فنانون عرب يتحدثون لـ «الشرق الأوسط»عن يومياتهم بعد «ندرة الفرص»

سميرة أحمد وحسن يوسف ومادلين طبر من بينهم

الرئيس الفرنسي لدى زيارته فيروز (رئاسة فرنسا)
الرئيس الفرنسي لدى زيارته فيروز (رئاسة فرنسا)
TT

فنانون عرب يتحدثون لـ «الشرق الأوسط»عن يومياتهم بعد «ندرة الفرص»

الرئيس الفرنسي لدى زيارته فيروز (رئاسة فرنسا)
الرئيس الفرنسي لدى زيارته فيروز (رئاسة فرنسا)

مع ندرة الفرص، وهامشية الأدوار، والتقدم في السن، وعدم الاهتمام بكتابة سيناريوهات جديدة تضمن وجودهم بشكل «مناسب» في الأفلام والمسلسلات، يغيب كبار الفنانين العرب عن المشهد الفني الراهن. وبينما يفضل بعضهم البقاء في منازلهم انتظاراً للفرص النادرة المحتملة، والقبول بأدوار هامشية، أو الظهور ضيوف شرف تحت وطأة «الاحتياج المادي»، فإن آخرين لا يتباكون على زمن جميل ولّى، بعد انحسار البطولات، وخفوت الأضواء، ويعيشون بشكل جديد، يمارسون هواياتهم المفضلة، ويهتمون بعائلاتهم بعد سنوات من الانشغال، وهم سعداء وفخورون بما حققوه خلال مسيرتهم «الذهبية»، وبأعمالهم التي ما زال يتابعها الجمهور بشغف كبير لدى إعادة عرضها على الفضائيات العربية المتنوعة.

حسن يوسف مع زوجته شمس البارودي (حساب ابنه على «فيسبوك»)

وتباينت آراء بعض كبار الفنانين العرب تجاه «تغيرات الزمن» و«لعبة الأيام»؛ إذ تحدث بعضهم إلى «الشرق الأوسط» عن الجوانب الإنسانية من حياتهم، وروتينهم اليومي حالياً، مؤكدين أن الأيام لم تهزمهم رغم المعاناة الراهنة وتقلص الفرص، لا سيما أنهم يواجهون «سُنة الحياة» بتصالح لافت مع النفس، و«رضا استثنائي» لا يراه الجمهور.

هيثم عبد الرزاق

النجم المصري الكبير عادل إمام، الذي قدم أكثر من 150 عملاً فنياً طوال مسيرته، لم يظهر درامياً على الشاشات عقب آخر مسلسلاته «فلانتينو» الذي قدمه قبل عامين، مما جعله عرضة لشائعات المرض والوفاة، لكن الفنان الكبير الذي احتفل بعيد ميلاده الـ82 في شهر مايو (أيار) الماضي، اختار البقاء طويلاً وسط عائلته من الأولاد والأحفاد والأصدقاء، الذين يتصل بهم ويدعوهم لزيارته ويقضي معهم أوقاتاً مبهجة، يتحدث فيها عن الفن ويشاهد أحدث الأفلام عبر المنصات، ويتابع بحماس مباريات كأس العالم، حسبما كشف بعض أصدقائه وأقاربه في تصريحات لوسائل إعلام مصرية.

