هل يجوز لنا أن ندّعي امتلاك الحقيقة؟

ستانلي نجارا سمى نفسه «ملك أفريقيا للواقي الذكري» يوعي الناس في اليوم العالمي للإيدز وسط العاصمة الكينية نيروبي في 1 ديسمبر 2022 (رويترز)
ستانلي نجارا سمى نفسه «ملك أفريقيا للواقي الذكري» يوعي الناس في اليوم العالمي للإيدز وسط العاصمة الكينية نيروبي في 1 ديسمبر 2022 (رويترز)
TT

هل يجوز لنا أن ندّعي امتلاك الحقيقة؟

ستانلي نجارا سمى نفسه «ملك أفريقيا للواقي الذكري» يوعي الناس في اليوم العالمي للإيدز وسط العاصمة الكينية نيروبي في 1 ديسمبر 2022 (رويترز)
ستانلي نجارا سمى نفسه «ملك أفريقيا للواقي الذكري» يوعي الناس في اليوم العالمي للإيدز وسط العاصمة الكينية نيروبي في 1 ديسمبر 2022 (رويترز)

السائدُ بين الناس في جميع الحضارات أنّ الهويّة تُبنى على الحقيقة. ما من أحدٍ يرغب، وهو يَنعم بوعيه الكامل، في بناء ذاتيّته على الضلال. حتّى الانحراف الذي نعاينه في فكر الآخرين وفي مسلكهم إنّما يرمز في مداركهم إلى عين الحقيقة. غالباً ما تكون الحقيقة التي أدافع عنها ضلالاً في نظر الآخرين، والحقيقة التي ينتصرون لها زيفاً في نظري. ومن ثمّ، يَتبيّن للجميع أنّ الحقيقة مَطلبُ الإنسان الأوّل والأخير، حتّى لو أفصح الناسُ عن هذا المطلب في صُوَر شتّى، وكيفيّات متباينة، وتعابير مختلفة. غير أنّ اعتصام الجميع بمطلب الحقيقة يستثير فينا استفساراً فلسفيّاً خطيراً: إذا كان الجميع يُصرّون على معرفة الحقيقة وإدراكها والاعتصام بها والسير على هديها، فيكف يُعقَل أنّ الناس يختلفون اختلافاً مُربكاً في مسائل الفكر وقضايا الاعتقاد وأنماط المسلك؟
لا يخفى على أحد التعليلُ الإقصائيُّ الذي يستجلي الاحتمالات المعرفيّة الثلاثة: إمّا أن يكون الجميع على ضلال، وإمّا أن تكون فرقةٌ واحدةٌ ناجيةً وسائرُ الملَل على ضلال، وإمّا أن يكون الجميع على حقّ. غير أنّ الاحتمال الثالث هذا يستوجب القول إنّ الحقيقة التي يدّعي الجميعُ الانتسابَ إليها إنّما تتحقّق في معرفة نسبيّة ناقصة لا تؤهّلنا لادّعاء الإمساك بالحقيقة. لا بدّ، والحال هذه، من التذكير بأنّ الادّعاء المعرفيّ المهيمن في جميع المجتمعات يميل إلى تأييد الاحتمال الثاني الذي يؤثِر انتسابَ الذات إلى الحقيقة، وإعراضَ الآخرين عنها. في جميع الأحوال، لا نستطيع أن نفصل فصلاً قاطعاً في هذه المسألة، إذ إنّ العقدة الأصليّة تكمن في استحالة تعريف الحقيقة تعريفاً جامعاً مانعاً. وهذا ما أودّ أن أبيّنه في التحليل الفلسفيّ الوجيز الذي أسوقه هنا.
