ثروة الخليج السمكية مهدَّدة بالصيد المفرط والاحترار

صائد أسماك في سوق السمك في ميناء الفاو بجنوب العراق (أ.ف.ب)
صائد أسماك في سوق السمك في ميناء الفاو بجنوب العراق (أ.ف.ب)
TT

ثروة الخليج السمكية مهدَّدة بالصيد المفرط والاحترار

صائد أسماك في سوق السمك في ميناء الفاو بجنوب العراق (أ.ف.ب)
صائد أسماك في سوق السمك في ميناء الفاو بجنوب العراق (أ.ف.ب)

يُعد الخليج العربي تكويناً مائياً حديث النشأة جيولوجياً، وتحيطه ثماني دول سريعة النمو نسبياً. وخلال فصل الصيف، يصبح أكثر البحار حرارة على كوكب الأرض، لا سيما في حوضه الجنوبي الضحل؛ حيث تتجاوز حرارة سطح البحر 35 درجة مئوية.
وتضم أنظمة الخليج البحرية والساحلية فسيفساء متنوعة ومترابطة من النظم البيئية المهمة بيولوجياً واقتصادياً، بما في ذلك غابات المانغروف والمستنقعات المالحة وأحواض الأعشاب البحرية والشعاب المرجانية. كما تمثّل الثروة السمكية أهم الموارد الطبيعية للبلدان الخليجية بعد النفط. ومع ذلك، لا تحظى هذه الثروة بالتقدير الكافي، بل تتعرض لتهديدات مختلفة، مثل تغيُّر المناخ والتوسُّع الحضري والصرف غير المعالج وارتفاع الملوحة والإفراط في الصيد.
- الاحترار ضعف المتوسط العالمي
ترك تغيُّر المناخ العالمي آثاره الواضحة على النظم البحرية في جميع أنحاء العالم، بما فيها الخليج، الذي يعاني بالفعل من ارتفاع درجات حرارة البحر في الصيف بما يتجاوز أسوأ السيناريوهات المتوقعة في كثير من المناطق المدارية. ومنذ الثمانينات، زادت حرارة سطح البحر في الخليج بمقدار 0.4 درجة مئوية كل عشر سنوات، بما يساوي ضعف المتوسط العالمي.
ونتج عن ارتفاع حرارة سطح البحر تدهور كبير في النظم البحرية، وطال الضرر الشعاب المرجانية على وجه خاص، باعتبارها أكثر النظم البيئية الساحلية تنوعاً في المنطقة. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 70 في المائة من الشعاب المرجانية تلاشت نتيجة لاحترار مياه الخليج وعوامل بشرية أخرى. ويُظهر تقييم حديث أن كل أنواع الأسماك المعتمِدة على الشعاب المرجانية في الخليج معرضة للخطر.
ومن المتوقع أن تؤثر التغيُّرات في درجات الحرارة على أنماط التفريخ الموسمية للأسماك الزعنفية ذات الأهمية التجارية، ما قد يتسبب في عدم التزامن بين ظهور يرقات الأسماك وفرائسها، ويؤثر على وفرة الأنواع المهمة بالنسبة لسكان المناطق الساحلية. كما أن ارتفاع درجات الحرارة يزيد في تكاثر الطحالب الضارة، وهي ظاهرة تتسبب في نفوق الأسماك.
ويمكن أن تؤدي المياه الأكثر دفئاً إلى نمو الأسماك على نحو أسرع، ولكن حجمها يكون أصغر في عمر معيّن. كما يتسبب الاحترار في زيادة استهلاك الكتلة الحيوية للطاقة عند انتقالها لمستوى أعلى في السلسلة الغذائية، ويسهم في تسريع تدهور البيئة.
ويتسبب ارتفاع منسوب مياه البحر نتيجة الاحترار العالمي، وغوص المناطق الساحلية نتيجة الأنشطة البشرية كاستخراج النفط والمياه الجوفية، في تعريض العديد من النظم البيئية الساحلية الكبيرة والمهمة لخطر الغمر بسبب طبيعتها المنخفضة، بما فيها السبخات والسهول الطينية في منطقة المد والجزر. وتكون الأعشاب المرجانية أكثر عرضة لزيادة الترسيب والتعكُّر الناجم عن زيادة نشاط العواصف، بسبب ارتفاع درجات الحرارة.
