ثروة الخليج السمكية مهدَّدة بالصيد المفرط والاحترار

صائد أسماك في سوق السمك في ميناء الفاو بجنوب العراق (أ.ف.ب)
صائد أسماك في سوق السمك في ميناء الفاو بجنوب العراق (أ.ف.ب)
TT

ثروة الخليج السمكية مهدَّدة بالصيد المفرط والاحترار

صائد أسماك في سوق السمك في ميناء الفاو بجنوب العراق (أ.ف.ب)
صائد أسماك في سوق السمك في ميناء الفاو بجنوب العراق (أ.ف.ب)

يُعد الخليج العربي تكويناً مائياً حديث النشأة جيولوجياً، وتحيطه ثماني دول سريعة النمو نسبياً. وخلال فصل الصيف، يصبح أكثر البحار حرارة على كوكب الأرض، لا سيما في حوضه الجنوبي الضحل؛ حيث تتجاوز حرارة سطح البحر 35 درجة مئوية.
وتضم أنظمة الخليج البحرية والساحلية فسيفساء متنوعة ومترابطة من النظم البيئية المهمة بيولوجياً واقتصادياً، بما في ذلك غابات المانغروف والمستنقعات المالحة وأحواض الأعشاب البحرية والشعاب المرجانية. كما تمثّل الثروة السمكية أهم الموارد الطبيعية للبلدان الخليجية بعد النفط. ومع ذلك، لا تحظى هذه الثروة بالتقدير الكافي، بل تتعرض لتهديدات مختلفة، مثل تغيُّر المناخ والتوسُّع الحضري والصرف غير المعالج وارتفاع الملوحة والإفراط في الصيد.
- الاحترار ضعف المتوسط العالمي
ترك تغيُّر المناخ العالمي آثاره الواضحة على النظم البحرية في جميع أنحاء العالم، بما فيها الخليج، الذي يعاني بالفعل من ارتفاع درجات حرارة البحر في الصيف بما يتجاوز أسوأ السيناريوهات المتوقعة في كثير من المناطق المدارية. ومنذ الثمانينات، زادت حرارة سطح البحر في الخليج بمقدار 0.4 درجة مئوية كل عشر سنوات، بما يساوي ضعف المتوسط العالمي.
ونتج عن ارتفاع حرارة سطح البحر تدهور كبير في النظم البحرية، وطال الضرر الشعاب المرجانية على وجه خاص، باعتبارها أكثر النظم البيئية الساحلية تنوعاً في المنطقة. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 70 في المائة من الشعاب المرجانية تلاشت نتيجة لاحترار مياه الخليج وعوامل بشرية أخرى. ويُظهر تقييم حديث أن كل أنواع الأسماك المعتمِدة على الشعاب المرجانية في الخليج معرضة للخطر.
ومن المتوقع أن تؤثر التغيُّرات في درجات الحرارة على أنماط التفريخ الموسمية للأسماك الزعنفية ذات الأهمية التجارية، ما قد يتسبب في عدم التزامن بين ظهور يرقات الأسماك وفرائسها، ويؤثر على وفرة الأنواع المهمة بالنسبة لسكان المناطق الساحلية. كما أن ارتفاع درجات الحرارة يزيد في تكاثر الطحالب الضارة، وهي ظاهرة تتسبب في نفوق الأسماك.
ويمكن أن تؤدي المياه الأكثر دفئاً إلى نمو الأسماك على نحو أسرع، ولكن حجمها يكون أصغر في عمر معيّن. كما يتسبب الاحترار في زيادة استهلاك الكتلة الحيوية للطاقة عند انتقالها لمستوى أعلى في السلسلة الغذائية، ويسهم في تسريع تدهور البيئة.
ويتسبب ارتفاع منسوب مياه البحر نتيجة الاحترار العالمي، وغوص المناطق الساحلية نتيجة الأنشطة البشرية كاستخراج النفط والمياه الجوفية، في تعريض العديد من النظم البيئية الساحلية الكبيرة والمهمة لخطر الغمر بسبب طبيعتها المنخفضة، بما فيها السبخات والسهول الطينية في منطقة المد والجزر. وتكون الأعشاب المرجانية أكثر عرضة لزيادة الترسيب والتعكُّر الناجم عن زيادة نشاط العواصف، بسبب ارتفاع درجات الحرارة.