وعليه، يجب أن نبدأ فنتدبّر بعض القواعد المنهجيّة الضروريّة الخليقة بإرشادنا إلى السبيل الفكريّ الأقوم والأنسب. ذلك بأنّ منهجيّة التفكير تؤثّر تأثيراً بالغاً في الخلاصات التي يمكن أن يُفضي إليها العقلُ المتأمّلُ في مقام الحقيقة. تقضي القاعدة الأولى بأن يراعي الإنسانُ أحكامَ الوضعيّة التاريخيّة التي تكتنف الحقيقة. فالتاريخ البشريّ التعدّديّ التلمّسيّ النسبيّ هو الموضع الوحيد الذي يختبر فيه الإنسانُ الحقيقةَ. لا يمكننا أن ننفصل عن قرائن هذا العالم حتّى نختبر الحقيقة المطلقة في ملء كمالها. لا ضرورة هنا للتذكير بنقديّة كانط الصائبة حين رسم أنّ كلّ معرفة تبدأ على المستوى الحسّيّ الخاضع لقوانين الزمان والمكان.
من طبيعة أحكام الوضعيّة التاريخيّة أن يتّضع الناسُ حين يتحدّثون عن الحقيقة، حقيقتهم الذاتيّة وحقيقة الآخرين والحقيقة بحدّ ذاتها. من مقتضيات الاتّضاع المعرفيّ أوّلاً أن يعترف الناسُ بأنّ كلّ حقيقة من حقائق الوجود لا تستقيم إلّا بارتباطها الوثيق بالقرائن التاريخيّة التي نشأت فيها. ومن ثمّ، فإنّها تخضع لمنطق الصيرورة التاريخيّة وحركة التبدّل والتطوّر. من هذه المقتضيات ثانياً أنّ الحقيقة ترتبط بالنيّات التي تنطوي في أفعال الناس. بيد أنّ هذه النيّات أشبهُ بمقاصد منحجبة تخضع لقانون الظهور التدرّجيّ، والاستنضاج المرحليّ، والاستيضاح المتنامي. ليست النيّة الدفينة واضحةَ المعالم في أذهان الأفراد الفاعلين في التاريخ، ولا في مدارك الذين يعاينون أثر هذه الأفعال. لذلك لا يجوز لنا أن نتسرّع في الحكم القاطع على حقيقة هذا الفعل أو ذاك، ما دام على اقترانٍ وثيقٍ بفكرةٍ منحجبةٍ ما برحت في طور الظهور النامي.
من هذه المقتضيات ثالثاً أنّ الحقيقة تقترن بوجهة نظر القائلين بها، أي بالبيئة الثقافيّة التي يحيون فيها، وبالطبقة الاجتماعيّة التي ينتمون إليها، وبالاختبارات الذاتيّة التي أينعت في وعيهم، وبالانتظارات الطموحيّة التي يحتضنونها. من هذه المقتضيات رابعاً أنّ الحقيقة مقترنةٌ باللغة، واللغة لغاتٌ وألسنةٌ في أرجاء المسكونة الفسيحة. بما أنّ لكلّ لغة آفاقها وحدودها، فإنّ الحقيقة نسبيّةٌ في أصلها، أي منتسبةٌ إلى حدود اللغة التي نشأت فيها، ترسم لنا صورةً عن الواقع تَغلب عليها سماتُ الجزئيّة والاقتطاعيّة والانتقائيّة والمنظاريّة. اللغة صورةُ العالم في قرائن التعبير المقيَّد بهويّة الجماعة الثقافيّة. على غرار اللغة، لا يمكن الحقيقة أن تستقبل جميع تصوّرات الواقع، إذ إنّ طاقاتها التعبيريّة، على عظمتها وبهائها وغناها، لا تستوعب اختبارات الحياة في تنوّع تجلّياتها.
