هل يجوز لنا أن ندّعي امتلاك الحقيقة؟

ستانلي نجارا سمى نفسه «ملك أفريقيا للواقي الذكري» يوعي الناس في اليوم العالمي للإيدز وسط العاصمة الكينية نيروبي في 1 ديسمبر 2022 (رويترز)
ستانلي نجارا سمى نفسه «ملك أفريقيا للواقي الذكري» يوعي الناس في اليوم العالمي للإيدز وسط العاصمة الكينية نيروبي في 1 ديسمبر 2022 (رويترز)
TT

هل يجوز لنا أن ندّعي امتلاك الحقيقة؟

ستانلي نجارا سمى نفسه «ملك أفريقيا للواقي الذكري» يوعي الناس في اليوم العالمي للإيدز وسط العاصمة الكينية نيروبي في 1 ديسمبر 2022 (رويترز)
ستانلي نجارا سمى نفسه «ملك أفريقيا للواقي الذكري» يوعي الناس في اليوم العالمي للإيدز وسط العاصمة الكينية نيروبي في 1 ديسمبر 2022 (رويترز)

السائدُ بين الناس في جميع الحضارات أنّ الهويّة تُبنى على الحقيقة. ما من أحدٍ يرغب، وهو يَنعم بوعيه الكامل، في بناء ذاتيّته على الضلال. حتّى الانحراف الذي نعاينه في فكر الآخرين وفي مسلكهم إنّما يرمز في مداركهم إلى عين الحقيقة. غالباً ما تكون الحقيقة التي أدافع عنها ضلالاً في نظر الآخرين، والحقيقة التي ينتصرون لها زيفاً في نظري. ومن ثمّ، يَتبيّن للجميع أنّ الحقيقة مَطلبُ الإنسان الأوّل والأخير، حتّى لو أفصح الناسُ عن هذا المطلب في صُوَر شتّى، وكيفيّات متباينة، وتعابير مختلفة. غير أنّ اعتصام الجميع بمطلب الحقيقة يستثير فينا استفساراً فلسفيّاً خطيراً: إذا كان الجميع يُصرّون على معرفة الحقيقة وإدراكها والاعتصام بها والسير على هديها، فيكف يُعقَل أنّ الناس يختلفون اختلافاً مُربكاً في مسائل الفكر وقضايا الاعتقاد وأنماط المسلك؟
لا يخفى على أحد التعليلُ الإقصائيُّ الذي يستجلي الاحتمالات المعرفيّة الثلاثة: إمّا أن يكون الجميع على ضلال، وإمّا أن تكون فرقةٌ واحدةٌ ناجيةً وسائرُ الملَل على ضلال، وإمّا أن يكون الجميع على حقّ. غير أنّ الاحتمال الثالث هذا يستوجب القول إنّ الحقيقة التي يدّعي الجميعُ الانتسابَ إليها إنّما تتحقّق في معرفة نسبيّة ناقصة لا تؤهّلنا لادّعاء الإمساك بالحقيقة. لا بدّ، والحال هذه، من التذكير بأنّ الادّعاء المعرفيّ المهيمن في جميع المجتمعات يميل إلى تأييد الاحتمال الثاني الذي يؤثِر انتسابَ الذات إلى الحقيقة، وإعراضَ الآخرين عنها. في جميع الأحوال، لا نستطيع أن نفصل فصلاً قاطعاً في هذه المسألة، إذ إنّ العقدة الأصليّة تكمن في استحالة تعريف الحقيقة تعريفاً جامعاً مانعاً. وهذا ما أودّ أن أبيّنه في التحليل الفلسفيّ الوجيز الذي أسوقه هنا.
وعليه، يجب أن نبدأ فنتدبّر بعض القواعد المنهجيّة الضروريّة الخليقة بإرشادنا إلى السبيل الفكريّ الأقوم والأنسب. ذلك بأنّ منهجيّة التفكير تؤثّر تأثيراً بالغاً في الخلاصات التي يمكن أن يُفضي إليها العقلُ المتأمّلُ في مقام الحقيقة. تقضي القاعدة الأولى بأن يراعي الإنسانُ أحكامَ الوضعيّة التاريخيّة التي تكتنف الحقيقة. فالتاريخ البشريّ التعدّديّ التلمّسيّ النسبيّ هو الموضع الوحيد الذي يختبر فيه الإنسانُ الحقيقةَ. لا يمكننا أن ننفصل عن قرائن هذا العالم حتّى نختبر الحقيقة المطلقة في ملء كمالها. لا ضرورة هنا للتذكير بنقديّة كانط الصائبة حين رسم أنّ كلّ معرفة تبدأ على المستوى الحسّيّ الخاضع لقوانين الزمان والمكان.
