احتفاء بايدن بأداء حزبه يصطدم بمخاوف عرقلة برنامجه التشريعي

عبّر عن استعداده لـ«التعاون» مع الجمهوريين... ولوّح بحق النقض

بايدن يحتفل مع أنصاره في واشنطن مساء الخميس (أ.ف.ب)
بايدن يحتفل مع أنصاره في واشنطن مساء الخميس (أ.ف.ب)
TT

احتفاء بايدن بأداء حزبه يصطدم بمخاوف عرقلة برنامجه التشريعي

بايدن يحتفل مع أنصاره في واشنطن مساء الخميس (أ.ف.ب)
بايدن يحتفل مع أنصاره في واشنطن مساء الخميس (أ.ف.ب)

احتفى الرئيس جو بايدن واشنطن: إيلي يوسف بنجاح حزبه في تجنب «الموجة الحمراء العملاقة» التي توقع الكثيرون حدوثها في انتخابات التجديد النصفي لهذا الأسبوع، وأعاد تأكيد نيته الترشح لخوض السباق الرئاسي عام 2024، فيما تعهد بالعمل مع الجمهوريين المنتخبين في الكونغرس.
ورغم أن الرئيس نجح في تقليص خسائر حزبه، فإنه يواجه احتمال مواجهة مجلس نواب يسيطر عليه الجمهوريون طيلة العامين المقبلين، الأمر الذي يهدد أجندته التشريعية الطموحة حتى في حال حافظ الديمقراطيون على مجلس الشيوخ. وفي مؤتمر صحافي عُقد في البيت الأبيض بعد الانتخابات، بدا بايدن مبتهجاً إزاء نتائج حزبه الديمقراطي التي جاءت أفضل من المتوقع، معتبراً أنها «يوم جيد للديمقراطية»، في حين لم يُشِر إلى أي تصحيح للمسار ولم يعترف بأي أخطاء، مؤكداً أنه «لن يتغير».
وفي حين أن الرئيس الأميركي أكّد استعداده للتعاون مع الجمهوريين، أشار إلى أنه سيمنع أي جهود لـ«تحطيم إنجازات السنتين الأوليين» من ولايته. وقال ملوحاً بإشارة من يده: «أتمتع بقدرة النقض».
وسيستغرق الإعلان عن النتائج النهائية لانتخابات التجديد النصفي أياماً أو حتى أسابيع، مع استمرار عمليات فرز الأصوات في ولايتي نيفادا وأريزونا، ومع اقتراب موعد إجراء جولة ثانية لمجلس الشيوخ في جورجيا بحلول 6 ديسمبر (كانون الثاني) المقبل. وقد يستغرق الأمر وقتاً أطول لتحديد تداعيات هذه النتائج على الفترة المتبقية من ولاية بايدن الرئاسية.
وعلى أي حال، حقق بايدن أفضل نتيجة في فترة منتصف الولاية الرئاسية لأي رئيس منذ 20 عاماً، متجنباً بذلك الاكتساح الجمهوري الذي توقعه كثير من الاستراتيجيين في كلا الحزبين، حتى إن تركه الأمر في مواجهة كونغرس أكثر عدائية، مع تضاؤل آفاق تعزيز أولوياته في الفترة المتبقية من ولايته.
البحث عن أرضية مشتركة
وفيما لم تكن هذه الانتخابات تفويضاً واضحاً لبايدن، فإنها لم تمثّل رفضاً قاطعاً كالذي قوبل به كثير من أسلافه الذين تحملوا مسؤولية الفشل خلال فترات منتصف الولاية. وقد تشجع النتائج بايدن على السعي لإعادة الترشح، ما سيفتح الباب بلا شك لظهور أصوات معارضة هادئة داخل حزبه، لا سيما مع اقتراب عيد ميلاده الثمانين في وقت لاحق من الشهر الحالي. وأمام بايدن فترة كافية للتفكير في قرار إعادة الترشح، حتى إن كان سلفه في البيت الأبيض دونالد ترمب يستعد لإعلان خوضه السباق الرئاسي خلال أيام. وقال بايدن إنه سيشاور عائلته خلال الأعياد، وسيُعلن عن قراره «أوائل العام المقبل». وقال: «أنوي الترشح مرة أخرى. لقد كانت هذه نيتي بغض النظر عن نتائج الانتخابات الأخيرة».