من هذه المقتضيات خامساً أنّ الحقيقة مفطورةٌ على التأويليّة، إذ إنّ الاختبار الإنسانيّ يستند على الدوام إلى حقلٍ من الفهم السابق الذي يتقدّم على صوغ الحقيقة وإدراكها. يعني هذا القول أنّ الوعي الإنسانيّ يعتنق الحقيقة قبل أن ينطق بها، أي أنّه يتصوّر الكون والعالم والحياة والوجود والإنسان والتاريخ تصوّراً متقدّماً على جميع الحقائق التي يناصرها، إذ إنّه وعيٌ منغرسٌ في وضعيّة الانتماء الثقافيّ التاريخيّ الضروريّ منذ هبة الولادة التي فُرضت عليه فرضاً. ذلك بأنّ الإنسان العارف ينخرط في موضوع معرفته انخراطاً ذاتيّاً، فيدرك الحقيقة بحسب بنيته الإدراكيّة. لكلّ إنسانٍ بنيتُه الاختباريّة في قول الحقيقة، على ما كان يذهب إليه توما الأكوينيّ (1225 - 1274) إنّ «الأمور التي يَعرفها الإنسانُ إنّما يأتيها بحسب الكيفيّة المعرفيّة التي فُطرت عليها ذاتُه العارفةُ» (الخلاصة اللاهوتيّة). ومن ثمّ، لا يجوز أن تنشأ معرفةٌ إنسانيّةٌ محايدةٌ، موضوعيّةٌ، مطلقةُ الصلاحية، منسلخةٌ عن بنية الإنسان العارف.
من هذه المقتضيات سادساً أنّ الحقيقة حواريّةٌ في صميم جوهرها. ذلك بأنّ المعرفة لا تُكتسَب اكتساباً منعزلاً عن سياق التنوّع الإنسانيّ الكونيّ، بل في قرائن المواجهة التقابسيّة المغنية بين الأفراد. أغنى الحقائق تلك التي يفوز بها الناس شيئاً فشيئاً بالتضامن الصادق، والتحاور المنفتح، والتقابس المعقود على استنطاق وقائع الوجود من غير تشويه أو تضليل أو هيمنة. وحده نهج المساءلة والإجابة خليقٌ باستنباط أفضل صيَغ الحقيقة التاريخيّة الممكنة.
إذا تقيّد الناسُ بمثل هذه الأحكام، استطاعوا أن ينهجوا نهجاً سلاميّاً في تدبّر تنوّع التصوّرات الفكريّة المبثوثة في أرجاء المسكونة قاطبة. ولكن هل يضطرّنا ذلك كلُّه إلى التنكّر للحقيقة التي نركن إليها ونعتصم بها ومنها نغترف معاني حياتنا؟ ليس المطلوب انتباذ الحقيقة التي تعوّدنا الاستناد إليها، بل التمييز بين ضربَين من الحقيقة: الحقيقة الاقتضائيّة، والحقيقة الاعتقاديّة. تدلّ الأولى على جميع الخلاصات العلميّة التي أفضى إليها النموذج المعرفيّ السائد في حقبةٍ من حقَب التاريخ الإنسانيّ، في حين تشير الثانية إلى التصوّرات الاستنسابيّة التي يرتاح إليها الناسُ في حقولٍ شتّى من الوعي والإدراك والاختبار. يقيني أنّ معظم حقائق الوجود اعتقاديّة، في حين تقتصر الحقائق الاقتضائيّة على بضعة من مسلّمات علميّة قاهرة التي لا يجوز أن يرفضها عاقلٌ، ولو أنّ الخلفيّات المعرفيّة الإبّيستِمولوجيّة الناظمة لا تني تتغيّر وتتطوّر وفقاً لاتّساع رقعة الاختبار العلميّ وتبدّل قوانين الفضاء الذي تنشط فيه هذه الاختبارات.