من طبيعة أحكام الوضعيّة التاريخيّة أن يتّضع الناسُ حين يتحدّثون عن الحقيقة، حقيقتهم الذاتيّة وحقيقة الآخرين والحقيقة بحدّ ذاتها. من مقتضيات الاتّضاع المعرفيّ أوّلاً أن يعترف الناسُ بأنّ كلّ حقيقة من حقائق الوجود لا تستقيم إلّا بارتباطها الوثيق بالقرائن التاريخيّة التي نشأت فيها. ومن ثمّ، فإنّها تخضع لمنطق الصيرورة التاريخيّة وحركة التبدّل والتطوّر. من هذه المقتضيات ثانياً أنّ الحقيقة ترتبط بالنيّات التي تنطوي في أفعال الناس. بيد أنّ هذه النيّات أشبهُ بمقاصد منحجبة تخضع لقانون الظهور التدرّجيّ، والاستنضاج المرحليّ، والاستيضاح المتنامي. ليست النيّة الدفينة واضحةَ المعالم في أذهان الأفراد الفاعلين في التاريخ، ولا في مدارك الذين يعاينون أثر هذه الأفعال. لذلك لا يجوز لنا أن نتسرّع في الحكم القاطع على حقيقة هذا الفعل أو ذاك، ما دام على اقترانٍ وثيقٍ بفكرةٍ منحجبةٍ ما برحت في طور الظهور النامي.
من هذه المقتضيات ثالثاً أنّ الحقيقة تقترن بوجهة نظر القائلين بها، أي بالبيئة الثقافيّة التي يحيون فيها، وبالطبقة الاجتماعيّة التي ينتمون إليها، وبالاختبارات الذاتيّة التي أينعت في وعيهم، وبالانتظارات الطموحيّة التي يحتضنونها. من هذه المقتضيات رابعاً أنّ الحقيقة مقترنةٌ باللغة، واللغة لغاتٌ وألسنةٌ في أرجاء المسكونة الفسيحة. بما أنّ لكلّ لغة آفاقها وحدودها، فإنّ الحقيقة نسبيّةٌ في أصلها، أي منتسبةٌ إلى حدود اللغة التي نشأت فيها، ترسم لنا صورةً عن الواقع تَغلب عليها سماتُ الجزئيّة والاقتطاعيّة والانتقائيّة والمنظاريّة. اللغة صورةُ العالم في قرائن التعبير المقيَّد بهويّة الجماعة الثقافيّة. على غرار اللغة، لا يمكن الحقيقة أن تستقبل جميع تصوّرات الواقع، إذ إنّ طاقاتها التعبيريّة، على عظمتها وبهائها وغناها، لا تستوعب اختبارات الحياة في تنوّع تجلّياتها.
من هذه المقتضيات خامساً أنّ الحقيقة مفطورةٌ على التأويليّة، إذ إنّ الاختبار الإنسانيّ يستند على الدوام إلى حقلٍ من الفهم السابق الذي يتقدّم على صوغ الحقيقة وإدراكها. يعني هذا القول أنّ الوعي الإنسانيّ يعتنق الحقيقة قبل أن ينطق بها، أي أنّه يتصوّر الكون والعالم والحياة والوجود والإنسان والتاريخ تصوّراً متقدّماً على جميع الحقائق التي يناصرها، إذ إنّه وعيٌ منغرسٌ في وضعيّة الانتماء الثقافيّ التاريخيّ الضروريّ منذ هبة الولادة التي فُرضت عليه فرضاً. ذلك بأنّ الإنسان العارف ينخرط في موضوع معرفته انخراطاً ذاتيّاً، فيدرك الحقيقة بحسب بنيته الإدراكيّة. لكلّ إنسانٍ بنيتُه الاختباريّة في قول الحقيقة، على ما كان يذهب إليه توما الأكوينيّ (1225 - 1274) إنّ «الأمور التي يَعرفها الإنسانُ إنّما يأتيها بحسب الكيفيّة المعرفيّة التي فُطرت عليها ذاتُه العارفةُ» (الخلاصة اللاهوتيّة). ومن ثمّ، لا يجوز أن تنشأ معرفةٌ إنسانيّةٌ محايدةٌ، موضوعيّةٌ، مطلقةُ الصلاحية، منسلخةٌ عن بنية الإنسان العارف.
من هذه المقتضيات سادساً أنّ الحقيقة حواريّةٌ في صميم جوهرها. ذلك بأنّ المعرفة لا تُكتسَب اكتساباً منعزلاً عن سياق التنوّع الإنسانيّ الكونيّ، بل في قرائن المواجهة التقابسيّة المغنية بين الأفراد. أغنى الحقائق تلك التي يفوز بها الناس شيئاً فشيئاً بالتضامن الصادق، والتحاور المنفتح، والتقابس المعقود على استنطاق وقائع الوجود من غير تشويه أو تضليل أو هيمنة. وحده نهج المساءلة والإجابة خليقٌ باستنباط أفضل صيَغ الحقيقة التاريخيّة الممكنة.
