ضجة حول إشعال النار في لوحة لكاهلو

أثناء حرق رسمة فريدا كاهلو (نيويورك تايمز عبر جي آر هنتر)
أثناء حرق رسمة فريدا كاهلو (نيويورك تايمز عبر جي آر هنتر)
TT

ضجة حول إشعال النار في لوحة لكاهلو

أثناء حرق رسمة فريدا كاهلو (نيويورك تايمز عبر جي آر هنتر)
أثناء حرق رسمة فريدا كاهلو (نيويورك تايمز عبر جي آر هنتر)

في البداية، جاءت فرقة مارياتشي، وبرفقتها راقص يلعب بألسنة اللهب وعارضات يرتدين ملابس السباحة وأخريات يرتدين تنورات بجوار حمام السباحة داخل قصر في ميامي. وبعد ذلك، انطلق العرض.
وأخرج رجل أعمال بنى ثروته على موجات من التكهنات - ذلك أنه استغل الصعود الكبير في أسهم شركات التكنولوجيا خلال التسعينيات، وبعد ذلك النمو السريع في عملة البيتكوين خلال السنوات الأخيرة - صورة من إطارها بينما تفاخر بأنه يمسك بصفحة من المذكرات الشخصية لفريدا كاهلو.
كان رجل الأعمال يرتدي سترة عليها صورة كاهلو على ظهره، وثبت الصورة على كأس مليئة بالكحول. وفي لحظات، أشعل النار في الصورة وتحول العمل الفني إلى رماد.
وخلال هذا التجمع الفخم الذي عُقد في يوليو (تموز)، والذي جرى تصويره عبر فيديو دعائي، جرى إخطار الحضور بأن هذه الرسمة جرى «تحويلها كي تحيا إلى الأبد في النطاق الرقمي» من خلال خلق رموز غير قابلة للاستبدال تمثل «الميلاد من جديد والخلود لقطعة فنية تتحدى الزمن». وتلقى أولئك الذين اختاروا شراء رمز غير قابل للاستبدال مقابل عملة الإيثيريوم المشفرة، وعوداً بالتمتع بقدرة حصرية على الوصول إلى فعاليات وتأكيدات بأن 30 في المائة من العائدات سيجري توجيهها إلى أغراض خيرية.
إلا أنه مع دخوله عالم الرموز غير قابلة للاستبدال الذي يكتنفه الغموض، أثار رجل الأعمال، مارتن مبارك، حوله عناوين مثيرة للشكوك، الأمر الذي دفع السلطات المكسيكية لفتح تحقيق حوله. جدير بالذكر هنا أن السلطات المكسيكية تصنف أعمال كاهلو باعتبارها آثاراً وطنية. وأعرب بعض المراقبين عن قلقهم من نيل شخص غير معروف نسبياً يعمل بمجال جمع المقتنيات الفنية، القدرة على الوصول إلى لوحة نادرة من إبداع كاهلو، ما أثار اتهامات ضده بالاحتيال.
وجاء تدمير لوحة «فانتاسيمونيس سينيستروس» (أشباح شريرة) بمثابة مثال على السياسات عالية المخاطرة الشائعة داخل سوق الرموز غير قابلة للاستبدال، التي تسبب التراجع الذي شهدته وبلغ 97 في المائة في دفع البعض نحو تصرفات متطرفة.
وفي الغالب، يعتمد بيع العملات المشفرة وأصول «بلوك تشين» على ما يسمى «دورات هايب غارتنر» أو «دورات الضجيج»، وقد اعترف مبارك بأنه كان يسعى نحو إثارة الجدل.


رجل الأعمال مارتن مبارك (نيويورك تايمز عبر ميلك آيان )

وخلال مقابلة مطولة أجريت معه حول المشروع، الذي استمر في الظل حتى أعلنت المكسيك فتح تحقيق بشأنه في أواخر سبتمبر (أيلول)، قال مبارك: «كان علي فعل شيء درامي لجذب الأنظار».