وعلى عكس بايدن، قوضت نتائج الانتخابات النصفية معنويات ترمب الذي تابع بإحباط هزيمة عدد من مرشحيه الرئيسيين، فيما حقق منافسه الجمهوري الأبرز رون دي سانتس انتصاراً ساحقاً أتاح إعادة انتخابه بفارق مريح حاكماً لولاية فلوريدا.
واعترف بايدن بأن مؤيدي ترمب يحتفظون بنفوذ هائل وسيشكلون تحدياً له. وقال: «لا أعتقد أننا سنكسر (حماس) أنصار (لنجعل أميركا عظيمة مجدداً)». لكنه أعرب عن أمله في أن يتمكن من إيجاد أرضية مشتركة مع بقية الجمهوريين، الذين وصفهم بأنهم «أناس محترمون وشرفاء». وتابع: «كما فعلت خلال مسيرتي المهنية، سأواصل العمل مع الحزبين لأخدم الشعب الأميركي. وهذا ليس أمراً سهلاً على الدوام، لكننا فعلنا ذلك في الفترة الأولى (من ولايتي)». وتابع بايدن مخاطباً المشرعين الجمهوريين الذين توعدوا التحقيق في إدارته وعائلته، بالقول: «حظاً سعيداً في عامكم الأول، كما كان يقول مدربي».
واعترف بايدن بأن انتخابات التجديد النصفي لم تكن علامة على رضا الشعب على أدائه. وقال: «كان الناخبون واضحين أيضاً أنهم لا يزالون محبطين. لقد أدركت ذلك. وأفهم أنها كانت سنوات صعبة حقاً في هذا البلد بالنسبة لكثير من الناس».
وإذا حصل الجمهوريون على المقاعد السبعة المطلوبة لتأمين السيطرة على مجلس النواب، كما هو متوقع، فإنهم سيعرقلون مبادرات بايدن التشريعية الكبرى، كما سيحاولون إرغامه على تقديم تنازلات من خلال صلاحيات «قوة المحفظة».
مقاومة جمهورية - ديمقراطية
يُصر مساعدو بايدن على أن هناك مجالات محتملة للتعاون حتى مع الجمهوريين الداعمين لترمب، خصوصاً في قضايا تتقدم أولويات الحزبين، كمكافحة أزمة الإدمان، وفرض لوائح تنظيمية جديدة على شركات التكنولوجيا الكبرى، ومكافحة الجريمة.
من الجانب الآخر، تحدّث بعض الجمهوريين عن رغبتهم في إيجاد مجالات تعاون مشتركة مع الديمقراطيين. وقال السيناتور الجمهوري المخضرم ليندسي غراهام، في تصريح لشبكة «إن بي سي»: «إذا كانت لدينا حكومة منقسمة (مع سيطرة الجمهوريين على إحدى غرفتي الكونغرس أو كلتيهما، والديمقراطيين على البيت الأبيض)، فربما نتوصّل إلى نتيجة جيدة».
غير أن النمط التاريخي المتمثل في إبرام صفقات سياسية بين الحزبين قد يفقد أهميته في أجواء الاستقطاب الحادة التي تعيشها الولايات المتحدة اليوم. وإذا أطلق ترمب حملة انتخابية جديدة في سباق الرئاسة 2024، فمن المرجح أن يتحدّى المشرعون الجمهوريون أجندة الرئيس الحالي عند كل منعطف.
ولن تقتصر المواقف المشككة في التعاون الحزبي على الجمهوريين، فقد عبّر بعض الديمقراطيين، خصوصاً من الجناح التقدمي، عن رفضهم لهذا التقارب. وقالت النائبة براميلا جايابال، رئيسة التجمع التقدمي في الكونغرس الأربعاء: «وجه الناخبون رسالة واضحة مفادها أن الموظفين يتألمون ويطالبون بمزيد من التدابير (لتخفيف عبء غلاء المعيشة)، ليس أقل».
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