أمّا الاعتقاديّات فتملأ الوعي الإنسانيّ الفرديّ والجماعيّ، وذلك بخلاف ما يعتقد معظمُ الناس. في العلوم الإنسانيّة، وفي الفنّيّات، وفي الدِّينيّات، وفي الاجتماعيّات، لا يستقرّ الناسُ على رأي واحد، إذ تخضع أحكامُهم لمبدأ التأويل التاريخيّ. مَن منّا يستطيع أن يجزم جزماً قاطعاً تفسيرَ أثر الإمبراطوريّة الرومانيّة في تاريخ البشريّة؟ مَن منّا يستطيع أن يبتّ بتّاً حاسماً طبيعة الفائدة التي جنتها الحضارة من اكتساح الأُوروبّيّين الأرضَ الأمِيركيّة في القرن الخامس عشر؟ مَن منّا يستطيع أن يقرّر قراراً مطلقاً فيعلن أنّ معزوفة بيتهوفن أعذب من معزوفة موتسارت؟ أو أنّ ملحمة غيلغامش أرقى من ملحمة هوميروس؟ أو أنّ رسومات القرون الوسيطة أجملُ من ابتكارات التكعيبيّين المعاصرة؟
حتّى في المسائل الطبّيّة أو القرارات الحياتيّة أو الاختيارات الوجوديّة لا يستطيع الناس أن يقطعوا أمراً من الأمور من غير أن يستندوا عفويّاً إلى الاستنسابيّة الذاتيّة التي تُلهم وعيهم وتوجّه مداركَهم. مَن منّا يجرؤ فيفاضل بين حياة الأمّ أو حياة الجنين في حال خطر الموت المحدِق؟ أو بين المصابين بـ«كورونا» في حال عجز المستشفى عن معالجة الجميع؟ أو بين الاستثمار في الطاقة البيئيّة النظيفة المتجدّدة المحدودة الإمكانات، والطاقة النوويّة الواسعة المجالات في حال العزم على استنقاذ الناس الغارقين في ظلمات الفقر والجهل؟
لن أطيل اللائحة التي قد تبلغ حدود الاستفسار عن أحقّيّة المعتقد الدِّينيّ هذا أو ذاك، أو المذهب السياسيّ هذا أو ذاك، أو المسلك الاجتماعيّ هذا أو ذاك. جلُّ المسألة أنّ قرارات الإنسان الحياتيّة الأساسيّة إنّما تنسلك في حقل الحقيقة الاعتقاديّة، ولو أنّ معظم الناس، حرصاً منهم على أعظميّة قرارهم وصوناً لمنعتهم النفسيّة القائمة على التيقّن اليوميّ من صحّة الاعتناق، يرفضون حصرَ حقائقهم في حقل الاعتباريّات الذاتيّة النسبيّة. غير أنّ مثل هذا الحصر لا يُبطل بهجة الإنسان بما يركن إليه من حقائق، شرطَ أن تحترم حقائقُه هذه أصولَ التعامل الإنسانيّ المبنيّ على مبادئ شرعية حقوق الإنسان الكونيّة وقيَمها الهادية. لستُ من الذين يظنّون أنّ اعتقاديّة الحقيقة تُهين مُعتنقَها. غير أنّي لا أقبل أن يُهين مدّعي الإمساك بالحقيقة المطلقة كرامةَ الناس حين يَفرض عليهم استعلاءَه المرَضي الخبيث. ليست كرامة الحقيقة في المفاضلة بين صفتها الاعتقاديّة وصفتها الاقتضائيّة، بل في حرص الإنسان على احترام الكرامة الإنسانيّة في شخصه وفي شخص الآخرين.

