حول الفلسفة والمستويات المتفاوتة

TT

حول الفلسفة والمستويات المتفاوتة

في منتصف القرن الـ20 راجت بقوة «أحاديث النهايات»، مثل نهاية الفلسفة، ونهاية الجغرافيا، وصولاً إلى أطروحة فوكوياما عن «نهاية التاريخ». لم تكن أطروحة نهاية الفلسفة تعني «بالخط العريض» انتهاء معناها، وإنما كانت تمهيداً لإعلان إعادة تشكّل الفلسفة بأنماطٍ جديدة وطرق فريدة. أخذت الفلسفة خطوطاً أخرى في تدخلها وفضولها وتجسسها على المجالات الأخرى، وبفضلٍ من طفرات مفهومية فجّرتها البنيوية وما بعدها استطاعت أن تتدخّل في مجالات «أنثروبولوجية» متجاوزة التحديدات الميتافيزيقية التي كادت تحصر بها، ومنهية الموضات والصرعات التي طرأت مثل «الوضعية المنطقية». دخلت الفلسفة في «المطبخ - السينما - الأزياء - الموسيقى - الكليبات»، كان هذا التدخّل الصارخ بمثابة إعلان بدء حقبة جديدة من علاقة الفلسفة بالبشرية. لم تكن فكرة نهاية الفلسفة إلا إعلان بدئها... كسرت الفلسفة جُدُر التقليد، لتجعل من أطرافه شلالاً لها، لم تسلم من مدّها وجزرها الأرجاء.
كان من اللافت دخول الفلسفة على السينما بأسماء فلاسفة كبار...، وعلى رغم عمر السينما القصير، الذي لا يتجاوز 100 عام، ظلت بمنأى عن درس معناها وتمظهراتها وتمدداتها في مجالات التفكير والحياة. وإذا كانت الفلسفة لم تستوعب بعد بشكل عام هذا الفن بالشكل نفسه الذي استوعبت به الفنون الأخرى، كالموسيقى والفن التشكيلي، فإن الفلسفة الحديثة نشطت على مستويات متفاوتة في رصد هذا الفن واللحاق بآثاره درساً وتحليلاً، هذا مع سبق برغسون وجيل دلوز لميشيل فوكو في استيعاب هذا الفن المدهش، ووجود تحليلات سريعة من فاتيمو وجاك دريدا، لكنها لا تصل إلى عمق اشتغال الفرنسي جيل دلوز.
لم يكن الانشغال الفلسفي بالسينما ذا هدف «سينمائي»، وإنما جاء كعمل فلسفي داخل «المفاهيم»، فهو يعمل داخل الصورة التي تنتج مفاهيم جديدة، وهو صلب تنظير جيل دلوز الفلسفي، الذي اعتبر الفلسفة كلها «تشكلات المفاهيم»، كما اعتبر الفيلسوف «صديق المفاهيم»، وتلك المفاهيم التي تنتجها السينما لا توجد بشكل مباشر، وإنما «ينحتها الملاحظ»، إذ يستقل الفيلسوف عن العمل السينمائي ليصبح «شغّيلاً» داخل المفاهيم التي يستخلصها من شريط طويل من المشاهد والصور، ولهذا يقول جيل دلوز: «المفاهيم التي تلحق بخصوصية السينما هي من أمر الفلسفة».
في يونيو (حزيران) 2012، ترجَم إبراهيم العريس كتاب الفيلسوف الفرنسي إدغار موران، الذي عنونه بـ«نجوم السينما»، وفيه مراجعة لمعنى النجم السينمائي ولشرط صناعته، كما يشرح العوامل «السيكولوجية» و«السوسيولوجية» التي تحدد هذه العلاقة، وبذل العريس جهداً واضحاً في ترجمة هذا العمل الذي أصبح كلاسيكياً في هذا المجال، وحين يكتب الفيلسوف عن «النجم السينمائي» إنما يعبّر عن تحوّل دور الفلسفة من جهة، ويعبّر عن اكتساح تاريخي للسينما التي باتت غذاءً يومياً للبشرية.
في الكتاب يتساءل عن خفوت اسم المخرج على حساب اسم النجم، فهو يرى أن «السينما فقط هي التي اخترعت النجم وسلّطت الضوء عليه، وفي هذا المجال تناقضٌ أوّلي، فالنجم يبدو متمركزاً في الفلك الشمسي للسينما».
من المثير للشغف هذا التداخل بين السينما والفلسفة، إذ للأصدقاء عبارة مغرية تحضّ على مشاهدة الفيلم حين يوصف بأنه «فيلم فلسفي»، وبطبيعة الحال ثمة مخرجون سينمائيون لديهم أعمال فلسفية، منهم مثلاً المخرج الأميركي من أصل لبناني ترينس مالك، الذي أخرج فيلم «شجرة الحياة - The Tree Of Life»، فهو حاصل على درجة في الفلسفة من جامعة هارفارد للتكنولوجيا، وله أطروحات وترجمات عن هيدغر.