الكونغرس الأميركي يُحقّق في «أخلاقيات» المحكمة العليا

الولايات المتحدة​ الكونغرس الأميركي يُحقّق في «أخلاقيات» المحكمة العليا

الكونغرس الأميركي يُحقّق في «أخلاقيات» المحكمة العليا

تواجه المحكمة العليا للولايات المتحدة، التي كانت تعدّ واحدة من أكثر المؤسّسات احتراماً في البلاد، جدلاً كبيراً يرتبط بشكل خاص بأخلاقيات قضاتها التي سينظر فيها مجلس الشيوخ اليوم الثلاثاء. وتدور جلسة الاستماع، في الوقت الذي وصلت فيه شعبية المحكمة العليا، ذات الغالبية المحافظة، إلى أدنى مستوياتها، إذ يرى 58 في المائة من الأميركيين أنّها تؤدي وظيفتها بشكل سيئ. ونظّمت اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ، التي يسيطر عليها الديمقراطيون، جلسة الاستماع هذه، بعد جدل طال قاضيين محافظَين، قبِل أحدهما وهو كلارنس توماس هبة من رجل أعمال. ورفض رئيس المحكمة العليا جون روبرتس، المحافظ أيضاً، الإدلاء بشهادته أمام الك

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الجمود السياسي بين البيت الأبيض والكونغرس يثير ذعر الأسواق المالية

الجمود السياسي بين البيت الأبيض والكونغرس يثير ذعر الأسواق المالية

أعلن رئيس مجلس النواب الأميركي كيفين مكارثي قبول دعوة الرئيس جو بايدن للاجتماع (الثلاثاء) المقبل، لمناقشة سقف الدين الأميركي قبل وقوع كارثة اقتصادية وعجز الحكومة الأميركية عن سداد ديونها بحلول بداية يونيو (حزيران) المقبل. وسيكون اللقاء بين بايدن ومكارثي في التاسع من مايو (أيار) الجاري هو الأول منذ اجتماع فبراير (شباط) الماضي الذي بحث فيه الرجلان سقف الدين دون التوصل إلى توافق. ودعا بايدن إلى لقاء الأسبوع المقبل مع كل من زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ تشاك شومر (ديمقراطي من نيويورك)، وزعيم الأقلية في مجلس النواب ميتش ماكونيل (جمهوري من كنتاكي)، وزعيم الأقلية في مجلس النواب حكيم جيفريز (ديمقراطي م

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ شاهد.... مراهق أميركي ينقذ حافلة مدرسية بعد فقدان سائقها الوعي

شاهد.... مراهق أميركي ينقذ حافلة مدرسية بعد فقدان سائقها الوعي

تمكّن تلميذ أميركي يبلغ 13 سنة من إيقاف حافلة مدرسية تقل عشرات التلاميذ بعدما فقد سائقها وعيه. وحصلت الواقعة الأربعاء في ولاية ميشيغان الشمالية، عندما نهض مراهق يدعى ديلون ريفز من مقعده وسيطر على مقود الحافلة بعدما لاحظ أنّ السائق قد أغمي عليه. وتمكّن التلميذ من إيقاف السيارة في منتصف الطريق باستخدامه فرامل اليد، على ما أفاد المسؤول عن المدارس الرسمية في المنطقة روبرت ليفرنوا. وكانت الحافلة تقل نحو 70 تلميذاً من مدرسة «لويس أي كارتر ميدل سكول» في بلدة وارين عندما فقد السائق وعيه، على ما ظهر في مقطع فيديو نشرته السلطات.

يوميات الشرق أول علاج بنبضات الكهرباء لمرضى السكري

أول علاج بنبضات الكهرباء لمرضى السكري

كشفت دراسة أجريت على البشر، ستعرض خلال أسبوع أمراض الجهاز الهضمي بأميركا، خلال الفترة من 6 إلى 9 مايو (أيار) المقبل، عن إمكانية السيطرة على مرض السكري من النوع الثاني، من خلال علاج يعتمد على النبضات الكهربائية سيعلن عنه للمرة الأولى. وتستخدم هذه الطريقة العلاجية، التي نفذها المركز الطبي بجامعة أمستردام بهولندا، المنظار لإرسال نبضات كهربائية مضبوطة، بهدف إحداث تغييرات في بطانة الجزء الأول من الأمعاء الدقيقة لمرضى السكري من النوع الثاني، وهو ما يساعد على التوقف عن تناول الإنسولين، والاستمرار في التحكم بنسبة السكر في الدم. وتقول سيلين بوش، الباحثة الرئيسية بالدراسة، في تقرير نشره الجمعة الموقع ال

حازم بدر (القاهرة)
آسيا شويغو: روسيا تعزز قواعدها في آسيا الوسطى لمواجهة أميركا

شويغو: روسيا تعزز قواعدها في آسيا الوسطى لمواجهة أميركا

نقلت وكالة الإعلام الروسية الحكومية عن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو قوله، اليوم (الجمعة)، إن موسكو تعزز الجاهزية القتالية في قواعدها العسكرية بآسيا الوسطى لمواجهة ما قال إنها جهود أميركية لتعزيز حضورها في المنطقة. وحسب وكالة «رويترز» للأنباء، تملك موسكو قواعد عسكرية في قرغيزستان وطاجيكستان، لكن الوكالة نقلت عن شويغو قوله إن الولايات المتحدة وحلفاءها يحاولون إرساء بنية تحتية عسكرية في أنحاء المنطقة، وذلك خلال حديثه في اجتماع لوزراء دفاع «منظمة شنغهاي للتعاون» المقام في الهند. وقال شويغو: «تحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها، بذريعة المساعدة في مكافحة الإرهاب، استعادة حضورها العسكري في آسيا الوسطى

«الشرق الأوسط» (موسكو)

واشنطن تفقد ليندسي غراهام أحد أبرز صقور سياستها الخارجية

ليندسي غراهام يتحدث للصحافة بعد اجتماعه مع زيلينسكي في كييف  يوم 10 يوليو 2026 (رويترز)
ليندسي غراهام يتحدث للصحافة بعد اجتماعه مع زيلينسكي في كييف يوم 10 يوليو 2026 (رويترز)
TT

واشنطن تفقد ليندسي غراهام أحد أبرز صقور سياستها الخارجية

ليندسي غراهام يتحدث للصحافة بعد اجتماعه مع زيلينسكي في كييف  يوم 10 يوليو 2026 (رويترز)
ليندسي غراهام يتحدث للصحافة بعد اجتماعه مع زيلينسكي في كييف يوم 10 يوليو 2026 (رويترز)

تُوفّي العضو الجمهوري البارز في مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام، فجر أمس، عن 71 عاماً، في وقت يخوض فيه الرئيس دونالد ترمب واحدة من أكثر مراحله السياسية حساسية قبل انتخابات التجديد النصفي.

وتسبب الرحيل المفاجئ للسياسي المخضرم في حالة من الحزن والارتباك وسط حزبه الجمهوري. وأوردت الصحافة المحلية أن غراهام توفي بعد تعرضه لسكتة قلبية في مقر إقامته بالقرب من الكابيتول. وسارع الرئيس ترمب إلى نعي غراهام عبر منصة «تروث سوشيال»، واصفاً إياه بأنه «وطني أميركي حقيقي»، و«أحد أعظم أعضاء مجلس الشيوخ».

وبرحيل غراهام، لم يفقد ترمب مجرد عضو نافذ في مجلس الشيوخ، وإنما خسر أحد أكثر الحلفاء داخل الكونغرس، الذي يعد واحداً من أبرز صقور السياسة الخارجية الذين لعبوا دوراً محورياً في ملفات تتعلق بالحروب في غزة وأوكرانيا وإيران، كما لعب دوراً قوياً في ملف علاقات الولايات المتحدة مع دول الشرق الأوسط.


رحيل ليندسي غراهام أحد أبرز صقور السياسة الخارجية الأميركية

السيناتور الأميركي ليندسي غراهام يتحدث إلى وسائل الإعلام عقب لقائه بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف يوم 10 يوليو 2026(رويترز)
السيناتور الأميركي ليندسي غراهام يتحدث إلى وسائل الإعلام عقب لقائه بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف يوم 10 يوليو 2026(رويترز)
TT

رحيل ليندسي غراهام أحد أبرز صقور السياسة الخارجية الأميركية

السيناتور الأميركي ليندسي غراهام يتحدث إلى وسائل الإعلام عقب لقائه بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف يوم 10 يوليو 2026(رويترز)
السيناتور الأميركي ليندسي غراهام يتحدث إلى وسائل الإعلام عقب لقائه بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف يوم 10 يوليو 2026(رويترز)

لم تكن وفاة السيناتور الجمهوري البارز ليندسي غراهام عن عمر 71 عاماً، فجر الأحد حدثاً عادياً في العاصمة الأميركية واشنطن، وإنما مثلت نقطة تحول داخل الحزب الجمهوري والإدارة الأميركية، في وقت يخوض فيه الرئيس دونالد ترمب واحدة من أكثر مراحله السياسية حساسية قبل انتخابات التجديد النصفي.