التقرب إلى الله
رغم سنوات عمره التي ناهزت التسعين عاماً، وقدرته على مواصلة عطائه وتقديم أدوار جديدة، فإن الفنان الكبير رشوان توفيق، رفض المشاركة في 3 أعمال رمضانية جديدة عُرضت عليه أخيراً، مبرراً ذلك في حديثه لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «رفضتها لأنها أدوار هامشية، ليست لها قيمة، ولن أستمتع بها كممثل، أنا لا أبحث عن الظهور فحسب، ولن أتحدث عن الأجور الضعيفة التي تُمنح للفنانين الكبار راهناً؛ لأننا كافحنا بأجور بسيطة جداً على مدى 60 عاماً، لكننا كنا سعداء بها؛ لأنها كانت تتيح لنا أدواراً جيدة».
ويضيف توفيق بنبرة مفعمة بالشجن: «ربنا ما يحوجنا لقبول أي عمل. الحمد لله على ستر ربنا، فلماذا أهين نفسي؟! الكتّاب لا يهتمون بأدوار الكبار، أشاهد أفلاماً لنجوم في عمري يؤدون أدوار البطولة، مثل أنتوني هوبكنز في فيلم (الأب)، الذي حصل به على جائزة (الأوسكار)، وأدى شخصية رجل مصاب بألزهايمر، نحن لا نطالب بالبطولة، لكن على الأقل نتطلع لأدوار مؤثرة في السياق الدرامي»، مشيراً إلى أنه يقضي أغلب وقته في بيته، ويتقرب فيه إلى الله، بقراءة كتابه الكريم وأداء الصلوات، والتواصل مع الزملاء والأصدقاء.
وعلى الرغم من وجود حساب باسمه على موقع «فيسبوك»، فإن الفنان الكبير رشوان توفيق، أكد أنه لا علاقة له بمواقع التواصل، وأن الشيء الذي يتقنه هو «الرد على مكالمات الموبايل فقط».

سميرة مع ابنتها جليلة (الشرق الأوسط)

انتظار
الفنانة سميرة أحمد، التي يقع بيتها في مواجهة «نادي الجزيرة الرياضي» وسط القاهرة، تحرص على الذهاب إلى النادي برفقة ابنتها الوحيدة جليلة، لممارسة رياضة المشي ومقابلة أصدقائها، وكما تقول لـ«الشرق الأوسط»: «أستمتع بوقتي بين القراءة ومتابعة الأخبار والذهاب إلى النادي، وأحافظ على لياقتي كأنني سأصور عملاً غداً، وأتمسك بمسلسل (بالحب هنعدي) الذي أعتز به ولن أتنازل عنه، رغم تعطل إنتاجه، فأنا لن أقبل بغيره، فهو عمل متكامل كتبه يوسف معاطي، ويتناول قضايا اجتماعية مهمة»، مؤكدة: «وحشني جمهوري. والناس تسألني أين أنت».

الفنانة اللبنانية مادلين طبر (الشرق الأوسط)

كتابة مذكرات
أما الفنان المصري الكبير حسن يوسف، أحد أبرز نجوم النصف الثاني من القرن الماضي، فإنه ينشغل بكتابة مذكراته الفنية التي ينوي إصدارها تحت عنوان «50 عاماً من الفن»، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «لم أستجدِ العمل من أحد طوال مسيرتي، كانت الأعمال تتوالى عليّ من دون أي جهد مني، لا أومن باعتزال الفنان، ولكل مرحلة عمرية جمالها، في هذه المرحلة لا أقبل التضحية بتاريخي الفني في أعمال لا تليق بي، أرفضها دون تردد، وحالياً لا أريد سوى الصحة والسكينة التي أجدها في كنف عائلتي مع زوجتي شمس وأولادي، فهذا هو الأهم الآن، أريد أن أسعد أسرتي لآخر يوم في حياتي، وليس لي أطماع في الدنيا، فأنا رجل زاهد».

ترقب
وتترقب الفنانة عفاف شعيب تقديم مسلسل ديني جديد، حسبما تؤكد لـ«الشرق الأوسط» قائلة: «لديّ مسلسل ديني (أهل الوفاء بالبيعة) للمؤلف الراحل فؤاد رضا، وهو عمل رائع رحل مؤلفه وأوصاني به، وأنا حالياً أبحث عن جهة إنتاجية له، لكنني أستمتع بقضاء وقتي في بيتي، أقرأ القرآن وأصلي وأسبّح، وألتقي إخوتي وأولادهم».
وتعرب شعيب التي شاركت في بطولة نحو 150 عملاً فنياً، من بينها «الشهد والدموع»، عن انزعاجها من «وجود عدد لافت من الأسماء الفنية الكبيرة من دون عمل يليق بهم».