بعد حرق العمل الفني، ابتكرت الشركة التي يملكها مبارك، «فريدا إن إف تي» 10 آلاف رمز غير قابل للاستبدال من القطعة الفنية. إلا أن الشركة لم تبع منها سوى أربعة، بعضها جرى بيعه بتخفيض هائل، تبعاً لما أفاده موقع «إيثرسكان»، لتصل إلى أقل عن 11.200 دولار للقطعة بعد أن قيمها مبارك شخصياً بـ10 ملايين دولار.
من جانبه، علق بين ديفيز، الذي وضع تحليلاً للحفل الذي أقامه مبارك في ميامي لصالح «آرتنر نيوز»، بقوله: «من ناحية، تبدو شركة (فريدا إن إف تي) بمثابة مخطط احتيال صارخ. ومن ناحية أخرى، تبدو بمثابة جريمة بحق تاريخ الفن. ولست واثقاً أيهما أسوأ».
وقال مبارك إنه من خلال بيع نسخ افتراضية من لوحة من إبداع كاهلو، تضم عرضاً سريالياً لوحوش حيوانية، كان يضفي طابعاً ديمقراطياً على لوحة كانت تقبع داخل قبو.
وأضاف: «لو كانت فريدا كاهلو على قيد الحياة اليوم، أراهن بحياتي أنه إذا طلبت منها حرق جزء صغير من مذكراتها من أجل خلق موجة من الابتسامات وضمان مستوى حياة أفضل على أطفال، كانت لتقول: (تفضل وافعلها. أنا سأشعل النار)».
رغم انحسار الجلبة الكبيرة التي أثيرت حول الرموز غير القابلة للاستبدال منذ الأيام الأولى لجائحة فيروس «كورونا»، عندما أصبح الناس محاصرين داخل منازلهم ويبحثون عن منافذ جديدة لإنفاق المال، ما تزال هذه الرموز قادرة على اجتذاب أعداد ضئيلة من الفنانين والمستثمرين.
وعلى عكس المقتنيات الملموسة مثل بطاقات البيسبول، يمكن للرموز غير القابلة للاستبدال، التي تعتمد على «بلوك تشين» التي تتعقب الملكية بوجه عام وتقوم عليها العملات المشفرة مثل البيتكوين والإيثريوم، أن توفر لمنشئها حصة من كل صفقة بيع في السوق الثانوية. أيضاً، يمكن أن تتحول الرموز غير القابلة للاستبدال إلى ساحة للمناقشات والمفاوضات حول القيمة. على سبيل المثال، لا تستحق رسمة «القرد الملول» من إبداع جان ميشيل باسكيات، سوى السعر الذي يتفق عليه طرفا الصفقة.
من ناحية أخرى، فإن تدمير عمل فني باسم التشفير ليس بالأمر غير المسبوق، ففي العام الماضي جرى حرق عمل أصلي من إبداع بانكسي خلال بث مباشر قبل بيع رمز غير قابل للاستبدال يمثل العمل الفني مقابل 380.000 دولار. وبالمثل، حرق داميان هيرست أعمالاً فنية تقدر قيمتها بملايين الدولارات من أجل مشروعه الذي أطلق عليه «العملة» (كرنسي)، حيث اضطر هواة جمع الأعمال الفنية إلى تقرير ما إذا كانوا سيحتفظون بالنسخة المادية أو الرقمية للوحاته المنقطة.
إلا أن الرموز غير القابلة للاستبدال تعد ساحة جديدة نسبياً أمام مبارك، 57 عاماً، رجل أعمال مكسيكي يعيش في ميامي.