- مفكر لبناني


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

باسم كريستو يستعد لعودة «رقص النجوم» بعد غياب 7 سنوات

المخرج اللبناني باسم كريستو (إنستغرام)
المخرج اللبناني باسم كريستو (إنستغرام)
TT

باسم كريستو يستعد لعودة «رقص النجوم» بعد غياب 7 سنوات

المخرج اللبناني باسم كريستو (إنستغرام)
المخرج اللبناني باسم كريستو (إنستغرام)

بعد إخراجه حفل أصالة في دمشق، يستعدُّ المخرج اللبناني باسم كريستو لموسم جديد من برنامج «رقص النجوم» على شاشة «إم تي في». ويتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن تجربته الأولى في العاصمة السورية، والتحضيرات لعودة البرنامج الذي يصفه بأنه من أكثر الأعمال التي يستمتع بإخراجها.

حمل حفل أصالة، الذي أُقيم تحت عنوان «عودة الأصالة» بحضور أكثر من 5 آلاف شخص، أهمية خاصة لكريستو؛ إذ عادت فيه الفنانة السورية للغناء في وطنها بعد غياب تجاوز 15 عاماً. ويقول إنه شعر بمسؤولية كبيرة تجاه إخراجه، خصوصاً أن الحفل شكّل حدثاً فنياً واجتماعياً وسياسياً.

وكانت هذه تجربته الأولى في دمشق، بعدما أخرج حفلات وبرامج في الرياض والكويت ودول أخرى في الخليج، إلى جانب لبنان ومصر. ويقول: «في كل مرة أجلس وراء الكاميرا الخاصة بي، مهما كان نوع العمل الذي أخرجه، أشعر برهبة الموقف وكأنني بدأت مسيرتي للتو. عادةً ما أضع في تفكيري إمكانية فشلي، وهو ما يحضّني على بذل جهد أكبر».

حفل «عودة الأصالة» كان بمنزلة جائزة تقديرية له (إنستغرام)

ويصف مشهد حفل أصالة بأنه كان «مبهراً وضخماً»، مشيراً إلى أنه تابع تفاصيل العمل بدقة، من الإضاءة والديكور إلى التصاميم الغرافيكية، واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. ويضيف أن فريق العمل ضمّ لبنانيين وسوريين، وأن شوق الجمهور لرؤية أصالة كان واضحاً. ويتابع: «لا شك في أن هناك محاذير ومشكلات صغيرة نواجهها، لكن المشاهد لا يشعر بها؛ فالمهمة لم تكن سهلة أبداً».

وعما حاول التركيز عليه في الحفل، يقول: «وعدت نفسي بنقل كل تفصيل صغير تشاهده عيني أمام الكاميرا. وتمسَّكت بضرورة أن يشعر الناس، وهم في بيوتهم، وكأنهم يحضرون أصالة شخصاً على المسرح. الأمر لم يكن بمنزلة نزهة، بل نتيجة تحضيرات كثيفة وحرفية. وربما أجمل ما لمسته في هذا الحفل هو الطاقة الإيجابية التي سادته منذ اللحظة الأولى».

ويتذكر كريستو تأثر أصالة والجمهور، منذ وصولها إلى سوريا وحتى مغادرتها. وينقل عنها قولها له بعد انتهاء الحفل: «كأني في حلم لا أريد الاستيقاظ منه؛ فحتى اللحظة لا أصدّق أنني في وطني، وأنني أحييت حفلاً فيه بعد طول غياب».

وتعود علاقة العمل بين كريستو وأصالة، بحسب قوله، إلى الحلقة الأولى من برنامج «ترا تاتا»، إذ كانت أصالة ضيفته الأولى. ويشير إلى أن الثقة المتبادلة بينهما أتاحت لهما العمل معاً في مناسبات أخرى. ويعدّ إخراج حفل دمشق بمنزلة جائزة تقديرية له، موضحاً أن التعليقات الإيجابية التي تلقاها، حتى من أشخاص لا يعرفهم، منحته سعادة كبيرة.

ويربط كريستو عمله في عدد من البلدان العربية بالثقة التي نشأت بينه وبين القنوات وشركات الإنتاج على مرّ السنوات. ويقول إنه بدأ إخراج الحفلات والبرامج التلفزيونية خارج لبنان عام 1998.

