هل يجوز لنا أن ندّعي امتلاك الحقيقة؟

ستانلي نجارا سمى نفسه «ملك أفريقيا للواقي الذكري» يوعي الناس في اليوم العالمي للإيدز وسط العاصمة الكينية نيروبي في 1 ديسمبر 2022 (رويترز)
ستانلي نجارا سمى نفسه «ملك أفريقيا للواقي الذكري» يوعي الناس في اليوم العالمي للإيدز وسط العاصمة الكينية نيروبي في 1 ديسمبر 2022 (رويترز)
TT

هل يجوز لنا أن ندّعي امتلاك الحقيقة؟

ستانلي نجارا سمى نفسه «ملك أفريقيا للواقي الذكري» يوعي الناس في اليوم العالمي للإيدز وسط العاصمة الكينية نيروبي في 1 ديسمبر 2022 (رويترز)
ستانلي نجارا سمى نفسه «ملك أفريقيا للواقي الذكري» يوعي الناس في اليوم العالمي للإيدز وسط العاصمة الكينية نيروبي في 1 ديسمبر 2022 (رويترز)

السائدُ بين الناس في جميع الحضارات أنّ الهويّة تُبنى على الحقيقة. ما من أحدٍ يرغب، وهو يَنعم بوعيه الكامل، في بناء ذاتيّته على الضلال. حتّى الانحراف الذي نعاينه في فكر الآخرين وفي مسلكهم إنّما يرمز في مداركهم إلى عين الحقيقة. غالباً ما تكون الحقيقة التي أدافع عنها ضلالاً في نظر الآخرين، والحقيقة التي ينتصرون لها زيفاً في نظري. ومن ثمّ، يَتبيّن للجميع أنّ الحقيقة مَطلبُ الإنسان الأوّل والأخير، حتّى لو أفصح الناسُ عن هذا المطلب في صُوَر شتّى، وكيفيّات متباينة، وتعابير مختلفة. غير أنّ اعتصام الجميع بمطلب الحقيقة يستثير فينا استفساراً فلسفيّاً خطيراً: إذا كان الجميع يُصرّون على معرفة الحقيقة وإدراكها والاعتصام بها والسير على هديها، فيكف يُعقَل أنّ الناس يختلفون اختلافاً مُربكاً في مسائل الفكر وقضايا الاعتقاد وأنماط المسلك؟
لا يخفى على أحد التعليلُ الإقصائيُّ الذي يستجلي الاحتمالات المعرفيّة الثلاثة: إمّا أن يكون الجميع على ضلال، وإمّا أن تكون فرقةٌ واحدةٌ ناجيةً وسائرُ الملَل على ضلال، وإمّا أن يكون الجميع على حقّ. غير أنّ الاحتمال الثالث هذا يستوجب القول إنّ الحقيقة التي يدّعي الجميعُ الانتسابَ إليها إنّما تتحقّق في معرفة نسبيّة ناقصة لا تؤهّلنا لادّعاء الإمساك بالحقيقة. لا بدّ، والحال هذه، من التذكير بأنّ الادّعاء المعرفيّ المهيمن في جميع المجتمعات يميل إلى تأييد الاحتمال الثاني الذي يؤثِر انتسابَ الذات إلى الحقيقة، وإعراضَ الآخرين عنها. في جميع الأحوال، لا نستطيع أن نفصل فصلاً قاطعاً في هذه المسألة، إذ إنّ العقدة الأصليّة تكمن في استحالة تعريف الحقيقة تعريفاً جامعاً مانعاً. وهذا ما أودّ أن أبيّنه في التحليل الفلسفيّ الوجيز الذي أسوقه هنا.
وعليه، يجب أن نبدأ فنتدبّر بعض القواعد المنهجيّة الضروريّة الخليقة بإرشادنا إلى السبيل الفكريّ الأقوم والأنسب. ذلك بأنّ منهجيّة التفكير تؤثّر تأثيراً بالغاً في الخلاصات التي يمكن أن يُفضي إليها العقلُ المتأمّلُ في مقام الحقيقة. تقضي القاعدة الأولى بأن يراعي الإنسانُ أحكامَ الوضعيّة التاريخيّة التي تكتنف الحقيقة. فالتاريخ البشريّ التعدّديّ التلمّسيّ النسبيّ هو الموضع الوحيد الذي يختبر فيه الإنسانُ الحقيقةَ. لا يمكننا أن ننفصل عن قرائن هذا العالم حتّى نختبر الحقيقة المطلقة في ملء كمالها. لا ضرورة هنا للتذكير بنقديّة كانط الصائبة حين رسم أنّ كلّ معرفة تبدأ على المستوى الحسّيّ الخاضع لقوانين الزمان والمكان.
