«تحجيم وتدمير»... قصة الحرب ضد «داعش» من أوباما إلى ترمب

المالكي كان يخشى «سحل جثته» كالقذافي... وترمب للعبادي: أريد النفط... وصل الأميركيون لإنقاذ الإيزيديين فسبقهم أكراد سوريا

الرقة... «عاصمة داعش» في سوريا ما زالت مدمَّرة بعد سنوات من تحريرها (رويترز)
الرقة... «عاصمة داعش» في سوريا ما زالت مدمَّرة بعد سنوات من تحريرها (رويترز)
TT

«تحجيم وتدمير»... قصة الحرب ضد «داعش» من أوباما إلى ترمب

الرقة... «عاصمة داعش» في سوريا ما زالت مدمَّرة بعد سنوات من تحريرها (رويترز)
الرقة... «عاصمة داعش» في سوريا ما زالت مدمَّرة بعد سنوات من تحريرها (رويترز)

في كتابه المشوّق «تحجيم وتدمير Degrade and Destroy»، يأخذك مايكل غوردون إلى كل ما تريد معرفته عن خفايا الحرب ضد تنظيم «داعش» في سوريا والعراق، بدءاً بولاية الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما ثم ولاية خلفه دونالد ترمب. يتنقل القارئ، خلال تقليب صفحات الكتاب، بين جبهات المعارك كأنه جزء منها. يعيش نكساتها، مآسيها، وأيضاً انتصاراتها. يدخل الاجتماعات المغلقة التي يعقدها القادة الأميركيون لمناقشة الحرب. يطّلع على محاضرها السرية، ويستمع إلى روايات المشاركين فيها، فيكتشف حروباً موازية للحرب ضد «داعش» كانت تدور بين المسؤولين الأميركيين أنفسهم، وبين «حلفائهم الأعداء»، حول طريقة هزيمة التنظيم الإرهابي: خلافات أميركية - أميركية. خلافات بين بغداد وأربيل. خلافات كردية - كردية. خلافات بين الأكراد والأتراك... وكل ذلك يأتي في ظل دخول إيران على خط «الحرب على داعش»، من خلال محاولات قام بها قائد «لواء القدس» في الحرس الثوري، قاسم سليماني، لتوسيع دائرة الحلفاء لبلاده في كلٍّ من سوريا والعراق وتثبيت نفوذها فيهما.

يبدأ «تحجيم وتدمير» روايته للحرب على «داعش»، بالعودة إلى خلفيات الانسحاب الأميركي من العراق عام 2011، بناءً على رغبة أوباما في إنهاء انخراط بلاده في حروب خارجية لا تنتهي، حسبما قال خلال حملته الرئاسية عام 2008. كان هدفه الخروج من «مستنقعات» حروب الشرق الأوسط كي يتمكن من التركيز على التحدي الاقتصادي الآتي من آسيا، وكذلك للاهتمام بالمشكلات الداخلية التي تعاني منها أميركا. يكشف غوردون، هنا، أن جنرالاً أميركياً يدعى مايكل باربيرو كُلّف تقديم تقييم لقدرة الجيش العراقي على تولي الأمن في حال انسحاب الأميركيين، فجاء تقييمه بأن العراقيين لا يمكنهم ذلك بحلول الموعد المحدد، وهو ديسمبر (كانون الأول) 2011. يتذكر باربيرو أنه تحدث مع رئيس الوزراء العراقي آنذاك نوري المالكي ومع الكثير من القادة العراقيين السنّة والشيعة والأكراد وشرح لهم الوضع، فكان ردهم: «جنرال، يجب أن تبقوا إذن».
لكن البقاء لم يكن بالأمر السهل. فعلى مدى شهور من ذلك العام، لم يكن معروفاً هل أوباما مستعد أصلاً لتمديد بقاء القوات. ثم جاءت مشكلة الاتفاق على وضع القوات الأميركية في بلد سيّد. أبرم هذا الاتفاق الرئيس السابق جورج بوش مع المالكي عام 2008، لكن مفعوله ينتهي بنهاية 2011. بعد فترة من النقاشات، وافق البيت الأبيض على طلب «البنتاغون» تمديد بقاء القوات الأميركية، فبدأ الجدل حول عددها، وحول نوع الاتفاق الذي سينظم وجودها في العراق. في نهاية المطاف، وافق أوباما على إبقاء 5000 جندي فقط، منهم 3500 يبقون في العراق بشكل دائم، والبقية يتم نقلهم إليه دورياً. وهنا أصرّ البيت الأبيض على أن البرلمان العراقي يجب أن يوافق على أي اتفاق لتنظيم انتشار القوات الأميركية. ينقل السفير الأميركي في العراق آنذاك جيمس جيفري عن المالكي قوله: «لا أريد في الحقيقة أن أذهب إلى البرلمان. ماذا عن البديل؟ نوقّع اتفاقاً فقط»، مضيفاً أن المالكي قال له إن الرئيس الأسبق صدام حسين استضاف سابقاً آلاف المستشارين الروس دون أي اتفاق قانوني بهذا الشأن.
في النهاية، انهار الاتفاق الأميركي – العراقي، عقب اتصال فيديو بين أوباما والمالكي (كان ثاني اتصال مباشر بينهما فقط)، وبات على الأميركيين سحب قواتهم (40 ألفاً) بنهاية ديسمبر 2011، قبل ثلاثة أسابيع من الموعد، سافر المالكي إلى واشنطن للاتفاق على نوع العلاقة المستقبلية بين الطرفين، فقال أوباما وقتها: «حرب تنتهي... ويوم جديد يحل علينا».