أثناء حرق رسمة فريدا كالو (نيويورك تايمز عبر جي آر هنتر )

وقال مبارك إنه اشترى لوحة كاهلو من جامع خاص للأعمال الفنية عام 2015، لكنه رفض الكشف عن قيمة المبلع الذي دفعه أو هوية الشخص الذي اشترى اللوحة منه. وذكر تقرير أن مبارك أقدم على هذه الخطوة بتكليف من أندريس سيغيل، تاجر فنون وتحف في مكسيكو سيتي. وأضاف التقرير أن جامعاً خاصاً للأعمال الفنية اشترى العمل الفني من قبل من معرض في مدينة نيويورك يدعى «ماري آن مارتن للفن الرفيع».
وقالت مارتن، مالكة المعرض، في تصريحات لصحيفة «نيويورك تايمز» إنها باعت اللوحة مرتين. وكان حفيد الناقد الفني الفنزويلي، خوان راؤول، قد تلقى اللوحة على سبيل الهدية، من كاهلو. وباعت مارتن اللوحة للمرة الأولى عام 2004 لمؤسسة فيرجيل، وبعد ذلك عام 2013 إلى جامع خاص للأعمال الفنية. وكانت اللوحة آنذاك جزءاً من معرض نظم جولة عبر عدد من المؤسسات الثقافية، مثل المتحف العالي للفنون في أتلانتا و«سكوديري ديل كيرنالي» في روما.
وقالت مارتن إنها لا تستطيع كشف هوية جامع التحف الخاص أو تأكيد ما إذا كانت اللوحة التي أحرقها مبارك في ميامي حقيقية.
وأشارت نسخة من التقرير المنشور عبر موقع «فريدا إن إف تي» إلى أن اللوحة التي يبلغ حجمها 9×6 بوصات أبدعتها أنامل كاهلو قرابة عام 1945 باستخدام ألوان مائية وأقلام تلوين وقلم رصاص وقلم حبر بني داكن. وكتب سيغيل: «يتوافق هذا العمل مع الخصائص الأسلوبية والمواد التي استخدمتها فريدا كاهلو في أعمالها الموجودة في (لا كاسا أزول) في كويواكان بالمكسيك». ولم يرد سيغيل على طلب تقدمنا به للحصول منه على التعليق.
إذا كان العمل الفني حقيقياً بالفعل، فإن مبارك قد يواجه تداعيات قانونية. وأقر المعهد الوطني للفنون الجميلة والأدب، السلطة الثقافية الرائدة في المكسيك، بإجرائه تحقيقاً في الأمر، لكنه لم يفصح عن مزيد من التفاصيل. وقالت الحكومة في بيان في سبتمبر إن «التدمير المتعمد لأحد المعالم الفنية يشكل جريمة في إطار القانون الاتحادي في ما يتعلق بالآثار والمناطق الأثرية والفنية والتاريخية».
أما مبارك، الذي أكد أن لوحة كاهلو التي أحرقها حقيقية، فقال إنه لم يستشر محامياً قبل أن يقرر حرق العمل الفني. وخطرت له الفكرة بعد أن لاحظ أن مزاداً أقامته دار «سوزبيز» لفت الأنظار، العام الماضي، عندما أصبحت إحدى اللوحات الشخصية النهائية لكاهلو أغلى عمل فني أميركي - لاتيني بيع في مزاد على الإطلاق، بمبلغ 34.9 مليون دولار.


مقالات ذات صلة

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

يوميات الشرق رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً. فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه.

يوميات الشرق ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما طريقة موحّدة لتأليف موسيقاه، تقتضي البحث في تفاصيل الموضوعات للخروج بـ«ثيمات» موسيقية مميزة. وهو يعتزّ بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، حيث عُزفت مقطوعاته في حفل الافتتاح في القاهرة أخيراً.

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

زائرون يشاهدون عرضاً في معرض «أحلام الطبيعة - المناظر الطبيعية التوليدية»، بمتحف «كونستبلاست للفنون»، في دوسلدورف، بألمانيا. وكان الفنان التركي رفيق أنادول قد استخدم إطار التعلم الآلي للسماح للذكاء الصناعي باستخدام 1.3 مليون صورة للحدائق والعجائب الطبيعية لإنشاء مناظر طبيعية جديدة. (أ ب)

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

«نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

ستُطرح رواية غير منشورة للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز في الأسواق عام 2024 لمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الروائي الكولومبي الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1982، على ما أعلنت دار النشر «راندوم هاوس» أمس (الجمعة). وأشارت الدار في بيان، إلى أنّ الكتاب الجديد لمؤلف «مائة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا» سيكون مُتاحاً «عام 2024 في أسواق مختلف البلدان الناطقة بالإسبانية باستثناء المكسيك» و«سيشكل نشره بالتأكيد الحدث الأدبي الأهم لسنة 2024».