من طبيعة أحكام الوضعيّة التاريخيّة أن يتّضع الناسُ حين يتحدّثون عن الحقيقة، حقيقتهم الذاتيّة وحقيقة الآخرين والحقيقة بحدّ ذاتها. من مقتضيات الاتّضاع المعرفيّ أوّلاً أن يعترف الناسُ بأنّ كلّ حقيقة من حقائق الوجود لا تستقيم إلّا بارتباطها الوثيق بالقرائن التاريخيّة التي نشأت فيها. ومن ثمّ، فإنّها تخضع لمنطق الصيرورة التاريخيّة وحركة التبدّل والتطوّر. من هذه المقتضيات ثانياً أنّ الحقيقة ترتبط بالنيّات التي تنطوي في أفعال الناس. بيد أنّ هذه النيّات أشبهُ بمقاصد منحجبة تخضع لقانون الظهور التدرّجيّ، والاستنضاج المرحليّ، والاستيضاح المتنامي. ليست النيّة الدفينة واضحةَ المعالم في أذهان الأفراد الفاعلين في التاريخ، ولا في مدارك الذين يعاينون أثر هذه الأفعال. لذلك لا يجوز لنا أن نتسرّع في الحكم القاطع على حقيقة هذا الفعل أو ذاك، ما دام على اقترانٍ وثيقٍ بفكرةٍ منحجبةٍ ما برحت في طور الظهور النامي.
من هذه المقتضيات ثالثاً أنّ الحقيقة تقترن بوجهة نظر القائلين بها، أي بالبيئة الثقافيّة التي يحيون فيها، وبالطبقة الاجتماعيّة التي ينتمون إليها، وبالاختبارات الذاتيّة التي أينعت في وعيهم، وبالانتظارات الطموحيّة التي يحتضنونها. من هذه المقتضيات رابعاً أنّ الحقيقة مقترنةٌ باللغة، واللغة لغاتٌ وألسنةٌ في أرجاء المسكونة الفسيحة. بما أنّ لكلّ لغة آفاقها وحدودها، فإنّ الحقيقة نسبيّةٌ في أصلها، أي منتسبةٌ إلى حدود اللغة التي نشأت فيها، ترسم لنا صورةً عن الواقع تَغلب عليها سماتُ الجزئيّة والاقتطاعيّة والانتقائيّة والمنظاريّة. اللغة صورةُ العالم في قرائن التعبير المقيَّد بهويّة الجماعة الثقافيّة. على غرار اللغة، لا يمكن الحقيقة أن تستقبل جميع تصوّرات الواقع، إذ إنّ طاقاتها التعبيريّة، على عظمتها وبهائها وغناها، لا تستوعب اختبارات الحياة في تنوّع تجلّياتها.
من هذه المقتضيات خامساً أنّ الحقيقة مفطورةٌ على التأويليّة، إذ إنّ الاختبار الإنسانيّ يستند على الدوام إلى حقلٍ من الفهم السابق الذي يتقدّم على صوغ الحقيقة وإدراكها. يعني هذا القول أنّ الوعي الإنسانيّ يعتنق الحقيقة قبل أن ينطق بها، أي أنّه يتصوّر الكون والعالم والحياة والوجود والإنسان والتاريخ تصوّراً متقدّماً على جميع الحقائق التي يناصرها، إذ إنّه وعيٌ منغرسٌ في وضعيّة الانتماء الثقافيّ التاريخيّ الضروريّ منذ هبة الولادة التي فُرضت عليه فرضاً. ذلك بأنّ الإنسان العارف ينخرط في موضوع معرفته انخراطاً ذاتيّاً، فيدرك الحقيقة بحسب بنيته الإدراكيّة. لكلّ إنسانٍ بنيتُه الاختباريّة في قول الحقيقة، على ما كان يذهب إليه توما الأكوينيّ (1225 - 1274) إنّ «الأمور التي يَعرفها الإنسانُ إنّما يأتيها بحسب الكيفيّة المعرفيّة التي فُطرت عليها ذاتُه العارفةُ» (الخلاصة اللاهوتيّة). ومن ثمّ، لا يجوز أن تنشأ معرفةٌ إنسانيّةٌ محايدةٌ، موضوعيّةٌ، مطلقةُ الصلاحية، منسلخةٌ عن بنية الإنسان العارف.
من هذه المقتضيات سادساً أنّ الحقيقة حواريّةٌ في صميم جوهرها. ذلك بأنّ المعرفة لا تُكتسَب اكتساباً منعزلاً عن سياق التنوّع الإنسانيّ الكونيّ، بل في قرائن المواجهة التقابسيّة المغنية بين الأفراد. أغنى الحقائق تلك التي يفوز بها الناس شيئاً فشيئاً بالتضامن الصادق، والتحاور المنفتح، والتقابس المعقود على استنطاق وقائع الوجود من غير تشويه أو تضليل أو هيمنة. وحده نهج المساءلة والإجابة خليقٌ باستنباط أفضل صيَغ الحقيقة التاريخيّة الممكنة.
