انسحاب خيرسون اكتمل... «علينا أن نتراجع أحياناً حتى نتقدم دائماً»

كيف يقرأ الروس قرار الخروج من المدينة؟ جولة على مواقف المعلقين في موسكو

مدنيون خلال خروجهم من خيرسون إلى شبه جزيرة القرم (رويترز)
مدنيون خلال خروجهم من خيرسون إلى شبه جزيرة القرم (رويترز)
TT

انسحاب خيرسون اكتمل... «علينا أن نتراجع أحياناً حتى نتقدم دائماً»

مدنيون خلال خروجهم من خيرسون إلى شبه جزيرة القرم (رويترز)
مدنيون خلال خروجهم من خيرسون إلى شبه جزيرة القرم (رويترز)

لم يكن قرار الانسحاب من خيرسون بعد أسابيع من المعارك الضارية حول المدينة الاستراتيجية، مفاجئاً للنخب الروسية. كانت التحضيرات لذلك تجري على قدم وساق خلال الأسبوعين الأخيرين على الأقل، وتم استباق الانسحاب العسكري بإجلاء أكثر من 115 ألف مدني وآلاف المعدات الضرورية بما في ذلك سيارات إطفاء الحريق وسيارات الإسعاف من المدينة على وقع التقدم الأوكراني المتواصل في ضواحيها.
لكن برغم كل ذلك، أثار قرار الانسحاب - الذي أعلن الجيش الروسي أنه اكتمل اليوم - كثيراً من السجالات ونشر ظلالاً من خيبة الأمل حول المعركة «المصيرية» التي خاضتها موسكو في المنطقة الحيوية التي تحظى بأهمية خاصة، ليس فقط كونها «انضمت» أخيراً إلى قوام روسيا الاتحادية، و«غدت أرضاً روسية إلى الأبد» وفق تعليق الرئيس فلاديمير بوتين، بل أيضاً لأنها المنطقة الأهم في تعزيز الدفاعات عن - والإمدادات إلى - شبه جزيرة القرم. وهذا ما يفسّر حرص موسكو في الأيام الأولى للحرب على انتزاع هذه المدينة من القوات الأوكرانية.
خلال الشهور التسعة الماضية، كانت موسكو قادرة على نقل الإمدادات للمرة الأولى براً إلى شبه الجزيرة، وأيضاً استخدام خيرسون كنقطة انطلاق وإمداد لكل المناطق «الروسية» في جنوب أوكرانيا وشرقها. لذلك فإن قرار الانسحاب، ومهما كانت مبرراته الميدانية والعسكرية، ترافق مع موجة غضب برزت في تعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي، وشعور مرير بالهزيمة بسبب الاضطرار إلى تقديم تنازلات مؤلمة على وقع المعارك.
دفعت التعليقات الكثيرة في هذا الشأن إلى تعزيز محاولات التصدي لموجة القلق التي انتابت المزاج الشعبي، وهو ما برز من خلال مسارعة إعلان المركز الروسي لدراسات الرأي العام عن تنظيم استطلاع أظهرت نتائجه أن «الروس يحافظون على معدلات ثقة عالية بقرارات القيادة الروسية». لكن الأهم ليس الاستطلاع الذي أجراه المركز المقرب من الكرملين، بل في آليات مناقشة الموضوع في وسائل الإعلام الروسية، التي خلت من أي انتقاد لأداء المؤسسة العسكرية، خلافاً لبعض التغطيات التي ظهرت في فترة سابقة، خصوصاً عند التراجع عن مواقع حول كييف وعند التراجع الواسع في خاركيف لاحقاً.
الأبرز من ذلك كان التركيز على أهمية اتخاذ القرار وتوقيته، بهدف المحافظة على أرواح المدنيين والعسكريين وحماية المعدات القتالية ومنع وقوع الأسوأ من خلال ترك القوات تُحاصر من دون إمدادات داخل منطقة قد تغرقها فيضانات في حال أقدمت أوكرانيا - كما يقول الروس - على تفجير السدود المقامة على نهر دنيبر.
سارعت وسائل الإعلام الحكومية الروسية إلى تأكيد أن الخطوة «مؤقتة» وتكتيكية سيتبعها تحرك قوي بعد استكمال إعادة توزيع القوات على الضفة اليسرى للنهر، وفقاً لمعلقين في وكالة «نوفوستي» الحكومية التي عنونت مقالة رئيسية بعبارة «لم ننسحب من خيرسون». بينما نشرت صحيفة «نيزافيسيمايا غازيتا» في ملحقها العسكري، الجمعة، مقالة مطولة تبرز حيثيات قرار الانسحاب وخلفياته والتوقعات المستقبلية، ورأت فيها أن انسحاب القوات الروسية من خيرسون إلى الضفة اليسرى لنهر دنيبر «لن يكون سريعاً». وقالت إن الخبراء العسكريين يعتقدون أن نقل وحدات القوات المسلحة الروسية سيستغرق عدة أسابيع (بيان الجيش الروسي خالف هذا الكلام بالإعلان عن اكتمال الانسحاب).
اللافت هنا أن خبراء أقروا بأنه «ليس من المؤكد أن المناورة الاستراتيجية (بالانسحاب) ستجلب لموسكو أي فوائد دفاعية كبيرة. إذ تتعرض القوات الروسية المنسحبة لضربات مدفعية من القوات المسلحة الأوكرانية».
هنا تكمن واحدة من الإشارات المهمة للتحليلات العسكرية، إذ يواصل الجيش الأوكراني الضغط العسكري المباشر حتى خلال الانسحاب، ويجري ضرب المعابر والجسور العائمة التي يتم إجلاء القوات من خلالها. وبحسب القائد السابق للجيش الثامن والخمسين، النائب في مجلس الدوما أندريه غوروليف، فإن الانسحاب «من أصعب أنواع العمليات العسكرية»، مشيراً إلى أن هناك أيضاً «تهديداً جدياً» بأن وحدات القوات المسلحة الأوكرانية التي تم تخفيف الضغط عليها في الجنوب يمكن أن تنتقل إلى مناطق الجبهات في دونباس ومنطقة خاركيف وتشارك في هجمات مضادة على مواقع القوات الروسية في هذه الاتجاهات. واللافت أن الصحافة الروسية ذهبت أبعد من تصريحات المسؤولين العسكريين، فهي أشارت إلى ضرورة قيام الجيش الروسي أثناء الانسحاب بتدمير الجسور في زاباروجيا ودنيبروبيتروفسك وكريمنشوك و«أن تقويض هذه الجسور، حتى الجزئية منها، سيسمح بتأجيل وصول الاحتياطيات الأوكرانية لفترة طويلة. في المقابل، سيسمح لنا هذا بمحاولة التحرك نحو زاباروجيا ودنيبروبيتروفسك، لتغطية نهر دونباس من الغرب».
الأبرز من ناحية ثانية، كان في إطلاق تحذيرات من تكرار تجربة الانسحاب من خاركيف، ووفقاً لبعض الخبراء فإن «هناك أملاً في أنه عند الانسحاب عبر نهر دنيبر، سيأخذ الجيش الروسي في الاعتبار الأخطاء التي حدثت أثناء إعادة تجميع القوات قرب خاركيف في سبتمبر (أيلول)، ويجب التيقن من أنه في خيرسون لن يتم الحفاظ على القوة البشرية فحسب، بل سيتم أيضاً الحفاظ على المركبات المدرعة وأسلحة القوات الروسية»، كما قال الخبير العسكري الجنرال المتقاعد يوري نيتكاتشيف لـ«نيزافيسيمايا غازيتا».
وهنا يتذكر الروس مشاهد الانسحاب خلال الهجوم المضاد الأوكراني على خاركيف؛ عندما انسحبت القوات الروسية من مواقعها وتخلت عن مدينتي إيزيوم وبالاكليا المهمتين. وزعمت وسائل الإعلام الأوكرانية والمراسلون العسكريون الروس أنه في بعض الحالات تحركت القوات على عجل، من دون تحضير مناسب، ما أدى إلى خسائر فادحة في صفوف الجيش الروسي.
وثمة خلاصة أخرى ذكرها اللواء المتقاعد ألكسندر ميخائيلوف لصحيفة «أر بي كا»، فهو وصف الحدث بأنه «تراجع غير سار». لكنه شدد على أنه «قبل استخلاص النتائج من المفيد تحليل الوضع الحالي بعناية... الوضع العسكري في خيرسون متوتر للغاية». قال الجنرال: «من الواضح أن الجميع مستعد للمضي قدماً، والتراجع يمكن أن يسبب القلق والذهول وخيبة الأمل. لكن الوضع يتطور بطريقة تجعل وجود قواتنا اليوم على الضفة اليمنى لنهر دنيبر محاطاً بالمخاطر».
وانتقد المسؤول العسكري السابق معارضي خطوة الانسحاب من خيرسون، قائلاً: «أولئك الوطنيون الذين يصرخون قائلين: دعونا نمضي قدماً، من غير المرجح أن يتمنوا لآبائهم أو أبنائهم أن ينتهي بهم الأمر في هذا المرجل من دون قذائف وطعام وأسلحة. الحرب شيء متموج... في بعض الأحيان يتعين علينا تقديم بعض التنازلات لإنقاذ حياة الناس». وأضاف أن دخول منطقة خيرسون إلى روسيا خطوة جادة ومدروسة. لكن الأمر سيستغرق الكثير من الوقت والجهد للسيطرة على المنطقة.
أما المعلق السياسي لوكالة «نوفوستي» وهي الهيكل الإعلامي الأهم لدى الكرملين، فقد سارع للتحذير من تصاعد موجة خيبة الأمل بعبارات لافتة للغاية. كتب: «ليست هناك خيانة في النخب، لأن أولئك الذين لا يشاركونهم تطلعات النصر، أولاً، ليس لهم تأثير على السلطة العليا، وثانياً، كفّوا عن كونهم نخباً. نعم، لدينا مشكلة كبيرة في الموظفين بسبب حقيقة أن المحترفين غالباً ما يكونون غير وطنيين، والوطنيون غير محترفين، ولكن في الحالات القصوى يتم تسريع جميع العمليات وتشكيل نخبة جديدة ذات تفكير حكومي من السلطة إلى الأعمال التجارية والثقافة أسرع بكثير. لكن التجديد ينبغي ألا يحل محله البحث عن خونة وخونة في السلطة (باستثناء الخونة الحقيقيين بالطبع)، فنحن لا نحتاج إلى تطهير من أجل التطهير - نحتاج إلى التخلص من القادة الضعفاء وغير الأكفياء، مع الاعتماد على توحيد كل القوى التي تدرك خطورة التحديات التي تواجهنا بالمهام».
ودعا المشككين إلى «عدم إلقاء اللوم المرير (على أحد) بسبب التخلي عن خيرسون. فبعد كل شيء، خيرسون مدينة روسية، مثل أوديسا تدمر الروسية، ونيكولاييف، مدينة بناة السفن. أينما نقرت على الخريطة، ستجد نفسك في مكان يمكنك بثقة إضافة صفة (الروسية) إليه».
ولا بأس هنا من استعارة دروس التاريخ لمواجهة حال فقدان الثقة أو خيبة الأمل، ويكفي أن يتذكر المواطن الروسي العادي، وفقاً للمعلق السياسي، أن هذه «ليست المرة الأولى التي تغادر فيها روسيا مناطق مهمة جداً، وميخائيل كوتوزوف يمكن أن يخبرنا الكثير عن الانسحاب الاستراتيجي الذي يفتح دائماً الطريق أمام روسيا للعودة والتقدم». إنها استعارة تذكّر بانسحاب القائد الروسي أمام جيوش نابليون التي دخلت موسكو عام 1812 قبل أن يدير حملة مقاومة ضارية انتهت بهزيمة القائد الفرنسي.


مقالات ذات صلة

زيلينسكي: 2000 مُسيّرة روسية استهدفت منشآت طاقة وبنية تحتية أوكرانية خلال أسبوع

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

زيلينسكي: 2000 مُسيّرة روسية استهدفت منشآت طاقة وبنية تحتية أوكرانية خلال أسبوع

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم (الأحد)، إن روسيا أطلقت أكثر من 2000 طائرة مُسيّرة و116 صاروخاً على أوكرانيا خلال الأسبوع الماضي فقط.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية («أ.ب» نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية) p-circle

بوتين يشكر رئيس الإمارات على اعتقال مشتبه به في إصابة جنرال روسي

أعلنت روسيا، الأحد، أن الرجل الذي يُشتبه في إطلاقه النار على مسؤول المخابرات العسكرية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف اعتقل في دبي وجرى تسليمه إلى موسكو.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة

«الشرق الأوسط» ( لندن)
أوروبا جانب من عملية تبادل الأسرى في موقع غير معلن بأوكرانيا الخميس (إ.ب.أ) p-circle

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا وتبادل قصف البنى التحتية ومرافق الطاقة

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو (رويترز)

روسيا لاستجواب اثنين من المشتبه بهم في محاولة اغتيال جنرال بالمخابرات

اثنان من المشتبه بهم في محاولة اغتيال مسؤول المخابرات العسكرية الروسية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف «سيتم استجوابهما قريباً»، وفقاً لوسائل إعلام روسية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».