الفلسفة تتغذى على المجالات الحيّة، فهي ليست مرتبطة بدرس مجال واحد. الفلسفة آلية وفضاء، وليست موضوعاً. الفلسفة ليست فكرة أو تياراً، إنها أداة سبر أغوار، وتمنح قارئها ترسانة من أدوات التدخل، ومعاول التجسس، وديناميت النقد، الفلسفة لم تنتهِ، وإنما تبدأ، وتبدأ... إلى ما لا نهاية.
مع كل حالٍ من الخراب يجترحها الإنسان تعود الأسئلة إلى فضاء الفلسفة بحثاً عن التعليل لكل هذا التوحش وإرادة التخريب. كان نيتشه حاضراً في حروبٍ خاضتْها بلده ورأى الدماء والأشلاء كما رأى القوة والبطش، من عمق ذلك الحدث صاغ نظريته في إرادة القوة وإدانة الضعف ومحاكمة الأديان المحرّضة على التسامح والصمت، لهذا نجده في كتابه «عدو المسيح» ينتقد المسيحية والبوذية بحدّة، بينما يمتدح الإسلام لما فيه من فضاءٍ للقوة ومن مدح القتال في مواضعه اللازمة. وحين نشبت الحرب الأهلية الإنجليزية، كتب توماس هوبز نظريته في الدولة التي بناها على أصالة الشر في الإنسان.
وفي العصر الحديث، تساءل الفيلسوف الألماني المعاصر يورغن هابرماس عن قيمة الفلسفة في معضلات الإنسان. وحين ضرب تنظيم «القاعدة» أميركا في 11 سبتمبر (أيلول) 2001 أُجري مع هابرماس لقاء صحافي، قال فيه إن هذه الصدمة جعلته يدرك مستويات التفاؤل في نظريته الشهيرة في «التواصل».
مع كل هذه الأحداث التي تشاهد حالياً، واستمراء حالات القتل وبرك الدم، سواء في سوريا، التي يمارس فيها النظام قتلاً، ذكّر البشرية بما مارسه هتلر ضد اليهود، يعاد السؤال نفسه... سؤال الإنسان. قبل أيام، صدر كتاب للمفكر اللبناني علي حرب، بعنوان «لعبة المعنى - فصول في نقد الإنسان». جاء كتابه في سياق إدانة أفعال الإنسان تجاه الإنسان، إذ يكتب: «نحنُ الوحيدون الذين نلوّث الطبيعة ونُفسد في الأرض ونسفك الدماء، جُرحت كبرياؤنا وقامت قيامتنا عندما تجرأ أحدنا على القول إن القرد هو سلفنا، بل من أبناء عمومتنا، مع أن جماعة القردة أقل عدوانية من جماعة الناس، إن لم نقل أكثر مسالمة... نحنُ من صنفٍ يستهويه الملك قبل الدعوة، ويستوطن الخلق لا الحق، نحن من نوعٍ لا يتخلى عن الدنيا إلا إذا وُعد بالفردوس، ولا يزهد بالشيء إلا من فرط الرغبة فيه».
يأتي نقد علي حرب هذا شبيهاً بالنقد الذي وجّهه فلاسفة أوروبا ضد ممارسات الإنسان في بحر سني الحروب الأهلية والحربين العالميتين، وعلى الأخص في القرن الـ19 وبدايات القرن الـ20.
نادى هوسرل الفلاسفة في القرن الـ19 أن العبوا دور «موظّفي الإنسانية» من خلال البدء بـ«ممارسة تهدف إلى تربية الإنسانية انطلاقاً من معايير الحقيقة بكل أشكالها»، ليأتي هابرماس بعده في كتابه «الفلسفة الألمانية والتصوف اليهودي»، قائلاً: «إن الفكر الفلسفي لا يرى نفسه في مواجهة ما يضعه أمامه الوعي التكنوقراطي من عوائق فقط، بل أيضاً في مواجهة أفول الوعي الديني. إننا نشهد داخل المجتمعات الصناعية المتقدمة للمرة الأولى فقدان الأمل بالخلاص والنعمة».
تأتي ورطة الإنسان بذاته أو وجوده، وورطته بمجموع علاقاته، لتجعله سجين أسئلة متناسلة من الصعب إيقاف طفراتها. وحين شاهد هوبز «الفلتان» في شوارع مدينته أعاد النظر في مفهوم الشعب نفسه ليجعل من الحاكم واحداً تفرّغت فيه إرادة المجموع، بل رأى «أنه بما أن الجسم السياسي خيالي، فإن إرادته وقدراته هي أيضاً خياليّة». أراد هوبز أن يفرّغ الفرد سلطته بيد الحاكم، لأن السلطة حين تتوزّع في جموع الناس يأتي الخطر، هكذا فكّر هوبز. بقيت أسئلة فشل الإنسان في بناء عالم قائم على التواصل والتحاور، أو على التجاور والتفاهم، وأصبحت القوة هي البديلة. لم يكن نشدان «السلام الدائم» لدى كانط إلا الرضا الذي يأتي بعد أن يبلغ السأم منتهاه. وجوه الخراب هذه ستبقى ما بقيت القوّة والسلطة والسيطرة والهيمنة، ولعل جنون «النووي» وبقاء سلطة الحرب قائمان ضمن خصائص الإنسان نفسه، ولا تسأل عن تلوّث الطبيعة وخيانة الأرض.