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

مونتي دون قد يضطر إلى الاستغناء عن بستانييه بعد مغادرة «عالم الحدائق»

لا تعني مغادرته «عالم الحدائق» اعتزال التلفزيون
لا تعني مغادرته «عالم الحدائق» اعتزال التلفزيون
TT

مونتي دون قد يضطر إلى الاستغناء عن بستانييه بعد مغادرة «عالم الحدائق»

لا تعني مغادرته «عالم الحدائق» اعتزال التلفزيون
لا تعني مغادرته «عالم الحدائق» اعتزال التلفزيون

لم يقتصر أثر قرار مونتي دون مغادرة برنامج «عالم الحدائق» (Gardeners’ World) على الشاشة. فمقدَّم البرامج البريطاني كشف أنه قد يضطر إلى الاستغناء عن البستانيين اللذين يعتنيان في حديقته «لونغميدو»، بعد انتهاء مساهمة هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» في دفع جزء من أجورهما. ومع اقتراب ختام موسمه الأخير، أصبح عليه أن يبحث عن طريقة لتمويل العناية بالحديقة التي عرفها ملايين المشاهدين عبر البرنامج.

وفي حديث أمام جمهور معرض مالفيرن الخريفي للزهور، نقلته صحيفة «الغارديان» البريطانية، الأحد، قال دون، البالغ 71 عاماً، إن الاستعانة ببستانيين يعملان بدوام كامل كانت جزءاً من ترتيبات عمله مع «بي بي سي» منذ بدأ تصوير البرنامج في حديقته عام 2011. وشرح أن «لونغميدو» كان ينبغي أن تظلَّ جاهزة للكاميرات باستمرار، حتى عندما يغادر هو لتصوير أعمال في أماكن أخرى. وكانت الهيئة تسهم في أجري العاملين، وفق دون، لكن هذه المساهمة ستتوقف برحيله عن البرنامج. ولم يقل إنه اتخذ قراراً بفصلهما؛ بل أوضح أنه يفكر في وسائل تدرُّ دخلاً من الحديقة، بما يساعده على الاحتفاظ بالفريق. ورأى أنه لن يتمكن من البدء بمشروع من هذا النوع قبل منتصف العام المقبل، على أقرب تقدير.

لقطة من برنامج مونتي دون في حديقته

ويضم الفريق، إلى جانب البستانيين، متخصصاً في إكثار النباتات ومنسقاً للحدائق. وقال دون إن أفراده يعملون معه منذ نحو 10 سنوات. وتوضح تصريحاته أن الحفاظ على المظهر الذي اعتاده المشاهدون في «لونغميدو» كان يتطلَّب عملاً مستمراً خلف الكاميرا، يتجاوز ما يؤديه مقدِّم البرنامج خلال التصوير. ورغم حاجته إلى تمويل بديل، استبعد دون فتح الحديقة للزيارات العامة. فهي، كما أوضح، مساحة خاصة له ولعائلته، فضلاً عن صعوبة تنظيم وقوف سيارات الزوار في المنطقة. وهكذا لم يعلن حتى الآن عن حل محدد يجمع بين إبقاء الحديقة خاصة وتأمين كلفة العاملين فيها.