إذا تقيّد الناسُ بمثل هذه الأحكام، استطاعوا أن ينهجوا نهجاً سلاميّاً في تدبّر تنوّع التصوّرات الفكريّة المبثوثة في أرجاء المسكونة قاطبة. ولكن هل يضطرّنا ذلك كلُّه إلى التنكّر للحقيقة التي نركن إليها ونعتصم بها ومنها نغترف معاني حياتنا؟ ليس المطلوب انتباذ الحقيقة التي تعوّدنا الاستناد إليها، بل التمييز بين ضربَين من الحقيقة: الحقيقة الاقتضائيّة، والحقيقة الاعتقاديّة. تدلّ الأولى على جميع الخلاصات العلميّة التي أفضى إليها النموذج المعرفيّ السائد في حقبةٍ من حقَب التاريخ الإنسانيّ، في حين تشير الثانية إلى التصوّرات الاستنسابيّة التي يرتاح إليها الناسُ في حقولٍ شتّى من الوعي والإدراك والاختبار. يقيني أنّ معظم حقائق الوجود اعتقاديّة، في حين تقتصر الحقائق الاقتضائيّة على بضعة من مسلّمات علميّة قاهرة التي لا يجوز أن يرفضها عاقلٌ، ولو أنّ الخلفيّات المعرفيّة الإبّيستِمولوجيّة الناظمة لا تني تتغيّر وتتطوّر وفقاً لاتّساع رقعة الاختبار العلميّ وتبدّل قوانين الفضاء الذي تنشط فيه هذه الاختبارات.
أمّا الاعتقاديّات فتملأ الوعي الإنسانيّ الفرديّ والجماعيّ، وذلك بخلاف ما يعتقد معظمُ الناس. في العلوم الإنسانيّة، وفي الفنّيّات، وفي الدِّينيّات، وفي الاجتماعيّات، لا يستقرّ الناسُ على رأي واحد، إذ تخضع أحكامُهم لمبدأ التأويل التاريخيّ. مَن منّا يستطيع أن يجزم جزماً قاطعاً تفسيرَ أثر الإمبراطوريّة الرومانيّة في تاريخ البشريّة؟ مَن منّا يستطيع أن يبتّ بتّاً حاسماً طبيعة الفائدة التي جنتها الحضارة من اكتساح الأُوروبّيّين الأرضَ الأمِيركيّة في القرن الخامس عشر؟ مَن منّا يستطيع أن يقرّر قراراً مطلقاً فيعلن أنّ معزوفة بيتهوفن أعذب من معزوفة موتسارت؟ أو أنّ ملحمة غيلغامش أرقى من ملحمة هوميروس؟ أو أنّ رسومات القرون الوسيطة أجملُ من ابتكارات التكعيبيّين المعاصرة؟
حتّى في المسائل الطبّيّة أو القرارات الحياتيّة أو الاختيارات الوجوديّة لا يستطيع الناس أن يقطعوا أمراً من الأمور من غير أن يستندوا عفويّاً إلى الاستنسابيّة الذاتيّة التي تُلهم وعيهم وتوجّه مداركَهم. مَن منّا يجرؤ فيفاضل بين حياة الأمّ أو حياة الجنين في حال خطر الموت المحدِق؟ أو بين المصابين بـ«كورونا» في حال عجز المستشفى عن معالجة الجميع؟ أو بين الاستثمار في الطاقة البيئيّة النظيفة المتجدّدة المحدودة الإمكانات، والطاقة النوويّة الواسعة المجالات في حال العزم على استنقاذ الناس الغارقين في ظلمات الفقر والجهل؟
لن أطيل اللائحة التي قد تبلغ حدود الاستفسار عن أحقّيّة المعتقد الدِّينيّ هذا أو ذاك، أو المذهب السياسيّ هذا أو ذاك، أو المسلك الاجتماعيّ هذا أو ذاك. جلُّ المسألة أنّ قرارات الإنسان الحياتيّة الأساسيّة إنّما تنسلك في حقل الحقيقة الاعتقاديّة، ولو أنّ معظم الناس، حرصاً منهم على أعظميّة قرارهم وصوناً لمنعتهم النفسيّة القائمة على التيقّن اليوميّ من صحّة الاعتناق، يرفضون حصرَ حقائقهم في حقل الاعتباريّات الذاتيّة النسبيّة. غير أنّ مثل هذا الحصر لا يُبطل بهجة الإنسان بما يركن إليه من حقائق، شرطَ أن تحترم حقائقُه هذه أصولَ التعامل الإنسانيّ المبنيّ على مبادئ شرعية حقوق الإنسان الكونيّة وقيَمها الهادية. لستُ من الذين يظنّون أنّ اعتقاديّة الحقيقة تُهين مُعتنقَها. غير أنّي لا أقبل أن يُهين مدّعي الإمساك بالحقيقة المطلقة كرامةَ الناس حين يَفرض عليهم استعلاءَه المرَضي الخبيث. ليست كرامة الحقيقة في المفاضلة بين صفتها الاعتقاديّة وصفتها الاقتضائيّة، بل في حرص الإنسان على احترام الكرامة الإنسانيّة في شخصه وفي شخص الآخرين.