موسم جديد من برنامج «رقص النجوم» في نوفمبر المقبل (إنستغرام)

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، يعود كريستو إلى إخراج «رقص النجوم» على شاشة «إم تي في» اللبنانية، بعد غياب البرنامج منذ عام 2019. ويقدّمه جيسيكا عازار وأنطوان سعادة، ويشارك فيه، هذا الموسم، الوزير السابق وليد فياض، والإعلامية دوللي غانم، والممثلون وسام فارس وميا علاوي وستيفاني عطا الله وناديا شربل، إلى جانب المؤثرتين يارا بو منصف وبيرت واكد، وملكة جمال لبنان السابقة ياسمين زيتون... وغيرهم.

ويقول كريستو: «إنه من البرامج الأكثر متعة بالنسبة إليَّ، وأنا متحمس كثيراً لانطلاقته في نوفمبر المقبل». وعن التغييرات المنتظرة في موسم يتبع صيغة برنامج عالمي، يوضح أن طريقته في إخراجه تطورت بفعل خبراته المتراكمة، وأنه بات يعتمد تقنيات تصوير أحدث وإيقاعاً أسرع في تقطيع المشاهد.

ويستعيد استخدامه كاميرا «غمبل» المحمولة باليد في البرنامج عام 2014، لتصوير المشتركين عن قرب في مقاطع تقوم على اللقطة الواحدة. ويرى أن التطور التقني ينعكس باستمرار على المشهد البصري، ويضيف أن غالبية مدربي الرقص في الموسم الجديد من الشباب الذين لم يسبق لهم الظهور على الشاشة الصغيرة، متوقعاً أن يمنح ذلك البرنامج طابعاً مختلفاً.

ويختم بالقول إن للمشتركين دوراً أساسياً في جذب المشاهدين، معرباً عن حماسته لعودة البرنامج بحلَّة جديدة.


مصر لاستئناف مهرجاناتها السينمائية المتوقفة بعد حل أزماتها

جانب من أعضاء اللجنة العليا للمهرجانات (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من أعضاء اللجنة العليا للمهرجانات (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مصر لاستئناف مهرجاناتها السينمائية المتوقفة بعد حل أزماتها

جانب من أعضاء اللجنة العليا للمهرجانات (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من أعضاء اللجنة العليا للمهرجانات (وزارة الثقافة المصرية)

قررت وزارة الثقافة المصرية استئناف تنظيم المهرجانات السينمائية التي توقفت منذ فترة مع بدء العمل على حل أزماتها، وذلك في أول اجتماع للجنة العليا للمهرجانات التي أعاد تشكيلها الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة.

وكانت لجنة المهرجانات قد قررت تأجيل الدورة 42 لمهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط بقرار صدر خلال تولي وزيرة الثقافة السابقة الدكتورة جيهان زكي بسبب «تراجع مستواه الفني وتأثيره وابتعاده عن رسالته، ووقوع أخطاء عدة لمستها اللجنة في دوراته الأخيرة»، فيما توقفت الدورة الـ27 لمهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة لوقوع مشكلات إدارية وقانونية خلال دورته الـ26، فيما توقف المهرجان القومي للسينما منذ دورته الـ24 التي عقدت في يونيو (حزيران) 2022، وأعلن وزير الثقافة الأسبق الدكتور أحمد فؤاد هنو عن عودة المهرجان في يناير (كانون الثاني) 2025، وقام باختيار المنتج هشام سليمان رئيساً له، لكن القرار توقف مع مغادرة هنو الوزارة.

الدكتور عبد العزيز قنصوة القائم بأعمال وزير الثقافة خلال اجتماعه مع لجنة المهرجانات (وزارة الثقافة المصرية)

وأعلن الوزير الدكتور عبد العزيز قنصوة عبر بيان صدر (الاثنين) عودة مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط بتنظيم من وزارة الثقافة، مؤكداً أهميته في دعم صناعة السينما وتعزيز التواصل الثقافي والفني بين مصر ودول البحر المتوسط، وطالب القائم بأعمال وزارة الثقافة من اللجنة النوعية للسينما بتحديد موعد لعقد دورته القادمة، كما طالب بطرح عدد من الأسماء التي يمكن أن تتولى رئاسة المهرجان، تمهيداً لاستكمال الإجراءات الخاصة بتنظيم دورته الجديدة.