- نهاية حرب؟
هذا ما تم علناً. لكنَّ شيئاً آخر كان يُطبخ سراً. فقد استضاف رئيس وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) ديفيد بيترايوس، ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، بموافقة أوباما، المالكي على عشاء خلال زيارته لواشنطن وعرضا عليه «الخطة ب». قضت الخطة بأن يبقى في العراق عشرات من عناصر القوات الخاصة بعد نقلهم إلى مُلاك «سي آي إيه». وبموجب الاتفاق، يتولى العراقيون القتال ضد المتطرفين، فيما يقدم الأميركيون المساعدة في التجسس على اتصالات العدو وتحليل معلومات الاستخبارات والرصد وحتى التخطيط للعمليات.
لم يكن المالكي شخصية يسهل التعامل معها، رغم أن الأميركيين ساعدوه في الوصول إلى السلطة. فقد كان الأميركيون يريدون التخلص من رئيس الوزراء آنذاك إبراهيم الجعفري، بعدما رأوا أنه لا يتعامل بجدية لوقف التوتر الطائفي في البلاد. وبعدما قرأ السفير الأميركي آنذاك، زلماي خليل زاد، تقريراً لـ«سي آي أيه» عنه، وفيه أنه كان من قادة حزب «الدعوة» المنفيين في سوريا، وليس في إيران، بدا له أن المالكي شخص يمكن التعامل معه، من بين خيارات أخرى كانت بعيدة عن أن تكون مثالية.
جاء بيترايوس إلى بغداد قبيل عيد الميلاد في ديسمبر 2011 لإبرام اتفاق «الخطة ب». لكنّ الوضع فيها كان مختلفاً. فقد كان المالكي يعتقد أن هناك مؤامرات تُحاك ضده للتخلص منه بعد الانسحاب الأميركي. يروي الكتاب أن المالكي تساءل علناً خلال لقاء لمسؤولين عراقيين وأميركيين في أكتوبر (تشرين الأول) من ذلك العام، عما إذا كان هناك أشخاص سيغتالونه ثم يتم سحل جثته في الشوارع كما حصل مع العقيد الليبي معمر القذافي في ذلك الشهر.
في أي حال، وعد المالكي بيترايوس بتوقيع ورقة تطلب مساعدة «سي آي إيه» في مكافحة الإرهاب. لكن الطلب لم يأتِ. انسحب الأميركيون، لكنَّ تقييم الجنرال الأميركي في شأن قدرة القوات العراقية سرعان ما تبين أنها صحيحة. فالمتطرفون، بقيادة أبو بكر البغدادي، سرعان ما استفادوا من الثورة ضد نظام الرئيس بشار الأسد في دمشق وبدأوا يتوسعون في سوريا، قبل بدء حملة واسعة في العراق تمثلت في هجمات واسعة على السجون (حملة هدم الأسوار) وتحرير آلاف السجناء منها.

- زيباري للمالكي: قادتك يكذبون عليك
ويروي غوردون هنا قصة لافتة عن القيادي الكردي هوشيار زيباري الذي قدّر أن القوات العراقية قد لا تكون قادرة على التعامل مع التهديد الإرهابي المتصاعد. ولا شك أن زيباري يعرف معنى التهديد شخصياً، فقد فجّر إرهابيون عام 2009 مقر وزارة الخارجية التي كان يقودها آنذاك، ما أدى إلى مقتل عشرات من موظفيه. بعد ذلك بأربع سنوات، شكك زيباري في قدرة العراقيين على التعامل مع التهديد المتصاعد. فسعى إلى إقناع المالكي بطلب مساعدة الأميركيين: بضع غارات من الطائرات المسيّرة (درون). تدريب للقوات العراقية. لكنّ إقناع المالكي لم يكن سهلاً. فكيف يمكن للأخير أن يطلب مساعدة الأميركيين بعد سنتين من انسحابهم؟ ذهب زيباري إلى واشنطن لمفاتحة الأميركيين بحاجة العراق إلى مساعدة منهم، وأبلغ بذلك الجنرال مارتن ديمبسي الذي سأله: هل هذا الطلب يمثل الحكومة العراقية أم موقفه فقط؟ فقال زيباري إن الطلب من الحكومة العراقية. عندها طلب ديمبسي رسالة تطلب ذلك رسمياً. كما طلب الجنرال الأميركي أيضاً تغيير قيادات عراقية رأى أنها لا تقدّر خطورة الوضع. عاد زيباري إلى بغداد وأبلغ المالكي بأن الأميركيين منفتحون على المساعدة، لكنهم يريدون تغييرات أيضاً. لم يُظهر المالكي بوادر للموافقة على ذلك. قال إن قادته العسكريين واثقون من قدرتهم على مواجهة التهديد، فرد زيباري قائلاً: «هؤلاء القادة يكذبون عليك. لا يخبرونك حقيقة الوضع».

- سقوط الموصل
لم يخطئ زيباري في توقعاته. فتنظيم «داعش» كان يحقق ضربات متتالية وفي أجزاء واسعة من مناطق البلاد. في يونيو (حزيران) 2014، بلغت الأوضاع حداً كبيراً من الخطورة، فتم إعلان حظر التجول في مدينة الموصل التي يؤمّن حمايتها عادةً فرقتان من الجيش العراقي وآلاف من عناصر الشرطة المحلية والشرطة الاتحادية. لم يكن الأميركيون على دراية بمدى خطورة الوضع، كما يقول غوردون.
لم يكن سراً أن المناطق السنية في العراق كانت مستاءة من سياسات المالكي الذي لم يَزُر الموصل، مثلاً، سوى مرة واحدة عام 2008، لكن وصول «داعش» إلى أبواب الموصل استدعى تحركاً عاجلاً، حتى من القيادات السنية، لتفادي كارثة. فبدأ قادة المدينة مناشدة الأميركيين التدخل. ناشدوا الأكراد أن يرسلوا «البيشمركة». طلبوا تدخل أي طرف يمكن أن يوقف زحف التنظيم الإرهابي. لكن لم تكن المهمة سهلة، خصوصاً في ظل حالة انعدام الثقة بين المالكي والقيادة الكردية. فطلب السفير روبرت بيكروفت في بغداد من المسؤول في وزارة الخارجية بريت ماكغورك التدخل. وبالفعل، عُقد اجتماع بين فؤاد حسين، كبير مساعدي الزعيم الكردي مسعود بارزاني، وطارق نجم كبير موظفي المالكي. وافق نجم على نقل مسألة تدخل «البيشمركة» لرئيس الوزراء، لكنه طرح سؤالاً بدا مهماً للمالكي والمحيطين به في بغداد: إذا تقدمت القوات الكردية إلى شرق الموصل، فهل ستنسحب منه؟
قبل الحسم في هذا الموضوع، تقدم مقاتلو «داعش» في شرق الموصل يوم 9 يونيو 2014، وسرعان ما انهار الجيش العراقي أمامهم. في 29 يونيو، أعلن أبو محمد العدناني الشامي قيام دولة «الخلافة» المزعومة، وفي 4 يوليو (تموز) ظهر «الخليفة» أبو بكر البغدادي في مسجد النوري. محافظ الموصل قبل سقوطها أثيل النجيفي، كان يشاهد من ملجئه في أربيل ظهور البغدادي. «داعش» صادر ممتلكاته وقتل جياده وخرّب بيته... والآن يرى في يد البغدادي ساعة الـ«رولكس» التي تركها في بيته بالموصل قبل فراره منها.