وفيما تساعد الظروف البيئية الإقليمية للخليج وطبيعته الجيولوجية في تقليل مخاطر ارتفاع حموضة البحر على الكائنات الحيّة، مثل الشعاب المرجانية والرخويات والطحالب التي تؤدي وظائف مهمة في النظم البحرية، فالضرر الأكبر لارتفاع الحموضة سيكون في تحلل الأراضي الصلبة الصخرية التي توجد عليها الشعاب المرجانية والنظم البيئية الأخرى.
- الأنشطة البشرية
تسهم عوامل أخرى في الإخلال بسلامة النظم البيئية للخليج، ومن بينها النمو السكاني غير المسبوق الذي شهدته المنطقة، ونتجت عنه زيادة واسعة النطاق في التوسع الحضري على المناطق الساحلية. وتشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من ساحل الخليج جرى تعديله من خلال مشروعات الإسكان الشامل والسياحة والتنمية الصناعية اللازمة لاستدامة الزيادة السكانية، وانعكس ذلك تدهوراً كبيراً في النظم البيئية الساحلية بفعل التجريف واستصلاح الأراضي.
وعلى الرغم من المعايير العالية لمعالجة مياه الصرف في معظم بلدان المنطقة، تدخل الخليج كميات كبيرة من مياه الصرف الصناعي والمنزلي. وتنشأ المخلّفات الصناعية السائلة من الصناعات التحويلية الرئيسية التي تشمل منتجات مثل الأسمدة والبلاستيك والبتروكيماويات والمعادن.
وتُظهر النظم البيئية البحرية الواقعة قرب المصبات تراكيز مرتفعة من الملوثات، وإن كانت أغلب الدراسات تشير إلى أن المستويات الحالية من المعادن الثقيلة في الرواسب البحرية والأسماك لا تزال ضمن التراكيز المسموحة دولياً. وقد تم توثيق العديد من حالات تكاثر الطحالب الضارة على نطاق واسع في خليج الكويت خلال العقود القليلة الماضية، وكانت هذه الحالات تُعزى إلى ارتفاع المغذيات الناجمة عن المخرجات الصناعية ومياه الصرف الصحي، وتسببت في نفوق أعداد كبيرة من الأسماك.
وبسبب الطبيعة الضحلة والمقيدة للخليج ومحدودية مدخلاته من المياه العذبة، لا سيما مع بناء السدود على الأنهار الرئيسية التي تغذي حوضه شمالاً، انخفض تدفق المياه العذبة التي تصب في الخليج إلى نحو 110 كيلومترات مكعبة في السنة، مع معدلات تبخر مرتفعة وفضلات معامل التحلية، ما يرفع مستوى الملوحة بشكل غير عادي.
ونتيجة التقلُّب الحراري الشديد والملوحة المرتفعة، تعيش العديد من الكائنات البحرية في الخليج بالقرب من حدودها الفيزيولوجية، ما يجعلها هشة تجاه أي تبدلات طارئة في ظروف النظام البيئي. وعلى مدى العقود القليلة الماضية، أدى الضغط المتزايد نتيجة تغيُّر المناخ والأنشطة البشرية في المناطق الساحلية إلى تدهور واسع النطاق، وفقدان للنظم البيئية الساحلية في أكثر من مكان.
- الصيد المفرط يستنزف الثروة السمكية
بالإضافة إلى الآثار السلبية للتلوُّث وتدمير الموائل، أدى ضغط الصيد المكثّف إلى الاستغلال المفرط لثلثي الأنواع المهمة تجارياً، والاستغلال الكامل لنحو 5 في المائة من الأنواع الحية الأخرى التي تعيش في مياه الخليج. وقد أسهم الافتقار إلى تقييمات موثوقة للمخزون السمكي وطنياً وإقليمياً في تفاقم ممارسات الصيد الجائر في المنطقة. ويتراوح إنتاج المصايد في الخليج بين 210 و420 ألف طن من الأسماك سنوياً.