وأكد قنصوة أن من بين المهام الرئيسية للجنة العليا للمهرجانات تقييم أداء المهرجانات الثقافية وتقويمها والعمل على دعمها وتطويرها، بما يعزز دورها باعتبارها منصات إبداعية تسهم في اكتشاف المواهب ورعاية المبدعين وإثراء الحركة الفنية والثقافية.

وتداولت أخبار عن اختيار المنتج محمد حفظي الرئيس السابق لمهرجان القاهرة السينمائي، لرئاسة الدورة المقبلة لمهرجان الإسكندرية، لكن حفظي، وهو أحد أعضاء اللجنة العليا للمهرجانات نفى ذلك، وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «هذه شائعة ولم تُعرض علي رئاسة المهرجان بشكل رسمي، قد يكون قد ذكره البعض على أنه اسم مرشح، لكن الأمور لا تزال تُبحث»، وأضاف قائلاً: «لا أرى نفسي مناسباً لهذا الأمر، لكنني شخصياً أحب الإسكندرية، وأرى أنها تستحق مهرجاناً يليق بها عبر قيادة وإدارة مستقرة»، مؤكداً أنه «حتى لو أشرفت وزارة الثقافة على المهرجان لفترة، فليس شرطاً أن تستمر في هذه المهمة؛ لأن جمعية كتاب ونقاد السينما تحتاج إلى فترة انتقالية لترتيب أوراقها، وتعود لتديره».

الفنانة ليلى علوي حضرت الاجتماع بصفتها عضوة بلجنة المهرجانات (وزارة الثقافة المصرية)

وقال المخرج سعد هنداوي، عضو جمعية كتاب ونقاد السينما، إنه «ليس من دور وزارة الثقافة إقامة مهرجان الإسكندرية بالنيابة عن جمعية أهلية مُشهرة تتبع وزارة التضامن، وتقيم المهرجان منذ أكثر من 40 عاماً، بل إن مهمة الوزارة متابعة المهرجانات والتنسيق بينها، لكن أن يمتد دورها لتعيين رئيس للمهرجان هو ما نحتاج إلى توضيح مدى قانونية ذلك».

وعبّر هنداوي عن اندهاشه من موقف وزارة التضامن التي تتبعها الجمعية، والتي اتهمها بـ«تعطيل إجراءات تعيين لجنة مؤقتة لإدارة جمعية كتاب ونقاد السينما حتى موعد الانتخابات القادمة في مارس (آذار) 2027، حيث يتم انتخاب مجلس جديد».

وهو ما تخوفت منه أيضاً الناقدة ماجدة خير الله، التي أعربت عن قلقها من نقل إدارة مهرجان الإسكندرية السينمائي إلى وزارة الثقافة، وقالت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن «قيام وزارة الثقافة بوضع يدها على مهرجان الإسكندرية يثير الشك؛ لأن المهرجان أسسته جمعية أهلية لكتاب ونقاد السينما، وهي الأولى بإدارته كما كان يحدث دائماً».

في المقابل؛ أبدت الناقدة خيرية البشلاوي سعادتها بعودة المهرجانات التي توقفت وغابت لأسباب مختلفة، لأهمية الدور الذي تؤديه هذه المهرجانات في نشر الوعي والثقافة. وأعلنت خيرية البشلاوي، التي ترأست مهرجان الإسكندرية خلال دورته الـ25 عام 2009، تأييدها لتولي وزارة الثقافة تنظيم المهرجان كونه حدثاً ثقافياً مهماً، مؤكدة أن الوزارة ستكون حريصة على أن يكون مهرجاناً ناجحاً، وأضافت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «لقد جربنا الجمعيات، ولاحظنا وجود بعض المخالفات بها».