إذا تقيّد الناسُ بمثل هذه الأحكام، استطاعوا أن ينهجوا نهجاً سلاميّاً في تدبّر تنوّع التصوّرات الفكريّة المبثوثة في أرجاء المسكونة قاطبة. ولكن هل يضطرّنا ذلك كلُّه إلى التنكّر للحقيقة التي نركن إليها ونعتصم بها ومنها نغترف معاني حياتنا؟ ليس المطلوب انتباذ الحقيقة التي تعوّدنا الاستناد إليها، بل التمييز بين ضربَين من الحقيقة: الحقيقة الاقتضائيّة، والحقيقة الاعتقاديّة. تدلّ الأولى على جميع الخلاصات العلميّة التي أفضى إليها النموذج المعرفيّ السائد في حقبةٍ من حقَب التاريخ الإنسانيّ، في حين تشير الثانية إلى التصوّرات الاستنسابيّة التي يرتاح إليها الناسُ في حقولٍ شتّى من الوعي والإدراك والاختبار. يقيني أنّ معظم حقائق الوجود اعتقاديّة، في حين تقتصر الحقائق الاقتضائيّة على بضعة من مسلّمات علميّة قاهرة التي لا يجوز أن يرفضها عاقلٌ، ولو أنّ الخلفيّات المعرفيّة الإبّيستِمولوجيّة الناظمة لا تني تتغيّر وتتطوّر وفقاً لاتّساع رقعة الاختبار العلميّ وتبدّل قوانين الفضاء الذي تنشط فيه هذه الاختبارات.
أمّا الاعتقاديّات فتملأ الوعي الإنسانيّ الفرديّ والجماعيّ، وذلك بخلاف ما يعتقد معظمُ الناس. في العلوم الإنسانيّة، وفي الفنّيّات، وفي الدِّينيّات، وفي الاجتماعيّات، لا يستقرّ الناسُ على رأي واحد، إذ تخضع أحكامُهم لمبدأ التأويل التاريخيّ. مَن منّا يستطيع أن يجزم جزماً قاطعاً تفسيرَ أثر الإمبراطوريّة الرومانيّة في تاريخ البشريّة؟ مَن منّا يستطيع أن يبتّ بتّاً حاسماً طبيعة الفائدة التي جنتها الحضارة من اكتساح الأُوروبّيّين الأرضَ الأمِيركيّة في القرن الخامس عشر؟ مَن منّا يستطيع أن يقرّر قراراً مطلقاً فيعلن أنّ معزوفة بيتهوفن أعذب من معزوفة موتسارت؟ أو أنّ ملحمة غيلغامش أرقى من ملحمة هوميروس؟ أو أنّ رسومات القرون الوسيطة أجملُ من ابتكارات التكعيبيّين المعاصرة؟
حتّى في المسائل الطبّيّة أو القرارات الحياتيّة أو الاختيارات الوجوديّة لا يستطيع الناس أن يقطعوا أمراً من الأمور من غير أن يستندوا عفويّاً إلى الاستنسابيّة الذاتيّة التي تُلهم وعيهم وتوجّه مداركَهم. مَن منّا يجرؤ فيفاضل بين حياة الأمّ أو حياة الجنين في حال خطر الموت المحدِق؟ أو بين المصابين بـ«كورونا» في حال عجز المستشفى عن معالجة الجميع؟ أو بين الاستثمار في الطاقة البيئيّة النظيفة المتجدّدة المحدودة الإمكانات، والطاقة النوويّة الواسعة المجالات في حال العزم على استنقاذ الناس الغارقين في ظلمات الفقر والجهل؟
لن أطيل اللائحة التي قد تبلغ حدود الاستفسار عن أحقّيّة المعتقد الدِّينيّ هذا أو ذاك، أو المذهب السياسيّ هذا أو ذاك، أو المسلك الاجتماعيّ هذا أو ذاك. جلُّ المسألة أنّ قرارات الإنسان الحياتيّة الأساسيّة إنّما تنسلك في حقل الحقيقة الاعتقاديّة، ولو أنّ معظم الناس، حرصاً منهم على أعظميّة قرارهم وصوناً لمنعتهم النفسيّة القائمة على التيقّن اليوميّ من صحّة الاعتناق، يرفضون حصرَ حقائقهم في حقل الاعتباريّات الذاتيّة النسبيّة. غير أنّ مثل هذا الحصر لا يُبطل بهجة الإنسان بما يركن إليه من حقائق، شرطَ أن تحترم حقائقُه هذه أصولَ التعامل الإنسانيّ المبنيّ على مبادئ شرعية حقوق الإنسان الكونيّة وقيَمها الهادية. لستُ من الذين يظنّون أنّ اعتقاديّة الحقيقة تُهين مُعتنقَها. غير أنّي لا أقبل أن يُهين مدّعي الإمساك بالحقيقة المطلقة كرامةَ الناس حين يَفرض عليهم استعلاءَه المرَضي الخبيث. ليست كرامة الحقيقة في المفاضلة بين صفتها الاعتقاديّة وصفتها الاقتضائيّة، بل في حرص الإنسان على احترام الكرامة الإنسانيّة في شخصه وفي شخص الآخرين.