- تردُّد أوباما... وتحرُّك قاسم سليماني
كيف يمكن لأميركا الآن مساعدة العراق؟ سارع «البنتاغون» فوراً إلى إعداد أهداف محتملة يمكن ضربها في حال قرر أوباما ذلك. لكن الرئيس الأميركي كان مصراً على أنه لا يريد التدخل ما دام البلد محكوماً من «حكومة طائفية» يتزعمها أشخاص كالمالكي.
وفيما كانت واشنطن تأخذ وقتها قبل تقرير ماذا ستفعل، استغل الإيرانيون بطء الأميركيين وتحركوا فوراً. كان قاسم سليماني، قائد «لواء القدس»، قد أكد للمالكي سابقاً أن إيران ستساعد حكومة العراق إذا كانت في خطر، حسب تقرير للاستخبارات الأميركية. وبالفعل، بدأت طائرات الشحن الإيرانية تطير في رحلتين يومياً إلى بغداد حاملة تجهيزات ومعدات عسكرية (70 طناً في كل رحلة) لدعم ميليشيات تابعة لها في العراق. بالإضافة إلى ذلك، أقام جنود إيرانيون مركز قيادة صغيراً في قاعدة الرشيد العسكرية ببغداد، وبدأوا في إطلاق مسيّرات «أبابيل» لجمع معلومات استخباراتية ميدانية. أرسل الإيرانيون أيضاً وحدة استخبارات مختصة بالإشارة لرصد اتصالات «داعش». أرسلوا كذلك شحنات أسلحة للأكراد، وحشدوا قواتهم على الحدود للتدخل في العراق إذا طلب المالكي ذلك أو مثّل «داعش» تهديداً لمدينة سامراء. كان ذلك جزءاً من «استراتيجية بعيدة المدى» لتدخل إيران في العراق.

- سنجار... والتدخل الأميركي
في وقت كانت إدارة أوباما تعمل على تشكيل تحالف دولي واسع للتصدي لـ«داعش» وسط خلافات محتدمة بين جنرالات جيشها، كانت الأحداث تتسارع في شكل يفرض على الأميركيين التحرك بشكل عاجل. ففي 8 أغسطس (آب)، اندفع مقاتلو «داعش»، المنتشين بانتصارهم في الموصل، نحو سنجار حيث فتكوا بالأقلية الإيزيدية. قتلوا الرجال وسبوا النساء وخطفوا الأطفال. اجتمع مجلس الأمن القومي الأميركي لبحث الوضع، حيث فر من نجا من الإيزديين من المذبحة إلى جبال سنجار حيث كان يُخشى أن يلاحقهم «الدواعش» للقضاء عليهم. عرض مسعود بارزاني إرسال «البيشمركة» لمرافقة المحاصرين ونقلهم إلى دهوك. حضّر الأميركيون طائرات للتوجه إلى المنطقة ونقل المحاصرين جواً قبل وصول «داعش» إليهم، أو دعمهم بمؤن تُرمى لهم من الجو.
لكن «سنتكوم» (القيادة الأميركية الوسطى) كانت تريد إذناً من أوباما بضرب نقاط «داعش» لتأمين عملية الإجلاء. اعترضت سوزان رايس، مستشارة الأمن القومي. قالت إنها تخشى أن يكون ضرب حواجز «داعش» مقدمة لانخراط عسكري أكبر. لكن أوباما حسم أمره: يمكن إطلاق مهمة إنقاذ الإيزديين وضرب «داعش» إذا تطلب الأمر ذلك. حاولت رايس مجدداً الاعتراض، فقاطعها أوباما معطياً الإذن ببدء العملية. وبالفعل، انطلقت طائرات أميركية ورمت مؤناً للإيزيديين المحاصرين وقصفت بعض مواقع «داعش». لكنّ الأميركيين الذين كانوا قد بدأوا في التجمع في أربيل (قوات «دلتا») لبدء عملية الإنقاذ سرعان ما اكتشفوا أن هناك من سبقهم إلى سنجار. فقد وصل مقاتلون من تنظيم كردي سوري يُدعى «وحدات حماية الشعب» (المدعوم من السليمانية، المتنافسة مع أربيل) وبدأوا في نقل المحاصرين بشاحنات إلى داخل سوريا ومنها إلى دهوك بكردستان العراق. وبالفعل طار مسؤول في الخارجية الأميركية مع جنود من قوات «دلتا» إلى جبال سنجار وتأكد أن أعداد المحاصرين هبطت إلى بضع مئات من الذين أصروا على الصمود هناك في مواجهة «داعش».
كان الأكراد قد استغلوا انشغال بغداد بتحضير نفسها لمواجهة «داعش»، وتقدموا نحو مناطق متنازع عليه مع الحكومة المركزية، مثل كركوك. لكن «داعش» لم يكن ليميز بين خصومه سواء كانوا من الأكراد أو الشيعة (أو السنة العرب). في 8 أغسطس، بالتزامن مع هجومه على سنجار، بدأ «داعش» في التقدم أيضاً نحو أربيل. فتحركت طائرات أميركية وبدأت في قصفه.
في سبتمبر (أيلول)، تشكلت حكومة عراقية جديدة برئاسة حيدر العبادي، الذي حل محل المالكي. في 10 من ذلك الشهر، أعلن أوباما، في خطاب إلى الأمة، إطلاق استراتيجية لمكافحة الإرهاب هدفها «تحجيم وفي النهاية تدمير» تنظيم «داعش».

