباً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد آبار في حقل سان أردو النفطي في كاليفورنيا (أ.ب)

النفط يسجل هبوطاً حاداً بعد محاولات ترمب طمأنة الأسواق بشأن الحرب

تراجعت أسعار النفط من أعلى مستوياتها في أربع سنوات، يوم الثلاثاء، لتختتم بذلك 24 ساعة استثنائية في الأسواق العالمية.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد قطرة بنزين تتساقط من فوهة مضخة بنزين في محطة وقود بمدينة فيزي - فيلاكوبلاي، قرب باريس (أ.ف.ب)

اليابان: وكالة الطاقة الدولية طالبت بـ«سحب منسق» للمخزونات

دعت وكالة الطاقة الدولية إلى الإفراج المنسق عن احتياطيات النفط الطارئة خلال اجتماع عبر الإنترنت مع وزراء مالية مجموعة الدول السبع يوم الاثنين.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد الدخان يتصاعد عقب غارة جوية استهدفت مصفاة «بابكو» النفطية في البحرين (رويترز) p-circle 01:54

«القوة القاهرة»... عندما تصبح العقود الدولية رهينة للنزاعات

مع إعلان شركة الطاقة الرئيسية في البحرين، يوم الاثنين: «القوة القاهرة»، يبرز سؤال حول مفهوم وأبعاد هذا الإجراء وتداعياته على الأسواق. فما هي «القوة القاهرة»؟

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد أوراق نقدية من فئة الدولار (رويترز)

صعود صاروخي للدولار مع اقتراب النفط من حاجز 120 دولاراً

قفز الدولار الأميركي بشكل حاد يوم الاثنين، حيث دفع الارتفاع الكبير بأسعار النفط المستثمرين إلى الهروب نحو السيولة النقدية.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

صعود جماعي للمؤشرات الأوروبية إثر تفاؤل الأسواق بقرب نهاية الحرب

رسم بياني لمؤشر «داكس» الألماني داخل بورصة فرنكفورت (إ.ب.أ)
رسم بياني لمؤشر «داكس» الألماني داخل بورصة فرنكفورت (إ.ب.أ)
TT

صعود جماعي للمؤشرات الأوروبية إثر تفاؤل الأسواق بقرب نهاية الحرب

رسم بياني لمؤشر «داكس» الألماني داخل بورصة فرنكفورت (إ.ب.أ)
رسم بياني لمؤشر «داكس» الألماني داخل بورصة فرنكفورت (إ.ب.أ)

سجلت الأسهم الأوروبية مكاسب يوم الثلاثاء، مع تحسن معنويات المستثمرين بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بأن الحرب في الشرق الأوسط قد تنتهي قريباً.

وارتفع المؤشر الأوروبي الرئيسي بنسبة 1.9 في المائة، ليصل إلى 606.26 نقطة بحلول الساعة 08:08 بتوقيت غرينيتش، بعد أن أغلق عند أدنى مستوى له في أكثر من شهرين. وكان ترمب قد صرح يوم الاثنين، بأن الصراع مع إيران قد ينتهي قريباً، وانخفضت أسعار النفط الخام إلى أقل من 100 دولار للبرميل بعد أن كانت قد ارتفعت إلى 119 دولاراً في اليوم السابق، وفق «رويترز».

وفي المقابل، أعلن «الحرس الثوري» الإيراني أنه لن يسمح بتصدير أي كمية من النفط من الشرق الأوسط إذا استمرت الهجمات الأميركية والإسرائيلية، ما دفع ترمب إلى التحذير من أن الولايات المتحدة سترد بقوة أكبر في حال منعت إيران صادراتها من هذه المنطقة الحيوية المنتجة للطاقة.

وفي أوروبا، كانت أسهم القطاع المالي الداعم الأكبر للمؤشر الرئيسي، حيث ارتفع القطاع بنسبة 3.7 في المائة، بينما انخفضت أسهم الطاقة بنسبة 1.2 في المائة نتيجة تراجع أسعار النفط.

وعلى صعيد الشركات، ارتفعت أسهم «فولكس فاغن» بنسبة 2 في المائة، بعد أن توقعت مجموعة السيارات الألمانية تعافي هوامش الربح بعد عام 2025 الصعب. كما قفزت أسهم «بيرسيمون» بنسبة 8.5 في المائة بعد أن تجاوزت الشركة، المتخصصة في بناء المنازل، توقعات الإيرادات والأرباح المعدلة قبل الضرائب للسنة المالية 2025.