- مفكر لبناني


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

كنز غارق في بحر إيجه... قطعة من «البارثينون» تُظهر بعد قرنين

ما غرق لم يُنسَ (وزارة الثقافة اليونانية)
ما غرق لم يُنسَ (وزارة الثقافة اليونانية)
TT

كنز غارق في بحر إيجه... قطعة من «البارثينون» تُظهر بعد قرنين

ما غرق لم يُنسَ (وزارة الثقافة اليونانية)
ما غرق لم يُنسَ (وزارة الثقافة اليونانية)

أعلنت السلطات اليونانية أنّ غواصين عثروا على «كنز رخامي» يُرجَّح أنه نُقل من معبد البارثينون، وذلك ضمن بقايا حطام سفينة ترقد في أعماق بحر إيجه قبالة سواحل جزيرة كيثيرا. وأوضح مسؤولون يونانيون أنّ القطعة الرخامية يُرجَّح ارتباطها بواحدة من وقائع النهب سيئة السمعة التي طالت معبد البارثينون عبر التاريخ.

وجاء اكتشاف اللوح الرخامي خلال أعمال تنقيب في موقع سفينة «منتور»، وهي سفينة شراعية كانت تعود ملكيتها إلى توماس بروس، الجندي والدبلوماسي البريطاني المعروف بلقب اللورد إلغين، وفق ما نقلت «سي بي إس نيوز» عن وزارة الثقافة اليونانية و«بي بي سي».

وكان إلغين قد استخدم السفينة لنقل قطع أثرية من اليونان إلى بريطانيا، من بينها مقتنيات أُخذت من معبد البارثينون ومعالم أخرى في أكروبوليس أثينا.

وأصبحت شحناته من القلعة الأثرية القديمة محور جدل واسع في السنوات الأخيرة، مع سعي اليونان لاستعادة ما يُعرف بـ«رخاميات إلغين»، وهي منحوتات حجرية يعود تاريخها إلى أكثر من ألفَي عام، ومعظمها من معبد البارثينون؛ إذ نقلها إلغين من هضبة الأكروبوليس إلى بريطانيا في مطلع القرن التاسع عشر، قبل أن ينتهي بها المطاف في متاحف مختلفة.

ورغم تأكيد إلغين أنه حصل على تصريح من حكام الإمبراطورية العثمانية، التي كانت تسيطر على أثينا آنذاك، لنقل تلك المنحوتات، فإن مسؤولين يونانيين اتّهموه بنهبها.

كانت سفينة «منتور» قد غرقت في سبتمبر (أيلول) عام 1802، في موقع في بحر إيجه قبالة ميناء أفليموناس لصيد الأسماك في جنوب شرق جزيرة كيثيرا. ووصفت الوزارة القطعة الرخامية المكتشفة حديثاً بأنها ذات طابع زخرفي، مشيرةً إلى أنها تحمل عنصراً نحتياً يُشبه قطرة ماء، في طراز معماري يُميّز معبد البارثينون.

وأضافت أنّ أعمال الترميم الإضافية في موقع الحطام، إلى جانب البحوث المستقبلية، ستُسهم في تحديد المصدر الأصلي للقطعة. ويبلغ طول القطعة 3.6 بوصة، وعرضها 1.85 بوصة.