الشتاء في الساحل
الفنان أسامة عباس الذي شارك أخيراً في مسلسل «المتهمة» بعد غياب طويل عن الأعمال الفنية، رفض المشاركة في أعمال اعتبرها «ضعيفة»، ويؤكد لـ«الشرق الأوسط»: «ليس لديّ وقت فراغ، بل أقضي وقتي في قراءة ما فاتني من كتب تضمها مكتبتي في كل المجالات التي تثير اهتمامي، ولديّ بيت في الساحل الشمالي أستمتع بقضاء فصل الشتاء به، حيث يكون أجمل كثيراً بعيداً عن زحام الصيف، خصوصاً أنني أحب الأجواء الباردة»، على حد تعبيره.

التدريس الجامعي
وعراقياً، يرتبط الفنان هيثم عبد الرزاق، حالياً، بتصوير أعمال مسرحية وتلفزيونية، لكنه يؤكد معاناته من مستوى الشخصيات المكتوبة في الأعمال الفنية، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «نادراً ما أجد كتّاباً يكتبون شخصيات ترقى لمستوى المقدرة الفنية على الأداء والموهبة الفنية لدى الممثلين الكبار؛ لذلك أرفض كثيراً الشخصيات التي تُعرض عليّ بسبب القصور في رسمها، هذه مشكلة كبيرة نواجهها». ويضيف: «على مدى تاريخي الفني ربما يكون هناك 3 أو 4 شخصيات على الأكثر جاءت بمستوى طموحي، لكن انشغالي بالتدريس الجامعي إلى جانب التمثيل، يستحوذ على أغلب وقتي، كما أن الإنتاج السينمائي في العراق يظل محدوداً».

كتابة القصص
من جهتها، تشعر الفنانة اللبنانية مادلين طبر، بالرضا والتصالح تجاه عملها وحياتها الراهنة، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «أنا راضية جداً؛ لأننا اشتغلنا كثيراً، كنت أعمل في عام واحد عدة مسلسلات؛ ففي عام 2005 شاركت في مسلسلات (زيزينيا)، و(مشوار امرأة)، و(أصحاب المقام الرفيع)، و(محمود المصري)، وهناك أجيال جديدة لا بد أن نتيح لها الفرص». وتؤكد: «أنا متصالحة وسعيدة بحياتي ونصيبي، هذه الإيجابية التي أعيش بها تنطبع في نفسيتي وحياتي، فلماذا أنكد على نفسي؟! بالطبع لا أنوي الابتعاد عن الساحة الفنية، لكن عُرضت عليّ مسلسلات (سخيفة) رفضتها، وأصور فيلماً مع النجم الكبير محمد هنيدي»، لافتة إلى أنها سعيدة بكل ما تقوم به راهناً؛ فهي تقرأ وتكتب قصصاً قصيرة جداً، نشرت بعضاً منها في أحد المواقع الإلكترونية، وقررت تجميعها في كتاب، كما تقضي وقتها ما بين حضور معارض الفن التشكيلي التي تستهويها، والندوات الأدبية والفنية، وتلقي دروساً في اللغة الفرنسية. وتابعت: «حياتي مليئة بكل ما هو إيجابي، وإلا سنمرض إذا فكرنا خلاف ذلك، فأنا أجد متعة في ممارسة أشياء بعيدة عن التمثيل، إذا جاء بما يرضيني أسعد به، وإذا لم يأتِ لا أحزن، كان لديّ شركة إنتاج وتوزيع مسلسلات أجنبية وأوقفتها، وقد أضطر أحياناً لقبول أعمال أقل مما أنشده».