ولا تزال ممارسات الصيد المدمِّرة، مثل صيد الروبيان بشباك الجرّ، تحدث في بعض دول الخليج. ومن المرجّح أن ممارسات كهذه أسهمت بشكل كبير في تدهور النظام البيئي من خلال التدمير المباشر لقاع البحر في مناطق تطبيقها. وينتج عن الصيد بشباك الجرّ أيضاً ارتفاع الصيد العرضي للأسماك الصغيرة؛ حيث إن العديد من الأسماك التجارية توجد داخل مناطق صيد الروبيان.
كما يتم اصطياد الأسماك اليافعة بشكل شائع في مصايد الأعماق التي تستخدم مصائد أسماك شبكية سلكية كثيفة (قرقور). وفي أبوظبي، تشكّل الأسماك غير البالغة أكثر من نصف كمية أسماك القيعان الضحلة التي يتم اصطيادها.
وخلال السنوات السبعين الماضية، تغيّر تركيب أنواع الأسماك التي يجري اصطيادها وتناقص متوسط القيمة الغذائية للصيد، ما يشير إلى أن الأنواع ذات المحتوى الغذائي المرتفع قد انهارت واستبدلت بها أنواع ذات قيمة غذائية أقل، كاللافقاريات والأحياء التي تتغذى على العوالق. ورغم أن السجلات الرسمية لمصايد الأسماك لا يمكن التعويل عليها، فإن الثابت هو تراجع حصة الفرد في المنطقة من الإمدادات السمكية مع استمرار أنشطة الصيد المحلية والأجنبية.
ولا تزال قواعد مراقبة الصيد غير صارمة ولا متسقة بين دول الخليج بما يكفي لحماية النظم البيئية البحرية. كما يستمر الصيد في استنزاف معظم مخزون الأسماك في المنطقة؛ حيث لم تتمكن برامج إعادة بناء المخزون وإكثار أنواع الأسماك المحلية من حل المشكلة. ومن الواضح أن زيادة حصاد الكتلة الحيوية في الجزء العلوي من السلاسل الغذائية البحرية، وتوسع مصايد الأسماك، والضغط على الجزء السفلي من السلاسل الغذائية، هي أدلة على الصيد الجائر والإدارة غير الفعّالة.
ومن المتوقع أن تزداد الضغوط المرتبطة بالسكان في العقود المقبلة مع استمرار نمو المدن الساحلية، وستكون هناك زيادة في وتيرة وحجم الظواهر الحرارية الشديدة تحت وطأة تغيُّر المناخ. ومن أجل حماية الموائل الطبيعية في الخليج العربي والحفاظ على نظمه البيئية المهمة لا بد من إجراءات مؤثرة تحدّ من الآثار التراكمية للضغوط التي يتعرض لها.
ويشمل ذلك، على سبيل المثال، تطبيق إدارة واقعية ومسؤولة لمصايد الأسماك بالتعاون مع صانعي السياسات العالميين، مثل منظمة الأغذية والزراعة (فاو) وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب)، وتحسين أساليب وخطط الرصد لتحديد مواقع الصيد البحري غير القانوني. ويجب تعديل الضوابط التي تنظم مصايد الأسماك واستراتيجيات مقاومة المناخ، خصوصاً في المواسم شديدة الحرارة، وتقليص أذونات السماح بالصيد من حيث الكميات والأماكن والمواعيد.
ويمكن توجيه المزيد من الدعم لمصايد الأسماك الصغيرة التي تعمل عادة على نحو أكثر استدامة، وإنشاء المزيد من المناطق البحرية المحمية وحفظ الأنواع المستوطنة، بحيث تكون هناك قواعد صارمة لتعزيز سلامة المناطق الحرجة.
كما يُفترض بدول المنطقة أن تضمن أمنها الغذائي قبل إصدار تصاريح التجارة الدولية للصيد ضمن مياهها الإقليمية. وسيكون من المجدي أن تتبنى دول الخليج أهدافاً علمية متكاملة، على المستويين الوطني والإقليمي، تحقق الإدارة المستدامة للمخزون السمكي وتعكس مسار فقدان التنوُّع البيولوجي في المنطقة.