وفيما تساعد الظروف البيئية الإقليمية للخليج وطبيعته الجيولوجية في تقليل مخاطر ارتفاع حموضة البحر على الكائنات الحيّة، مثل الشعاب المرجانية والرخويات والطحالب التي تؤدي وظائف مهمة في النظم البحرية، فالضرر الأكبر لارتفاع الحموضة سيكون في تحلل الأراضي الصلبة الصخرية التي توجد عليها الشعاب المرجانية والنظم البيئية الأخرى.
- الأنشطة البشرية
تسهم عوامل أخرى في الإخلال بسلامة النظم البيئية للخليج، ومن بينها النمو السكاني غير المسبوق الذي شهدته المنطقة، ونتجت عنه زيادة واسعة النطاق في التوسع الحضري على المناطق الساحلية. وتشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من ساحل الخليج جرى تعديله من خلال مشروعات الإسكان الشامل والسياحة والتنمية الصناعية اللازمة لاستدامة الزيادة السكانية، وانعكس ذلك تدهوراً كبيراً في النظم البيئية الساحلية بفعل التجريف واستصلاح الأراضي.
وعلى الرغم من المعايير العالية لمعالجة مياه الصرف في معظم بلدان المنطقة، تدخل الخليج كميات كبيرة من مياه الصرف الصناعي والمنزلي. وتنشأ المخلّفات الصناعية السائلة من الصناعات التحويلية الرئيسية التي تشمل منتجات مثل الأسمدة والبلاستيك والبتروكيماويات والمعادن.
وتُظهر النظم البيئية البحرية الواقعة قرب المصبات تراكيز مرتفعة من الملوثات، وإن كانت أغلب الدراسات تشير إلى أن المستويات الحالية من المعادن الثقيلة في الرواسب البحرية والأسماك لا تزال ضمن التراكيز المسموحة دولياً. وقد تم توثيق العديد من حالات تكاثر الطحالب الضارة على نطاق واسع في خليج الكويت خلال العقود القليلة الماضية، وكانت هذه الحالات تُعزى إلى ارتفاع المغذيات الناجمة عن المخرجات الصناعية ومياه الصرف الصحي، وتسببت في نفوق أعداد كبيرة من الأسماك.
وبسبب الطبيعة الضحلة والمقيدة للخليج ومحدودية مدخلاته من المياه العذبة، لا سيما مع بناء السدود على الأنهار الرئيسية التي تغذي حوضه شمالاً، انخفض تدفق المياه العذبة التي تصب في الخليج إلى نحو 110 كيلومترات مكعبة في السنة، مع معدلات تبخر مرتفعة وفضلات معامل التحلية، ما يرفع مستوى الملوحة بشكل غير عادي.
ونتيجة التقلُّب الحراري الشديد والملوحة المرتفعة، تعيش العديد من الكائنات البحرية في الخليج بالقرب من حدودها الفيزيولوجية، ما يجعلها هشة تجاه أي تبدلات طارئة في ظروف النظام البيئي. وعلى مدى العقود القليلة الماضية، أدى الضغط المتزايد نتيجة تغيُّر المناخ والأنشطة البشرية في المناطق الساحلية إلى تدهور واسع النطاق، وفقدان للنظم البيئية الساحلية في أكثر من مكان.
- الصيد المفرط يستنزف الثروة السمكية
بالإضافة إلى الآثار السلبية للتلوُّث وتدمير الموائل، أدى ضغط الصيد المكثّف إلى الاستغلال المفرط لثلثي الأنواع المهمة تجارياً، والاستغلال الكامل لنحو 5 في المائة من الأنواع الحية الأخرى التي تعيش في مياه الخليج. وقد أسهم الافتقار إلى تقييمات موثوقة للمخزون السمكي وطنياً وإقليمياً في تفاقم ممارسات الصيد الجائر في المنطقة. ويتراوح إنتاج المصايد في الخليج بين 210 و420 ألف طن من الأسماك سنوياً.