بريق مستمر
شكوى الكثير من الفنانين بعدم التقدير لتقدم السن، وفتح الأبواب للوجوه الجديدة، لا تنطبق على حالة بعض كبار الفنانين في العالم العربي؛ فالفنان حسين فهمي نجح في كسر قواعد غياب الممثلين الكبار، فهو لا يزال يحتفظ بمشاركاته الفنية وتألقه، ولم يشغله في أي وقت فكرة الغياب، على حد تعبيره في تصريحات سابقة، وبقي قادراً على الاحتفاظ ببريقه، وعلى اختيار ما يروق له من أعمال تحفظ تاريخه نجماً سينمائياً، حتى لو كان الظهور أقل مما كان عليه في سبعينات وثمانينات وتسعينات القرن الماضي، وبعد مرور أكثر من 20 عاماً على توليه رئاسة مهرجان القاهرة السينمائي، عاد مجدداً لرئاسته في الدورة الـ44 التي قادها بخبرته الكبيرة وحضوره الواثق، وفق متابعين.
ولبنانياً، على الرغم من اختيار المطربة اللبنانية الكبيرة فيروز، الابتعاد عن الأضواء منذ سنوات، فإن جمهورها اللبناني والعربي احتفى قبل أيام بعيد ميلادها الـ87، معتبرين إياها «أيقونة لبنان وشمسه التي لا تغيب»، فصوتها حاضر دائماً عبر الإذاعات والشاشات العربية رغم صدور آخر ألبوماتها قبل 5 سنوات، كما كان آخر ظهور لها في الحفلات الغنائية منذ نحو 11 عاماً في مدينة جونية على الساحل الكسرواني في لبنان، واختارت «جارة القمر» الابتعاد عن الأضواء لرعاية ابنها هلي الرحباني، من ذوي الاحتياجات الخاصة، وقد أثّر فيها كثيراً مثلما أثّر فيها وفاة ابنتها ليال عام 1987 وهي في الـ29 عاماً، وكانت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لمنزلها في سبتمبر (أيلول) 2020 باعتبارها رمزاً وطنياً للبنان، أفضل تعبير لمكانتها الكبيرة عربياً وعالمياً؛ إذ قلّدها وسام «جوقة الشرف»، وهو أعلى وسام فرنسي.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
TT

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)

تصدرت السعودية دول العالم في مؤشر الجاهزية الرقمية 2025، الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) في إنجاز عالمي جديد يدون في سجل إنجازاتها.

جاء تصدُّر السعودية للمؤشر بعدما سجلت 94 نقطة من أصل 100 ضمن تصنيف «مرتفع جداً»، لتتقدم إلى المركز الأول عالمياً، مقارنة بـ90 نقطة والمركز الرابع عالمياً في العام الماضي.

وحققت فنلندا وألمانيا المركزين الثاني والثالث بـ93 نقطة لكل منهما، ثم المملكة المتحدة في المركز الرابع بـ92 نقطة، والنرويج في المركز الخامس بـ91 نقطة، فيما حلت فرنسا في المركز السادس بـ90 نقطة.

ويعكس إنجاز السعودية ما تشهده من تطور متسارع في بناء منظومة رقمية متقدمة، ترتكز على سياسات تنظيمية ناضجة، وأطر حوكمة فعّالة، وقدرات مؤسسية عالية، بما يعزز تنافسية الأسواق الرقمية، ويدعم النمو الاقتصادي والاجتماعي، ويواكب مستهدفات المملكة في الانتقال إلى العصر الذكي.

ويُعد هذا المؤشر أحد المؤشرات الدولية المتخصصة في قياس الجاهزية الوطنية للمنظومات الرقمية، من خلال تقييم أنظمة وسياسات الاتصالات والتقنية وأدوات الحوكمة، بالاستناد إلى مخرجات تحليلية تشمل النضج التنظيمي الرقمي وتطور تنظيمات القطاع، ويضم 117 مؤشراً موزعة على 9 محاور رئيسة.

وأكد تصدر السعودية لهذا المؤشر مكانتها العالمية بوصفها نموذجاً رائداً في بناء بيئة رقمية تمكينية، تتبنى أفضل الممارسات التنظيمية، وتعزز القرارات المبنية على البيانات، وتدعم تكامل الأدوار بين الجهات ذات العلاقة، بما يسهم في رفع مرونة المنظومة الرقمية وقدرتها على مواكبة المتغيرات التقنية والمتسارعة عالمياً.

كما يبرز هذا التقدم حجم الجهود الوطنية في تطوير الأطر التنظيمية والتشريعية، وتمكين الأسواق الرقمية، وتعزيز كفاءة البنية المؤسسية، وهو ما أسهم في وصول السعودية إلى فئة «مرتفع جداً» التي تضم نسبة محدودة من دول العالم، بما يجسد ريادتها الدولية ومتانة مسيرتها التنموية في قطاع الاتصالات والتقنية.