- العلاقة مع الأكراد السوريين: الأميركيون أم الإيرانيون؟
يروي الكتاب قصة نشوء العلاقة بين الأميركيين والقوات الكردية في سوريا (وحدات حماية الشعب). يقول غوردون إن هناك علاقة قديمة بين قوة مكافحة الإرهاب التي يقودها لاهور طالباني في السليمانية، إذ إنها تعود إلى عام 2003 عندما ضرب الأميركيون فصيل «أنصار الإسلام» الذي أسسه أعضاء سابقون في «القاعدة» بشمال العراق. والآن، أتاحت الحرب ضد «داعش» لطالباني فتح قناة اتصال بين الأميركيين والأكراد السوريين. فقد كانت قوات طالباني تدرب مجموعة من نحو 100 مقاتل من «وحدات حماية الشعب» في السليمانية قبل إرسالهم من جديد إلى سوريا لقتال قوات «أبو بكر البغدادي». دعا طالباني الأميركيين إلى التعامل مع الأكراد السوريين أيضاً، وهو ما تم. فبعد يوم واحد من استعادة «سد الموصل» من أيدي «داعش»، اجتمع الجنرال الأميركي كريس دونيهيو، مع قيادي كردي سوري ينشط تحت اسم حركي هو «مظلوم عبدي». سأله دونيهيو عن قواته وأهدافه، فشرح أنه قام لسنوات بـ«عمل سياسي» في تركيا وأوروبا لمصلحة القضية الكردية قبل العودة إلى سوريا، حيث ساعد في تأسيس «وحدات حماية الشعب» وتعرّض للسجن على أيدي النظام السوري. لكنّ الأتراك قالوا إن اسمه «فرحات عبدي شاهين» وإنه من أنصار عبد الله أوجلان، مؤسس «حزب العمال الكردستاني»، وإنه سُجن في تركيا في التسعينات.
على أي حال، قدم دونيهيو لمظلوم مطالب كثيرة للانخراط معاً في حملة ضد «داعش». لكنّ الأميركيين لم يكونوا وحدهم من يتودد للقيادي الكردي. فمظلوم كان قد التقى لتوّه الجنرال الإيراني قاسم سليماني الذي كان يسعى إلى بناء تحالفات ضد «داعش». عرض سليماني أسلحة ودعماً مالياً، علماً بأن الأميركيين لم يكونوا بعد قد حصلوا على إذن بعرض أسلحة على أكراد سوريا. بعد أيام، عاد مظلوم مع عدد من قادته العسكريين للقاء الجنرال الأميركي في السليمانية. حسم أمره. فهو سيتعاون مع الأميركيين وليس مع الإيرانيين.
في الواقع، كان خيار التعاون مع الأكراد هو الأسهل للأميركيين. فقد كانت خططهم للتعاون مع فصائل عربية سورية «معتدلة» قد تعرضت لنكسة. فهذه الفصائل التي تم تدريبها في الأردن وتركيا، سرعان ما انهارت أمام تنظم «جبهة النصرة» في شمال غربي سوريا.
لم يكد الأميركيون يبدأون التعاون مع الأكراد حتى وجدوا أنفسهم أمام أزمة طارئة. مقاتلو «داعش» كانوا يتقدمون نحو مدينة عين العرب التي يسميها الأكراد كوباني في ريف حلب الشمالي على الحدود مع تركيا. تدخل الأميركيون عسكرياً لوقف هجوم «داعش». وفي نهاية المطاف، وافق الأتراك على السماح لقوات من «البيشمركة» (قوات طالباني – الاتحاد الوطني) بعبور الحدود التركية ودخول كوباني لمنع سقوطها، وهو ما تم.
- ترمب: أريد النفط
يروي الكتاب بالتفصيل كيف دارت معارك الجبهات المختلفة: يتوقف طويلاً عند معركة تحرير الموصل وكيف تم تنفيذها خطوة بخطوة، بدءاً بمعركة شرق المدينة التي كانت أسهل من معركة غربها. ورغم أن الأكراد ساعدوا في هجوم شرق الموصل ومهَّدوا الطريق لتقدم القوات العراقية، فإن الأكراد كانوا لا يريدون الموت من أجل قطعة أرض لن تكون جزءاً من كردستان في المستقبل. ورغم حرص الأميركيين على إبعاد الفصائل الشيعية عن معركة الموصل، كي لا تثور حساسيات طائفية، فإنهم اكتشفوا لاحقاً أن هناك مقاتلين شيعة قاموا بإعدامات ضد أشخاص يُشتبه في انتمائهم إلى «داعش». ويلفت غوردون إلى أن الاتفاق، بهدف إبعاد فصائل «الحشد الشعبي» عن معركة الموصل، قضى بأن يُعطى «الحشد» مهمة تنظيف المناطق حول تلعفر والحدود مع سوريا –رغم أن ذلك سيأتي بثمن هو فتح طريق يربط مناطق سيطرة الفصائل العراقية الشيعية بمناطق سيطرتها داخل سوريا.
أعلن العبادي تحرير الموصل يوم 10 يوليو 2017، لكن ثمن تحريرها كان ضخماً جداً؛ آلاف الضحايا... ومدينة مدمَّرة. في اليوم التالي لإعلان التحرير، جلس الرئيس دونالد ترمب في المكتب البيضاوي للتحدث مع العبادي وتهنئته بالنصر. وكما في كل المكالمات بين القادة، تم تحضير «نقاط حديث» من فريق مسؤولي مجلس الأمن القومي. لكنّ ترمب ليس من النوع الذي يلتزم بما هو محدد أمامه. بعدما أشاد الرئيس الأميركي بهزيمة «داعش» في الموصل، سعى العبادي إلى شرح أن المهمة لم تنتهِ: القتال ما زال دائراً لاستعادة الحويجة ومعاقل «داعش» الأخرى قبل أن يمكن الحديث عن القضاء على التنظيم الإرهابي. لكن ترمب الذي خشي طلب مزيد من المساعدات من الأميركيين، سارع إلى القول إنه يريد شيئاً في المقابل: «أريد النفط». ثم زاد متهماً العراق بتهريب صادرات نفطية لإيران.
أثار طلب ترمب بخصوص النفط استياء العبادي. وكان على مستشار الأمن القومي الجديد، إتش آر ماكماستر، إصلاح الوضع. قال ماكمساتر للعبادي إن ما قصده ترمب هو أن هناك علاقة أمنية قوية بين الولايات المتحدة والعراق وإن البلدين الآن عليهما إقامة علاقة اقتصادية قوية تخدم الشركات الأميركية وتساعد الاقتصاد العراقي على النمو.
ويروي الكتاب أيضاً تفاصيل عن كيف تفاجأ الأميركيون بالتدخل العسكري الروسي في سوريا عام 2015، وكيف حاولوا التدخل لمنع عبور الطائرات الروسية إلى سوريا عبر بلغاريا، وكيف تأقلموا لاحقاً مع هذا الوضع وبدأوا رسم خطوط تقسيم مناطق النفوذ في سوريا (شرق الفرات وغربها). ويروي أن الروس أعلنوا فجأة دائرة بقطر 55 كلم حول مدينة تدمر يُمنع الاقتراب منها، فردّ الأميركيون بفرض دائرة قطرها 55 كلم حول قاعدة التنف على الحدود السورية - الأردنية - العراقية.
يتناول غوردون أيضاً تفاصيل معركة الرقة وكيف تمكن الأكراد من هزيمة «داعش» ولكن بعدما تحولت المدينة إلى ركام. ويروي قصة ملاحقة «داعش» حتى هزيمته في آخر معاقله في الباغوز بريف دير الزور. ويروي أيضاً السباق الذي دار بين الأميركيين وحلفائهم، وبين الروس وحلفائهم السوريين، للسيطرة على حقول النفط والغاز شرق الفرات، وهو سباق انتصر فيه الأميركيون. ويسرد، في هذا الإطار، تفاصيل الارتباك الذي سببه ترمب بإعلانه سحب قواته من سوريا وترك «الأكراد والأتراك» يحلّون خلافاتهم مباشرةً، ولو بالحرب. ويشير إلى أن القرار الأميركي بترك الأكراد لمصيرهم أمام الجيش التركي أثار استياءً واسعاً بين الأكراد الذين شعروا بأن الأميركيين تخلّوا عنهم بعد كل التضحيات التي قدموها في الحرب ضد «داعش».
في الكتاب أيضاً تفاصيل عن الضربات الإسرائيلية التي استهدفت «فصائل إيران» في سوريا والعراق، وفيه إشارة إلى أن الطائرات الإسرائيلية كانت تأخذ الإذن من الأميركيين قبل تنفيذ هجماتها، وأن الأميركيين نادراً ما اعترضوا عليها. ويشير في هذا الإطار إلى أن ضربة استهدفت فصائل شيعية داخل العراق أثارت استياء الأميركيين (بعد غضب عراقي كبير)، فطالبوا الإسرائيليين بمعرفة سبب عدم إبلاغهم بها مسبقاً، فقيل لهم إن «الموساد» نفّذها بتنسيق مع وكالة الاستخبارات المركزية، وبالتالي لم يتم التشاور مع الجيش الأميركي في شأنها. كما يتناول قصة أمر ترمب باغتيال قاسم سليماني في بغداد، ورد إيران بقصف قاعدة عين الأسد.
ويقدم الكتاب تحليلاً لمدى نجاح أو فشل الاستراتيجية الأميركية القائمة على العمل «عبر، مع، ومن خلال by, with, and through» شركاء محليين، كالجيش والبيشمركة الكردية في العراق، و«قوات سوريا الديمقراطية» في سوريا، عوض إرسال الجيش الأميركي لخوض القتال مباشرةً.