مقالات ذات صلة

7 أطعمة غنية بالبروتين تساعد على خفض الكوليسترول

صحتك الدواجن الخالية من الدهون مثل صدور الدجاج تُعد خياراً جيداً لخفض الكوليسترول إذا أُزيل الجلد وطُهيت بطرق صحية (بيكسباي)

7 أطعمة غنية بالبروتين تساعد على خفض الكوليسترول

يساعد تناول أطعمة بروتينية، خاصة النباتية والسمكية منها، على حماية صحة القلب وخفض الكوليسترول. إليكم 7 من هذه الأطعمة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك سمك السلمون يحتوي على نسبة عالية من الفيتامينات (بيكسلز)

ما أبرز فوائد السلمون للأطفال؟

يتميز سمك السلمون بلونه الوردي، ونكهته الغنية، مما يجعله من أشهى أطباق السمك. ولحسن الحظ، فهو أيضاً مفيد جداً للصحة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك البيضة الكبيرة تحتوي على 6.3 غرام من البروتين (رويترز)

أطعمة تحتوي على بروتين أكثر من البيض

يُعدّ البيض مصدراً ممتازاً للبروتين، إذ تحتوي كل بيضة كبيرة على نحو 6.3 غرام من البروتين، ولكنه ليس الخيار الوحيد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك تشير الدراسات إلى أن إهمال تناول وجبة الإفطار أو الغداء أو العشاء يؤثر في توازن السكر في الدم والهرمونات المسؤولة عن الشهيّة والطاقة العامة (رويترز)

كيف تعد وجبة عشاء مشبعة ولا تزيد الوزن؟

تعد وجبة العشاء إحدى أهم وجبات اليوم. قد يكون تخطيط العشاء أصعب قليلاً من تخطيط باقي الوجبات فيجب أن تكون وجبات المساء الخفيفة المثالية خالية من السعرات ومشبعة.

أحمد سمير يوسف (القاهرة)
يوميات الشرق الشرطة الأسترالية ستتعاون مع خبراء لتحديد نوع القرش المسؤول عن الحادث (د.ب.أ)

قرش يقتل امرأة ويصيب رجلاً بجروح خطيرة في أستراليا

كشفت الشرطة عن أن قرشاً هاجم امرأة، اليوم (الخميس)، وقتلها وأصاب رجلاً بجروح خطيرة قبالة الساحل الشرقي لأستراليا.

«الشرق الأوسط» (كانبيرا)

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
TT

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم، متوقعاً أن يبقى 2026 عند مستويات مرتفعة تاريخياً.

وأشار مرصد «كوبرنيكوس» في تقريره السنوي إلى أن درجات الحرارة العالمية لا تزال منذ ثلاث سنوات عند مستويات لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري، إذ تجاوز معدل درجات الحرارة خلال هذه الفترة مستويات ما قبل الثورة الصناعية (1850-1900) بمقدار 1,5 درجة مئوية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي سياق منفصل، قال علماء من معهد «بيركلي إيرث» في الولايات المتحدة إن «الارتفاع الحاد المسجل بين عامي 2023 و2025 كان استثنائياً، ويشير إلى تسارع وتيرة الاحترار المناخي».

وأقرّ العديد من علماء المناخ والقادة السياسيين، بالإضافة إلى الأمم المتحدة، علناً منذ العام الماضي بأن الاحترار سيتواصل بمعدل 1,5 درجة مئوية، وهو الحد الذي طمحت اتفاقية باريس الموقعة عام 2015 إلى عدم تجاوزه.

ومع بلوغ هذه العتبة منذ ثلاث سنوات، يرجّح برنامج «كوبرنيكوس» أن يتم الإعلان رسمياً عن تجاوز الحد المستدام بحلول نهاية هذا العقد، أي قبل أكثر من عقد من الموعد المتوقع أساساً.