حديقة بُنيت على مدى عقود

تعود بداية «لونغميدو» إلى أكتوبر (تشرين الأول) 1991، عندما اشترى دون وزوجته سارة منزلهما في مقاطعة هيرفوردشير. ويقول في موقعه الإلكتروني إن الأرض خلف المنزل كانت حقلاً مهملاً تبلغ مساحته نحو فدانين، تغطيه الأعشاب والقراص، ولم تكن فيه سوى شجرة بندق واحدة. وأمضى ربيع العام التالي وصيفه في تنظيف الأرض ودراسة طبيعتها قبل أن يبدأ تخطيط الحديقة. وكانت الرياح القادمة من جهات عدة إحدى أولى المشكلات التي واجهها. فأنشأ حواجز لحماية النباتات الصغيرة، ثم بدأ غرسها على نطاق واسع في ربيع 1993. ولم تتخذ الحديقة شكلها المعروف دفعة واحدة؛ إذ تطورت مساحاتها مع مرور السنين، وتغيَّر استخدام بعضها تبعاً لما أراده دون وزوجته منها. فـ«الحديقة المنزلية»، مثلاً، كانت مخصصة للخضراوات طوال عقدين تقريباً، قبل أن تتحوَّل تدريجياً إلى مساحة تغلب عليها الأزهار وأشجار الفاكهة. أما «حديقة الجواهر»، بألوانها القوية، فيربطها دون بذكريات مشروع المجوهرات الذي أداره مع سارة في ثمانينات القرن الماضي. وفيها تتبدل المزروعات حسب الفصل، من زهور التوليب في الربيع إلى نباتات صيفية تحتاج إلى عناية وحماية من البرد.

مونتي دون مقدم البرامج في «بي بي سي» ألف كتاباً عن كلبه (يوتيوب)

وتضم «لونغميدو» أيضاً «حديقة الفردوس»، التي استوحى دون تصميمها من حدائق شاهدها خلال رحلاته في بلدان من العالم الإسلامي. وفي وسطها عنصر مائي تحيط به أحواض زراعة متناظرة. وإلى جانب هذه المساحات، توجد حديقة للخضراوات والفاكهة يحرص الزوجان على أن توفِّر لهما محاصيل على امتداد العام. وتعطي هذه الأجزاء المختلفة للحديقة مادة تتجدَّد مع تغيُّر الفصول، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى متابعة يومية. ومنذ انتقال تصوير «عالم الحدائق» إلى «لونغميدو» عام 2011، أصبحت الحديقة جزءاً مألوفاً من البرنامج. فقد تابع الجمهور زراعة نباتاتها ونموِّها، وما يتطلبه كل فصل من أعمال، بدلاً من مشاهدة موقع تصوير يتغير من حلقة إلى أخرى. وظهرت فيها كذلك كلاب دون، التي أصبحت بدورها مألوفة لمتابعيه.

دون في لقطة من فيديو نشره على حسابه في «فيسبوك» مع كلبه «نايجل»

وتقول الجمعية الملكية للبستنة إن كلبه الراحل «نايجل» حظي بشعبية دفعته إلى تأليف كتاب عنه. وكان دون قد أعلن في وقت سابق من سبتمبر (أيلول) الحالي أنه سيتوقف عن تقديم البرنامج بنهاية موسمه الراهن. وبدأت مسيرته معه عام 2003، وشهدت انقطاعاً قبل عودته إلى تقديمه من حديقته عام 2011. وقال لدى إعلان رحيله إن الوقت مناسب للتغيير، مشيراً إلى أنه شارك خلال تلك السنوات في نحو 700 حلقة. ومن المقرر أن يستمر عرض حلقاته المصوّرة في «لونغميدو» حتى وقت لاحق من العام. ولا تعني مغادرته «عالم الحدائق» اعتزال التلفزيون؛ إذ يعتزم مواصلة العمل مع «بي بي سي» في برامج أخرى، إلى جانب الكتابة ومشروعاته الخاصة.

وذكرت «الغارديان» أنه يُتوقع أن يبدأ تصوير برنامج رحلات جديد بعنوان «حدائق الجزر» (Island Gardens). لكن مصير العمل اليومي في «لونغميدو» لم يُحسم بعد. فالحديقة ستبقى منزلاً لدون وعائلته، فيما يتوقف احتفاظه بالبستانيين وبقية فريقه على إيجاد دخل يعوِّض مساهمة «بي بي سي». وبذلك يترك رحيله عن البرنامج سؤالاً عملياً يتعلق بالأشخاص الذين ساعدوا، طوال سنوات، على إبقاء حديقته جاهزة للظهور أمام المشاهدين.