مقالات ذات صلة

انفجار في السليمانية... وأنباء عن استهداف قائد «قسد»

المشرق العربي انفجار في السليمانية... وأنباء عن استهداف قائد «قسد»

انفجار في السليمانية... وأنباء عن استهداف قائد «قسد»

راجت أنباء عن وقوع محاولة لقتل مسؤول كردي سوري بارز في السليمانية بشمال العراق مساء اليوم الجمعة. فقد أورد موقع «صابرين نيوز» القريب من الحرس الثوري الإيراني، نقلاً عن «مصادر كردية»، أن قصفاً استهدف قائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي «في محاولة اغتيال فاشلة بواسطة طائرة مسيّرة». من جهتها، أعلنت مديرية قوات الأمن (آسايش) في مطار السليمانية أنها تحقق في انفجار وقع قرب سياج مطار السليمانية دون أن يسفر عن خسائر بشرية أو مادية، مشيرة إلى أن فرق الإطفاء تمكنت من السيطرة على الحريق الناجم عنه سريعاً، بحسب موقع «رووداو» الكردي.

المشرق العربي مسيحيات فررن من العراق يتعلمن مهارت الخياطة لكسب لقمة العيش

مسيحيات فررن من العراق يتعلمن مهارت الخياطة لكسب لقمة العيش

في إحدى الكنائس في الأردن، تخيط العشرينية سارة نائل قميصاً ضمن مشروع أتاح لعشرات النساء اللواتي فررن من العنف في العراق المجاور، مهارات لكسب لقمة العيش. نجت نساء عديدات بصعوبة من العنف المفرط الذي مارسته «دولة الخلافة» التي أعلنها تنظيم «داعش» على مساحات واسعة من العراق وسوريا، قبل أن ينتهي بهن المطاف في الأردن يعانين للحصول على عمل. تنكب سارة نائل (25 عاماً)، وهي لاجئة مسيحية عراقية من بلدة قرقوش تعلمت مهنة الخياطة في الطابق الثالث في كنيسة مار يوسف في عمان، على ماكينة الخياطة في طرف المكان لتخيط قطعة قماش مشرقة زرقاء اللون تمهيداً لصنع قميص. وتقول سارة التي وصلت إلى الأردن عام 2019 وبدأت تعم

«الشرق الأوسط» (عمّان)
المشرق العربي «الشيوخ الأميركي» يقترب من إلغاء تفويضي حربي العراق

«الشيوخ الأميركي» يقترب من إلغاء تفويضي حربي العراق

صوت مجلس الشيوخ الأميركي بأغلبية ساحقة، أمس (الاثنين)، لصالح الدفع قدماً بتشريع لإلغاء تفويضين يعودان لعقود مضت لشن حربين في العراق مع سعي الكونغرس لإعادة تأكيد دوره بخصوص اتخاذ قرار إرسال القوات للقتال. وانتهى التصويت بنتيجة 65 إلى 28 صوتاً، أي تجاوز الستين صوتاً اللازمة في مجلس الشيوخ المؤلف من مائة عضو، مما يمهد الطريق أمام تصويت على إقراره في وقت لاحق هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ خطوة جديدة في «الشيوخ» الأميركي نحو إلغاء تفويضي حربي العراق

خطوة جديدة في «الشيوخ» الأميركي نحو إلغاء تفويضي حربي العراق

صوت مجلس الشيوخ الأميركي بأغلبية ساحقة أمس (الاثنين) لصالح الدفع قدما بتشريع لإلغاء تفويضين يعودان لعقود مضت لشن حربين في العراق مع سعي الكونغرس لإعادة التأكيد على دوره بخصوص اتخاذ قرار إرسال القوات للقتال، وفقاً لوكالة «رويترز». وانتهى التصويت بنتيجة 65 إلى 28 صوتا أي تجاوز الستين صوتا اللازمة في مجلس الشيوخ المؤلف من مائة عضو مما يمهد الطريق أمام تصويت على إقراره في وقت لاحق هذا الأسبوع. وجميع الأصوات الرافضة كانت لأعضاء في الحزب الجمهوري.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي 20 عاماً على الزلزال العراقي

20 عاماً على الزلزال العراقي

تحلُّ اليومَ، الأحد، الذكرى العشرون للغزو الأميركي للعراق، وهو حدثٌ كان بمثابة زلزال ما زالت المنطقة تعيش تداعياتِه حتى اليوم. لم يستمع الرئيسُ الأميركي آنذاك، جورج دبليو بوش، لتحذيراتٍ كثيرة، غربيةٍ وعربية، سبقت إطلاقَه حرب إطاحة نظام الرئيس السابق صدام حسين عام 2003، وحذرته من أنَّ خطوتَه ستفتح «باب جهنم» بإدخال العراق في فوضى واقتتال داخلي وستسمح بانتشار التطرفِ والإرهاب. أطلق بوش حملةَ إطاحة صدام التي أطلق عليها «الصدمة والترويع» ليلة 19 مارس (آذار) بقصفٍ عنيف استهدف بغداد، في محاولة لقتل الرئيس العراقي، قبل إطلاق الغزو البري.


تصعيد «داعش» شرقاً و«سرايا الجواد» غرباً... هل سوريا على أعتاب عنف جديد؟

لقطة من الأعلى لعملية أمنية مزدوجة لاستهداف «سرايا الجواد» بريف جبلة (الداخلية السورية)
لقطة من الأعلى لعملية أمنية مزدوجة لاستهداف «سرايا الجواد» بريف جبلة (الداخلية السورية)
TT

تصعيد «داعش» شرقاً و«سرايا الجواد» غرباً... هل سوريا على أعتاب عنف جديد؟

لقطة من الأعلى لعملية أمنية مزدوجة لاستهداف «سرايا الجواد» بريف جبلة (الداخلية السورية)
لقطة من الأعلى لعملية أمنية مزدوجة لاستهداف «سرايا الجواد» بريف جبلة (الداخلية السورية)

في حين أعلنت وزارة الداخلية السورية، الثلاثاء، تنفيذ عملية أمنية مزدوجة في ريف جبلة بمحافظة اللاذقية على الساحل السوري، واستهدفت مقراً لميليشيا «سرايا الجواد»، فإن شرق سوريا يشهد تصعيداً لعمليات تنظيم «داعش» ضد دوريات وعناصر الأمن العام والجيش... وانتشر، الثلاثاء، تحذيران من التنظيم للمدنيين بالابتعاد عن المقار العسكرية والأمنية في كل المحافظات السورية، فهل تؤشر تلك التطورات إلى موجة عنف جديدة أمام الحكومة السورية؟

وكان قائد الأمن الداخلي بمحافظة اللاذقية، العميد عبد العزيز الأحمد، قد أعلن، الثلاثاء، عن تنفيذ عملية أمنية مزدوجة في منطقتي بيت علوني وبسنيا بريف جبلة في محافظة اللاذقية بعد عملية رصد دقيقة استمرت أياماً عدة، استهدفت أحد أهم معاقل ميليشيا «سرايا الجواد».