ويثير هذا التسارع قلقاً متزايداً نظراً لأن الولايات المتحدة، ثاني أكبر مصدر لانبعاثات غازات الدفيئة، تتخلى عن التعاون المناخي العالمي في عهد رئيسها دونالد ترمب.

صورة أرشيفية من طوكيو عاصمة اليابان لأشخاص يحملون الشماسي للوقاية من حرارة الشمس (أ.ف.ب)

منحى مشابه في 2026

في الوقت نفسه، تفقد الجهود المبذولة للجم انبعاثات غازات الدفيئة زخمها في الدول الغنية. ففي فرنسا وألمانيا، تراجعت جهود خفض الانبعاثات مجدداً في عام 2025، وفي الولايات المتحدة، تسبب التوسع الكبير في محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم في زيادة البصمة الكربونية للبلاد مرة أخرى، ما بدّد سنوات من التقدم.

وقال رئيس وحدة «كوبرنيكوس»، ماورو فاكيني، في مؤتمر صحافي: «الحاجة إلى العمل المناخي باتت ملحّة أكثر من أي وقت مضى».

ولا توجد أي مؤشرات على أن عام 2026 سيخالف الاتجاه المسجل في السنوات الأخيرة.

وتوقعت نائبة مدير قسم تغير المناخ في «كوبرنيكوس»، سامانثا بورغيس، أن يكون عام 2026 من بين أحرّ خمسة أعوام مسجلة على الإطلاق، وقد يكون مماثلاً لعام 2025.

ويتوقع علماء المناخ في «بيركلي إيرث» أيضاً أن يكون 2026 «على الأرجح مشابهاً لعام 2025، مع ترجيح أن يكون رابع أحرّ عام منذ عام 1850».

وفي حال حدوث ظاهرة «إل نينيو» وما يصاحبها من ارتفاع في درجات الحرارة، «قد يجعل ذلك 2026 عاماً قياسياً»، وفق ما أوضح مدير قسم تغير المناخ في المرصد، كارلو بونتيمبو، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن «سواء كان ذلك في عام 2026 أو 2027 أو 2028، فالأمر لا يهم حقاً. المسار واضح جداً»، حسب بونتيمو.

سكان يراقبون حريقاً كبيراً يقترب من كونغوستا بإسبانيا (رويترز - أرشيفية)

معدلات قياسية في آسيا وأنتركتيكا

عام 2025، فاق معدل درجات حرارة سطح الأرض والمحيطات بـ1,47 درجة مئوية مستويات ما قبل الثورة الصناعية، بعد أن سجل معدل حرارة قياسياً تخطى تلك المستويات بـ1,60 درجة مئوية عام 2024.

ويخفي هذا المتوسط العالمي درجات حرارة قياسية في مناطق معينة، لا سيما في آسيا الوسطى والقارة القطبية الجنوبية ومنطقة الساحل، وفق تحليلات أجرتها «وكالة الصحافة الفرنسية» باستخدام بيانات يومية من الخدمة الأوروبية.

وبذلك، شهد 770 مليون شخص موجات حر قياسية في بلدانهم، حسب حسابات معهد «بيركلي إيرث».

والأربعاء، أفادت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة، بأنّ اثنتين من مجموعات البيانات الثماني التي حلّلتها أظهرتا أنّ عام 2025 كان ثاني أكثر السنوات حراً، ولكن المجموعات الأخرى صنّفته في المرتبة الثالثة.

وقدّرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية متوسط الاحترار للفترة 2023-2025 عند 1,48 درجة مئوية، مع هامش خطأ يبلغ زائد أو ناقص 0,13 درجة.

وقالت الأمينة العامة للمنظمة، سيليست سولو، في بيان، إنّه على الرغم من ظاهرة التبريد المناخي «لا نينيا»، فإنّ عام 2025 «يبقى أكثر الأعوام حراً على الإطلاق على مستوى العالم بسبب تراكم الغازات الدفيئة في غلافنا الجوي».

في الوقت نفسه، لم تُسجل أي درجات حرارة منخفضة قياسية في عام 2025، وفق المعهد الأميركي.

