الكرملين يؤكد «عدم سعيه لإطاحة» زيلينسكي... وينفي تعبئة جديدة

معارك حول دونيتسك... وموسكو تتحدث عن انتقال قوات أوكرانية إلى لوغانسك وزابوريجيا

امرأة تحضن صديقة لها تخدم ضمن الجيش الأوكراني في خيرسون أمس (أ.ف.ب)
امرأة تحضن صديقة لها تخدم ضمن الجيش الأوكراني في خيرسون أمس (أ.ف.ب)
TT

الكرملين يؤكد «عدم سعيه لإطاحة» زيلينسكي... وينفي تعبئة جديدة

امرأة تحضن صديقة لها تخدم ضمن الجيش الأوكراني في خيرسون أمس (أ.ف.ب)
امرأة تحضن صديقة لها تخدم ضمن الجيش الأوكراني في خيرسون أمس (أ.ف.ب)

سعى الكرملين، أمس الاثنين، إلى التخفيف من أهمية تصريحات أطلقها نائب مجلس الأمن القومي الروسي، ديمتري ميدفيديف، تعهد خلالها بـ«استعادة» كييف التي وصفها بأنها «مدينة روسية».
وأعلن الناطق باسم الديوان الرئاسي، ديمتري بيسكوف، بعد مرور ساعات أن العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا «لا تضع بين أهدافها تغيير السلطة»، في اشارة غير مباشرة إلى عدم نية موسكو استهداف العاصمة الأوكرانية أو إطاحة الرئيس فولوديمير زيلينسكي. وقال بيسكوف إن «الاتحاد الروسي يسعى لتحقيق أهدافه في العملية العسكرية، وسوف يحققها»، مؤكداً أنه «ليس بين الأهداف إطاحة السلطة في أوكرانيا».
وكان ميدفيديف؛ الذي تميز بتصريحاته النارية منذ بدء الحرب في أوكرانيا، قال إن العاصمة الأوكرانية كييف «مدينة روسية»، وتعهد بـ«استعادتها». وجاء حديثه تعليقاً على وعود أطلقها مسؤولون أوكرانيون مراراً في الأيام الأخيرة بـ«استعادة شبه جزيرة القرم».
وكتب ميدفيديف في قناته على «تلغرام»: «في بعض الأحيان تحتاج تصريحات العدو إلى إجابة غير دبلوماسية. القيادة الأوكرانية ليست في وضع يسمح لها بالحديث عن استعادة شبه جزيرة القرم». وتابع: «هناك حقائق لا خلاف عليها يجب أن أشير إليها، وهي أن كييف كانت عاصمة روسيا القديمة، وواحدة من المدن الروسية الكبرى داخل الإمبراطورية الروسية، وعاصمة إحدى الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية». وأضاف أن «سكان كييف لطالما كانوا يتحدثون باللغة الروسية، حتى يكون كل شيء واضحاً تماماً، بشأن ما الذي يجب أن تتم استعادته في الواقع».

- معاقبة متورطين في إعدامات مفترضة
في شأن آخر؛ توعّد بيسكوف بالعثور على المسؤولين عن مقتل مجموعة من الجنود الروس في أوكرانيا، ومعاقبتهم على ما وصفها بأنها عملية «إعدام»، في الوقت الذي قالت فيه كييف إنّ هؤلاء الجنود قُتلوا بعد استسلام وهمي. وقال المتحدث باسم الرئاسة الروسية للصحافة: «من الطبيعي أن تبحث روسيا بنفسها عن أولئك الذين ارتكبوا الجريمة. يجب العثور عليهم ومعاقبتهم». وأضاف أن موسكو ستتوجّه إلى الهيئات الدولية لهذا الغرض «إذا كان من الممكن أن يكون ذلك مفيداً».
وكانت روسيا قد اتهمت أوكرانيا، الجمعة، بإعدام أكثر من 10 من جنودها بعد إلقاء أسلحتهم، بناءً على مقاطع فيديو نُشرت على شبكات التواصل الاجتماعي. وفي أحد مقاطع الفيديو، يظهر نحو 10 جنود يبدو أنّهم روس يخرجون الواحد تلو الآخر من مخبأ وأياديهم في الهواء، ثم يستلقون ووجوههم على الأرض بناء على أوامر جنود أوكرانيين؛ على ما يبدو، يوجهون إليهم سلاحهم.