عملية أمنية في بيت علوني وبسنيا بريف جبلة لاستهداف «سرايا الجواد» (الداخلية السورية)

وقال الأحمد إنه «بعد اشتباك استمر ساعة كاملة، نجحت قواتنا في تحييد متزعم (السرايا) في الساحل، بشار عبد الله أبو رقية، إضافة إلى اثنين من قيادييها، وإلقاء القبض على 6 عناصر آخرين، كما فُجّر مستودع أسلحة وعبوات ناسفة للميليشيا بشكل كامل، وأسفرت العملية عن مقتل أحد عناصر قوات المهام الخاصة، وإصابة عنصر بجروح طفيفة».

و«سرايا الجواد» فصيل مسلح ظهر في ريف جبلة على الساحل السوري، خلال أغسطس (آب) الماضي، وأعلن عن بدء عملياته ضد القوات الحكومية السورية في المنطقة وطالبها بخروج قواتها من الساحل، علماً بأن هذا الفصيل يتبع سهيل الحسن أحد أبرز الرموز العسكرية في النظام السابق.

التطور الأمني في مناطق الساحل يتزامن مع تصعيد تنظيم «داعش» عملياته ضد دوريات الأمن العام والقوات السورية شرق البلاد.

وتداولت مواقع سورية صوتيات لقياديين في التنظيم تحذر المدنيين وتطلب منهم الابتعاد عن المقار العسكرية والأمنية التابعة للأمن العام في كل المحافظات، وذلك بعد أيام من إعلان المتحدث باسم التنظيم، أبو حذيفة الأنصاري، بدء مرحلة جديدة من العمليات ضد الدولة السورية، ترافق مع تصعيد الهجمات في محافظتَي الرقة ودير الزور، التي استهدفت عناصر الأمن العام والجيش السوري.

تصعيد شرقاً وتحرك غرباً

الباحث عباس شريفة، رداً على سؤال من «الشرق الأوسط»، يرى أنه «إذا كان هناك من رابط بين تصعيد (داعش) شرقاً والتحرك في الساحل غرباً، فإن ذلك يعود إلى وجود (تخادم) بين الفلول و(الدواعش) في زعزعة الاستقرار وإعادة رسم المشهد الأمني»، مرجعاً ذلك إلى «هدف تشتيت ذهنية المؤسسة الأمنية وتوسيع نطاق التحرك للفلول و(الدواعش)»، مؤكداً على أنه «ليس بالضرورة أن يكون الأمر منسقاً بينهما، لكنه دون شك متناغم».

وتعليقاً على أسباب تصعيد «داعش» عملياته في هذا التوقيت، قال الباحث عباس شريفة لـ«الشرق الأوسط»، إن التنظيم يشعر بـ«خطر وجودي» منذ «سقوط النظام البائد وانتهاء الذرائع الكبرى التي كان يعتمد عليها لتأمين الموارد البشرية وتجنيد الشباب»، فـ«المظلومية السُنّية انتهت». والتنظيم يَعُدّ الرئيس أحمد الشرع «العدوَّ رقم واحد»؛ «لأنه يضرب مشروعيته وسرديته، ولذلك ركزت كلمة المتحدث باسم التنظيم على (الشرعية)، عادّاً (هيئةَ تحرير الشام)، التي تشكل العمود الفقري للإدارة السورية الجديدة، (علمانيةً) ولا تطبق الشريعة، وبالتالي؛ يُعدّ هذا مبرراً لاستئناف العمليات ضدها».

من مقطع فيديو لعملية أمنية استهدفت «سرايا الجواد» بريف جبلة الثلاثاء (الداخلية السورية)

ورأى شريفة أن هناك 3 أسباب لتصعيد «داعش» عملياته؛ «أولها: انضمام سوريا إلى (التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب)، وهذا يقرع ناقوس الخطر لدى التنظيم الذي يتحرك في حيز جغرافي تسيطر عليه دولة وراءها تحالف دولي كبير مزود بالتكنولوجيا والمعلومات. السبب الثاني: مجموعة العمليات الكبيرة الناجحة التي نفذتها الدولة السورية وأسفرت عن تحييد عدد من عناصر التنظيم في حواضر دمشق وحلب وحمص؛ الأمر الذي أثر بشكل كبير جداً على حركة التنظيم وفاعليته؛ فلذلك يريد الآن إثبات وجوده. أما السبب الثالث؛ فهو سعي التنظيم من خلال الصوتيات إلى إعادة لملمة صفوفه وإحصاء القوة الكامنة ومعرفة قدرته على التحريك والضرب في الوقت الذي يقرره».

كما لفت الباحث عباس شريفة إلى «سبب آخر مهم، هو تفكيك (مخيم الهول)»، وقال: «عملية التفكيك حرمت التنظيم من تجنيد أطفال المخيم. كما أن مساهمة الدولة السورية في عملية نقل سجناء التنظيم إلى العراق أفقدته ورقة مهمة؛ إذ كان يخطط لضرب السجون وتحرير عناصره».

في مراحله الأخيرة

الباحث المختص في الجماعات الإسلامية، عرابي عرابي، يعدّ أن تنظيم «داعش» يعيش مراحله الأخيرة. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن التنظيم عمل خلال العام الماضي على «إعادة هيكلة صفوفه القيادية، ولكن لم يتمكن من إعادة بناء تسلسل قيادي متماسك؛ لأنه تعرض للتفكيك مرات عدة»، وذلك وفق متابعة الباحث للمصادر المفتوحة.

يضيف عرابي أن «التنظيم اليوم يمتلك آلة الإعلام ليستخدمها في مواجهة الدولة والتحريض عليها»، لافتاً إلى أن «العمليات التي ينفذها ليست استراتيجية؛ إنما (تكتيكية) متناثرة ينفذها عناصر منفردون أو خلايا صغيرة، ضد دوريات الأمن والجيش المنتشرة»، مشيراً إلى أن هذه استراتيجية التنظيم «للتكيّف» التي «ترتكز أيضاً على التصعيد الإعلامي والاستقطاب بالتجنيد».

حملة أمنية بمحافظة دير الزور استهدفت مواقع تنظيم «داعش» في نوفمبر 2025 (الداخلية السورية)

وبشأن ما إذا كان التنظيم قادراً على إثارة موجة عنف جديدة، يرى أنه «يستطيع تنفيذ عمليات واختراقات من خلال خلايا صغيرة، وعمليات متقدمة عنيفة جداً، ولكن حتى الآن لم يتمكن من ذلك في سوريا منذ عام؛ لأنه لا يمتلك بنية قيادية ولا تماسكاً بين الخلايا».