«شيش دو»... كوميديا سوداء «تفقد البوصلة»

بيومي فؤاد بين ابنتيه نور وجود خلال العرض الخاص للفيلم (الشركة المنتجة)
بيومي فؤاد بين ابنتيه نور وجود خلال العرض الخاص للفيلم (الشركة المنتجة)
TT

«شيش دو»... كوميديا سوداء «تفقد البوصلة»

بيومي فؤاد بين ابنتيه نور وجود خلال العرض الخاص للفيلم (الشركة المنتجة)
بيومي فؤاد بين ابنتيه نور وجود خلال العرض الخاص للفيلم (الشركة المنتجة)

انضم الفيلم المصري «شيش دو» إلى أفلام نهاية الموسم السينمائي الصيفي في مصر، إذ بدأ عرضه تجارياً في 24 سبتمبر (أيلول) الحالي. ويشارك في بطولته بيومي فؤاد، وباسم سمرة، وميشيل ميلاد، إلى جانب بسنت أبو باشا، ورحمة أحمد، ومحمد أوتاكا، ومحمود عزب. والفيلم من تأليف أكمل شهير وإخراجه، في أول تجربة سينمائية له، ومن إنتاج مصري لبناني لمحمد سمير ورولان ضو.

يشير عنوان الفيلم «شيش دو»، بلغة لعبة الطاولة، إلى ظهور الرقمين 6 و2 على حجري النرد. وتدور الأحداث خلال ليلة واحدة، تبدأ بلقاء مصادفة بين الصديقين «عادل»، الذي يؤدي دوره باسم سمرة، و«نبيل»، الذي يؤدي دوره بيومي فؤاد، داخل أحد النوادي الراقية، بعد سنوات طويلة شقَّ خلالها كل منهما طريقه. أصبح «نبيل» طبيباً بيطرياً، لكنه يعاني ظروفاً مادية وأسرية صعبة، ويعمل في متابعة علاج خيول النادي، فيما يعمل «عادل» مدرباً لكرة الماء.

يستعيد الصديقان أحلامهما القديمة منذ أيام الدراسة الثانوية، ويشكو كلٌ منهما للآخر ظروفه المادية القاسية. وفي طريقهما إلى منزل «نبيل»، يفاجآن بسيارة تطيح بشاب، فيأخذانه معهما ليتولى «نبيل» علاجه. ويكتشف «عادل» أن المصاب حفيد إحدى عضوات النادي الثريات، ويخشى المساءلة، لكن «نبيل» يرى في الحادث فرصة لتغيير حياتهما، ويقترح طلب فدية قدرها مليون جنيه مقابل إعادة الشاب إلى أسرته.

الملصق الدعائي للفيلم (الشركة المنتجة)

يضم العمل عدداً من ضيوف الشرف، من بينهم أحمد زاهر، وأحمد صيام. وتخوض نور، ابنة الفنان بيومي فؤاد، تجربتها الأولى في التمثيل، إذ تؤدي شخصية «جودي»، الفتاة المدللة التي تنتمي إلى طبقة الأثرياء. ولفت والدها، في تصريحات صحافية، إلى أنه لم يُرشحها للعمل، لكنه نصحها بخوض اختبار أداء، ونجحت فيه، فاختيرت لأحد الأدوار الصغيرة. وكشفت نور عن تعلقها بالفن، وتخرجها في معهد السينما، ورغبتها في دراسة التمثيل أكاديمياً.

ويشير الفنان ميشيل ميلاد إلى أنه شارك في الفيلم في بداية مشواره السينمائي، وأن شخصية «هلال» التي يجسدها من الشخصيات التي تحمَّس لها. وقال في حديث لـ«الشرق الأوسط» إنه لم يقدِّم من قبل دور الشرير الكوميدي، مضيفاً أن «الضحك في الفيلم يأتي من منطقة مختلفة؛ فهلال يقول كلاماً عادياً، لكنه يثير الضحك». ووصف العمل مع بيومي فؤاد وباسم سمرة بأنه كان ممتعاً.