- مفكر لبناني


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

بين المسامحة وتعداد نعمك... 14 طريقة بسيطة ترفع مستوى سعادتك

قضاء الوقت مع أشخاص يهتمون لأمرك يمنحك شعوراً بالسعادة (بيكسلز)
قضاء الوقت مع أشخاص يهتمون لأمرك يمنحك شعوراً بالسعادة (بيكسلز)
TT

بين المسامحة وتعداد نعمك... 14 طريقة بسيطة ترفع مستوى سعادتك

قضاء الوقت مع أشخاص يهتمون لأمرك يمنحك شعوراً بالسعادة (بيكسلز)
قضاء الوقت مع أشخاص يهتمون لأمرك يمنحك شعوراً بالسعادة (بيكسلز)

يقضي كثير من الناس حياتهم وهم يسعون إلى بلوغ حالة شبه دائمة من السعادة، معتقدين أنها ستتحقق وتستمر بمجرد الوصول إلى أهدافهم المالية أو العاطفية أو المهنية. ورغم أن السعادة لا يمكن أن ترافق الإنسان في جميع أيام حياته، فإن هناك العديد من الطرق التي يمكن اتباعها لرفع منسوب السعادة وتحسين الرفاهية النفسية. وفيما يلي أبرز هذه الطرق، وفقاً لموقع «ويب ميد»:

1. أضف بعض الحيوية إلى خطواتك

يقول العلماء إن المشي بخُطى واثقة مع تحريك الذراعين يُسهم في تعزيز الشعور بالإيجابية. وحتى إن لم تكن تشعر بالسعادة، فإن المشي بنشاط وحيوية قد يساعدك على التظاهر بها إلى أن تتحول إلى شعور حقيقي.

2. ابتسامة عريضة

هل ترغب في تحسين معنوياتك؟ ارفع زوايا فمك وابتسم. فعندما تبتسم بصدق، يمكنك التأثير في كيمياء دماغك والشعور بمزيد من السعادة.

3. تطوّع

ابحث عن فرص للمشاركة في مجتمعك أو لمساعدة صديق محتاج. فالتطوع لا يفيد الآخرين فحسب، بل ينعكس إيجاباً عليك أيضاً؛ إذ يُسهم في تحسين صحتك النفسية ورفاهيتك.

4. كوّن صداقات جديدة

قضاء الوقت مع أشخاص يهتمون لأمرك يمنحك شعوراً بالسعادة. لذا، كن منفتحاً على تكوين علاقات جديدة، سواء مع شخص تقابله في العمل، أو في النادي الرياضي، أو الحديقة العامة. وفي الوقت نفسه، احرص على الحفاظ على العلاقات التي تدوم مدى الحياة. وتُظهر الدراسات أن زيادة عدد العلاقات الاجتماعية ترتبط بارتفاع مستوى السعادة.

5. عدّد نعمك

دوّن كل ما هو جميل في حياتك. فبذل جهد واعٍ للنظر إلى الجانب المشرق يساعدك على التركيز على الإيجابيات بدلاً من السلبيات.

6. مارس الرياضة

قد لا يتطلب الأمر أكثر من خمس دقائق من النشاط البدني لتحسين مزاجك. إضافة إلى ذلك، فإن لتحريك جسمك فوائد طويلة الأمد؛ إذ تُسهم ممارسة الرياضة بانتظام في الوقاية من الاكتئاب.

7. سامح وانسَ

هل تحمل ضغينة في داخلك؟ دعها ترحل. فالمسامحة تُحررك من الأفكار السلبية، وتفتح المجال أمام السلام الداخلي، وهو ما يُمهّد الطريق للشعور بالسعادة.

8. مارس التأمل الذهني

خصّص ساعة واحدة أسبوعياً لممارسة التأمل. فهذا يمنحك جرعة من البهجة والسكينة والرضا، كما يُساعد على تكوين مسارات عصبية جديدة في الدماغ تُسهّل الشعور بالإيجابية.

9. شغّل بعض الموسيقى

للموسيقى تأثير قوي في المشاعر. اختر قائمة الأغاني المفضلة لديك، وانغمس في الإيقاع، وستشعر بتحسّن واضح في حالتك المزاجية.

10. احصل على قسط كافٍ من النوم

يحتاج معظم البالغين إلى سبع أو ثماني ساعات من النوم كل ليلة للحفاظ على مزاج جيد. وتزداد احتمالات الشعور بالسعادة عندما تحصل على قدر كافٍ من الراحة.