سلوت: ليفربول سيشهد «مرحلة انتقالية»

 أرني سلوت المدير الفني لفريق ليفربول (أ.ف.ب)
أرني سلوت المدير الفني لفريق ليفربول (أ.ف.ب)
TT

سلوت: ليفربول سيشهد «مرحلة انتقالية»

 أرني سلوت المدير الفني لفريق ليفربول (أ.ف.ب)
أرني سلوت المدير الفني لفريق ليفربول (أ.ف.ب)

أكد المدير الفني لفريق ليفربول الإنجليزي لكرة القدم، أرني سلوت، أن فريقه سيشهد «مرحلة انتقالية بسيطة» مع نهاية هذا الموسم، لكنها لن تكون «جذرية» كما حدث قبل 12 شهراً.

ومع ذلك، نفى المدرب الهولندي حاجة الفريق إلى لاعبين أكثر خبرة لتحسين العقلية الذهنية للعناصر الحالية.

وذكرت وكالة الأنباء البريطانية (بي إيه ميديا) أن محمد صلاح، أحد اللاعبين البارزين الذين تأكد رحيلهم إلى جانب أندي روبرتسون، قال الأسبوع الماضي: «الترابط داخل الفريق يتغير، لذا آمل حقاً أن يحافظ اللاعبون على تماسكهم».

ويرى سلوت أن هناك اختلافاً بين الانسجام داخل الفريق والشخصية والقوة الذهنية للاعبين.

وقبل مواجهة تشيلسي السبت، قال سلوت في مؤتمر صحافي الجمعة: «بالفعل ستكون هناك مرحلة انتقالية بسيطة أخرى، وربما ليست جذرية كما كانت في الصيف الماضي، لكن علينا إجراء بعض التغييرات على مستوى العناصر بسبب رحيل بعض اللاعبين».