ولا تزال ممارسات الصيد المدمِّرة، مثل صيد الروبيان بشباك الجرّ، تحدث في بعض دول الخليج. ومن المرجّح أن ممارسات كهذه أسهمت بشكل كبير في تدهور النظام البيئي من خلال التدمير المباشر لقاع البحر في مناطق تطبيقها. وينتج عن الصيد بشباك الجرّ أيضاً ارتفاع الصيد العرضي للأسماك الصغيرة؛ حيث إن العديد من الأسماك التجارية توجد داخل مناطق صيد الروبيان.
كما يتم اصطياد الأسماك اليافعة بشكل شائع في مصايد الأعماق التي تستخدم مصائد أسماك شبكية سلكية كثيفة (قرقور). وفي أبوظبي، تشكّل الأسماك غير البالغة أكثر من نصف كمية أسماك القيعان الضحلة التي يتم اصطيادها.
وخلال السنوات السبعين الماضية، تغيّر تركيب أنواع الأسماك التي يجري اصطيادها وتناقص متوسط القيمة الغذائية للصيد، ما يشير إلى أن الأنواع ذات المحتوى الغذائي المرتفع قد انهارت واستبدلت بها أنواع ذات قيمة غذائية أقل، كاللافقاريات والأحياء التي تتغذى على العوالق. ورغم أن السجلات الرسمية لمصايد الأسماك لا يمكن التعويل عليها، فإن الثابت هو تراجع حصة الفرد في المنطقة من الإمدادات السمكية مع استمرار أنشطة الصيد المحلية والأجنبية.
ولا تزال قواعد مراقبة الصيد غير صارمة ولا متسقة بين دول الخليج بما يكفي لحماية النظم البيئية البحرية. كما يستمر الصيد في استنزاف معظم مخزون الأسماك في المنطقة؛ حيث لم تتمكن برامج إعادة بناء المخزون وإكثار أنواع الأسماك المحلية من حل المشكلة. ومن الواضح أن زيادة حصاد الكتلة الحيوية في الجزء العلوي من السلاسل الغذائية البحرية، وتوسع مصايد الأسماك، والضغط على الجزء السفلي من السلاسل الغذائية، هي أدلة على الصيد الجائر والإدارة غير الفعّالة.
ومن المتوقع أن تزداد الضغوط المرتبطة بالسكان في العقود المقبلة مع استمرار نمو المدن الساحلية، وستكون هناك زيادة في وتيرة وحجم الظواهر الحرارية الشديدة تحت وطأة تغيُّر المناخ. ومن أجل حماية الموائل الطبيعية في الخليج العربي والحفاظ على نظمه البيئية المهمة لا بد من إجراءات مؤثرة تحدّ من الآثار التراكمية للضغوط التي يتعرض لها.
ويشمل ذلك، على سبيل المثال، تطبيق إدارة واقعية ومسؤولة لمصايد الأسماك بالتعاون مع صانعي السياسات العالميين، مثل منظمة الأغذية والزراعة (فاو) وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب)، وتحسين أساليب وخطط الرصد لتحديد مواقع الصيد البحري غير القانوني. ويجب تعديل الضوابط التي تنظم مصايد الأسماك واستراتيجيات مقاومة المناخ، خصوصاً في المواسم شديدة الحرارة، وتقليص أذونات السماح بالصيد من حيث الكميات والأماكن والمواعيد.
ويمكن توجيه المزيد من الدعم لمصايد الأسماك الصغيرة التي تعمل عادة على نحو أكثر استدامة، وإنشاء المزيد من المناطق البحرية المحمية وحفظ الأنواع المستوطنة، بحيث تكون هناك قواعد صارمة لتعزيز سلامة المناطق الحرجة.
كما يُفترض بدول المنطقة أن تضمن أمنها الغذائي قبل إصدار تصاريح التجارة الدولية للصيد ضمن مياهها الإقليمية. وسيكون من المجدي أن تتبنى دول الخليج أهدافاً علمية متكاملة، على المستويين الوطني والإقليمي، تحقق الإدارة المستدامة للمخزون السمكي وتعكس مسار فقدان التنوُّع البيولوجي في المنطقة.