وأفادت الوزارة بأن غالبية حمولة سفينة «منتور» انتُشلت بالفعل، في حين كشفت تنقيبات سابقة في الموقع عن أجزاء لأوانٍ من الطبقة النحاسية الخارجية التي كانت مُثبتة يوماً ما على جسم السفينة، إلى جانب لوح طيني يُرجَّح أنه استُخدم لأغراض العزل.


«رائحة كبار السن» حقيقة علمية... فما سرّها؟

امرأة مسنة تتسوق داخل متجر في بكين (إ.ب.أ)
امرأة مسنة تتسوق داخل متجر في بكين (إ.ب.أ)
TT

«رائحة كبار السن» حقيقة علمية... فما سرّها؟

امرأة مسنة تتسوق داخل متجر في بكين (إ.ب.أ)
امرأة مسنة تتسوق داخل متجر في بكين (إ.ب.أ)

تُثير ما يُعرف بـ«رائحة كبار السن» فضول الكثيرين، وغالباً ما يُساءُ فهمها أو تُربط خطأً بقلة الاهتمام بالنظافة الشخصية. غير أن الدراسات العلمية تؤكد أن هذه الرائحة ظاهرة طبيعية مرتبطة بالتقدم في العمر، ولها تفسير كيميائي واضح لا علاقة له بالعادات اليومية للنظافة.

فقد تبيّن أن رائحة الجسم تتغير مع التقدم في السن نتيجة إنتاج مركب كيميائي يُعرف باسم «2 - نونينال»، وذلك وفقاً لما أورده موقع «فيري ويل هيلث».

تغيرات رائحة الجسم ودور مركب «2 – نونينال»

يعود اختلاف رائحة الجسم لدى كبار السن مقارنة بالشباب إلى عوامل كيميائية حيوية تحدث داخل الجسم ومعه. ففي عام 2001، تمكّن الباحثون من اكتشاف مركب «2 - نونينال» في رائحة الجسم لدى الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 40 عاماً فأكثر.

ويتكوّن هذا المركب، الذي يتميّز برائحة نفّاذة ذات طابع دهني يميل إلى رائحة الغازات، نتيجة تحلّل بعض الأحماض الدهنية غير المشبعة الموجودة على سطح الجلد. ومع التقدم في العمر، يزداد إنتاج هذا المركب، ما يؤدي إلى تغيّر تدريجي في رائحة الجسم.

وفي عام 2012، أُجريت دراسة إضافية لاستكشاف كيفية إدراك الناس لهذه الرائحة المرتبطة بكبار السن. وشملت الدراسة 41 مشاركاً من فئة الشباب، طُلب منهم شمّ عينات من روائح أجسام تعود لثلاث فئات عمرية: من 20 إلى 30 عاماً، ومن 45 إلى 55 عاماً، ومن 75 إلى 95 عاماً.

وأظهرت النتائج أن المشاركين، عند مقارنة الروائح، وجدوا أن رائحة الفئة الأكبر سنّاً أقل حدّة وأقل إزعاجاً من روائح الفئات الأصغر. كما تمكنوا من التعرُّف بدقة على أن هذه الرائحة تعود لكبار السن، في حين لم يتمكنوا من التمييز بين روائح الفئات العمرية الأصغر بنفس الدقة.

وتشير هذه النتائج إلى أن الرائحة الناتجة عن مركب «2 - نونينال» تتسم بعدة خصائص:

- رائحة مميزة يمكن التعرف عليها

- ناتجة عن تغيرات كيميائية طبيعية في الجسم

- ليست بالضرورة قوية أو مزعجة كما يُشاع

- كما أن هذه الرائحة تظهر تدريجيّاً مع التقدم في العمر، إلى درجة أن الشخص نفسه قد لا يلاحظها.

ما الذي يمكن فعله للتعامل مع هذه الرائحة؟

تتوفر في الأسواق بعض المنتجات، مثل مستحضرات العناية المصنوعة من فاكهة الكاكي، التي تُسوّق على أنها قادرة على استهداف الرائحة المرتبطة بمركب «2 - نونينال». غير أن هذه الادعاءات غالباً ما تكون أقرب إلى التسويق منها إلى الحقائق العلمية المؤكدة.