وأضاف: «هناك فرق بين الترابط والعقلية الذهنية».

وأكد: «عندما يتعلق الأمر بالانسجام، فمن الطبيعي تماماً أن يكون اللاعبون الذين لعبوا معاً لمدة ست أو سبع أو ثماني أو تسع سنوات أكثر ترابطاً من مجموعة جديدة من اللاعبين الذين ما زالوا يتعرفون على بعض».

وأكمل: «أما فيما يتعلق بالعقلية، فأعتقد أن هذا الفريق أظهر ذلك مراراً هذا الموسم عندما مررنا بظروف صعبة».

وكانت تعاقدات الموسم الماضي، ومن بينها فلوريان فيرتز وألكسندر إيزاك، محاولة متعمدة لتقليل متوسط أعمار الفريق، لكن حملة الدفاع عن لقب الدوري انتهت بصورة مخيبة.

ومن المتوقع أن يعود الحارس جيورجي مامارداشفيلي بعد تعافيه من إصابة في الركبة للمشاركة أمام تشيلسي، في حين لا يزال الحارس الأساسي أليسون خارج الحسابات بسبب إصابة في العضلة الخلفية.

وشارك إيزاك في التدريبات، الخميس، بعد تعافيه من إصابة طفيفة في الفخذ أبعدته عن المباراة التي خسرها الفريق الأسبوع الماضي أمام مانشستر يونايتد، وبات قريباً من العودة إلى قائمة الفريق.

ويحتاج ليفربول إلى الفوز من أجل تأمين مقعده في دوري أبطال أوروبا بشكل شبه رسمي عبر احتلال المركز الرابع.


هواجس «الفيتو» لا توقف الجهود الأميركية والخليجية لفتح هرمز

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هواجس «الفيتو» لا توقف الجهود الأميركية والخليجية لفتح هرمز

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

كثّف الدبلوماسيون الأميركيون والخليجيون في الأمم المتحدة جهودهم لإقناع جميع أعضاء مجلس الأمن بضرورة دعم مشروع قرار جديد لمطالبة إيران بموجب الفصل السابع من ميثاق المنظمة الدولية بوقف هجماتها في مضيق هرمز، وعدم زرع ألغام بحرية فيه، وسط تلميحات من الصين وروسيا باستخدام حقّ النقض «الفيتو» لتعطيل هذه الجهود.

ورغم خطر استخدام «الفيتو»، واصلت الدبلوماسية الأميركية والخليجية جهودها للتغلب على الهواجس الروسية والصينية بهدف التمكن من إصدار القرار.

واستخدمت روسيا والصين الشهر الماضي حقّ النقض ضد مشروع قرار سابق دعمته الولايات المتحدة، وبدا أنه يفتح المجال أمام إضفاء الشرعية على عمل عسكري ‌ضد إيران.

وحضّ المندوبون الدائمون لدى الأمم المتحدة؛ الأميركي مايك والتز، والسعودي عبد العزيز الواصل، والبحريني جمال فارس، والقطرية علياء أحمد بن سيف آل ثاني، والكويتي طارق محمد علي بناي، والإماراتي محمد عيسى أبو شهاب، كل الدول الـ15 في المجلس على التصويت لمصلحة النص الجديد.

أميركا والسعودية

وقال والتز، خلال مؤتمر صحافي في المقر الرئيسي للمنظمة الدولية في نيويورك، ‌إن أي دولة «تسعى إلى رفض (مشروع القرار) إنما ترسخ سابقة خطيرة للغاية». وأضاف: «علينا أن نسأل أنفسنا، إذا اختارت دولة ما معارضة مثل هذا الاقتراح البسيط، فهل تريد حقاً السلام؟».