ورغم إشادة بعض المتابعين والصحافيين بفكرة الفيلم، التي تمزج بين الكوميديا السوداء والدراما الاجتماعية، وبالسيناريو الذي رأوا أنه يُسلِّط الضوء على الفوارق الطبقية وتداخل المصالح والانهيار الأخلاقي تحت وطأة الضغوط المعيشية، فضلاً عن التناغم بين باسم سمرة وبيومي فؤاد، فإن الناقد طارق الشناوي انتقد الفيلم بشدة.

لقطة من العمل (الشركة المنتجة)

وانتقد الشناوي بناء الفيلم ونهايته، قائلاً في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «(شيش دو) فيلم يبحث عن فيلم، لأنه تبخّر منه كل شيء، ومع نهايته لم يقع عقاب على أحد من أبطاله». وأضاف: «لا أعتقد أن هذا الفيلم قد خدم أحداً من صنّاعه، لا المخرج ولا أبطاله، بمن فيهم ميشيل ميلاد الذي أراه موهبة كبيرة. ورغم أنه يشارك في هذا العمل الذي أراه خارج نطاق الإبداع، فإنه يقدم في الوقت نفسه دوراً بديعاً في مسلسل (ما لم يُحكَ عن بني مزار)، وهو ما حقق له توازناً هذا الموسم؛ لأن المسلسل يضم نصاً ومخرجاً وحالة إبداعية متكاملة، وهو ما افتقده (شيش دو)».

ويرى الشناوي أن «هذا النوع من الأفلام يرجع إلى رغبة المخرج المؤلف في صنع فيلم سينمائي من دون أن تكون لديه فكرة عميقة، بل مجرد طموح إلى تقديم فيلم».

ورغم الأرقام الجيدة التي يحققها الفيلم على مستوى الإيرادات، يرى الشناوي أن «الإقبال الجماهيري على الفيلم ليس أمراً في صالحه».

وحاولت «الشرق الأوسط» الحصول على رد من مخرج العمل على هذه الانتقادات، لكن ذلك لم يتسنَّ.


محاكمة مجدي شطة تعيد قضايا «مخدرات مطربي المهرجانات» للواجهة بمصر

شطة أثار الجدل في وقائع عدة بالسنوات الماضية (حسابه على فيسبوك)
شطة أثار الجدل في وقائع عدة بالسنوات الماضية (حسابه على فيسبوك)
TT

محاكمة مجدي شطة تعيد قضايا «مخدرات مطربي المهرجانات» للواجهة بمصر

شطة أثار الجدل في وقائع عدة بالسنوات الماضية (حسابه على فيسبوك)
شطة أثار الجدل في وقائع عدة بالسنوات الماضية (حسابه على فيسبوك)

أعاد خبر إحالة مطرب المهرجانات مجدي شطة إلى المحاكمة الجنائية، على خلفية اتهامه بحيازة مخدر «الآيس» بهدف التعاطي، «قضايا مطربي المهرجانات» المتعلقة بالمخدرات للواجهة مجدداً بمصر.

وتعود قضية مجدي شطة صاحب مهرجان «أوضة ضلمة وباب حديد» إلى قبل عدة أشهر عندما ألقت الأجهزة الأمنية القبض عليه بأحد أحياء القاهرة، أثناء وجوده في محيط حملة أمنية، وكشفت التحريات أن وجوده كان بغرض شراء مواد مخدرة للتعاطي. وقبل إحالته إلى المحاكمة الجنائية، وحسب التحريات الأمنية، فقد أحيل مجدي شطة إلى النيابة التي أخلت سبيله على ذمة القضية بكفالة مالية، بعدما عثرت بحوزته على أكياس من المواد المخدرة، وتم اقتياده إلى قسم الشرطة لاتخاذ الإجراءات القانونية، فيما جرى التحفظ على المضبوطات وتحرير محضر بالواقعة، وفق وسائل إعلام محلية.