باحثون ليبيون يسابقون الزمن لترميم حصون رومانية في ليبيا

 موقع «قصور الغليثة» الأثري  (رويترز)
موقع «قصور الغليثة» الأثري (رويترز)
TT

باحثون ليبيون يسابقون الزمن لترميم حصون رومانية في ليبيا

 موقع «قصور الغليثة» الأثري  (رويترز)
موقع «قصور الغليثة» الأثري (رويترز)

يسابق فريق من الباحثين والخبراء بهيئة آثار بنغازي الزمن لإنقاذ موقع «قصور الغليثة» الأثري غربي المدينة، عبر مبادرات ذاتية وجهود فردية، في ظل غياب للدعم المالي واللوجستي من الجهات الرسمية المعنية.

موقع «قصور الغليثة» الأثري (رويترز)

تقع قصور الغليثة في منطقة تيكا، على بُعد نحو 15 كيلومتراً غرب بنغازي، ويضم الموقع حصوناً عسكرية فريدة تعود أصولها التاريخية إلى الفترة الرومانية، في القرن الثاني الميلادي تقريباً، حيث شُيدت خطوط دفاع وحصون عسكرية لحماية الأطراف الغربية لمدينة بنغازي القديمة، التي كانت تسمى تاريخياً «برنيق»، والمدن المجاورة من الهجمات والغارات العسكرية.

وتشير الاكتشافات الميدانية في الموقع كذلك إلى وجود بقايا لمعاصر زيتون وصهاريج مياه، مما يبرز دور الموقع كمركز إداري وزراعي كبير في ذلك العصر إلى جانب وظيفته العسكرية.

وتتركز الأعمال الميدانية الحالية على رفع الأتربة والأعشاب الضارة التي تتسبب في تآكل الحجارة، وتدعيم الجدران والأقواس الأثرية لحمايتها من عوامل التعرية والتآكل، إلى جانب التوثيق العلمي المستمر لتسجيل التغيرات الهيكلية للموقع.

موقع «قصور الغليثة» الأثري (رويترز)

وقال جلال العبيدي، الباحث الأثري بمراقبة آثار بنغازي: «نوجد اليوم في الموقع لإعادة ترميم وتأهيل (العقد المنهار) في الطابق الثاني، وهو جزء تعرض للانهيار منذ سبعينات أو ثمانينات القرن الماضي. إن إعادة ترميم هذا الصرح كانت حلماً يراودنا منذ عشرات السنين، ورغم قلة الإمكانات وعدم تلقينا أي دعم مالي أو لوجستي من مصلحة الآثار أو وزارة السياحة، فإننا ماضون في عملنا».

وأضاف أن الفريق أعد مقترح عمل دقيقاً يعتمد على الأسس العلمية لإعادة البناء، مشيراً إلى أن العمل «يتطلب دقة معمارية عالية في التعامل مع الحجارة الضخمة والأقواس المتداخلة، وهو ما يُعد تحدياً نادراً ما تجرؤ حتى البعثات الأجنبية على تنفيذ مثيله بمفردها، وفي ظل هذه الظروف».

وأكد العبيدي أن الخبراء مستمرون في تجميع الحجارة الأصلية وتنظيف الموقع للوصول إلى صيانة كاملة تُعيد للقصور رونقها، تمهيداً لتأهيلها لتكون واجهة سياحية ومقصداً لزوار مدينة بنغازي.

ويرى القائمون على المشروع أن استمرار أعمال الترميم يشكل «واجباً وطنياً» للحفاظ على الذاكرة التاريخية والإرث الحضاري لشرق ليبيا، داعين إلى تضافر الجهود وتسليط الضوء على هذه المواقع لتوفير الموارد اللازمة لاستكمال أعمال الحماية قبل فوات الأوان.