11. تذكّر «لماذا» تفعل ما تفعل

عندما يكون لديك هدف واضح تسعى إليه - سواء في العمل، أو ممارسة الرياضة، أو القيام بأعمال الخير - فإن ذلك يمنح حياتك معنى أعمق. ومع ضغوط الحياة اليومية، قد يسهل نسيان هذا الهدف؛ لذا خذ لحظة لاستحضاره في ذهنك. فالسعادة لا تقتصر على المتعة اللحظية، بل تشمل أيضاً الشعور بالرضا عند التقدّم نحو أهدافك.

12. تحدَّ صوتك الداخلي الناقد

هل تعرف ذلك الصوت الداخلي الذي يركّز دائماً على ما هو غير جيد؟ حاول أن تنتبه إلى اللحظات التي يؤثر فيها على مزاجك. أحياناً يكون محقاً وينبّهك إلى أمر يستحق الانتباه، لكنه في أحيان أخرى يكون مخطئاً أو يُضخّم الأمور ويجعلها تبدو أسوأ مما هي عليه. اسأل نفسك دائماً: «هل هذا صحيح؟».

13. انطلق نحو تحقيق أهدافك

اسأل نفسك عما إذا كانت أهدافك واقعية وقابلة للتحقيق في الوقت الحالي، أو على الأقل يمكن البدء بالعمل عليها. ثم حدّد هدفك بدقة؛ فبدلاً من قول «ممارسة الرياضة أكثر»، قل مثلاً «المشي لمدة 30 دقيقة يومياً ثلاث مرات هذا الأسبوع»، أو «تناول سلطة على الغداء مرتين هذا الأسبوع». دوّن هدفك، وكافئ نفسك على كل خطوة تُحرزها في طريق تحقيقه.

14. ابحث عن الأشخاص الإيجابيين

كما يُقال: «المشاعر معدية». لذلك، من المهم أن تُحيط نفسك بأشخاص واثقين، ومتفائلين، ويتمتعون بصحة نفسية جيدة. ومن المرجّح أن تنتقل إليك هذه الصفات، فتشعر بتحسّن ملحوظ، وحينها يمكنك بدورك نقل هذا الشعور الإيجابي إلى الآخرين.


تونس تكسر غياب السينما العربية عن المسابقة الرسمية في برلين

الملصق الترويجي للفيلم الجزائري - الفلسطيني (إدارة المهرجان)
الملصق الترويجي للفيلم الجزائري - الفلسطيني (إدارة المهرجان)
TT

تونس تكسر غياب السينما العربية عن المسابقة الرسمية في برلين

الملصق الترويجي للفيلم الجزائري - الفلسطيني (إدارة المهرجان)
الملصق الترويجي للفيلم الجزائري - الفلسطيني (إدارة المهرجان)

تكسر السينما التونسية الغياب العربي عن مهرجان «برلين السينمائي» في مسابقته الرسمية بالنسخة الـ76 التي تنطلق يوم 12 إلى 22 فبراير (شباط) المقبل من خلال فيلم «بيت الحس» للمخرجة ليلى بوزيد مع عرض أفلام مصرية ولبنانية وجزائرية وفلسطينية وسودانية ضمن البرامج المختلفة للمهرجان الألماني البارز.

وظهرت قائمة الأفلام المشاركة في المهرجان بعد إقامة المؤتمر الصحافي للإعلان عن تفاصيل الدورة الجديدة التي تشهد اختيار المغرب كضيف شرف لسوق الفيلم الأوروبي المقامة ضمن فعاليات المهرجان بهدف تسليط الضوء على الإنتاج السينمائي المغربي.

ويمثل السينما العربية بالمهرجان في المسابقة الرسمية «بيت الحس» الذي تقوم ببطولته آية بوترعة، وهيام عباس، وماريون وباربو، وفريال شماري، ومن إخراج ليلى بوزيد، وتدور أحداثه حول «ليلى» التي تعود إلى تونس من مقر إقامتها في فريس لحضور جنازة عمها، لكنها تصطدم بعائلة لا تعرف عنها شيئاً، وفي مواجهة عدة أسئلة حائرة تبدأ رحلتها لمحاولة التوصل لمعرفة سبب الوفاة المفاجئة لعمها.

يعرض الفيلم التونسي للمرة الأولى عالمياً في المسابقة الرسمية للمهرجان (إدارة المهرجان)

وتضم أفلام المسابقة الرسمية هذا العام 22 فيلماً منها الياباني «فجر جديد»، والأميركي «على البحر»، والبلجيكي «تراب»، والألماني «قصص محلية»، والتركي «خلاص» المدعوم من مهرجان «البحر الأحمر»، بينما أكدت إدارة المهرجان في مؤتمر صحافي، الثلاثاء، حرصهم على تقديم اختيارات متنوعة تمزج بين الكوميديا الساخرة وأفلام الإثارة النفسية وقصص الحب.

وفي مسابقة الأفلام القصيرة يشارك الفيلم اللبناني «يوماً ما ولد» من إخراج ماري روز أسطا، وهو العمل الذي تدور أحداثه حول طفل يمتلك قوى استثنائية، ويعيش مع خاله في قرية لبنانية، لكن هدير الطائرات الحربية الذي يكون جزءاً من المشهد اليومي يؤثر في الطفل الصغير.

ويعرض الفيلم الجزائري - الفلسطيني «وقائع زمن الحصار» للمخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب في برنامج «العمل الروائي الأول» وهو الفيلم الذي تدور أحداثه في قلب مخيم لاجئين فلسطينيين تحت الحصار، حيث تنقلب الحياة اليومية لمجموعة من الفلسطينيين في ظل العزلة وانعدام الموارد، فيجد الأبطال أنفسهم أمام اختيارات قاسية.

ويعتمد الفيلم على تقديم وجهة نظر فلسطينية تستند إلى سرد صادق يلتقط التفاصيل الصغيرة والصمت والروابط الإنسانية مع الصعوبات التي يمر بها الأبطال في تجربة تستند إلى حكاية شخصية للمخرج خلال حصار مخيم «اليرموك» لكن مع تحرير السرد من أي سياق زمني أو جغرافي.

وفي البرنامج نفسه يشارك الفيلم اللبناني «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» للمخرجة رانيا الرافعي وهو عمل وثائقي يستعيد 5 لحظات ثورية مرت بها مدينة طرابلس اللبنانية من 1943 وحتى اليوم، عبر تتبع مسار الاحتجاجات والتحولات في تجربة تمزج بين الذاكرة الشخصية والجماعية، بتقديم المدينة بوصفها نموذجاً لتحولات عدة.

يعرض الفيلم المصري «خروج آمن» في المهرجان (الشركة المنتجة)

وتفتتح عروض برنامج «البانوراما» بالفيلم اللبناني «لمن يجرؤ» للمخرجة دانيال عربيد، وتشارك في بطولته هيام عباس إلى جوار أمين بن رشيد، وتدور أحداثه في بيروت حول قصة حب غير متوقعة بين عثمان الشاب السوداني الذي يعيش بلا أوراق رسمية ويسعى لمستقبل أفضل، وسوزان الأرملة ذات الأصول الفلسطينية التي تكبره بأكثر من ضعف عمره، في تجربة تطرح العديد من القضايا حول الهوية والحب.

كما يعرض فيلم «خروج آمن» للمخرج المصري محمد حماد، ويقوم ببطولته مروان وليد ونهى فؤاد، وينتمي لنوعية أفلام التشويق من خلال قصة حارس أمن شاب يعاني من تداعيات صدمة مقتل والديه في أحداث عنف ديني قبل عقد.

وفي عروض قسم «الفورم الممتد» يستعيد المهرجان عرض فيلمين من كلاسيكيات السينما المصرية والسودانية، فمن مصر يعرض المهرجان النسخة المرممة من فيلم «أغنية توحة الحزينة» للمخرجة الراحلة عطيات الأبنودي وهو أول أعمالها السينمائية، ويبرز عالم فناني الشارع في القاهرة بمصاحبة صوت الشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودي، وسبق أن حصد جوائز عدة في عدة مهرجانات وقت عرضه.

أما من السودان فيعيد المهرجان عرض فيلم «خلع العنبر» للمخرج الراحل حسين شريف الذي عرض عام 1975 وصور في مدينة سواكن شرق البلاد معتمداً على الصوت الغنائي للمطرب الراحل عبد العزيز داود في إبراز المدينة التي كانت يوماً مركزاً تجارياً نابضاً بالحياة قبل أن تتحول إلى أطلال.

وقال الناقد المصري أندرو محسن لـ«الشرق الأوسط» إن «التواجد العربي ضمن فعاليات المهرجان متناسب مع الإنتاجات السينمائية المحدودة عربياً التي يمكنها المشاركة في المهرجان بالإضافة إلى تفضيل بعض صناع الأفلام العرب عرض أفلامهم في مهرجان (كان) الذي توجد فيه برامج أكثر تضم أفلاماً مختلفة».

وأضاف أن «قدرة الأفلام العربية على المنافسة على الجوائز في برامج المهرجان لا يمكن توقعها لاعتبارات عدة منها جودة الأفلام المختارة واختيارات لجان التحكيم ومعاييرها».