مقالات ذات صلة

3 أطعمة تمنحك فيتامين «د» أكثر من السلمون

صحتك سمك السلمون يُعرف بأنه من أبرز مصادر فيتامين «د» (بيكسلز)

3 أطعمة تمنحك فيتامين «د» أكثر من السلمون

يُعدّ فيتامين «د» من العناصر الغذائية الأساسية التي تلعب دوراً حيوياً في دعم صحة العظام، وتعزيز جهاز المناعة، والمساهمة في وظائف متعددة داخل الجسم.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد متسوقون في محل تجاري للأغذية والمشروبات بسلطنة عمان (رويترز)

ارتفاع التضخم في سلطنة عمان 3.2 % في أبريل

سجَّل المؤشر العام لأسعار المستهلكين في سلطنة عمان في شهر أبريل الماضي ارتفاعاً بنسبة 3.2 في المائة مقارنة بالشهر المماثل من عام 2025 لسنة الأساس 2018.

«الشرق الأوسط» (مسقط)
يوميات الشرق الفيلم سلط الضوء على بلدة صغيرة في شمال النرويج (الشركة المنتجة)

«نثق في سمكة القد»... عندما يصبح المكان بطل فيلم وثائقي

فيلم «نثق في سمكة القد» استغرق أكثر من 7 سنوات وصوَّر الحياة اليومية بأسلوب الملاحظة المباشرة والأصوات الطبيعية، دون مقابلات تقليدية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق بائع يحضر أسماك البوري المملحة «الفسيخ» لاحتفالات «شم النسيم» (رويترز)

كيف تتناول الأسماك المملحة من دون متاعب صحية؟

تثير الأسماك المملحة مثل الفسيخ والرنجة جدلاً صحياً متجدداً مع تزايد الإقبال عليها في المناسبات الموسمية، وعلى رأسها احتفالات «شم النسيم» في مصر.

محمد السيد علي (القاهرة)
يوميات الشرق إقبال كبير على شراء الأسماك المملحة على «فيسبوك» (حساب أحد المحال على «فيسبوك»)

مصريون يُقبلون بشراهة على الأسماك المملحة رغم ضبط «أطنان فاسدة»

لا يبدو أن التنازل عن عادة تناول وجبة «الفسيخ» و«الرنجة» أمر مقبول لدى المصريين، خصوصاً في موسم «شم النسيم».

منى أبو النصر (القاهرة)

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».


فرنسا تسمح بإعدام نحو 200 ذئب لحماية الماشية

مزارعون في ليون يسيرون قطعاناً من الأغنام احتجاجاً على اتجاه الحكومة الفرنسية لحماية الذئاب 9 أكتوبر 2017 (رويترز)
مزارعون في ليون يسيرون قطعاناً من الأغنام احتجاجاً على اتجاه الحكومة الفرنسية لحماية الذئاب 9 أكتوبر 2017 (رويترز)
TT

فرنسا تسمح بإعدام نحو 200 ذئب لحماية الماشية

مزارعون في ليون يسيرون قطعاناً من الأغنام احتجاجاً على اتجاه الحكومة الفرنسية لحماية الذئاب 9 أكتوبر 2017 (رويترز)
مزارعون في ليون يسيرون قطعاناً من الأغنام احتجاجاً على اتجاه الحكومة الفرنسية لحماية الذئاب 9 أكتوبر 2017 (رويترز)

قالت وزيرة الزراعة الفرنسية، آني جونفار، الجمعة، إن السلطات الفرنسية سمحت بإعدام نحو ​200 ذئب، إذ تنتشر قطعان الذئاب في الأراضي الزراعية، وتتجول بالقرب من المدن الكبرى.

وأضافت أن هناك ما يزيد قليلاً على ألف ذئب في فرنسا، وأن الأجهزة التابعة للوزارة رفعت الحد الأقصى لعدد الذئاب ‌المسموح بإعدامها من ‌19 في المائة إلى ​21 ‌في المائة، أي ​ما يزيد قليلاً على 200 ذئب، ومن الممكن رفعه مرة أخرى إلى 23 في المائة.

وقالت وزيرة الزراعة لمحطة إذاعية فرنسية: «تتسبب الذئاب في أضرار متزايدة لمزارع الماشية لدينا، ما يضع المزارعين في حالة من التوتر والأذى الشديد».

وفي العام ‌الماضي، انتهى نقاش ‌حاد بين المزارعين وجماعات ​حماية الحيوانات بشأن ‌الذئاب التي يتزايد عددها وهجماتها على ‌الماشية، بتصويت في البرلمان الأوروبي أيد رأي المزارعين.

واتفق المشرعون الأوروبيون، في مايو (أيار) الماضي، على تخفيض تصنيف الذئب من «محمي بشكل صارم» إلى «محمي»، ما يعني أن دول الاتحاد الأوروبي يمكنها السماح بصيد الذئاب، شرط اتخاذ إجراءات تمنع تعرض هذه الحيوانات للانقراض.

وقالت المفوضية الأوروبية، التي اقترحت التغيير، إنه يستند إلى دراسة وتحليل معمقين، مع الأخذ في الاعتبار أن أعداد الذئاب تتزايد في أنحاء الاتحاد الأوروبي، حيث بلغ عددها نحو 20300 ذئب في 2023، ما أدى إلى زيادة الأضرار التي تلحق بالماشية.