- موسكو تنفي تعبئة عسكرية جديدة
كذلك؛ نفى الناطق الرئاسي الروسي، صحة معطيات حول توجه موسكو لإعلان تعبئة عسكرية جديدة، وقال للصحافيين إن «الكرملين لا يناقش موجة ثانية من التعبئة». وفي المقابل؛ شدد بيسكوف على أهمية تعزيز الجهود لحماية محطة زابوريجيا النووية وسط حديث روسي عن تصعيد عسكري أوكراني حول المحطة.
واتهمت موسكو الجانب الأوكراني بقصف مواقع قرب المحطة خلال الساعات الـ24 الأخيرة، بالتزامن مع تصاعد الجدل الدولي حول وضع المحطة وضرورة اتخاذ إجراءات لمنع وقوع كارثة نووية فيها بسبب تصاعد المواجهات حولها. وقال بيسكوف إن «روسيا تدعو جميع الدول إلى التأثير على أوكرانيا لوقف قصف محطة الطاقة النووية في زابوريجيا».
وجاء تكثيف الحديث حول الموضوع تزامناً مع إعلان المدير العام لـ«الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، رافاييل غروسي، عن نيته زيارة روسيا وأوكرانيا لبحث تدابير لضمان سلامة المحطة. وأشار غروسي إلى أنه «خلال اللقاءات السابقة مع الرئيسين الروسي والأوكراني تحدثنا عن الحاجة إلى حماية المحطة». وأضاف غروسي: «هدف (الوكالة الدولية) هو وقف الهجمات على المحطة (...) آمل أن ننجح في التوصل إلى اتفاق بشأن هذه القضية، بمساعدة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وقادة آخرين». وتابع غروسي أن خبراء الوكالة سيقومون بجولة تفتيش في المحطة لتقييم الأضرار الناجمة عن القصف الأخير.

- «منطقة آمنة» حول زابوريجيا
في الأثناء، قال المدير العام لمؤسسة «روس آتوم» الروسية، أليكسي ليكاتشيف، إن فكرة إقامة منطقة أمنية حول محطة زابوريجيا للطاقة النووية «ستكون ممكنة التطبيق إذا وافقت واشنطن فقط على ذلك». وأوضح أن «فرض المنطقة الآمنة يعتمد أولاً على نشاط غروسي، لكن الأهم من ذلك؛ وفق ما أعتقد، أن المنطقة الأمنية لن تكون ممكنة إلا إذا وافقت عليها واشنطن. يبدو لي أن المسافة الكبيرة بين واشنطن وزابوريجيا يجب ألا تكون حجة للإدارة الأميركية لتعطيل القرار بشأن المنطقة الآمنة».
وكانت وزارة الخارجية الروسية طالبت بإقامة المنطقة الآمنة ووقف هجمات أوكرانيا حول المحطة، وقال نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي فيرشينين، إنه من الضروري الاتفاق على إنشاء منطقة آمنة حول المحطة بأسرع ما يمكن. وزاد أن «موسكو على اتصال مع (الوكالة الدولية للطاقة الذرية)؛ وتحديداً مع أمانة الوكالة، وشخصياً مع المدير العام، وتتواصل المفاوضات بشأن إنشاء منطقة أمان نووي تشغيلية ومادية حول المحطة ونتفق مع السيد غروسي بهذا الشأن».
وزاد الدبلوماسي الروسي أنه «بالنسبة إلى المعايير المحددة لإنشاء هذه المنطقة، فقد جرى النظر في خيارات عدة، ولكن من السابق لأوانه الحديث عنها، إلا إن الهدف الرئيسي الذي نسعى من أجله إلى إنشاء هذه المنطقة هو منع التهديدات الناشئة عن الهجمات المستمرة لنظام زيلينسكي على المحطة النووية وبنيتها التحتية».