فبرحيل غراهام لا يفقد ترمب مجرد عضو نافذ في مجلس الشيوخ، وإنما يخسر أحد أكثر المدافعين عنه والأكثر ولاءً له داخل الكونغرس، وواحداً من أبرز صقور السياسة الخارجية الذين لعبوا دوراً محورياً في ملفات تتعلق بالحرب في إيران والحرب الروسية والأوكرانية وحرب غزة، كما لعب دوراً قوياً في ملف علاقات الولايات المتحدة مع دول الشرق الأوسط.

وقد أعلن مكتب غراهام وفاته، فجر الأحد، بعد معاناته من سكته قلبية في مقر إقامته بالقرب من الكابيتول وفقاً لصحافية «وول ستريت جورنال» وتسجيلات استدعاء فرق الطواري الطبية. وكان من المقرر أن يظهر غراهام في برنامج «واجه الصحافة» على شبكة «إن بي سي»، صباح الأحد.

وسارع الرئيس ترمب إلى نعي غراهام عبر منصة «تروث سوشيال»، واصفاً إياه بأنه «وطني أميركي حقيقي» و«أحد أعظم أعضاء مجلس الشيوخ الذين عرفتهم»، مؤكداً أن الولايات المتحدة فقدت «صديقاً مخلصاً ومحارباً لا يكل». ولم يكن هذا الرثاء مجرد كلمات بروتوكولية، بل عكس طبيعة العلاقة الاستثنائية التي تطورت بين الرجلين خلال العقد الأخير، بعدما بدأت بخصومة الحادة، وانتهت بتحالف سياسي وثيق.

من الخصومة إلى الولاء

ويصعب فهم مكانة غراهام داخل الدائرة المقربة من ترمب من دون العودة إلى انتخابات عام 2016، عندما كان السيناتور البارز من أشد منتقدي المرشح الجمهوري دونالد ترمب، ووصفه آنذاك بأنه لا يصلح لقيادة الحزب ولا البلاد، كما وصفه بأنه محرض على الانقسام العرقي وكاره للأجانب ومتعصب دينياً. وشهدت العلاقة بين الرجلين توتراً كبيراً عقب الهجوم على مبني الكابيتول في السادس من يناير (كانون الثاني) 2021، وكان غراهام من بين أولئك الذين اتهموا الرئيس ترمب بالتحريض على الهجوم، لكن السياسة الأميركية كثيراً ما تعيد رسم التحالفات فقد صوت غراهام ضد إدانة ترمب في محاكمته الثانية بهدف عزله.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتابع السيناتور الأميركي ليندسي غراهام (جمهوري عن ولاية كارولينا الجنوبية) وهو يخاطب الحشود خلال فعالية للحملة الانتخابية لعام 2024 في كولومبيا، كارولينا الجنوبية، في 28 يناير 2023. (أ ف ب)

ورغم أن غراهام رفض مزاعم ترمب بأن انتخابات 2020 كانت مزورة فإنه دعم مساعي ترمب للفوز بولاية رئاسية ثانية. وبعد وصول ترمب إلى البيت الأبيض، تحوّل غراهام تدريجياً إلى أقرب مستشاريه داخل مجلس الشيوخ، خصوصاً بعد رحيل السيناتور جون ماكين، الذي كان يمثل المرجعية الأساسية لتيار الجمهوريين التقليديين. وأصبح غراهام لاحقاً حلقة الوصل الأهم بين البيت الأبيض والكونغرس، ودافع بقوة عن سياسات ترمب، وسانده في معارك تعيين قضاة المحكمة العليا، ووقف إلى جانبه خلال إجراءات العزل، كما لعب دوراً محورياً في الحفاظ على تماسك الجمهوريين خلال أكثر المراحل صعوبة في رئاسة ترمب الأولى.

بدايته ورحلته

في عام 1994، انتُخب غراهام للمرة الأولى عضواً في مجلس النواب، قبل أن يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ في عام 2002، ويعاد انتخابه في الأعوام 2008 و2014 و2020. وكان يشغل أخيراً منصب رئيس لجنة الموازنة في مجلس الشيوخ.

نشأ في لبدة سنترال بولاية كارولينا الجنوبية، وحصل على درجة البكالوريوس عام 1977 ثم الدكتوراه في القانون عام 1981، وانضم إلى القوات الجوية الأميركية في أثناء دراسته الجامعية. وعمل غراهام محامياً عسكرياً، وبلغ رتبة عقيد في سلاح الجو، وهي تجربة أسهمت في تشكيل مواقفه في السياسة الخارجية المؤيّدة لتدخل الولايات المتحدة.