شهد عام 2025 العديد من الظواهر الجوية المتطرفة، من موجات حرّ وأعاصير وعواصف عاتية في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية، إلى حرائق غابات مدمرة في إسبانيا وكندا وكاليفورنيا، تفاقمت حدتها أو تواترها بفعل الاحترار العالمي.

وتلعب التقلبات الطبيعية دوراً في الاحترار؛ فعلى سبيل المثال، كانت ظاهرة التبريد المعروفة باسم «لا نينيا» ضعيفة نسبياً في العام الماضي.

لكن كبير العلماء في مركز «بيركلي إيرث»، روبرت رود، يُبدي قلقه إزاء عوامل أخرى غير متوقعة تُفاقم الاحترار، حتى وإن كان ذلك بمقدار أجزاء من عشرة أو من مائة من الدرجة على المستوى العالمي.

وعلى وجه الخصوص، كان للقواعد الدولية التي خفضت محتوى الكبريت في زيت وقود السفن منذ عام 2020 أثر غير مقصود، تمثل في المساهمة في الاحترار من خلال خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت. ففي السابق، كانت هذه الجسيمات العالقة تتسبب في نشوء سحب صافية تعكس ضوء الشمس، ما يُساهم في تبريد الأرض.


المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
TT

المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)

أفاد فريق من العلماء من مختلف أنحاء العالم، الجمعة، بأن المحيطات امتصت كمية قياسية من الحرارة عام 2025، مما زاد من احتمال ارتفاع مستوى البحار وحدوث عواصف عنيفة وموت الشعاب المرجانية.

وقد ارتفعت الحرارة المتراكمة في المحيطات، العام الفائت، بنحو 23 زيتا غول، أي ما يعادل استهلاك الطاقة الأولية العالمية لأربعة عقود تقريباً.

وذكر الباحثون أن هذه النتيجة التي نُشرت في مجلة «أدفانسيس إن أتموسفيريك ساينسز» Advances in Atmospheric Sciences، تُعدّ أعلى قراءة سنوية منذ بدء تسجيل البيانات الحديثة في أوائل خمسينات القرن الماضي.

ولإجراء هذه الحسابات، استخدم أكثر من 50 عالماً من 31 مؤسسة بحثية مصادر متعددة، من بينها مجموعة كبيرة من الروبوتات العائمة التي ترصد تغيرات المحيطات حتى عمق 2000 متر، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

مؤشر أدق

وقالت المشاركة في إعداد الدراسة، كارينا فون شوكمان، إن النظر إلى أعماق المحيطات بدلاً من تقلبات سطحها، يقدّم مؤشراً أدق إلى كيفية استجابة المحيطات للضغط المستمر الناتج من انبعاثات البشر.

تُعدّ المحيطات عاملاً أساسياً في تنظيم مناخ الأرض؛ إذ تمتص 90 في المائة من الحرارة الزائدة في الغلاف الجوي الناتجة عن انبعاثات غازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون.

تحمل هذه الطاقة الإضافية تأثيراً كبيراً، فارتفاع درجة حرارة المحيطات يزيد من رطوبة الغلاف الجوي، مما يُوفّر عوامل للأعاصير المدارية والأمطار الغزيرة.

ويسهم احترار المحيطات بشكل مباشر في ارتفاع مستوى البحار؛ إذ تتمدد المياه عند ارتفاع درجة الحرارة، مما يجعل الظروف صعبة جداً للشعاب المرجانية الاستوائية التي تموت خلال موجات الحر البحرية الطويلة.

وقالت شوكمان: «إذا تواصل تراكم الحرارة في الأرض، فستستمر حرارة المحيطات في الارتفاع، وسيرتفع مستوى البحار، وستُسجَّل أرقام قياسية جديدة».

وتيرة أسرع

وترتفع درجة حرارة المحيطات في بعض المناطق بوتيرة أسرع من غيرها.

وكانت المحيطات الاستوائية، وجنوب المحيط الأطلسي، والبحر الأبيض المتوسط، وشمال المحيط الهندي، والمحيط الجنوبي من بين المسطحات المائية التي امتصت كميات قياسية من الحرارة سنة 2025.