ولفت والتز إلى أن مشروع القرار يطالب إيران بوقف هجماتها على الشحن التجاري، وإزالة الألغام، والتوقف عن زرعها في المضيق، وإنهاء فرض رسوم غير قانونية في مضيق هرمز، والسماح للأمم المتحدة بنقل المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة عبر هذا الممر الدولي. وقال إن «العقاب الجماعي للعالم لمحاولة حلّ خلاف ما، أمر غير مقبول وغير أخلاقي وغير قانوني».

وكذلك نبّه المندوب السعودي أن مضيق هرمز يمثل أحد أهم الممرات البحرية الحيوية للتجارة الدولية وأمن الطاقة العالمي. وقال الواصل إن «أي مساس أو تهديد لحرية الملاحة في هذا الشريان المائي ينعكس بصورة مباشرة وخطيرة على استقرار الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد الدولية»، داعياً إلى «تحرك دولي منسق» لخفض التصعيد ومنع تفاقم الأزمات في المنطقة. وأكد أن «التعاون الخليجي - الأميركي في هذا الصدد يهدف إلى بناء منظومة ردع قانونية وسياسية تحمي المصالح العالمية».

وأشار سفير البحرين إلى القرار 2817، الذي أقرّ في مارس (آذار) الماضي للتنديد بهجمات إيران ضد دول المنطقة.

سفن في مضيق هرمز يوم 8 مايو 2026 (رويترز)

روسيا وإيران

في المقابل، ندّدت البعثة الروسية لدى الأمم المتحدة بالنصّ، معتبرة أنه «مليء بعبارات غير متوازنة ومطالب منحازة تجاه طهران مع تجاهل تام لجذور الأزمة، وهي المغامرة العسكرية الإسرائيلية - الأميركية ضد إيران». ورأت أن اعتماده «قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد في الشرق الأوسط». وأكدت أنه «من المهم حماية المسار الدبلوماسي من أي استفزازات، بما في ذلك الخطاب العدائي والأعمال العنيفة، التي من شأنها تقويض عملية التفاوض الهشة بطبيعتها، ولا سيما أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث عن إنهاء الصراع».

وذكرت بأن «نص مشروع القرار الخاص بنا لا يزال موجوداً على الطاولة».

وانتقد المندوب الإيراني أمير سعيد إيرواني مشروع القرار، معتبراً أنه «معيب للغاية، ومنحاز، وله دوافع سياسية». واعتبر أن الهدف الحقيقي منه هو «إضفاء الشرعية على الإجراءات الأميركية غير المشروعة ضد إيران في الخليج ومضيق هرمز».

وجاءت هذه التصريحات في وقت أفادت فيه مصادر ومسؤولون بأن الولايات المتحدة وإيران تقتربان من التوصل إلى اتفاق مؤقت لوقف الحرب.

وأفاد دبلوماسيون أن ‌القرار واجه اعتراضات قوية من الصين وروسيا عندما ناقشه مجلس الأمن في ‌جلسة مغلقة هذا الأسبوع، ما أوحى أنهما تتجهان إلى استخدام «الفيتو» ضده، علماً أن دبلوماسياً كشف أن موسكو دعت إلى سحب مسودة القرار أو إعادة صياغتها بالكامل، مضيفاً أن بكين وصفت النص بأنه متحيز، مع انتقادها لوضعه تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الذي يُجيز فرض تدابير قهرية تراوح بين العقوبات والعمل العسكري.

ويندد مشروع القرار بانتهاكات إيران لوقف إطلاق النار الحالي، و«أفعالها وتهديداتها الرامية إلى إغلاق أو عرقلة أو فرض رسوم» على الملاحة عبر المضيق. كما يطالب طهران بالكشف عن عدد ألغامها في مضيق هرمز ومواقعها وإزالتها، ويسمح للأمم المتحدة بإنشاء «ممر إنساني»، خصوصاً لمرور الأسمدة.

ووصف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مشروع القرار المقترح بأنه اختبار لمدى جدوى الأمم المتحدة. وحضّ الصين وروسيا على عدم استخدام «الفيتو».