وفي عام 2002، صوّت لصالح غزو العراق في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001، كما أيّد لاحقاً الإبقاء على وجود عسكري أميركي طويل الأمد في أفغانستان. ويُعدّ غراهام من أبرز منتقدي سياسات الرئيس السابق باراك أوباما الخارجية، إذ وصفه عقب توقيع «خطة العمل الشاملة المشتركة» بين إيران ومجموعة «5+1» في عام 2015 بأنه «خصم ضعيف للشر».

صوت الصقور

كان غراهام يمثل داخل الحزب الجمهوري مدرسة «السلام عبر القوة»؛ ولذلك ارتبط اسمه تقريباً بكل الملفات الساخنة التي تواجه الولايات المتحدة. وفي الملف الإيراني، كان من أكثر الداعين إلى تشديد العقوبات، وتبنى باستمرار خيار استخدام القوة العسكرية إذا اقتضت الضرورة، معتبراً أن امتلاك إيران سلاحاً نووياً يمثل تهديداً مباشراً للأمن الأميركي والإسرائيلي.

أما في الحرب الروسية - الأوكرانية، فقد كان من أكثر أعضاء الكونغرس زيارة لكييف منذ اندلاع الحرب، ودافع عن استمرار المساعدات العسكرية، وأسهم في الدفع نحو مشروع عقوبات أكثر تشدداً ضد موسكو، قبل أيام فقط من وفاته، كما رأى أن أي تراجع أميركي عن دعم أوكرانيا سيُقوّض مصداقية واشنطن أمام حلفائها في أوروبا وآسيا. وقد نعاه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وكتب على منصة «إكس» أنه «زار أوكرانيا 10 مرات خلال سنوات الغزو الروسي الشامل، وكان هنا مع شعبنا في أحلك الظروف»، مشيراً إلى أنه «عمل على مبادرات تهدف لتحقيق السلام».

غراهام وإسرائيل

وفي المقابل، ظل غراهام أحد أكثر السياسيين الأميركيين قرباً من إسرائيل، وبعد هجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، دافع عن حقها في الرد العسكري على خصومها، ودعا إلى تعميق التعاون الأمني معها، وهو ما جعله يحظى بعلاقات وثيقة مع معظم القيادات الإسرائيلية المتعاقبة، كما كان من أشد المؤيدين لـ«اتفاقات إبراهام»، وقام بالعديد من الزيارات لدول منطقة الشرق الأوسط. وكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على منصة «إكس»: «لقد فقدت إسرائيل واحداً من أعظم أصدقائها. فقدت أميركا وطنياً عظيماً. وقد فقدت صديقاً عزيزاً»، كما سارع للظهور على شبكة «فوكس نيوز»، صباح الأحد، لأكثر من 20 دقيقة متحدثاً عن مواقف غراهام السياسية لدعم إسرائيل.

وتتحدث تقارير إعلامية إسرائيلية وأميركية عن احتمال حضور نتنياهو مراسم تشييع الجنازة الرسمية في مسقط رأسه بولاية كارولينا الجنوبية، مع وجود تكهنات بأن تتحول الزيارة إلى مناسبة لعقد لقاء مع الرئيس ترمب لبحث ملفات إيران وغزة والعلاقات الثنائية.

فراغ سياسي

سياسياً، تفتح وفاة غراهام فراغاً يصعب ملؤه سريعاً؛ فالرجل لم يكن مجرد رئيس للجنة نافذة في مجلس الشيوخ، بل كان أحد أبرز مهندسي السياسة الخارجية الجمهورية، وصاحب تأثير واسع داخل المؤسسة العسكرية والأمنية الأميركية. وقد ساد الحزن والارتباك أوساط الجمهوريين، حيث تعيد وفاة ليندسي غراهام حسابات الجمهوريين، وتقلص مقاعد الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ مؤقتاً إلى حين تعيين بديل وفق قانون ولاية كارولاينا الجنوبية، وهو ما يمنح الديمقراطيين هامشاً أوسع للمناورة في عدد من الملفات التشريعية الحساسة، لكن التأثير الأكبر يتمثل في غياب شخصية كانت تجمع بين قربها من ترمب وثقة الجمهوريين التقليديين، وهي معادلة نادرة داخل الحزب.