وأكد عرابي على أن «التنظيم يعمل على استهداف الدولة (إعلامياً) بعد عام من ضخ الإعلام الرديف للتنظيم حملات دعائية تكفر الدولة وتتهمها بـ(العمالة للغرب وإهمال حقوق المسلمين)، والآن تتصدر هذه الحملات إعلام التنظيم الرسمي في محاولة لاستقطاب تأييد أوسع من الحاضنة التي من الممكن أن تناصره في هذه المرحلة. مع التأكيد على أن التنظيم لا يمكنه استهداف الدولة على الأرض، إلا إذا حصل على إمداد أو دعم من جهات معينة تريد الاستثمار في العنف».

Your Premium trial has ended


«حماس» تُكذّب مزاعم إسرائيل عن تحركات لتشغيل منظومتها الصاروخية

نازحة فلسطينية تسير حاملة طفلها على أرض بللتها مياه الأمطار بمخيم البريج للاجئين بوسط قطاع غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)
نازحة فلسطينية تسير حاملة طفلها على أرض بللتها مياه الأمطار بمخيم البريج للاجئين بوسط قطاع غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

«حماس» تُكذّب مزاعم إسرائيل عن تحركات لتشغيل منظومتها الصاروخية

نازحة فلسطينية تسير حاملة طفلها على أرض بللتها مياه الأمطار بمخيم البريج للاجئين بوسط قطاع غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)
نازحة فلسطينية تسير حاملة طفلها على أرض بللتها مياه الأمطار بمخيم البريج للاجئين بوسط قطاع غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

نفت حركة «حماس» صحة ما ورد في تقرير إعلامي عبري عن قيامها بتحركات لتشغيل منظومتها الصاروخية، معتبرة مثل هذه الاتهامات «ذريعة» تحاول إسرائيل ترويجها للعودة إلى الحرب واحتلال القطاع.

وكانت «هيئة البث الإسرائيلية العامة» قد أذاعت، مساء الاثنين، تقريراً زعمت فيه تهريب مواد حيوية إلى غزة لتشغيل منظومة «حماس» الصاروخية، ومنها مادة البولي بوتادين ذي النهايات الهيدروكسيلية (HTPB)، أحد مكونات وقود الصواريخ الصلب والذي يتيح زيادة كبيرة في مدى الصواريخ واستقرارها.

غير أن مصادر «حماس» أكدت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مثل هذه الاتهامات «لا صحة لها على الإطلاق، خصوصاً أن القوات البحرية الإسرائيلية تسيطر على كل مفاصل بحر قطاع غزة»، وقالت إن ما ورد في التقرير لا يعدو كونه «فبركات إعلامية».

مقاتلون من «كتائب عز الدين القسام» الجناح العسكري لـ«حماس» في خان يونس يوم 20 فبراير 2025 (د.ب.أ)

وفي حين تحدثت المصادر عن حق الأجنحة العسكرية للفصائل في امتلاك سلاح تدافع به عن نفسها، أكدت أن الادعاءات الإسرائيلية بتهريب مواد متفجرة لاستخدام وقود الصواريخ الصلب ما هي إلا «اتهامات باطلة، هدفها خطير، وهو منح قوات الاحتلال الضوء الأخضر لمهاجمة أهداف جديدة في القطاع».

وحذرت من مخططات إسرائيلية تهدف لاستخدام مثل تلك الاتهامات التي قالت إن جهات أمنية في إسرائيل تنقلها لوسائل الإعلام العبرية «ذريعة لتوجيه ضربات قاسية داخل القطاع».

ورداً على سؤال عما إذا كانت «كتائب القسام» عادت لتصنيع أي صواريخ بالفعل، أو لتأهيل بنيتها العسكرية من جديد، رفضت المصادر تأكيد أو نفي ذلك، مكتفيةً بقول إن «من حق المقاومة التمسك بكل ما لديها من سلاح للتصدي لأي عدوان جديد».

«حالة دفاع»

وقبل أيام، نقلت «القناة 14» العبرية عن مصدر أمني إسرائيلي قوله إن «حماس» تمتلك نظاماً لإعادة بناء الأنفاق بوتيرة أسرع من اكتشاف الجيش الإسرائيلي لها وتدميرها، وإن لديها موارد مالية ضخمة ونظاماً لوجيستياً متطوراً يسمح لها بالحفاظ على أهم أصولها الاستراتيجية.

وزعم المصدر أن هناك بنية تحتية كبيرة لم يصل إليها الجيش الإسرائيلي في شمال قطاع غزة، رغم تدميره أكثر من 40 نفقاً خلال آخر شهرين.

نازحون فلسطينيون متجمعون لتناول الإفطار وسط الدمار في مخيم جباليا للاجئين بشمال قطاع غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)

وفي الأسبوع الماضي، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن نحو 350 كيلومتراً من الأنفاق لم تُدمر بعد في غزة، وهو رقم عدَّته القناة العبرية «فلكياً»، والوصول إليه سيستغرق وقتاً طويلاً، خص في حال لم يتم احتلال قطاع غزة بالكامل.

غير أن المصادر من «حماس» أكدت أن غالبية الأنفاق قد دُمرت خلال الحرب، لكنها أشارت إلى أن هناك أنفاقاً تضررت، وبقي جزء منها سليماً، وتم استخراج جثامين مختطفين إسرائيليين منها بعد وقف الحرب، رافضةً تأكيد إعادة تأهيلها من عدمه.

وعلى أرض الواقع، تعكف «حماس» على تعزيز سيطرتها المدنية، وهي لا تزال تمسك بكل خيوط ومفاصل العمل الحكومي في القطاع بما في ذلك الشق الأمني؛ أما عسكرياً، فلا تُظهر علنياً أي تحركات تخص نشاطات جناحها العسكري، «كتائب القسام».

وذكرت مصادر الحركة أن قيادة «القسام» تركز حالياً على ترتيب صفوفها إدارياً وتنظيمياً، إلى جانب تجهيز خطط عسكرية للتصدي لأي اعتداءات إسرائيلية في ظل تكرار التهديدات بالعودة للحرب، مؤكدةً أن «الكتائب» ستبقى في حالة دفاعية إلى جانب الفصائل المسلحة الفلسطينية الأخرى في حال عادت القوات الإسرائيلية للحرب، وهو ما قالت المصادر إن قيادة الكتائب المختلفة لا ترغب فيه.

التلويح بالاحتلال

وتصر إسرائيل على تسليم «حماس» سلاحها بالكامل، سواء الخفيف أو الثقيل، ولو كان على مراحل، كما تشير بعض التسريبات حول الوثيقة الأميركية المتعلقة بذلك.