طهران تستخدم هرمز ورقة تفاوض محفوفة بالمخاطر

مدمرة أميركية تفرض حصاراً بحرياً على ناقلة نفط إيرانية أثناء محاولتها الإبحار نحو ميناء إيراني، في 24 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
مدمرة أميركية تفرض حصاراً بحرياً على ناقلة نفط إيرانية أثناء محاولتها الإبحار نحو ميناء إيراني، في 24 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

طهران تستخدم هرمز ورقة تفاوض محفوفة بالمخاطر

مدمرة أميركية تفرض حصاراً بحرياً على ناقلة نفط إيرانية أثناء محاولتها الإبحار نحو ميناء إيراني، في 24 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
مدمرة أميركية تفرض حصاراً بحرياً على ناقلة نفط إيرانية أثناء محاولتها الإبحار نحو ميناء إيراني، في 24 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أعلنت القوات المسلحة الإيرانية، الجمعة، احتجاز ناقلة نفط خاضعة لعقوبات أميركية في بحر عُمان، في تطور جديد يكرّس انتقال المواجهة حول مضيق هرمز من أزمة عبور بحرية إلى صراع مفتوح على قواعد الملاحة والطاقة والحصار.

وقال بيان بثه التلفزيون الإيراني إن بحرية الجيش نفذت «عملية مخططة» في بحر عُمان واحتجزت الناقلة «أوشن كوي»، التي قالت طهران إنها كانت تحمل نفطاً إيرانياً. وأضاف البيان أن الشحنة مملوكة لإيران، وأن السفينة نُقلت إلى السواحل الجنوبية بعد محاولتها «الإضرار بصادرات النفط الإيرانية وتعطيلها»، من دون تقديم تفاصيل إضافية.

وكانت وزارة الخزانة الأميركية أعلنت في فبراير فرض عقوبات على الناقلة التي ترفع علم باربادوس، وقالت إنها أصبحت جزءاً من «أسطول الظل» الإيراني منذ عام 2020.

وبث التلفزيون الإيراني مقطعاً مصوراً لعملية الاحتجاز، ظهرت فيه قوات إيرانية تلاحق السفينة ليلاً بقوارب صغيرة، ثم تصعد على متنها قبل تحويل مسارها إلى السواحل الإيرانية. وقالت القوات المسلحة إن الناقلة سُلمت إلى السلطة القضائية.

قواعد جديدة

وتسعى طهران إلى توظيف مضيق هرمز ورقة تفاوض في مواجهة الحصار الأميركي، عبر تشديد قبضتها على الملاحة واحتجاز ناقلات وطرح قواعد عبور ورسوم، في مسار يزيد الضغط على واشنطن وأسواق الطاقة، لكنه يرفع في المقابل مخاطر التصعيد العسكري والاقتصادي.

ونشرة «لويدز ليست» المتخصصة في الشحن بأن إيران أنشأت هيئة لإدارة الملاحة في المضيق، تتولى منح تصاريح العبور وتحصيل رسوم مرور من السفن.

وذكرت أن «هيئة مضيق الخليج» طرحت إطاراً جديداً يفرض على السفن الحصول على تصريح ودفع رسوم قبل الإبحار.

وبحسب النشرة، تلزم الاستمارة الجديدة السفن بتقديم بيانات تفصيلية عن الملكية والتأمين والطاقم ومسار العبور.

المدمرة الأميركية «يو إس إس بينكني» تراقب سفينة تجارية أثناء دورية لفرض الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)

وكانت قناة «برس تي في» الإيرانية الناطقة بالإنجليزية قد قالت إن طهران أنشأت «نظاماً لممارسة السيادة على مضيق هرمز»، وإن السفن الراغبة في العبور تلقت «قواعد» جديدة عبر البريد الإلكتروني.

وتغلق إيران عملياً مضيق هرمز منذ بدء الهجوم الأميركي - الإسرائيلي عليها في 28 فبراير، ما تسبب في اضطراب سوق الطاقة العالمية.

وبعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 8 أبريل، أعلنت واشنطن فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية رداً على استمرار تقييد الملاحة في الممر الحيوي لإمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال.