ومع ذلك، يمكن لأي شخص (بغضّ النظر عن عمره) اتباع مجموعة من الخطوات البسيطة التي تساعد على تقليل رائحة الجسم أو تحسينها بشكل عام، ومنها:

- استخدام مزيلات العرق أو العطور المعطّرة

- استعمال مزيلات العرق المضادة للتعرق للحد من تعرّق الإبطين

- تطبيق لوشن أو كريمات معطّرة على الجسم

- استخدام شامبو وبلسم وغسول جسم معطّر

- استعمال غسول ما بعد الحلاقة المعطّر

- الاستحمام بانتظام للحفاظ على نظافة الجسم

- غسل الملابس وملاءات السرير بشكل دوري

- تنظيف الأسنان بالفرشاة مرتين يوميّاً على الأقل


أمّهات القادة... كيف رسمن ملامح شخصيات ترمب وبوتين وكيم وتشارلز؟

دونالد ترمب، كيم جونغ أون، فلاديمير بوتين والملك تشارلز مع أمهاتهم (يوتيوب/ الكرملين/ أ.ف.ب)
دونالد ترمب، كيم جونغ أون، فلاديمير بوتين والملك تشارلز مع أمهاتهم (يوتيوب/ الكرملين/ أ.ف.ب)
TT

أمّهات القادة... كيف رسمن ملامح شخصيات ترمب وبوتين وكيم وتشارلز؟

دونالد ترمب، كيم جونغ أون، فلاديمير بوتين والملك تشارلز مع أمهاتهم (يوتيوب/ الكرملين/ أ.ف.ب)
دونالد ترمب، كيم جونغ أون، فلاديمير بوتين والملك تشارلز مع أمهاتهم (يوتيوب/ الكرملين/ أ.ف.ب)

مَن يحكمون العالم اليوم، حكمَت نظرتَهم إلى هذا العالم علاقتُهم بأمّهاتهم. وكثيرٌ من ملامح طباعهم وأدائهم رُسِمَ خلال طفولتهم على أيادي تلك الأمهات.

دونالد ترمب... رحلت الأم وبقيَت التسريحة

يوم أقام في البيت الأبيض رئيساً للمرة الأولى، لم يضع دونالد ترمب صورة والدته على مكتبه بل اكتفى بصورة لأبيه فريد. وهكذا كانت الحال قبل تولّيه الرئاسة في مكتبه في «ترمب تاور». فإذا كان من عنوان يختصر علاقة ترمب بأمّه ماري آن، فهو التغييب. نادراً ما يذكرها. وإن فعل، يكتفي بعباراتٍ عمومية على غرار «جميلة»، و«رائعة»، و«مذهلة»، و«ربة منزل ممتازة»، متجنّباً الأوصاف العاطفية.

دونالد ترمب مع والدَيه فريدريك وماري آن في الأكاديمية العسكرية (فيسبوك)

لم يكن قد بلغ الـ3 من العمر، عندما بدأت تتحدّد ملامح علاقة ترمب بوالدته. ففي عام 1948، وبعد إنجابها ابنها الأصغر روبرت، تعرضت ماري آن لانتكاسة صحية أبعدَتها عن طفلها. ولاحقاً انشغلت باهتماماتها الاجتماعية والأنشطة الخيريّة.

في تحقيق نشرته مجلّة «بوليتيكو» عام 2017، يتحدّث أصدقاء الطفولة قائلين: «عندما كنا نلعب صغاراً في منزل آل ترمب في كوينز، غالباً ما كنّا مُحاطين بوالد دونالد، أما أمه فنادراً ما كنا نراها. في المقابل، كانت مدبّرة المنزل حاضرة في كل الأوقات».

ترمب مع والديه فريد وماري آن (أ.ب)

عبرت السنوات وتضاعفت المسافات بين دونالد ووالدته، فيما كان اندهاشُه بأبيه يسلك مساراً تصاعدياً لم يتوقف حتى اليوم. ووفق الصحافي تيم أوبراين الذي كتب إحدى سيَر ترمب الذاتية، فإنّ «دونالد لا يتحدّث عن والدته إلا بعد إلحاحٍ شديد، وهو أصلاً ليس لديه الكثير ليقوله عنها».

لا يعني كل ذلك أنّ ماري آن كانت أماً سيئة. إذ يحكي بعض أصدقاء العائلة لـ«بوليتيكو» أنها كانت «أماً متفانية». ورغم تغييب ترمب إياها عن أحاديثه، فإنّ والدته حاضرة في نواحٍ من شخصيته. تقول شقيقته الكبرى إنه تعلّم منها مهارات الاستعراض، فهي كانت «نجمة العائلة وجاهزة دائماً للترفيه».