فالنتينو غارافاني يرحل... عالم الموضة يُودّع الإمبراطور الأخير

المصمم في افتتاح معرض «فالنتينو: أستاذ الكوتور» بلندن عام 2012
المصمم في افتتاح معرض «فالنتينو: أستاذ الكوتور» بلندن عام 2012
TT

فالنتينو غارافاني يرحل... عالم الموضة يُودّع الإمبراطور الأخير

المصمم في افتتاح معرض «فالنتينو: أستاذ الكوتور» بلندن عام 2012
المصمم في افتتاح معرض «فالنتينو: أستاذ الكوتور» بلندن عام 2012

توفي يوم الاثنين في منزله بروما فالنتينو غارافاني؛ المصمم الذي شكّل أسلوب جيل كامل، ولم يكتفِ بابتكار أناقة مفعمة بالترف، بل تماهى معها حتى غدت جزءاً من صورته العامة. مصمم وصفه والتر فيلتروني، عمدة روما عام 2005، بالقول: «في إيطاليا، هناك البابا، وهناك فالنتينو». وبمجرد إعلان خبر وفاته أمس، نعته رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، قائلة إن «إيطاليا خسرت أسطورة». توصيف ليس مبالغاً فيه، إذ برحيل فالنتينو غارافاني لم يُسدل الستار على عهد كامل زمنياً، بل انتهى عهد الكبار حرفياً.

المصمم يحيي ضيوفه بعد انتهاء عرض لخريف 2006 وشتاء 2007 في باريس (أ.ف.ب)

كان فالنتينو من جيل الكبار، الذين لم يعيشوا عصر «الترندات»، بل كانوا يتنافسون على التميز وكسب ودّ المرأة مهما استغرق التصميم من وقت وجهد. ورغم المنافسة الفنية التي كانت دائرة في عصره بين مصممين كبار في باريس، نجح في أن يرسم لنفسه خطاً واضحاً يرمز للحياة المرفهة الراقية في هدوئها. حتى لم تكن في أقصى أنوثتها مشروع إثارة، بل لوحة تجسد جمالاً يحتفل بالفخامة. هذه اللوحة لا تزال مرجعية لكل المصممين الذين توالوا على إدارة داره بعد اعتزاله في يناير (كانون الثاني) 2008.

لم يرضَ عنهم كلهم. كان خائفاً على هويته من الذوبان في أساليب تُهمِّش شيفرته الجينية لحساب استعراضات شخصية، لكنه اقتنع بابن بلده ببييرباولو بيكيولي، وربط معه علاقة طويلة دامت نحو 17 سنة. كان هذا الأخير أكثر من فهم شخصيته واحترم أن أسلوبه كان ثقافة قائمة بذاتها.

كان يعشق بريق النجمات ويقدم لهن أجمل الفساتين من جوليا روبرتس وكايت بلانشيت إلى سارة جيسيكا باركر (رويترز)

لم يُسوِّق لأسلوبه عبر علاقته مع نجمات هوليوود، مثل إليزابيث تايلور، وآفا غاردنر، ولانا تيرنر، وأودري هيبورن، وشارون ستون، وجوليا روبرتس، وغيرهن، بل عاشها هو نفسه بأناقته وفي حياته الخاصة. لم يُخفِ عشقه للموضة ولا ميله لحياة الترف، إلى حد القول إنه لم يكن أقل بذخاً أو أناقة من زبوناته من الطبقات الراقية والمالكة، مثل زوجة مؤسس شركة «فيات» ماريلا أنييلي، والأميرة ديانا، وفرح ديبا التي خرجت من إيران مرتدية معطفاً من تصميمه، ونانسي ريغان، وجاكي كينيدي وغيرهن.

فقد كان يتنقل على متن طائرة خاصة، بين قصره في روما، وشقة في نيويورك، وقصر بالقرب من باريس، وشاليه في غشتاد، ويخت طوله 50 متراً. في كتاب سيرته الذاتية، الذي نشرته «دار تاشن» عام 2007 قال: «بعض الناس يعملون بجدّ لدرجة أنهم يصبحون (معذبين)، أنا لست كذلك، أنا أريد أن أكون سعيداً حين أصمم فستاناً».

مع الممثلة إليزابيث هيرلي بفستان أحمر من تصميمه عام 2007 (أ.ب)

البداية

وُلد «فالنتينو كليمنتي لودوفيكو غارافاني» في 11 مايو (أيار) 1932 في فوغيرا، وهي بلدة صغيرة جنوب ميلانو، لعائلة من الطبقة المتوسطة. سُمّي فالنتينو تيمّناً بنجم السينما الصامتة. كان مثله وسيماً وأنيقاً. منذ صغره، لم يكن يقبل سوى بأحذية مُصمّمة خصيصاً له، ولا يخرج قبل أن يتأكد من أناقته. في تصريح سابق لمجلة «إيل» اعترف قائلاً: «أعاني من هذا الشغف منذ صغري، فأنا لا أحب إلا الأشياء الجميلة. لا أحب رؤية رجال بلا ربطات عنق، أو يرتدون كنزات، أو نساء بماكياج صارخ وسراويل فضفاضة. إنّ ذلك يعكس سوء تربية وانعدام احترام الذات». ومما يذكره المصمم بييرباولو بيكيولي عنه أنه نصحه في إحدى المرات بأن يتجنب تنسيق أحذية جلدية مع أزياء مصنوعة من أقمشة الموسلين. هذه التفاصيل لم تكن تفوته.