وفي الأيام الأخيرة، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بدء عملية بحرية لمرافقة السفن التجارية عبر المضيق، قبل أن يعلقها بعد يوم واحد، متحدثاً عن تقدم في المباحثات مع إيران.

لكن واشنطن واصلت حصار الموانئ الإيرانية، بينما تؤكد طهران أن حركة الملاحة في هرمز «لن تعود» إلى ما كانت عليه قبل الحرب.

وبحسب المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة، لا يزال نحو 1500 سفينة ونحو 20 ألفاً من أفراد الطواقم عالقين في الخليج العربي بسبب الأزمة. وقال الأمين العام للمنظمة أرسينيو دومينغيز إن هؤلاء «أشخاص أبرياء يؤدون عملهم يومياً لصالح دول أخرى»، لكنهم باتوا عالقين بسبب أوضاع جيوسياسية خارجة عن إرادتهم.

زوارق وحصار

قبل الحرب، كان نحو خمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية يمر عبر مضيق هرمز، إلى جانب شحنات أسمدة ومنتجات نفطية أخرى. وأدى الإغلاق إلى رفع تكاليف الشحن والتأمين، وإبقاء أسعار الطاقة فوق مستويات ما قبل الحرب، فيما قالت شركات شحن كبرى إن تقييمات المخاطر لا تسمح بعد باستئناف العبور الطبيعي.

وتراهن إيران في إدارة هذا الضغط على أدوات عسكرية منخفضة الكلفة نسبياً. فقد سلطت «وول ستريت جورنال» الضوء على أسطول الزوارق الإيرانية الصغيرة والسريعة، التي تضايق البحرية الأميركية وتستهدف الملاحة التجارية. وذكرت أن الضربات الأميركية دمرت كثيراً من السفن الحربية الإيرانية الكبيرة، لكن طهران لا تزال تحتفظ بأعداد كبيرة من الزوارق الصغيرة.

ويمكن تسليح هذه الزوارق بصواريخ محمولة على الكتف ورشاشات، أو استخدامها لنشر ألغام بحرية. وبحسب تقديرات عسكرية، كانت إيران تمتلك مئات الزوارق قبل الحرب، وقدّر محلل عسكري أن نحو 60 في المائة منها بقي سليماً حتى أبريل. ومثل المسيّرات الانتحارية، تشكل هذه الزوارق جزءاً أساسياً من عقيدة الحرب غير المتكافئة التي تستخدم أنظمة أرخص لمواجهة خصم متفوق تكنولوجياً.

وفي أحدث اشتباك قرب المضيق، قالت «سنتكوم» إن إيران استخدمت صواريخ ومسيّرات وزوارق صغيرة ضد ثلاث مدمرات أميركية، بينما ردت واشنطن بضرب مواقع إطلاق ومراكز قيادة واستطلاع. وتقول الولايات المتحدة إن أصولها لم تُصب، في حين تؤكد طهران أنها ألحقت «خسائر كبيرة» بسفن أميركية.

اختصار الصمود

لكن تقديرات استخباراتية أميركية تشير إلى أن قدرة إيران على الاستمرار في المواجهة والحصار أكبر مما تعلنه الإدارة الأميركية علناً. فقد نقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن تحليل سري لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي آي إيه»، قدم إلى البيت الأبيض، أن إيران قادرة على تحمّل الحصار البحري الأميركي لمدة تتراوح بين 90 و120 يوماً، وربما لفترة أطول، قبل أن تواجه صعوبات اقتصادية أشد.

سيارات تمر قرب لوحة دعائية في وسط طهران تُظهر رسماً لمضيق هرمز وشفتي الرئيس الأميركي دونالد ترمب مخيطتين (أ.ب)

وأفادت الصحيفة، نقلاً عن مطلعين على التقييم، بأن إيران لا تزال تحتفظ بقدرات عسكرية كبيرة، تشمل نحو 75 في المائة من منصات إطلاق الصواريخ المتحركة التي كانت تملكها قبل الحرب، ونحو 70 في المائة من مخزونها الصاروخي.

وقال مسؤول أميركي للصحيفة إن طهران تمكنت من إعادة فتح معظم منشآت التخزين تحت الأرض، وإصلاح بعض الصواريخ المتضررة، وتجميع صواريخ جديدة كانت شبه مكتملة عند بدء الحرب.

ونقلت «واشنطن بوست» عن مسؤول أميركي آخر أن قدرة إيران على تحمّل المصاعب الاقتصادية قد تكون أكبر من تقدير «سي آي إيه»، معتبراً أن القيادة الإيرانية أصبحت أكثر تشدداً وثقة بقدرتها على الصمود أمام الضغط الأميركي، ومواصلة قمع أي اضطراب داخلي.

كما أشار مطلعون إلى أن طهران تخزن بعض نفطها على متن ناقلات، وتخفض الإنتاج في بعض الحقول للحفاظ على الآبار، وقد تلجأ إلى طرق برية وسكك حديد عبر آسيا الوسطى لتخفيف أثر الحصار.

في المقابل، نقلت الصحيفة عن مسؤول استخباراتي أميركي رفيع أن الحصار يلحق بإيران «ضرراً حقيقياً ومتراكماً»، ويقطع تجارتها وإيراداتها.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض إن إيران تخسر نحو 500 مليون دولار يومياً بسبب الحصار، معتبرة أن وضعها الحالي «غير قابل للاستمرار».

معركة رسوم

وانتقل الخلاف إلى مجلس الأمن، حيث طرحت الولايات المتحدة والبحرين، بدعم من السعودية والإمارات والكويت وقطر، مشروع قرار يطالب إيران بوقف الهجمات وعدم زرع ألغام في مضيق هرمز أو عرقلة الملاحة أو فرض رسوم عليها.

لكن دبلوماسيين قالوا إن الصين وروسيا قد تستخدمان حق النقض ضد المشروع، بعدما وصفت بكين النص بأنه متحيز، ودعت موسكو إلى سحبه أو إعادة صياغته.

وأكد مسؤولون إيرانيون مراراً خلال الأسابيع الماضية سعي طهران إلى تغيير معايير الملاحة عبر مضيق هرمز، من خلال التحكم بآليات العبور واستيفاء رسوم تجارية، على أن تُتقاسم عائداتها مع سلطنة عمان الواقعة على الضفة المقابلة للمضيق.

مقاتلة أميركية من طراز «إف-16» تنفذ دورية قرب مضيق هرمز اليوم (سنتكوم)

وقال نائب رئيس البرلمان الإيراني علي نيكزاد، الأسبوع الماضي، إن إيران «لن تتراجع عن موقفها بشأن مضيق هرمز»، ولن تتخلى عن الشروط التي وضعتها قبل الحرب. وأشار إلى أن مشروع قانون قيد البحث لإدارة المضيق ينص على تخصيص 30 في المائة من الرسوم المحصلة للبنية التحتية العسكرية، على أن توجه النسبة المتبقية إلى «التنمية الاقتصادية».

وأضاف نيكزاد أن «إدارة مضيق هرمز أهم من امتلاك أسلحة نووية»، في إشارة إلى المكانة التي بات يحتلها المضيق في حسابات طهران السياسية والعسكرية.

وكان نائب رئيس البرلمان الإيراني حميد رضا حاجي بابائي أعلن في أبريل (نيسان) أن طهران حصلت على أول عائدات من رسوم العبور التي فرضتها في هرمز، من دون تقديم تفاصيل إضافية.

وقبل الإعلان عن تلك العائدات، كان البرلمان الإيراني يدرس فرض رسوم على الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز، في حين حذّر مسؤولون إيرانيون من أن حركة الملاحة عبره «لن تعود إلى وضعها قبل الحرب».

وفي مطلع الشهر الحالي، حذّرت وزارة الخزانة الأميركية من أن أي شركة شحن تدفع رسوماً لإيران مقابل عبور مضيق هرمز، بما في ذلك تبرعات خيرية لمنظمات مثل جمعية الهلال الأحمر الإيراني، قد تكون عرضة لعقوبات قاسية.