وقد سُجّل ذلك رغم انخفاض متوسط درجات حرارة سطح البحر بشكل طفيف سنة 2025، غير أنه ظل ثالث أعلى رقم مسجّل على الإطلاق.

ويُعزى هذا الانخفاض إلى التحوّل من ظاهرة «إل نينيو» القوية التي أدت إلى ارتفاع درجة الحرارة في 2023 - 2024، إلى ظروف شبيهة بظاهرة «لا نينا» التي عادة ما ترتبط بتبريد مؤقت لسطح المحيطات.

وعلى المدى البعيد، يتسارع معدل ارتفاع درجة حرارة المحيطات نتيجة الزيادة المستمرة في تركيزات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، والتي تُعزى أساساً إلى حرق الوقود الأحفوري.


دبة قطبية بكندا تتبنى شبلاً في واقعة نادرة

دب قطبي (أرشيفية- رويترز)
دب قطبي (أرشيفية- رويترز)
TT

دبة قطبية بكندا تتبنى شبلاً في واقعة نادرة

دب قطبي (أرشيفية- رويترز)
دب قطبي (أرشيفية- رويترز)

رصد باحثون في كندا مؤخراً حالة نادرة جداً لدبة قطبية تبنَّت شبلاً لم تلده في شمال البلاد.

وقال الباحث في هيئة البيئة الكندية إيفان ريتشاردسون الذي يجري دراسات بشأن هذا المفترس الأكبر في القطب الشمالي منذ 25 عاماً، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لم تُسجَّل سوى 13 حالة (من هذا النوع) خلال 45 عاماً».

وفي نوفمبر (تشرين الثاني)، تمكن ريتشاردسون وفريقه من الإمساك بدبة مع شبلين لها، يبلغ سن أحدهما 10 أشهر، والآخر 11 شهراً، بالقرب من تشرشل التي تُلقَّب بـ«عاصمة الدببة القطبية في العالم»، والواقعة في شمال مانيتوبا بوسط كندا.

وأضاف: «عندما اقتربنا، لاحظنا أن أحد الشبلين يحمل علامة تعريف، بينما الآخر لا يحملها»؛ مشيراً إلى أن الأم نفسها شوهدت قبل بضعة أشهر مع شبل واحد فقط.

دب قطبي (أرشيفية - أ.ف.ب)

وفي هذه المنطقة الشمالية، يضع الباحثون علامات تعريف على الدببة القطبية ليتسنى لهم تتبعها ودراستها طوال حياتها.

وأكدت عمليات التتبع عبر أطواق مزودة بنظام تحديد المواقع العالمية (جي بي إس) والملاحظات التي أجرتها منظمة «بولار بيرز إنترناشيونال»، وهي مجموعة بحثية معنية بالدببة القطبية، أن الأنثى المعنية احتفظت بالشبلين معها لأسابيع.

وقال إيفان ريتشاردسون: «إنها قصة رائعة. هذه الدببة القطبية تتمتع بحسِّ أمومة مذهل؛ إذ إنها مهيَّئة بطبيعتها لرعاية صغارها».

وقد انخفض عدد الدببة القطبية في غرب خليج هدسون بنسبة 30 في المائة خلال بضعة عقود فقط، من نحو 1200 دب في ثمانينات القرن الماضي إلى 800 دب اليوم. ويعود ذلك جزئياً إلى تسارع ذوبان الجليد الذي يشكل عنصراً ضرورياً لبقائها.

مع ذلك، لا يوجد دليل يربط بين هذا التبني وتغير المناخ، وفق ريتشاردسون.

ويجري حالياً فحص جيني لتحديد الأم البيولوجية للشبل المتبنَّى. وقال العالِم إنَّ ثمة «احتمالاً كبيراً أن نكتشف هويتها».

على مدى 45 عاماً، رُصد أكثر من 4600 دب قطبي في هذه المنطقة من كندا، ما يجعلها، حسب ريتشاردسون: «أفضل مجموعة دببة قطبية دُرست في العالم».