مع الممثلة آن هاثاوي عام 2011 التي ربطته معها علاقة صداقة وقد صمم لها فستان زفافها حتى بعد اعتزاله (أ.ب)

بسبب إصراره وحبّه للموضة، سمح له والده، وهو صاحب شركة متخصصة في الكابلات الكهربائية، بالالتحاق في سن السابعة عشرة بمدرسة الفنون الجميلة في باريس والانضمام إلى غرفة النقابة المهنية للأزياء الراقية. وقد أثّر أسلوب تلك الحقبة، الذي أعادت دار ديور تعريفه، على نظرته الجمالية المستقبلية، إذ ركزت تصاميمه على إبراز المرأة بخصر محدد وكعب عالٍ. لكن رغم تأثره بمصممي عصره، نجح في أن يضخّ أسلوبه بروح إيطالية ميّزته عن غيره.

في عام 1952، انضم إلى دار جان ديسيس، التي كانت تُلبس زبونات ثريات وأفراداً من العائلات الملكية، قبل أن ينتقل إلى دار «غي لاروش» عام 1957. وتقول مصممة الأزياء جاكلين دو ريب، وفق ما تنقل عنها مؤسسة فالنتينو: «عندما قرر العودة إلى روما، قلت له إنه مجنون لمغادرة مركز الموضة العالمي. فروما لم تكن ذات أهمية، كانت مجرّد منطقة ثانوية بالمقارنة بباريس»، لكنه أصرّ. وفي عام 1960، افتتح فيها دار أزياء خاصة بتمويل من والده وبعض أصدقاء والده، في شارع «فيا دي كوندوتي» الشهير. كان قراره صائباً، ففي ستينات القرن العشرين، أصبحت روما امتداداً لهوليوود بفضل استوديوهات شينشيتا، لتُقبل نجمات مثل أنيتا إيكبرغ، وصوفيا لورين، وإليزابيث تايلور على تصاميمه. وفي عام 1962 قدّم في قصر بيتي بفلورنسا مجموعته الأولى التي تميّزت بتصاميم بالأحمر الإمبراطوري، الذي يُعرف بـ«أحمر فالنتينو» حتى الآن.

كان تعاونه مع جاكلين كينيدي بعد زواجها بأريستوتل أوناسيس نقطة تحول في مسيرته (أ.ب)

كان لقاؤه بجاكي كينيدي عام 1964 نقطة تحوّل في حياته، إذ تولّى تصميم أزيائها بالكامل. وفي حفلة زفافها على رجل الأعمال اليوناني أرسطو أوناسيس عام 1968، اختارت فستاناً عاجياً بالدانتيل من مجموعته البيضاء الشهيرة. كان لهذه العلاقة مفعول السحر عليه، إذ حقّق بعدها نجاحاً باهراً في الولايات المتحدة، وأصبح سنة 1970 أول مصمم أزياء إيطالي يفتتح متجراً في نيويورك. لكن لا يمكن الحديث عن نجاحه هذا من دون ذكر اسم شريكه وصديق عمره جانكارلو جاميتي. كان رجل أعمال ذا ذوق رفيع لعب دوراً مهماً في أن يجعل اسم «فالنتينو» رمزاً عالمياً من خلال عمليات استحواذ متتالية واقتناء قطع فنية. لم تكن علاقتهما سهلة، لكنها كانت مبنية على الاحترام، حسب ما صرّح به في الفيلم الوثائقي: «فالنتينو، الإمبراطور الأخير»: «أن تكون صديق فالنتينو وشريكه وموظفه لأكثر من 45 عاماً يتطلب قدراً كبيراً من الصبر». وفق تصريحه.

فالنتينو وشريكه وصديقه جيانكارلو جياميتي في حفل فانيتي فير عام 2013 (أ.ف.ب)

محطات في تاريخه

جمع فالنتينو بين الحرفية الإيطالية، والخياطة الفرنسية الراقية، والأزياء الجاهزة الأميركية، إذ تبرز تصاميمه القوام عند الكتفين والخصر. كان حريصاً على استعمال أجود أنواع الأقمشة، لأنه كان يؤمن بأنّ «المرأة يجب أن تخطف الأنظار أينما حلّت». في عام 1989، قرر التوقف عن عرض مجموعاته في أسبوع ميلانو، متوجهاً إلى باريس، المدينة التي درس فيها وأحبها وبادلته الحب، بأن منحته في عام 2006 وسام جوقة الشرف. في عام 2007، قدّم آخر عرض له محتفلاً بمسيرة مهنية امتدت 45 عاماً. كان عرضاً لا يزال العديد من محبي الموضة يذكرونه بالدموع. وفي عام 2008، أعلن اعتزاله رسمياً.

حينها قال جاميتي: «سيكون فالنتينو آخر الأسماء اللامعة التي منحت اسمها لدار قادرة على إحداث فرق جوهري بين الأمس واليوم». وكم كان محقّاً بالفعل.