ماذا يخسر ترمب؟

وبالنسبة للرئيس ترمب، تأتي وفاة غراهام في توقيت شديد الحساسية؛ فالإدارة تواجه تحديات متزامنة تشمل التصعيد مع إيران، والحرب في أوكرانيا، والخلافات داخل حلف شمال الأطلسي، والاستعداد لانتخابات التجديد النصفي. وفي كل تلك الملفات، كان غراهام يؤدي دور «المسوّق السياسي» داخل الكونغرس، حيث كان يمتلك قدرة استثنائية على الدفاع عن سياسات ترمب أمام الجمهوريين المترددين، وعلى بناء توافقات مع بعض الديمقراطيين في قضايا الأمن القومي.

كما كان غراهام يمثل جسراً بين البيت الأبيض والمؤسسة الأمنية، مستفيداً من علاقاته الواسعة داخل وزارة الدفاع ووكالات الاستخبارات، إضافة إلى شبكة علاقاته الدولية التي بناها على مدى أكثر من عقدين.

وقد أسهم غراهام في تشكيل مسار نقاشات كبيرة حول تعيينات المحكمة العليا والسياسات العسكرية والهجرة، وكان تأثيره واضحاً في القضايا المتعلقة بملفات الشرق الأوسط.

ويقول محللون وسياسيون إنه يصعب اختزال إرث غراهام في مواقفه المؤيدة لترمب أو في دعمه لإسرائيل وأوكرانيا؛ فقد كان واحداً ممن تبقوا من رموز الجيل الجمهوري الذي جمع بين النزعة المحافظة داخلياً والسياسة الخارجية التدخلية خارجياً. وبرحيله، يخسر الحزب الجمهوري أحد أكثر أصواته تأثيراً في ملفات الأمن القومي في لحظة تشهد فيها السياسة الأميركية استقطاباً غير مسبوق يعاد فيها رسم موازين القوى داخل الحزب الجمهوري.


رجال دين ديمقراطيون يترشحون للانتخابات الأميركية

آدم هاميلتون كبير القساوسة يلقي كلمة بحضور أوباما وبايدن وزوجتيهما في كاتدرائية واشنطن الوطنية عام 2013 (أرشيفية - أ.ف.ب)
آدم هاميلتون كبير القساوسة يلقي كلمة بحضور أوباما وبايدن وزوجتيهما في كاتدرائية واشنطن الوطنية عام 2013 (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

رجال دين ديمقراطيون يترشحون للانتخابات الأميركية

آدم هاميلتون كبير القساوسة يلقي كلمة بحضور أوباما وبايدن وزوجتيهما في كاتدرائية واشنطن الوطنية عام 2013 (أرشيفية - أ.ف.ب)
آدم هاميلتون كبير القساوسة يلقي كلمة بحضور أوباما وبايدن وزوجتيهما في كاتدرائية واشنطن الوطنية عام 2013 (أرشيفية - أ.ف.ب)

مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، يسعى عدد من رجال الدين الديمقراطيين البيض إلى مواجهة الخطاب الديني الذي يتبناه الجمهوريون، انطلاقاً من قناعة بأن هذا الخطاب جرى توظيفه لأغراض سياسية.

ومن المعروف أن الحزب «الجمهوري» يستحوذ على أصوات غالبية الناخبين المسيحيين البيض في الولايات المتحدة، لكن كثيراً من الزعماء الدينيين باتوا يعدّون أن سياسات الرئيس دونالد ترمب وحلفائه لم تعد تعكس رؤيتهم، خصوصاً فيما يتعلق بقضايا الهجرة. ولهذا السبب، قرر عدد منهم الترشح للكونغرس عن الحزب «الديمقراطي» في نوفمبر، باعتبار أنهم بذلك سيتمكّنون من التأثير على عدد من قرارات الإدارة الأميركية.

ويُعد آدم هاميلتون أحد وجوه هذا التحرّك، وقد يصبح أول ديمقراطي من ولاية كنساس يُنتخب لمجلس الشيوخ منذ عام 1932. وقال إنّ «المسيحيين الذين نراهم (في المؤسسات السياسية) في واشنطن لا يعكسون يسوع (المسيح) في الأناجيل»، حسبما نقلت عنه «وكالة الصحافة الفرنسية» في تقرير لها الأحد.

ويرأس هاميلتون، البالغ 62 عاماً، كنيسة ميثودية ضخمة تضم 24 ألف عضو في منطقة ريفية محافظة للغاية في ولاية كنساس. وظاهرياً، تتوافق أفكاره مع ما ينادي به المسيحي الجمهوري، ورغم أنه يدعو إلى انضباط مالي وجيش قوي، فإنّه يدعم حق الإجهاض وحماية حقوق المثليين والمتحوّلين جنسياً في حملته الانتخابية لمجلس الشيوخ الأميركي.

وبينما يستنكر «الابتذال» و«التفاهة» اللذين تتسم بهما رئاسة ترمب، حسب تعبيره، فإنّه يؤكد أن سياسات الرئيس الجمهوري «لا تتوافق مع القيم» التي يبشّر بها منذ 36 عاماً. ويضيف قائلاً: «أريد أن أقف وأُسمع صوتي وأقول: هذا ليس مقبولاً».

استعادة الخطاب الديني

ولطالما أشرك الديمقراطيون رجال الدين في السياسة، غير أن هذا الأمر تركّز بين الأميركيين السود. ومن هؤلاء السيناتور الأسود رافائيل وارنوك، الذي يرأس كنيسة إبينزر المعمدانية في أتلانتا؛ حيث كان مارتن لوثر كينغ جونيور قسّاً. ولكن آخر رجل دين ديمقراطي أبيض في الكونغرس كان بوب إدغار، الذي كان ينتمي للكنيسة الميثودية، وقد مثّل ولاية بنسلفانيا من عام 1975 إلى 1987.

وراهناً، يتنافس 7 رجال دين بيض على الأقل لتمثيل الحزب «الديمقراطي» في الكونغرس.

المرشح الديمقراطي لعضوية مجلس الشيوخ جيمس تالاريكو يتحدث أمام تجمع في سان أنتونيو بتكساس في 29 مايو 2026 (أ.ف.ب)

ويتحدّر معظم هؤلاء الوافدين الجدد إلى عالم السياسة من ولايات أيوا وتكساس وألاسكا وأركنساو وكنساس وتينيسي. وبينهم 3 نساء، ويتشاركون جميعاً الطموح ذاته؛ أي استعادة الخطاب المسيحي الذي يحتكره الجمهوريون، ونشر تعاليم الكتاب المقدس للدفاع عن سياسات أكثر ملاءمة للمهاجرين والسكان ذوي الدخل المحدود.

ولعلّ أبرزهم جيمس تالاريكو، وهو طالب لاهوت بروتستانتي يبلغ 37 عاماً، ترشّح لمقعد تكساس في مجلس الشيوخ. وفي هذه الولاية المحافظة التي يقودها الجمهوريون، تمكّن تالاريكو من تحقيق تقدم كبير عبر خطاباته الحافلة باقتباسات من النصوص الدينية. قال في أحدها: «هل تريدون أن تعلموا ما الذي يهين يسوع؟ حرمان المرضى من الرعاية الصحية مع خفض الضرائب على أصحاب المليارات».

«فراغ في المجال الديني»

ويتمثل أحد أسباب هيمنة الحزب «الجمهوري» على الناخبين المسيحيين البيض، أنّ الديمقراطيين تحولوا تدريجياً من كونهم حزب الطبقة العاملة إلى نخبة علمانية. وتُقرّ أنديرا دوغيرالا، التي تُشارك في رئاسة مجلس الأديان التابع للجنة الوطنية الديمقراطية، بوجود «فراغ في المجال الديني في السياسة الديمقراطية».

وتقول إنّ ظهور هؤلاء المرشحين ذوي التوجه الديني، «ليس تغييراً غير مرحب به»، مؤكدة أنّه حدث بشكل تلقائي. وتضيف: «لا بأس أن تكون ديمقراطياً ومتديّناً»، مشددة في الوقت نفسه على أن الحكومة يجب أن تكون علمانية.

كذلك، يُعرب كثيرون عن استيائهم من اجتماعات الصلاة التي نظمها وزير الدفاع بيت هيغسيث في البنتاغون، ومن الخطاب الديني الذي استخدمته الإدارة الأميركية لتبرير الحرب على إيران.

ويؤكد روب رايرس، وهو قس إنجيلي من أركنساو ومرشح للكونغرس، أنّ «القومية المسيحية تُمثل أحد أكبر التهديدات للديمقراطية الأميركية». ويقول رايرس ورجال دين آخرون يشاركون في التحرّك لمواجهة سوء استغلال الجمهوريين الخطاب المسيحي، إنهم يلتزمون بشدة فصل الدين عن الدولة. ويضيف: «نحن بحاجة إلى مؤمنين يقفون ويقولون إن الولايات المتحدة تأسست على مبدأ فصل الدين عن الدولة».