ويترقب المستثمرون تصريحات رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد، ونائبها لويس دي غيندوس، المقرر صدورها في وقت لاحق من اليوم.


تباين أداء أسواق الأسهم الخليجية عقب تصريحات ترمب

مستثمران يتابعان شاشة التداول في السوق المالية السعودية (رويترز)
مستثمران يتابعان شاشة التداول في السوق المالية السعودية (رويترز)
TT

تباين أداء أسواق الأسهم الخليجية عقب تصريحات ترمب

مستثمران يتابعان شاشة التداول في السوق المالية السعودية (رويترز)
مستثمران يتابعان شاشة التداول في السوق المالية السعودية (رويترز)

تباين أداء أسواق الأسهم في منطقة الخليج خلال التعاملات المبكرة من يوم الثلاثاء، بعد تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترمب توقع فيها أن ينتهي الصراع في الشرق الأوسط قريباً.

لكن الآمال في التوصل إلى حل سريع تعرضت لضغوط بعد إشارات من الجيش الإيراني إلى استمرار المواجهة.

وفي دبي، ارتفع المؤشر الرئيسي بنسبة 1.5 في المائة، مدعوماً بصعود سهم «بنك الإمارات دبي الوطني» بنسبة 2.9 في المائة. كما ارتفع سهم «بنك دبي الإسلامي» المتوافق مع الشريعة بنسبة 3.9 في المائة.

ومن بين الأسهم الرابحة الأخرى، قفز سهم «سوق دبي المالي»، المشغل لبورصة دبي، بنسبة 10.5 في المائة.

في المقابل، حدّ من مكاسب السوق تراجع سهم شركة التطوير العقاري القيادية «إعمار» بنسبة 4.1 في المائة، وسط استمرار الحذر بشأن الصراع في الشرق الأوسط.

وفي أبوظبي، انخفض المؤشر بنسبة 0.1 في المائة في تداولات متقلبة، متأثراً بتراجع سهم «الدار» العقارية بنسبة 4.7 في المائة.

وفي قطر، ارتفع المؤشر بنسبة 0.7 في المائة، مع صعود سهم شركة البتروكيميائيات «صناعات قطر» بنسبة 1.3 في المائة، وارتفاع سهم شركة الاتصالات «أوريدو» بنسبة 1.8 في المائة.

وفي السعودية، صعد المؤشر القياسي بنسبة 0.2 في المائة، بدعم من ارتفاع سهم مصرف «الراجحي» بنسبة 1.4 في المائة.

في المقابل، تراجع سهم شركة النفط العملاقة «أرامكو السعودية» بنسبة 2.3 في المائة، بعد إعلانها انخفاض أرباحها السنوية بنحو 12 في المائة، نتيجة انخفاض أسعار النفط الخام.

كما تراجعت أسعار النفط، يوم الثلاثاء، بعد أن سجلت في الجلسة السابقة أعلى مستوى لها منذ أكثر من ثلاث سنوات، عقب تصريحات ترمب.


أسعار الغاز في أوروبا تتراجع 15 % بعد تصريحات ترمب بشأن الحرب

لوحة تعرض أسعار النفط في محطة وقود بمدينة تولوز جنوب غربي فرنسا (أ.ف.ب)
لوحة تعرض أسعار النفط في محطة وقود بمدينة تولوز جنوب غربي فرنسا (أ.ف.ب)
TT

أسعار الغاز في أوروبا تتراجع 15 % بعد تصريحات ترمب بشأن الحرب

لوحة تعرض أسعار النفط في محطة وقود بمدينة تولوز جنوب غربي فرنسا (أ.ف.ب)
لوحة تعرض أسعار النفط في محطة وقود بمدينة تولوز جنوب غربي فرنسا (أ.ف.ب)

تراجعت أسعار الغاز في أوروبا نحو 15 في المائة يوم الثلاثاء، بعد أن أشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى إمكانية انتهاء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في وقت أقرب مما كان متوقعاً.

وانخفض سعر عقد الغاز الطبيعي الهولندي (TTF)، الذي يُعتبر المعيار الأوروبي، إلى نحو 48 يورو، بعد ارتفاع حاد في اليوم السابق.

وقال ترمب يوم الاثنين: «أعتقد أن الحرب قد انتهت تقريباً»، وهو ما ساهم أيضاً في انخفاض أسعار النفط.