مجدي شطة مطرب مهرجانات مصري (حسابه على فيسبوك)

وتعليقاً على خبر إحالة مجدي شطة إلى الجنايات، ومدى تأثير الشهرة على مطربي المهرجانات، أكد الدكتور سعيد صادق أستاذ علم الاجتماع، «أن ما يحدث لهذه المجموعة من مطربي المهرجانات هو نتاج فعلي وانعكاس حقيقي للبيئة التي خرجوا منها»، مضيفاً أن «كلماتهم التي يطلقون عليها أغنيات تحمل المعاني والمصطلحات نفسها بشكل صريح، فمنهم من قال (أشرب خمور وحشيش)».

وأضاف صادق لـ«الشرق الأوسط»: «أسلوب الحياة وطريقة الكلام من بين أمور لا يمكن للإنسان التخلي عنها مهما وصل من شهرة أو تضخمت حساباته البنكية». وأشار إلى أن نسبة التعاطي في مصر معروفة بداية من المواد المخدرة الرخيصة والشعبية، وصولاً للمخدرات المخلقة، لكن الشخص الأكثر شهرة هو الأكثر عُرضة لتسليط الضوء عليه مثلما يحدث مع ما يطلق عليهم اسم مطربي المهرجانات، وفق تعبيره.

ونصح أستاذ علم الاجتماع بضرورة العلاج والتدخل المبكر، مطالباً نقابة الموسيقيين بموقف حازم تجاههم. وتعد مناظرة الموسيقار الراحل حلمي بكر مع مجدي شطة من أشهر الوقائع الفنية خلال الأعوام الماضية، إذ انفعل الملحن المصري اعتراضاً على طريقة غناء شطة، مؤكداً أن «هذه الفئة لا تحتاج إلى النقابة بل تحتاج إلى الشرطة»، وتساءل بانفعال «ما هذه الفوضى؟». وفي المقابل واجه شطة انفعال حلمي بكر أثناء الحديث بالضحك، «وهي اللقطة الشهيرة التي تم تداولها عبر (السوشيال ميديا) على نطاق واسع حينها».

وقبل واقعة مجدي شطة، وقع مطربون آخرون في فخ المخدرات سواء بالتعاطي أو الاتجار، من بينهم عصام صاصا، الذي تعرض للحكم بالحبس 6 أشهر مع الشغل، في قضية اتهامه بتعاطي مواد مخدرة أثناء القيادة، بعدما ألقت الأجهزة الأمنية القبض عليه بتهمة دهس أحد الأشخاص.

وحسب وسائل إعلام محلية، فقد ألقت الأجهزة الأمنية قبل أكثر من عام القبض على مطرب يدعى أمين خطاب، بتهمة الاشتباه بالقيادة تحت تأثير المخدرات، كما قضت محكمة الجنايات بالسجن على مطرب يدعى إسلام سنوفا بتهمة الاتجار في مخدر الحشيش.

مطرب المهرجانات المصري مجدي شطة (حسابه على فيسبوك)

بدوره، أكد الناقد الفني المصري عماد يسري لـ«الشرق الأوسط»، أن «ظاهرة قضايا التعاطي أو الاتجار في المخدرات التي وقع في فخها بعض مؤدي المهرجانات هي للأسف ظاهرة سيئة»، وأضاف: «بالتأكيد هذه الظاهرة ستترك فكرة ذهنية سلبية لدى الشباب الذين اعتادوا الاستماع لهذه الأسماء في السنوات الأخيرة».

ويشير أحدث إحصاء رسمي أجرته مصر بشأن حجم الإدمان والتعاطي لعام 2020، وفقاً لبيانات المسح القومي الشامل للتعاطي والإدمان، إلى أن نسبة التعاطي عام 2020 بلغت 5,9 في المائة، بينما بلغت نسبة الإدمان 2,4 في المائة مقارنة ببيانات المسح القومي لسنة 2015؛ حيث كانت نسبة التعاطي 10 في المائة، ونسبة الإدمان 3,3 في المائة، وذلك حسب موقع مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري.