محيي الدين: خطوط الدفاع المناخي محاصرة بالخلافات وضعف التمويل

قال لـ«الشرق الأوسط» إنه يرى تعارضاً بين التنمية وخفض الانبعاثات

محيي الدين خلال إحدى جلسات المؤتمر (الشرق الأوسط)
محيي الدين خلال إحدى جلسات المؤتمر (الشرق الأوسط)
TT

محيي الدين: خطوط الدفاع المناخي محاصرة بالخلافات وضعف التمويل

محيي الدين خلال إحدى جلسات المؤتمر (الشرق الأوسط)
محيي الدين خلال إحدى جلسات المؤتمر (الشرق الأوسط)

مترجلاً من قاعة إلى أخرى، وقاطعاً مئات الأمتار يومياً ذهاباً وإياباً بين أروقة وقاعات وساحات المنطقة الزرقاء المخصصة للشق الرسمي والتفاوضي من فعاليات مؤتمر الأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة حول المناخ «كوب 27»، يقضي الدكتور محمود محيي الدين، رائد المناخ المصري، والمبعوث الخاص للأمم المتحدة المعني بأجندة 2030 لتمويل التنمية المستدامة، ساعات يومه، في محاولة لنقل رؤية الرئاسة المصرية للمؤتمر، بشأن مواجهة التغيرات المناخية، لتجده قاسماً مشتركاً في نحو 10 جلسات مختلفة على مدار اليوم، مدلياً بكلمة هنا، وتصريح هناك.
وسط جولاته المكوكية بين جنبات المؤتمر، التي لم تقتصر على فعاليات المنطقة الزرقاء، بل امتدت إلى الجانب الآخر من الشارع حيث المنطقة الخضراء المخصصة لأنشطة المجتمع المدني والجامعات، التقت «الشرق الأوسط» برائد المناخ المصري، الذي أكد أن «خطوط الدفاع المناخي الثلاثة (التخفيف، والتكيف، والخسائر والأضرار) محاصرة بين الانهيار وضعف التمويل والخلافات».
ويُعقد مؤتمر المناخ هذا العام في مدينة شرم الشيخ المصرية، تحت شعار «مؤتمر التنفيذ»، وهو شعار يدافع عنه محيي الدين، رغم انعقاد المؤتمر في «فترة مليئة بالأزمات الجيوسياسية»، ويقول إن المؤتمر ينعقد في فترة تشهد «عجزاً في الثقة، مرتبطاً بفائض من الأزمات، من طاقة ووقود وغذاء، حتى أزمات ديون لدى بعض الدول، أدت إلى حالة ركود تضخمي، كان الجميع يستبعد حدوثه».
لكن بغضّ النظر عن الأوضاع الجيوسياسية، كان «لا بد على الرئاسة المصرية أن تدفع نحو التنفيذ، ولا سيما أن الوقت مواتٍ لذلك؛ حيث تؤثر المشكلات المناخية على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للبشر»، بحسب محيي الدين، الذي يشير إلى أنه «لا حاجة لإطار قانوني جديد، في ظل اتفاق باريس لعام 2015، كما أنه لا حاجة لمزيد من التعهدات، ولا سيما أن سجل الدول المتقدمة في الوفاء بتعهداتها متواضع، رغم كثرة الحماس على مستوى المجتمع المدني، لكن هذا الحماس لم يؤثر على مدى تجاوب متخذي القرار في إتاحة التمويل اللازم في نهاية المطاف».
- التخفيف.. خط الدفاع الأول
يؤمن محيي الدين، الذي شغل عدة مناصب اقتصادية، من بينها منصب وزير الاستثمار المصري، بضرورة تغيير منهج التعامل مع التغيرات المناخية، ويرى أن «هذا هو الوقت المناسب للحديث عن فرص الاستثمار الحكومي والخاص في الأنشطة المناخية، التي تساهم بدورها في حل المشكلات الراهنة»، ويقول إن «العالم في حرب ضد التغيرات المناخية، وخط الدفاع الأول المتعلق بالتخفيف يكاد ينهار»، موضحاً أن التقرير العلمي الصادر مؤخراً عن الأمم المتحدة كان يتحدث عن «ضرورة خفض الانبعاثات الكربونية بنسبة 45 في المائة، لكن تبين زيادة الانبعاثات بنسبة 14 في المائة، ما يعني انحرافاً عن الهدف يقدر بنحو 60 في المائة». هذا الانحراف يتطلب بحسب رائد المناخ المصري «استثمارات في الطاقة الجديدة والمتجددة من القطاع الخاص، ودعماً من الدول في مجال البنية الأساسية».
ويعود محيي الدين للتذكير بالمشكلات الجيوسياسية وتأثيراتها على قضية المناخ، وعلى رأسها الحرب الأوكرانية، التي تسببت في «تراجع أوروبا بشكل مؤقت، لمعالجة أزمة الغاز»، ويقول إن «هذا التراجع يرتبط بظرف راهن ومؤقت، حتى لو استمرت الحرب الأوكرانية، لأن الأوروبيين سيتجهون إلى تنويع مصادر الطاقة جغرافياً، واستثمارياً بالاعتماد على الطاقة المتجددة، ما يشكل فائدة لدولة مثل مصر على المدى القصير، متمثلة في تصدير الغاز الطبيعي، الذي يعتبر مورداً أكثر فاعلية، وأقل ضرراً من الفحم».
- التكيف
وفي ظل خط دفاع يحتاج إلى دعم، يطل التكيف، وهو «الأكثر خطورة»، على حد وصف محيي الدين، الذي يشير إلى أن «ملف التكيف يتضمن مشكلات تحتاج استثمارات لإنقاذ القطاع الزراعي، وإدارة المياه، وتطوير البنية الأساسية، خاصة في المناطق الشاطئية، إضافة إلى حماية الأراضي من التصحر، ما يتطلب استثمارات ضخمة، هي بالأساس استثمارات عامة، لا يقدم عليها القطاع الخاص، لأن تكلفتها مرتفعة».
ويقول رائد المناخ المصري إنه «لدفع القطاع الخاص للاستثمار في هذا الملف عالي المخاطرة، يجب تنفيذ مزيد من الإجراءات للمساندة والتحفيز، إضافة إلى ما يسمى تعظيم أو دمج المشروعات»، ضارباً المثل بمشروعات «عالية القيمة» مثل غابات المانغروف.
- الخسائر والأضرار
أما الملف الثالث والأخير على أجندة المفاوضات المناخية فهو ملف «الخسائر والأضرار»، وهو ملف «خلافي» بين الدول، حسب محيي الدين، الذي يشير إلى أن كارثة باكستان أثبتت أنه «لا يمكن الحديث عن تخفيف أو تكيف في ظل كوارث على الأرض»، ويقول إن «دمج (الخسائر والأضرار) في ملف التكيف كان خطأ كبيراً، عطّل المفاوضات لسنوات طويلة»، مشيراً إلى أن «من سعى إلى الدمج في السابق كان يخشى العواقب، إذا ما تمددت المطالبات بالتعويض، من دول يمكن أن تثبت خسائرها المناخية لسنوات».
ويطمح محيي الدين إلى «الموضوعية» في التعامل مع ملف المناخ، من خلال «وضع قواعد منع الضرر، ودعم خط الدفاع الأول، ومساندة الخط الثاني»، معولاً على «دور الإرادة السياسية للدول كمحفز، وداعم للثقة، في مواجهة هذه التحديات».
وحول اعتراض بعض الدول، وبينها الولايات المتحدة الأميركية، على استخدام كلمة «تعويض» في ملف «الخسائر والأضرار»، يقول محيي الدين إن «المفاوضات الجارية في (كوب27) حالياً ستحدد إلى أين وصلنا في هذا الملف، بغضّ النظر عن المسمى»، ضارباً المثل بحالة باكستان التي «خسرت 30 مليار دولار، نصفهم من تبعات التغيرات المناخية، ولم تحصل سوى على أقل من 1 في المائة من احتياجاتها».
ويقول رائد المناخ المصري إن «آليات الغوث الإنساني عادة ما تكون متواضعة، وتأتي متأخرة، لذلك علينا العمل وفقاً لمقولة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، وقت أن كان يعمل في هيئة الإغاثة الدولية، التي تقول إن الاستثمار في المنع أفضل من العلاج».
- العلم والمال
ويعتمد رائد المناخ المصري قول الشاعر أحمد شوقي: «بالعلم والمال يبني الناس ملكهم»، شرطاً لمواجهة تأثير التغيرات المناخية، ويقول إن «حلّ المعضلة المناخية لن يتم دون تكامل العلم متمثلاً في التكنولوجيا، والمال اللازم لتنفيذ هذه التكنولوجيا».
ويعد التمويل أحد التحديات في ملف التغيرات المناخية، في ظل «عدم وفاء» الدول الصناعية الكبرى بتعهداتها السابقة التي ترجع إلى عام 2009، والتي تتحدث عن تمويل بقيمة 100 مليار دولار سنوياً لمواجهة التغيرات المناخية، ويقول محيي الدين إن «هذا التعهد فقد قيمته بعد سنوات قليلة من إقراره، فالفجوة التمويلية كبيرة للغاية، والعالم، مع استبعاد الصين والدول المتقدمة، يحتاج إلى تريليون دولار سنوياً، للاستثمار في مجالات التحول في الطاقة، وغيرها»، مشيراً إلى أنه «من باب الظلم وضع كل الدول المتقدمة في سلة واحدة، فهناك 7 دول من أصل 23 وفت بتعهداتها عام 2020. وهي السويد، وفرنسا، والنرويج، واليابان، وهولندا، وألمانيا، والدنمرك، وإن بقيت مساهمات 6 دول أخرى حتى الآن دون الـ23 في المائة».
ويطرح محيي الدين حلولاً لمواجهة فجوة التمويل، عبر «اعتماد آليات جديدة تستفيد من خبرات المؤسسة الدولية للتنمية (IDA) التابعة للبنك الدولي، وتجربة صندوق المناخ الأخضر، والصندوق الائتماني للاستدامة التابع لصندوق النقد، لتقديم تمويل بفترات سداد تصل إلى 20 عاماً، مع فترة سماح 10 سنوات، وخفض الفائدة إلى 1 في المائة»، ويقول إنه «من غير المنصف أن تقترض الدول النامية لتعويض خسائر لم تتسبب فيها، وتدفع فوائد تصل إلى 14 في المائة».
ويأمل رائد المناخ المصري في اعتماد آلية «لمبادلة الديون»، وتحويلها إلى استثمارات في العمل المناخي، ضارباً المثال بتجارب جزر بليز وسيشل وباربادوس، ويقول إن «تطبيق هذا النظام يتطلب توافق الطرفين الدائن والمدين، إضافة إلى وجود مؤسسات دولية تتابع سير الاتفاق»، مشيراً إلى أن «مصر تبذل جهوداً مع 3 دول أوروبية في هذا الإطار».
- خفض الانبعاثات
ويرى رائد المناخ المصري أن «اختزال قضية المناخ في خفض الانبعاثات أضاع القضية»، مشيراً إلى أن «قيادة العمل المناخي كانت في يد دول، ليست لديها مشكلات في التنمية المستدامة، وبالتالي اختزلت الموضوع في تخفيض الانبعاثات، وتسعير الكربون، وهي أمور حيوية، لكنها لا تعالج القضية كلها»، من هنا «تبنت الرئاسة المصرية للمؤتمر نهجاً شمولياً انعكس في البنود التي ضمّتها الجلسات المختلفة، من طاقة، ومياه، وشباب، وزراعة، وتمويل، وغذاء»، على حد قوله.
ويؤكد محيي الدين أنه «لا يوجد تعارض بين التنمية وخفض الانبعاثات»، وهو ما «أثبته تقارير علمية صدرت مؤخراً عن الرئاسة المصرية للمؤتمر، قالت إن الحديث عن تعارض بين التنمية وتغيرات المناخ محض افتراء، ولا دليل علمي يثبته».
ورغم الحديث عن وجود «خلافات» تعترض طريق المفاوضات الدائرة حالياً، فإن محيي الدين ما زال «متفائلاً»، ويقول إن «الساعات الأخيرة شهدت تقارباً بين الصين والولايات المتحدة الأميركية، على هامش قمة العشرين في بالي، وعلى مستوى أطراف التفاوض في شرم الشيخ، نستشعر بعض التوافق في الأهداف، نأمل أن نرى نتيجته في البيان الختامي للمؤتمر». ويضيف رائد المناخ المصري أن «أجندة المفاوضات متميزة، لكن الإرادة السياسية والتمويل والتكنولوجيا ستكون عوامل حاسمة للقياس بعد المؤتمر»، مختتماً حديثه بنبرة تفاؤلية، أكد فيه أن «الفترة المقبلة، حتى وقت انعقاد مؤتمر (كوب 28) في دبي، العام المقبل، ستشهد قدراً جيداً من العمل المناخي».


مقالات ذات صلة

إدارة ترمب ستلغي الأساس القانوني للتشريعات الأميركية المتصلة بالمناخ

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

إدارة ترمب ستلغي الأساس القانوني للتشريعات الأميركية المتصلة بالمناخ

من المقرر أن يلغي الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، نصاً يُشكّل الأساس القانوني للتشريعات التي تُكافح انبعاث غازات الدفيئة في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم رئيس الوزراء الكندي مارك كارني (رويترز)

رئيس الوزراء الكندي يقر بأن بلاده لن تحقق أهدافها المناخية

أقر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في مقابلة بثتها «راديو-كندا» العامة الثلاثاء، بأن البلاد لن تتمكن من تحقيق أهدافها المناخية لعامي 2030 و2050.

«الشرق الأوسط» (مونتريال)
الاقتصاد جانب من الجلسات في اليوم الختامي لمؤتمر المناخ «كوب 30» المنعقد في مدينة بيليم البرازيلية (أ.ب)

مؤتمر المناخ يصل إلى محطته الأخيرة دون توافق في نسخة «كوب 30»

دخل مؤتمر المناخ «كوب 30»، المنعقد في مدينة بيليم البرازيلية وسط غابات الأمازون، يومه الأخير على وقع توتر غير مسبوق.

«الشرق الأوسط» (بيليم (البرازيل))
أميركا اللاتينية انتشر الدخان داخل وخارج المكان الذي يستضيف مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ (أ.ف.ب)

علاج 13 شخصاً بعد استنشاق الدخان إثر حريق بمقر مؤتمر المناخ «كوب 30»

قال منظمون، في بيان، إن 13 شخصاً تلقوا العلاج من استنشاق الدخان الناجم عن حريق اندلع في المقر الذي ينعقد فيه مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالمناخ (كوب 30).

«الشرق الأوسط» (بيليم (البرازيل))
تحليل إخباري الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يصافح نائب رئيس الوزراء الصيني دينغ شيويه شيانغ قبل مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ في بيليم (رويترز)

تحليل إخباري الصين تتربع على عرش «كوب 30» وتملأ الفراغ الأميركي

لأول مرة منذ 3 عقود، تغيب أميركا عن قمة الأمم المتحدة للمناخ، تاركة الباب مفتوحاً أمام الصين لتتصدر المشهد قائدةً جديدة في مكافحة الاحتباس الحراري.

«الشرق الأوسط» (بيليم (البرازيل))

الحوثيون يفرضون تقويماً مدرسياً يربك التعليم ويضاعف الأعباء

طفل يدرس في مدرسة تدعمها اليونيسف في صنعاء الخاضعة للحوثيين (الأمم المتحدة)
طفل يدرس في مدرسة تدعمها اليونيسف في صنعاء الخاضعة للحوثيين (الأمم المتحدة)
TT

الحوثيون يفرضون تقويماً مدرسياً يربك التعليم ويضاعف الأعباء

طفل يدرس في مدرسة تدعمها اليونيسف في صنعاء الخاضعة للحوثيين (الأمم المتحدة)
طفل يدرس في مدرسة تدعمها اليونيسف في صنعاء الخاضعة للحوثيين (الأمم المتحدة)

أثار إعلان السلطات التعليمية الخاضعة لسيطرة الحوثيين بدء العام الدراسي الجديد في 20 يونيو (حزيران) الحالي وفق التقويم الهجري، موجة واسعة من الانتقادات في الأوساط التربوية اليمنية، وسط اتهامات للجماعة بمواصلة فرض سياسات تعليمية مثيرة للجدل تُفاقم معاناة الطلاب وأولياء الأمور والمعلمين، وتزيد من حالة الارتباك التي يعيشها القطاع التعليمي في مناطق سيطرتها.

ويأتي الجدل الجديد في وقت يواجه فيه التعليم في اليمن تحديات متراكمة تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب عشرات الآلاف من المعلمين منذ سنوات، وتراجع معدلات الالتحاق بالتعليم، إلى جانب ارتفاع نسب التسرب المدرسي نتيجة الظروف الاقتصادية والإنسانية المتفاقمة.

ويؤكد تربويون وناشطون في صنعاء أن اعتماد التقويم الهجري في تنظيم العملية التعليمية يؤدي إلى تقديم مواعيد الدراسة والاختبارات والإجازات عاماً بعد آخر، بحكم قصر السنة الهجرية مقارنة بالسنة الميلادية، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على استقرار الخطط التعليمية وقدرة الأسر على الاستعداد للمواسم الدراسية.

طفل يمني يحمل سلاحاً خلال تجمع للحوثيين في صنعاء (غيتي)

ويشير هؤلاء إلى أن استمرار العمل بهذا النظام يخلق حالة من عدم اليقين لدى أولياء الأمور والمعلمين، حيث تتغير مواعيد الدراسة بشكل متواصل، ما يصعّب التخطيط المسبق للأنشطة التعليمية والمعيشية، ويزيد من الأعباء المالية والتنظيمية على الأسر التي تعاني أصلاً من أوضاع اقتصادية متردية.

ويتهم تربويون وزارة التعليم التابعة للحوثيين بتجاهل الآثار السلبية لهذه السياسة، والتركيز على فرض التقويم الهجري في مختلف الأنشطة الإدارية والتعليمية، رغم المطالبات المتكررة بإعادة النظر في هذه الآلية واعتماد نظام أكثر استقراراً يتماشى مع المتطلبات التعليمية الحديثة.

أعباء مناخية ومعيشية

من بين أبرز الانتقادات الموجهة لهذا التوجه، ارتباط التقويم الهجري بتقديم العام الدراسي تدريجياً نحو فصلي الصيف والخريف، وهما موسمان يشهدان درجات حرارة مرتفعة وأمطاراً غزيرة في أجزاء واسعة من اليمن، بما يرافق ذلك من مخاطر السيول وصعوبة التنقل، خصوصاً في المناطق الريفية والجبلية.

ويرى منتقدون أن هذه الظروف المناخية تجعل من حضور الطلاب إلى المدارس أكثر صعوبة، وتضاعف التحديات التي تواجهها الأسر الفقيرة في تأمين احتياجات أبنائها التعليمية، في وقت تتراجع فيه الخدمات الأساسية وتزداد الضغوط الاقتصادية على المواطنين.

طفل جندته الجماعة الحوثية يحرس حشداً في صنعاء دعا إليه زعيمها (غيتي)

كما يشير تربويون إلى أن فصل الشتاء يعد أكثر ملاءمة للنشاط الدراسي من حيث الظروف المناخية وانخفاض التكاليف المرتبطة بالتنقل والاحتياجات اليومية، مقارنة بفترات الصيف الحارة التي تتطلب نفقات إضافية على الأسر والطلاب.

ودعا عدد من العاملين في القطاع التربوي السلطات التعليمية في صنعاء إلى التركيز على معالجة المشكلات الأساسية التي تواجه التعليم، وفي مقدمتها صرف الرواتب المتوقفة، وتوفير الكتب المدرسية، وتحسين البيئة التعليمية، بدلاً من الانشغال بإجراءات يرون أنها تزيد من تعقيد المشهد التربوي.

ويحذر تربويون من أن استمرار تغيير مواعيد الدراسة بصورة متكررة قد ينعكس سلباً على جودة التعليم وعلى انتظام العملية التربوية، خصوصاً في ظل وجود آلاف المعلمين المتطوعين الذين يعملون منذ سنوات دون تثبيت وظيفي أو ضمانات مهنية.

شكاوى أولياء الأمور

يعبّر كثير من أولياء الأمور عن استيائهم من استمرار اعتماد التقويم الهجري، مؤكدين أن تقديم موعد الدراسة عاماً بعد آخر يربك ترتيباتهم المالية والتعليمية، ويقلص فترة الإجازة الصيفية التي يحتاج إليها الطلاب للراحة والاستعداد للعام الجديد.

ويقول «جميل»، وهو اسم مستعار لمعلم في إحدى المدارس الحكومية بصنعاء، إن هذا النظام يؤدي إلى بدء الدراسة في توقيت أبكر من المعتاد دون منح الأسر أو المدارس فرصة كافية للاستعداد، الأمر الذي ينعكس على سير العملية التعليمية منذ أيامها الأولى.

أما عبد الله السقاف، وهو ولي أمر طالب في ريف صنعاء، فيرى أن تقليص الإجازة الصيفية المستمر أصبح من أبرز نتائج اعتماد التقويم الهجري، مشيراً إلى أن الأسر تجد نفسها كل عام أمام التزامات دراسية مبكرة تتزامن مع أوضاع معيشية شديدة الصعوبة.

وتؤكد أمل الهمداني، وهي معلمة في إحدى المدارس الأهلية، أن التغيّر المستمر في مواعيد الدراسة والاختبارات يخلق تحديات كبيرة أمام إعداد الخطط الدراسية والبرامج التعليمية، ويؤثر على قدرة المؤسسات التعليمية على تنفيذ برامجها بصورة مستقرة ومنظمة.

وعلى الرغم من كل هذه الانتقادات، تواصل السلطات التعليمية التابعة للحوثيين اعتماد التقويم الهجري في قراراتها وأنشطتها المختلفة، ضمن سياسة أوسع تطبقها الجماعة في المؤسسات الواقعة تحت سيطرتها، تشمل الجوانب الإدارية والتعليمية والرسمية.


مصادر: «الحرس الثوري» الإيراني شكّل خلايا سرية بالعراق لمهاجمة دول خليجية

صورة أرشيفية لمقاتلي إحدى الميليشيات العراقية في شمال غرب مدينة تكريت بالعراق (رويترز)
صورة أرشيفية لمقاتلي إحدى الميليشيات العراقية في شمال غرب مدينة تكريت بالعراق (رويترز)
TT

مصادر: «الحرس الثوري» الإيراني شكّل خلايا سرية بالعراق لمهاجمة دول خليجية

صورة أرشيفية لمقاتلي إحدى الميليشيات العراقية في شمال غرب مدينة تكريت بالعراق (رويترز)
صورة أرشيفية لمقاتلي إحدى الميليشيات العراقية في شمال غرب مدينة تكريت بالعراق (رويترز)

ذكرت ثمانية مصادر عراقية لوكالة «رويترز» للأنباء، أن «الحرس الثوري» الإيراني شكل خلايا سرية جديدة في العراق لتنفيذ هجمات على دول خليجية تستضيف قوات أميركية، متجاوزاً شبكات الجماعات المسلحة القائمة لتجنب كشفها.

وقالت ثلاثة من المصادر إن ثلاث أو أربع خلايا، تتألف كل منها من نحو 10 مقاتلين شيعة عراقيين من النخبة، شنت ما لا يقل عن سبع هجمات بطائرات مسيّرة من مواقع صحراوية بالقرب من مدينتي البصرة والسماوة الجنوبيتين على مواقع في الكويت والسعودية والإمارات في الفترة بين 20 أبريل (نيسان) و17 مايو (أيار)، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وينتمي عدد من عناصر الخلايا إلى ما يُسمى «المقاومة الإسلامية في العراق»، وهي تحالف يتألف من فصائل شيعية متشددة تضم آلاف المقاتلين. لكن هذه الجماعات الجديدة تعمل خارج هيكل قيادتها وترفع تقاريرها مباشرة إلى «الحرس الثوري» الإيراني، وفقاً للمصادر التي تشمل مسؤولين عسكريين عراقيين اثنين ومسؤولاً أمنياً وخمساً من قيادات الجماعات المسلحة المحلية.

وقالت القيادات الخمس من الجماعات المسلحة، إن تشكيل الخلايا الجديدة بالعراق، وهو أمر لم يُكشف عنه إعلامياً من قبل، يعكس تحوّلاً في أساليب «الحرس الثوري» بهدف الحفاظ على قدرة إيران على بسط النفوذ في المنطقة في وقت تضعف فيه الجماعات المسلحة الموالية لها بشكل كبير وتشهد مواردها العسكرية والاقتصادية استنزافاً.

وفي العراق عدد كبير من الفصائل المسلحة، كثير منها تربطه علاقات وثيقة مع طهران. وتشكل هذه الفصائل ركيزة أساسية ضمن «محور المقاومة» الإقليمي المتحالف مع إيران والذي يمتد من غزة ولبنان إلى اليمن والعراق.

وأعلنت جماعات تعمل تحت راية «المقاومة الإسلامية في العراق» مسؤوليتها عن عشرات الهجمات بالمسيّرات والصواريخ التي استهدفت مصالح أميركية في البلاد؛ ما أدى إلى الرد بضربات جوية قاتلة منذ بدء الولايات المتحدة وإسرائيل الهجوم على إيران في 28 فبراير (شباط). لكن لم تحدث أي تعبئة جماعية واسعة للجماعات المتحالفة مع إيران داخل حدود العراق.

وتشير فصائل شيعية نافذة عدة هناك منذ العام الماضي إلى استعدادها للتخلي عن سلاحها والتركيز على السياسة الداخلية لتجنب تصعيد الصراع مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ويعتقد جاسم البهادلي، اللواء المتقاعد في الجيش العراقي، ونائبان من التحالف الشيعي الحاكم، أن هذا التطور ربما دفع «الحرس الثوري» الإيراني إلى إنشاء جماعات تخضع لسيطرته المباشرة.

وأعلن فصيلان من تلك الجماعات، هما «عصائب أهل الحق» و«كتائب الإمام علي»، هذا الشهر أنهما سيشرعان في تسليم أسلحتهما إلى سلطات الدولة بعد تحذيرات أميركية متكررة للحكومة العراقية من أجل حل الجماعات المسلحة الناشطة على أراضيها.

وقال البهادلي، وهو خبير في الجماعات المسلحة الشيعية، إن الجماعات الحديثة التي أسسها «الحرس الثوري» تبدو أصغر حجماً وأقوى تشدداً من الناحية الآيديولوجية وأكثر خضوعاً للسيطرة، بما يعكس حاجة إيران إلى الحفاظ على الموارد وسط الضغوط الاقتصادية.

اتفاق أميركا وإيران لا يتناول دعم طهران للجماعات

وقَّع الرئيسان الأميركي والإيراني، الأربعاء، اتفاقاً مؤقتاً لإنهاء الحرب، على أن تجرى مفاوضات لاحقة بشأن القضايا الشائكة مثل مستقبل البرنامج النووي الإيراني. إلا أن مسؤولين إيرانيين قالوا إن دعم طهران «لجماعات المقاومة» ليس مطروحاً للنقاش، وإن الاتفاق لا يتناول هذه المسألة.

ولم ترد وزارة الخارجية الإيرانية ولا بعثتاها لدى الأمم المتحدة في نيويورك وجنيف بعد على استفسارات متعلقة بهذا التقرير.

وأكدت وزارة الخارجية الأميركية مراراً على «توقعاتها بأن تتخذ الحكومة العراقية إجراءات فورية لتفكيك جميع أدوات أنشطة إيران المزعزعة للاستقرار في العراق، بما في ذلك (الحرس الثوري) الإيراني والجماعات المسلحة الإرهابية الموالية لإيران في العراق».

وخلال اجتماع عُقد الاثنين، ناقش رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي والمبعوث الأميركي توم برّاك خطط العراق لضمان «النزع الكامل للسلاح وتفكيك الجماعات المسلحة» التي تعمل خارج سلطة الدولة العراقية وضمان «عدم استخدام الأراضي العراقية من قِبل أي طرف لتهديد السلم الإقليمي»، وفقاً لبيان مشترك.

وألحقت حرب إيران أضراراً بالغة بأهم منطقة منتجة للطاقة في العالم، وأدت إلى اضطراب الإمدادات وارتفاع التضخم بشكل حاد. وردت طهران على الغارات الجوية الأميركية - الإسرائيلية بإغلاق مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره ما يقرب من خُمس الشحنات العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال، كما شنت حملة واسعة النطاق من الضربات الجوية بالطائرات المسيّرة والصواريخ على دول الخليج المجاورة.

اختبار لرئيس الوزراء الجديد

قال المسؤولون العراقيون إن «الحرس الثوري» الإيراني لجأ إلى الخلايا الجديدة حتى تكون لديه قدرة منطقية على الإنكار وإبعاد المسؤولية عن الجماعات الرئيسية المدعومة من إيران في البلاد وتقليل الضغط الأميركي على بغداد لنزع سلاحها. وأفاد المسؤولون بأن قوات الأمن العراقية لديها معلومات محدودة عن هذه الجماعات، لكنها تعمل على كشف تسلسل قيادتها للمساعدة في منع وقوع هجمات في المستقبل. وأضافوا أن هذه الجماعات تضم مقاتلين من النخبة يتمتعون بخبرة في عمليات الطائرات المسيّرة والاتصالات.

وأمضت طهران عقوداً وأنفقت مليارات الدولارات لبناء شبكتها من التحالفات الإقليمية، والتي ضعفت بشدة منذ أن شنت حركة «حماس» المدعومة من إيران هجوماً على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وشنت إسرائيل ضربات موجعة لحركة «حماس» في غزة و«حزب الله» في لبنان، في حين استهدفت غارات جوية أميركية وبريطانية جماعة الحوثيين في اليمن. وأطيح الرئيس السوري بشار الأسد من السلطة في ديسمبر (كانون الأول) 2024 لينقطع خط إمداد مهم للجماعات المسلحة العراقية وتزيد عزلة طهران.

ويرى جاسم البهادلي، اللواء المتقاعد في الجيش العراقي، أنه بدلاً من الإبقاء على شبكة واسعة من الجماعات التي تتلقى تمويلاً كبيرا في العراق، يبدو أن إيران تعتمد الآن على عدد محدود من الكوادر الأكثر تشدداً المستعدة للعمل بدعم مالي أقل، مع إعطاء الأولوية للولاء والقدرة على الإنكار والتأثير العملياتي أكثر منها لتجنيد أعداد كبيرة، على حد قوله.

وتشكّل الجماعات الجديدة اختباراً مبكراً للزيدي، الذي تولى منصبه الشهر الماضي بعد ضغوط أميركية على التحالف السياسي الشيعي المهيمن لمنع عودة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي الذي تربطه علاقات وثيقة بإيران.

وتسير بغداد بحذر شديد على حبل مشدود بين أقرب حليفين لها، واشنطن وطهران، وهو توازن ازداد صعوبة خلال الحرب. وتهدد الهجمات المنطلقة من العراق أيضاً بتقويض جهود بغداد المضنية لإعادة بناء العلاقات مع جيرانها في الخليج، والتي توترت منذ غزو صدام حسين للكويت عام 1990، لكنها بدأت في التحسن في السنوات القليلة الماضية. واستدعت الكويت والسعودية والإمارات مبعوثي العراق في أبريل للاحتجاج على الضربات. وقال المسؤولون الأمنيون إن السلطات العراقية تحقق فيما إذا كانت هذه الضربات تشمل هجوماً بمسيّرة وقع في 17 مايو، وتسبب في اندلاع حريق خارج محطة براكة للطاقة النووية بالإمارات. وأعلنت السعودية أنها اعترضت ثلاث طائرات مسيّرة دخلت مجالها الجوي قادمة من العراق في اليوم نفسه، وهو هجوم قال المسؤولون العراقيون إن جماعة جديدة هي من نفّذته. وندد الزيدي بالهجومين ووصفهما بأنهما عملان إجراميان، وتعهد بإجراء تحقيق مشترك مع الدولتين الخليجيتين للتحقق مما إذا كانت الأراضي العراقية قد استُخدمت لاستهدافهما. ولم يجب النعمان، المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة، على أسئلة حول سير التحقيقات.


وعود ترمب بالتدخل... هل تحلحل جمود أزمة سد النهضة الإثيوبي؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يلتقي نظيره الأميركي على هامش «قمة السبع» (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يلتقي نظيره الأميركي على هامش «قمة السبع» (الرئاسة المصرية)
TT

وعود ترمب بالتدخل... هل تحلحل جمود أزمة سد النهضة الإثيوبي؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يلتقي نظيره الأميركي على هامش «قمة السبع» (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يلتقي نظيره الأميركي على هامش «قمة السبع» (الرئاسة المصرية)

خلال لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع نظيره الأميركي دونالد ترمب على هامش قمة «مجموعة السبع» في فرنسا، أكد ترمب أنه سوف يولي ملف «سد النهضة» الإثيوبي أولوية قصوى من أجل التوصل لتسوية عادلة؛ الأمر الذي أثار توقعات دبلوماسيين ومحللين بـ«حلحلة» أزمة اكتنفها جمود طويل.

فمع هذا التعهد، وهدوء الوضع على ساحة الحرب الإيرانية، يرى خبراء أن قضية السد قد تشهد حراكاً يجعلها تطفو إلى سطح الاهتمام الدولي بعد سنوات الركود.

وكانت مصر قد أعلنت توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد عام 2024 بعد جولات استمرت لسنوات، مُرجعة ذلك إلى «غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، بحسب بيانات سابقة لوزارة الموارد المائية والري.

وأكد السيسي مجدداً خلال لقائه ترمب، الأربعاء، الأهمية القصوى لقضية نهر النيل باعتبارها قضية أمن قومي لمصر، معرباً عن تقديره لاهتمام الرئيس الأميركي بهذه القضية المحورية.

من ناحيته، أكد ترمب «تفهمه كل الشواغل المصرية في هذا الصدد»، وشدد على أنه «سوف يولي هذا الملف الأولوية القصوى لتسويته بشكل عادل»، بحسب بيان للرئاسة المصرية.

وقال ترمب للسيسي في لقاء تناقلته وسائل الإعلام: «أعتقد أن إثيوبيا تعاملت معكم بشكل غير منصف»، مضيفاً: «أُقيم سد في إثيوبيا يسبب مشكلات ضخمة لمصر، وأنا على دراية تامة بذلك، وسنرى ما إذا كان بإمكاننا الوصول لتسوية بشأنه».

حراك أميركي

شهدت الآونة الأخيرة حراكاً أميركياً بعد نحو عامين من توقف مفاوضات مصر وإثيوبيا بشأن «سد النهضة». ففي 18مايو (أيار) الماضي تطرق اتصال هاتفي بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، وكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، لنزاع السد الإثيوبي والأمن المائي المصري.