لكن ما لم يتخطّاه ترمب ربما حتى اليوم، هو ماضي ماري آن ماكلويد المهاجرة من اسكوتلندا إلى نيويورك في الـ18 من العمر، التي عملت خادمة قبل التعرّف على والده. أما ما يحتفظ به منها فتلك التسريحة التي يتفرّد بها شخصان في العالم هما دونالد ترمب وأمه الراحلة ماري آن ماكلويد.

ماري آن ماكليود ترمب (إكس) ودونالد ترمب (رويترز)

بوتين... الوالدة المعجزة

إذا كان دونالد ترمب مُقلّاً في الكلام عن أمه، فإنّ فلاديمير بوتين لا يختلف عنه كثيراً. لا يحبّذ الرئيس الروسي فتح ملفات الماضي. ويكاد يقتصر حديثُه عن والدَيه على مراتٍ تُعدّ على أصابع اليد الواحدة، أبرزها في الفيلم الوثائقي «مقابلة مع بوتين» للمخرج أوليفر ستون عام 2017. فيه عبّر عن فخره بوالدَيه وعن أسفه لوفاتهما قبل قليل من وصوله إلى سدّة الرئاسة، كاشفاً أن والدته توفيت عام 1998، ولحق بها والده في 1999.

هي ماريا إيفانوفا بوتينا، الأمّ التي كتب عنها بوتين بقلم الابن الوحيد في مقال نشره في إحدى الصحف الروسية عام 2015. تقول الحكاية الأشبه بالمعجزة إنّ ماريا كانت مرميّة بين أكوام الجثث غداة المجاعة والحصار في لينينغراد، وكان والده عائداً من المستشفى بعد إصابته في الحرب العالمية الثانية. باحثاً عن زوجته، تعرّف عليها بين الجثث بفَضل حذاءٍ كان قد اشتراه لها. أصرّ على أنها على قيد الحياة فنقلها إلى البيت حيث رعاها حتى تماثلت للشفاء. وبعد 8 سنوات على ولادتها الجديدة، أنجبت ماريا طفلها فلاديمير، الابن الثالث بعد ولدَين توفّيا في سنٍ صغيرة.

فلاديمير بوتين طفلاً برفقة والدته ماريا بوتينا (موقع الكرملين)

إلا أنّ هذه الحكاية الجميلة أتى من يدحضها بعد تولّي بوتين الرئاسة. زعمت فيرا بوتينا، وهي سيدة مسنّة عاشت في جورجيا، أنها الأم البيولوجية للرئيس الروسي. ووسط جلبة إعلامية كبيرة، قالت حينذاك إنّ والده روسيّ الجنسية وإنها حملت منه خلال عمله في جورجيا. وأضافت أنها بعد زواجها من جنديّ جورجيّ، أرسلت بوتين الطفل إلى والدتها في روسيا حيث تبنّاه الشخصان اللذان يقول إنهما والداه.

لم يعلّق الرئيس الروسي طبعاً على تلك الرواية، وهو إن تذكّرَ والدته فهو يتحدّث عن ماريا بوتينا التي أطلق اسمَها على ابنته الكبرى، وعن فطيرة الملفوف والأرزّ واللحم التي كانت تُعدّها له عندما كان طفلاً في شقة العائلة المتواضعة في سان بطرسبرغ.

بوتين مع والدَيه (موقع الكرملين)

بين إليزابيث وتشارلز... مسافات جغرافيّة وعاطفية

كانت الملكة إليزابيث بعدُ أميرة يوم ولد ابنها البكر تشارلز في 14 نوفمبر (تشرين الثاني) 1948. أصرّت على أن يبصر طفلها الأول النور في غرفتها، وفق كتاب «ذا رويالز» لكيتي كيللي. أرضعته شهرَين وكرّرت: «أنا من ستكون والدة الطفل وليس الممرضات».

لكن لم تكد تمضي 4 سنوات، حتى ذهبت تلك الأولويّات العائلية أدراج الرياح، عندما اضطرّت إليزابيث إلى اعتلاء العرش البريطاني في الـ25 من عمرها. ما عادت الملكة الجديدة تجد متّسعاً من الوقت لابنها وسط برنامجها المزدحم بالمواعيد، فكانت تراه لدقائق صباحاً وبعد الظهر، ثم تدخل لتراقب استحمامه في المساء وهي تتدرّب على السير بالتاج.