طفل يجر وعاء ماء وسط أرض طينية بعد أمطار غزيرة في مخيم البريج للاجئين بوسط قطاع غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

وقال وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، وهو عضو في المجلس الوزاري المصغر (الكابينت)، إن المرحلة المقبلة «ستشهد توجيه إنذار رسمي لـ(حماس) يقضي بتسليم السلاح والمقار والأنفاق»، مشدداً على أن عدم الاستجابة لهذا الإنذار سيمنح إسرائيل الحق في التحرك العسكري المباشر لتحقيق أهدافها»، في تلويح جديد لإمكانية التوجه لاحتلال مناطق بالقطاع.

وأضاف في تصريحاته لـ«هيئة البث»، يوم الاثنين: «لم نتخل عن هدفنا في القضاء على (حماس)، لكننا نفسح المجال أمام الرئيس ترمب لتنفيذ ذلك على طريقته؛ ونتوقع أن يوجّه لـ(حماس) في الأيام المقبلة إنذاراً نهائياً لنزع سلاحها، وتجريد غزة من كامل السلاح».

وأضاف: «وإذا لم تستجب، فسيحصل الجيش الإسرائيلي على شرعية دولية، ودعم أميركي لتنفيذ ذلك بنفسه. والجيش يستعد بالفعل لهذا الأمر، ويضع الخطط. وعلى الصعيد السياسي، أجرينا عدة مناقشات حول هذا الموضوع بما في ذلك وضع اللمسات الأخيرة على الخطط وتحسينها».

وقال حازم قاسم المتحدث باسم حركة «حماس» إن تلويح سموتريتش باستئناف القتال يعبّر عن «استهتار» بترتيبات مجلس السلام لإنهاء الحرب، مشيراً إلى عدم التزام إسرائيل بتعهداتها في المرحلتين الأولى والثانية لاتفاق وقف إطلاق النار منذ بدء تنفيذه في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي.


الجيش اللبناني يتصدى لمحاولات إسرائيل منعه من استحداث نقاط حدودية

عسكري لبناني يتحدث إلى وسائل الإعلام خلال جولة حدودية برفقة الجيش اللبناني في نوفمبر 2025 (مديرية التوجيه)
عسكري لبناني يتحدث إلى وسائل الإعلام خلال جولة حدودية برفقة الجيش اللبناني في نوفمبر 2025 (مديرية التوجيه)
TT

الجيش اللبناني يتصدى لمحاولات إسرائيل منعه من استحداث نقاط حدودية

عسكري لبناني يتحدث إلى وسائل الإعلام خلال جولة حدودية برفقة الجيش اللبناني في نوفمبر 2025 (مديرية التوجيه)
عسكري لبناني يتحدث إلى وسائل الإعلام خلال جولة حدودية برفقة الجيش اللبناني في نوفمبر 2025 (مديرية التوجيه)

تصدّى الجيش اللبناني، الثلاثاء، لمحاولات إسرائيلية لمنعه من استحداث نقاط عسكرية على الحدود الجنوبية، حيث يعزز الجيش نقاطه في المنطقة لرصد التوغلات الإسرائيلية المتكررة في القرى الحدودية، وتعزيز أمن المنطقة.

ويعمل الجيش اللبناني منذ نهاية الحرب على استحداث نقاط عسكرية متقدمة على الشريط الحدودي، ويغلق المسارب التي تتسلسل منها آليات إسرائيلية، وذلك ضمن الإجراءات الأمنية التي يتخذها لحماية الاستقرار في المنطقة، والحد من الخروقات الإسرائيلية.

آليات عسكرية خلال جولة إعلامية نظمها الجيش اللبناني على الحدود مع إسرائيل في نوفمبر 2025 (مديرية التوجيه)

وفي أثناء استحداث الجيش نقطة مراقبة عند الحدود الجنوبية في منطقة سردة - مرجعيون، «تعرض محيط النقطة لإطلاق نار من الجانب الإسرائيلي، بالتزامن مع تحليق مسيّرة إسرائيلية على علو منخفض»، حسبما قالت قيادة الجيش في بيان صادر عن مديرية التوجيه، مشيرة إلى أن القوات الإسرائيلية «أطلقت تهديدات بهدف دفع العناصر إلى المغادرة». وأشارت قيادة الجيش إلى إصدارها الأوامر بتعزيز النقطة والبقاء فيها والرد على مصادر النيران. وقالت القيادة إنها تتابع الموضوع بالتنسيق مع لجنة الإشراف على اتفاق وقف الأعمال العدائية وقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل).

وليست المرة الأولى التي تتعرض فيها عناصر الجيش لتهديدات إسرائيلية، كما أنها ليست المرة الأولى التي تتخذ فيها إجراءات لتعزيز الأمن في المنطقة. وقال مصدر أمني لبناني لـ«الشرق الأوسط» إن الجيش عمل خلال الفترة الأخيرة على استحداث عدة نقاط مراقبة في المنطقة الحدودية، ضمن الإجراءات لضبط الحدود، وتعزيز الأمن، ورصد التوغلات الإسرائيلية.

وتحدثت وسائل إعلام لبنانية عن أن الجيش بصدد تثبيت 5 نقاط جديدة في منطقة «سردة» في أطراف الوزاني ووادي العصافير جنوب مدينة الخيام، في إطار خطة ينفذها الجيش بعد ارتفاع وتيرة التوغلات الإسرائيلية، وتفجير المنازل في البلدات الحدودية.

وتضاعفت أعداد التوغلات الإسرائيلية في الجنوب اللبناني، بشكل قياسي منذ مطلع العام، حيث تُسجّل 3 توغلات على الأقل أسبوعياً داخل القرى الحدودية لمسافات تتراوح بين 500 و1600 متر، وتقوم فيها القوات الإسرائيلية بتفخيخ منازل وتفجيرها، وكان آخرها تفجير منزلين في حولا وعيتا الشعب، فجر الثلاثاء، بعد توغلها في الأراضي اللبنانية، حسبما أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية.

تدابير متواصلة

يتصدى الجيش اللبناني للمحاولات الإسرائيلية بالتوغل، إذ يعمل على سد المنافذ التي يتم التسلل منها، ويزيد مساحة انتشاره في المنطقة الحدودية، حسبما تقول مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط»، مضيفة أن الجيش ينفذ تدابير أمنية ولوجيستية، كلما قام الجيش الإسرائيلي بإجراء تغييرات على الأرض، في إشارة إلى الشروع بفتح طرقات بعد أن تغلقها إسرائيل داخل الأراضي اللبنانية، أو إزالة سواتر وإغلاق منافذ تستحدثها القوات الإسرائيلية.

وضمن الاستراتيجية نفسها، ضاعف الجيش اللبناني مساحة انتشاره في منطقة جنوب الليطاني خلال فترة ما بعد الحرب بشكل قياسي، مقارنة بما كان الأمر عليه قبل عام 2024، إذ تخطى عدد النقاط العسكرية للجيش الـ220 نقطة ومركزاً عسكرياً.