سد النهضة الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)

وأكد عبد العاطي «الرفض الكامل لأية إجراءات أحادية، وأن قضية المياه تعد قضية وجودية لمصر»، في حين نقل البيان المصري عن بولس «حرص الإدارة الأميركية على مواصلة تعزيز الشراكة الاستراتيجية مع مصر، واستمرار التنسيق الوثيق بين البلدين لمواجهة التحديات المشتركة».

وقبل ذلك كتب بولس على حسابه بمنصة «إكس»، في 12 مايو، أنه تم عقد «اجتماعات مثمرة وشاملة» مع وفد إثيوبي بقيادة وزير الخارجية جدعون تيموثيوس، ضم مدير عام جهاز الاستخبارات والأمن الوطني رضوان حسين، مضيفاً: «أجرينا محادثات بنّاءة حول نهر النيل وسد النهضة الإثيوبي الكبير».

وسبق أن كشف مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط» عن محاولات لإحياء «وثيقة واشنطن» التي وقَّعت عليها القاهرة في فبراير (شباط) 2020 ورفضتها أديس أبابا، لكن بصيغة معدَّلة لإيجاد توافق واسع عليها.

والوثيقة كانت تشمل جدولاً مرحلياً لملء السد، وآليةً للتوافق عند الملء في حالات الجفاف والجفاف الممتد، وآليةً للتوافق بشأن التشغيل السنوي وطويل الأمد للسد في الظروف نفسها، وبنوداً لتسوية النزاعات وتبادل المعلومات.

وجاء حديث المصدر المصري بعد أيام من تصريحات أدلى بها بولس لـ«الشرق الأوسط» وقال فيها إنَّ الرئيس الأميركي أبدى استعداد بلاده لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا «من أجل التوصل إلى تسوية مسؤولة ونهائية لقضية سد النهضة».

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أرسل ترمب خطاباً رسمياً إلى السيسي، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة»، والتوصل لحل نهائي وعادل للقضية؛ وذلك بعد ثلاثة أحاديث في يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) 2025 أكد فيها أن «واشنطن موَّلت السد، ويجب أن يكون هناك حلٌّ سريع لتلك الأزمة».

عودة لدائرة الاهتمام

ويعتقد عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، مساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن تعهد ترمب يمثل تطوراً سياسياً مهماً يعيد القضية إلى دائرة الاهتمام الدولي بعد سنوات من الجمود.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أهمية التصريحات تكمن في أنها تعكس إدراكاً أميركياً متجدداً لارتباط قضية المياه بالأمن والاستقرار الإقليميين، واعترافاً بأن أمن مصر المائي يمثل جزءاً أساسياً من أمن الشرق الأوسط والقرن الأفريقي».

حراك أميركي لحلحلة ملف سد النهضة الإثيوبي (رويترز)

كما أن توقيت إثارة الملف على هامش «قمة السبع» يكتسب أهمية خاصة، وفق حجازي؛ إذ يأتي في ظل إعادة ترتيب أولويات المجتمع الدولي بعد التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران، وتصاعد الاهتمام بأمن البحر الأحمر والممرات المائية الدولية، مؤكداً أن قضية نهر النيل تصبح في هذا السياق جزءاً من معادلة أوسع تتعلق بالأمن الإقليمي والتنمية المستدامة ومنع النزاعات المرتبطة بالموارد الطبيعية.

ويبقى التحدي الحقيقي، بحسب حجازي، في ترجمة هذا الدعم السياسي الأميركي لمصر إلى خطوات عملية على الأرض، سواء من خلال إعادة إطلاق مسار تفاوضي جاد ومحدد زمنياً، أو عبر توفير ضمانات دولية تساعد الأطراف على التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن قواعد تشغيل السد وإدارته خلال فترات الجفاف والجفاف الممتد، بما يحقق التوازن بين حق إثيوبيا في التنمية وحق مصر في الحياة والأمن المائي.

ويخلص حجازي إلى أن اللقاء الرئاسي المصري - الأميركي قد يفتح «نافذة دبلوماسية ويشكل دفعة جديدة لحلحلة الأزمة إذا ما تبعته تحركات سياسية ودبلوماسية جادة». لكن الخبير السياسي الإثيوبي المختص بالشؤون الأفريقية، أنور إبراهيم، له رأي آخر؛ إذ يعتقد أن تدخل واشنطن بالقوة في ملف سد النهضة قد يؤدي إلى «تطورات غير محمودة»، وأن أكبر تحدٍّ يقف أمام الملف يتمثل في نقله إلى واشنطن.

وقال متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» إن التدخل الأميركي وما وصفه بـ«الانحياز لمصر» كان السبب الرئيسي في فشل مفاوضات بشأن «سد النهضة» إبان فترة حكم ترمب الأولى.

واستطرد: «الولايات المتحدة لن تنجح في خلق أي تقارب؛ لأنها تستخدم أسلوب العصا والجزرة دون تفهم أهمية النيل لكل دول المنطقة».

ومع هذا لم يستبعد إبراهيم إمكانية الحل، ولكن «على قاعدة تفهُّم حاجة الجميع والتوصل لتفاهمات دون ضغوط تمارس على أديس أبابا، وإلا فسيفشل المسار مجدداً ويتحول لخلاف كبير من جديد»، على حد قوله.