الملكة إليزابيث مع زوجها فيليب وولدَيها تشارلز وآن (أ.ف.ب)

كانت العلاقة بين الأم والابن محكومةً بالمسافات التي بدأت جغرافية ثم صارت عاطفية. يذكر كتاب كيللي كيف أنّ تشارلز الصغير ركض لملاقاة أمّه العائدة من جولة خارجية استمرت 6 أشهر عام 1953، فامتنعت عن عناقه وتقبيله لأنها كانت منشغلة بمصافحة الرسميين.

في «السيرة الذاتية لأمير ويلز»، يُحكى أنّ المربية مابيل أندرسون أضحت «الملاذ الآمن» الذي لجأ إليه تشارلز بحثاً عن العاطفة. أما من بين أفراد العائلة، فوجدَ الأمير الصغير ضالّته في جدّته الملكة الأمّ، التي نمّت اهتماماته الفنية والثقافية واعتنت به في غياب والدَيه.

استعاض تشارلز عن غياب أمه بحنان جدّته الملكة والأم واعتنائها به (فيسبوك)

مع مرور السنوات، ازداد التباعُد بين الابن وأمّه وقد ضاعفَه عدم التناغم بين شخصية الملكة البراغماتية الباردة وطباع تشارلز الحسّاس والرومنطيقي. ويذكر المؤرّخون أنّ إليزابيث كانت تفضّل قضاء الوقت مع ابنَيها أندرو وإدوارد، الأمر الذي كان يُحزن تشارلز. وما ضاعفَ المسافات كذلك، أنّ تشارلز لطالما سار في ظلّ أمّه منتظراً تنازلها عن العرش أو وفاتها.

ليس سوى خلال سنواتها الأخيرة حتى تحسّنت العلاقة بين الملكة إليزابيث وابنها تشارلز، عندما بدأت الإقرار بأعماله الخيريّة. وقد انعكس استقراره الزوجيّ مع كاميلا إيجاباً على تلك العلاقة.

انعكس زواج تشارلز من كاميلا إيجاباً على علاقته بوالدته (رويترز)

والدة كيم جونغ أون... الغائبةُ الأكثر حضوراً

قد تكون العلاقة بين كيم جونغ أون ووالدته هي الأكثر تعقيداً ضمن قائمة القادة وأمّهاتهم. هي علاقة على طرفَي نقيض، إذ إنها تتأرجح بين الحب والنكران.

وُلدت كو جونغ هوي في اليابان ضمن موجة الكوريين الشماليين الذين هاجروا إلى هناك في خمسينات القرن الماضي. ويُعاني هؤلاء تمييزاً واحتقاراً لارتباطهم ببلدٍ تُعاديه بيونغ يانغ. لكنّ ظروفها تلك لم تمنع كيم جونغ إيل (والد كيم جونغ أون) من الوقوع في حبها. فبعد عودتها إلى كوريا الشمالية، انضمّت إلى فرقة رقص وتمثيل فلفتته بجمالها وموهبتها.

أنجبت كو جونغ هوي 3 أولاد من كيم الأب خارج إطار الزواج. ثاني هؤلاء الأولاد هو الزعيم الكوري الشمالي الحالي كيم جونغ أون. لم تَعِش لتراه يتولّى هذا المنصب إذ توفيت عام 2004، إلا أنها هي مَن دفعته باتّجاه السلطة وجنّدت نفسها لدعمه.

حاولت والدة كيم أن تمنحه طفولة شبه اعتيادية (يوتيوب)

وفق كتاب صدر في اليابان عام 2025، فإنّ والدة كيم أثّرت فيه كثيراً. ورغم أنّ الكتمان لطالما أحاط بتلك العلاقة نظراً لأصول الأم التي تُخجل الابن، تُجمع المصادر الاستخباريّة والعائلية على أنها هي مَن حدّدت ملامح شخصيته.

ينقل الكتاب عن عمّته أنّ والدته هي من حاولت تهذيبه. تابعت تفاصيل دراسته بدقّة لكنه كان يعاندها ويمتنع أحياناً عن الأكل إذا فرضت عليه الدرس. لكنها في المقابل حرصت على منحِه طفولة شبه اعتيادية، فكانت ترافقه في رحلات إلى أوروبا و«ديزني لاند»، وشجّعته على تنمية مواهبه والتواصل مع الآخرين.

يضيف الكتاب أنّ إصابتها بالمرض ولاحقاً وفاتها، أفقدا كيم الكثير من توازنه النفسي وضاعفا شعوره بغياب الأمان. وهو إذا كان اليوم يُحيط نفسه بإناث العائلة، كابنته وشقيقته، فربما يكون تكريماً غير مباشر لأكثر امرأةٍ أحبّها ولم يستطع أن يكرّمها علناً.