- موسكو تعلن التصدي لقوات كييف
ميدانياً؛ أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن قواتها تصدّت لهجوم واسع شنته القوات الأوكرانية في اتجاه جنوب دونيتسك.
وأفادت في إيجاز صحافي بأنه «جرت إعادة وحدات القوات المسلحة الأوكرانية إلى خط البداية، وبلغت الخسائر في صفوف القوات المسلحة الأوكرانية في اتجاه جنوب دونيتسك أكثر من 70 عسكرياً». وزادت أن «القوات المسلحة الروسية دمرت خلال اليوم الأخير راجمات صواريخ من طراز (أوراغان) تابعة للقوات المسلحة الأوكرانية في مدينة خاركيف، وهي راجمات استخدمت لقصف الأراضي الروسية في منطقة بيلغورود».
كذلك؛ أحبطت القوات المسلحة الروسية محاولة من جانب القوات الأوكرانية للهجوم في اتجاه كوبيانسك، ودمرت؛ وفقاً للإيجاز، «مجموعة تخريبية واستطلاعية تابعة للقوات المسلحة الأوكرانية في خيرسون حاولت العبور بقارب إلى الضفة اليسرى لنهر دنيبر».
يذكر أن آندريه ماروتشكو؛ المسؤول العسكري الموالي لموسكو في لوغانسك، كان قد أشار إلى مواجهات ضارية جرت على محوري دونيتسك والمناطق المحيطة بخيرسون، وقال إن «جزءاً من القوات الأوكرانية التي جرى نشرها الأسبوع الماضي من اتجاه خيرسون قد تم تدميره». وأضاف ماروتشكو أن هناك «تأكيدات مباشرة وغير مباشرة لنقل القوات الأوكرانية من خيرسون إلى لوغانسك وزابوريجيا، وجرى نقل كثير من الأفراد والمدرعات، بغرض خلق قبضة قوية لتنفيذ هجوم واسع في المنطقتين. وعندما أصبح القتال أكثر نشاطاً، جرى تدمير بعض هذه المجموعات من قبل القوات الجوية الروسية». وتابع ماروتشكو أنه «في الوقت الحالي، يقوم العدو بإعادة تجميع صفوفه وتحديد خسائره، حتى يبدأ، مع تحسن الطقس، محاولة اقتحام جمهورية لوغانسك في اتجاه سفاتوفو وكريمينايا وغيرها من المناطق الخطرة»، مشيراً إلى أن القوات الأوكرانية تكبدت «خسائر فادحة للغاية».


مقالات ذات صلة

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

أوروبا جنديان بولنديان يطلقان النار من نظام الدفاع الجوي المحمول «بيورون» خلال مشاركتهما في تدريبات عسكرية «المدافع الحديدي» التي أجرتها القوات البولندية مع جنود حلف شمال الأطلسي بالقرب من أورزيسز بولندا... 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

تعتزم بولندا إنشاء فئة جديدة من احتياطي الجيش، يمكن تعبئتها في غضون مهلة قصيرة جداً في حالات الطوارئ، وذلك في إطار خطتها لتوسيع جيشها.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (رويترز)

وزير الخارجية الروسي: أميركا لن تدعم نشر قوات أوروبية في أوكرانيا

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اليوم إن رد الولايات المتحدة على الفكرة التي روجت لها دول أوروبية بشأن نشر قوات في أوكرانيا «لن يكون إيجابياً».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي لإضافة ميناءين في جورجيا وإندونيسيا لعقوبات روسيا

أظهرت ​وثيقة أن دائرة العمل الخارجي، وهي الذراع الدبلوماسية ‌للاتحاد الأوروبي، اقترحت ‌إضافة ‌ميناءين إلى حزمة عقوبات جديدة تستهدف روسيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا  مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)

مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية تحسباً لمغامرات روسية

انطلاق مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية ضخمة تحت اسم «أوريون 26» بمشاركة 24 بلداً وحتى نهاية أبريل المقبل تحسباً لمغامرات روسية جديدة في أوروبا

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا لقطة مأخوذة من فيديو تم إصداره 1 ديسمبر 2025 تظهر جنوداً يحملون العَلم الروسي في بوكروفسك بأوكرانيا (رويترز)

الجيش الروسي يضغط على بوكروفسك الأوكرانية مع احتدام المعارك

قال الجيش الأوكراني، الاثنين، إن القوات الروسية تحاول التقدم حول مدينة بوكروفسك بشرق البلاد، على أمل إنهاء حملة استمرت شهوراً للسيطرة على المركز الاستراتيجي.

«الشرق الأوسط» (كييف)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