ويأتي هذا الإنجاز ثمرةً لتكامل الجهود الوطنية بين عدة جهات حكومية وتنظيمية، ممثلة بوزارات «المالية، والتجارة، والإعلام، والصحة، والتعليم، والاقتصاد والتخطيط، والبيئة والمياه والزراعة» وهيئات «الاتصالات والفضاء والتقنية، والحكومة الرقمية، والبيانات والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني»، إضافة إلى «البنك المركزي»، وجهات شريكة، بينها، هيئات «تنظيم الإعلام، والنقل، والمياه، وتنظيم الكهرباء، والمنافسة»، و«مركز التنافسية»، وجمعية حماية المستهلك.

ويُرسخ هذا الإنجاز حضور السعودية في المؤشرات الدولية المتخصصة، ويُعزِّز موقعها مركزاً عالمياً رائداً في الاقتصاد الرقمي، ووجهة جاذبة للاستثمار والابتكار، مدعومة برؤية طموحة نحو مستقبل أكثر نمواً وازدهاراً.


«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)

أعاد البرنامج الإذاعي المصري «الملهمون»، الذي يحكي سيرة أعلام مصرية وعربية بارزة في مجالات متنوعة، الفنانة والإعلامية المصرية صفاء أبو السعود لأثير «ماسبيرو» مجدداً، بعد تقديمها لحلقات إذاعية تمثيلية أخيراً، في بعض الإذاعات المحلية، حيث اشتهرت الفنانة المصرية بأعمالها بالسينما والدراما التلفزيونية، وتقديم البرامج الحوارية الفنية، والغناء خصوصاً للأطفال.

وأعلنت «الهيئة الوطنية للإعلام»، برئاسة الكاتب أحمد المسلماني، في بيان صحافي، الثلاثاء، عن إطلاق برنامج «الملهمون»، الذي بدأت أولى حلقاته الأحد، وتناولت سيرة سيزا نبراوي، كما أكد الدكتور محمد لطفي رئيس الإذاعة بمصر، الانتهاء من تسجيل 12 حلقة مدة كل منها 30 دقيقة، تذاع على أثير «البرنامج العام»، مساء الأحد من كل أسبوع، وكذلك على جميع المحطات الإذاعية الإقليمية، إذ يتناول البرنامج شخصيات أثرت في تاريخ مصر في مجالات مختلفة.

وتتناول الحلقات المقبلة، شخصيات لها دور مؤثر، مثل الدكتور نجيب محفوظ ميخائيل، وسليم وبشارة تقلا، وأبلة نظيرة، وأنيس عبيد، وغيرهم من الشخصيات التي لم يتم تسليط الضوء عليها درامياً ووثائقياً، بحسب البيان الصحافي.

الفنانة صفاء أبو السعود (فيسبوك)

وفي السياق، بدأت حلقة سيزا نبراوي عبر برنامج «الملهمون»، بتعليق صوتي جاء فيه «في كل زمن يولد من يغيره، ومن بين الزحام تلمع أسماء لا تنسى، هؤلاء لم يعيشوا فقط بل ألهموا العالم»، ويشارك في بطولة الحلقات إلى جانب صفاء أبو السعود، نخبة من نجوم الإذاعة المصرية، تأليف أحمد القصبي، وإخراج تامر شحاتة، بينما شارك في الأداء الإذاعي لحلقة سيزا نبراوي، عادل شعبان، ومصطفى درويش، وأحمد خليل، وأماني البحطيطي، وقام بدور الراوي علي مراد.

وسلطت الحلقة الضوء على دور السيدة سيزا نبراوي، في الدعوة لحرية النساء والوطن، وعلاقتها بالسيدة هدى شعراوي، وخروجها في مظاهرات ثورة 1919، وتأسيسها لجريدة «الاتحاد النسائي»، باللغة الفرنسية، ومساهمتها في تحديد سن الزواج للفتيات، وحقهن في التعليم، وجمع التبرعات لمقاومة الاحتلال.

وأشاد وكيل وزارة الإعلام الأسبق، رئيس الشعبة العامة للإذاعيين العرب بالاتحاد العام للمنتجين العرب، الإذاعي المصري شريف عبد الوهاب، بدور الإذاعة المصرية في تسليط الضوء على الشخصيات البارزة بهدف «تعزيز الهوية»، مشيراً إلى أن الحديث عن «الشخصيات المهمة»، في كل المجالات لتكون قدوة حسنة للشباب، وللتأكيد على أهمية الماضي الذي يساعد على الانطلاق نحو المستقبل، أمر ضروري.

الفنانة صفاء أبو السعود اشتهرت بتقديم البرامج (فيسبوك )

وقال عبد الوهاب لـ«الشرق الأوسط»، إن محتوى «الملهمون»، الهادف ليس جديداً على الإذاعة المصرية، التي اعتادت على المسلسلات التي تسلط الضوء على القضايا المجتمعية، والشخصيات البارزة، لافتاً إلى أن «الشق الدرامي» خصوصاً في هذا البرنامج له تأثير كبير على المستمع، لا سيما فئة الشباب.

وأشار إلى أن «تناول البرنامج، لشخصيات منوعة وعدم اقتصاره على العلماء والكتاب والفنانين فقط، مثل سيرة أبله نظيرة، يدلان على أهمية التوجه المختلف، لأنها جزء من تراث عالم المطبخ المصري، وجزء أصيل من الهوية والعادات المصرية التي يمكن أن تصل للعالمية».

ونوّه عبد الوهاب بأن «الإذاعة ستظل الصديق الحميم للمستمع، لأنها تعتمد على الخيال، وبناء الصورة بشكل منفرد»، مؤكداً أن «سر جمالها يكمن في التأثير والوصول للشباب وكأنها صديق مقرب».

وفنياً، شاركت صفاء أبو السعود في العديد من الأعمال السينمائية منذ ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي، من بينها «بمبة كشر» و«المتعة والعذاب»، وقدمت برامج حوارية فنية من بينها «ساعة صفا»، و«سهراية»، واشتهرت صفاء أبو السعود بتقديم أوبريتات وأغنيات للأطفال، مثل «أهلا بالعيد»، و«يلا نقضي أجازة سعيدة»، و«يا أصحابي وصحباتي»، وغير ذلك.

كما قدمت صفاء أبو السعود في الإذاعة حلقات «يوميات صفصف»، و«أوضتين وصالة»، و«بهجة رمضان»، و«ألو في خدمتك»، إلى جانب مسلسلات تلفزيونية مثل «هي والمستحيل»، و«النهر والتماسيح»، و«ملكة من الجنوب»، ومسرحيات من بينها «موسيقى في الحي الشرقي» و«20 فرخة وديك»، و«فندق الأشغال الشاقة».


«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
TT

«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)

يحتفل المصريون بعيد «شم النسيم» من خلال استدعاء طقوس قديمة تعود لآلاف السنين، فهذا العيد وُلد على ضفاف نهر النيل ليعلن انتصار الحياة، وتفتح الزهور، وبداية فصل الحصاد في مصر القديمة، وفق ما يذكره المتحف المصري بمناسبة استدعاء طقوس هذا اليوم.

ووفق منشور للمتحف، الاثنين: «لم يكن شم النسيم عند المصريين القدماء مجرد نزهة، بل كان طقساً مقدساً يرتبط بعقيدة البعث والخلود؛ فقد اختار المصري القديم وقت الاعتدال الربيعي ليحتفل بتساوي الليل والنهار، بوصفه لحظة بدء الخلق، ومن هنا جاءت تسمية (شمو)».

ويلفت إلى تغيير دلالة هذه الكلمة من الإشارة إلى الموسم الثالث والأخير في التقويم المصري (موسم الحصاد والجفاف الذي يمتد من مايو «أيار» إلى سبتمبر «أيلول») ثم ليصبح «شوم إن نيسيم» (بمعنى بستان الزروع أو الحدائق الخضراء) في اللغة القبطية، وبعد دخول العربية وجد المصريون في عبارة «شم النسيم» ترجمة ملائمة لجوهر الاحتفال، ليظل هذا العيد دليلاً حياً على استمرارية الحضارة المصرية؛ إذ يحتفل به المصريون جميعاً لأكثر من 4500 عام حتى اليوم.

وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، شمّ النسيم من أبرز المظاهر الثقافية التي تُجسّد استمرارية الذاكرة الحضارية في مصر عبر آلاف السنين.

مصريون يحتفلون بعيد شم النسيم (محافظة القاهرة)

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «يكتسب هذا العيد طابعه الفريد من كونه نموذجاً نادراً على تداخل الطقس الشعبي مع الاستمرارية التاريخية، حيث لم ينقطع عبر التحولات الدينية والاجتماعية الكبرى التي شهدتها مصر، بل أعاد إنتاج نفسه داخل سياقات ثقافية مختلفة، محتفظاً بجوهره القائم على الخروج إلى الطبيعة وتناول أطعمة رمزية مثل الفسيخ والبيض والخس، وهي ممارسات يربطها عدد من الباحثين بالرمزية الزراعية والخصوبة وتجدد الحياة في مصر القديمة».

ومن منظور أنثروبولوجي، يمكن قراءة شم النسيم بوصفه «ذاكرة جمعية حيّة»، لا تُحفظ في النصوص فقط، بل تتجلى في الممارسة اليومية، حيث تتحول النزهات في الحدائق، وعلى ضفاف النيل إلى طقس اجتماعي يعزز الهوية المشتركة، كما يعكس العيد قدرة الثقافة المصرية على إعادة تفسير عناصرها القديمة دون انقطاع.

وفي السياق المعاصر، يظل هذا العيد، وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، «شاهداً على واحدة من أعمق سمات الحضارة المصرية، وهي القدرة على تحويل الطقس القديم إلى ممارسة حيّة تتجدد كل عام دون أن تفقد جذورها التاريخية».

وخلف كل طقس موجود اليوم تكمن فلسفة مصرية عميقة، وفق ما نشره المتحف المصري، «فمائدة شم النسيم هي قربان احتفالي لدورة الحياة المتجددة، فكان البيض رمزاً لخروج خالق الكون في أساطير العقيدة المصرية القديمة، وتلوينها هو تجسيد لبعث الحياة من السكون. أما السمك المملح، فقد ارتبط بتقديم النذور للنيل (حابي) لضمان استمرار الفيض، حيث قدس المصري القديم السمك لخصوبته العالية، وكان تمليحه وسيلة لـ حفظ الحياة واستمرار النماء، كما برز البصل في متون الأهرام والنصوص الطبية القديمة كعنصر مطهر، وارتبط بأساطير الشفاء، فصار رمزاً لهزيمة الأرواح الشريرة، وتميمة للحماية تُعلق على الأبواب.

الحدائق والمتنزهات تشهد إقبالاً في شم النسيم (محافظة القاهرة)

وترى الباحثة في الحضارة المصرية القديمة، عزة سليمان، التي رصدت الأعياد المصرية القديمة في كتبها «كراريس إيزيس» أن «هناك عادات راسخة يقوم بها المصريون في شم النسيم، فدائماً هناك حالة من الفرح والسعادة والرغبة في الاستمتاع بالطبيعة عبر النزهات والأطعمة الخاصة بهذه المناسبة في عيد الربيع، وهو لا يتوقف على عيد الربيع، لكنه كان بمنزلة العيد المصري الرئيسي في العصور القديمة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «ارتبط هذا العيد بأرض مصر ومصالحها الاقتصادية وموسم حصاد القمح، وهناك كثير من الطقوس التي ما زالت مستمرة حتى اليوم في شم النسيم، منها تجهيز الطعام، خصوصاً الأسماك المملحة (الفسيخ) والمجففة (البكلاه) التي كان يحتفظ بها المصري القديم لطعامه في الحقل؛ حيث كان يظل هناك مدة طويلة حتى يحصد القمح». وأشارت عزة إلى أن الفسيخ كان يصنع في 7 أيام واسمه نفسه يعني «سبعة»، كما تمت صناعة أسماك حديثة لهذه المناسبة مثل الرنجة وغيرها، كما لفتت إلى عادات ما زالت موجودة مثل تلوين البيض وأكل الخس والملانة (الحمص) التي تعد رموزاً مهمة للأرض الخضراء الخصبة.