أفلام الشهر على المحك... والحكم للجمهور

أسئلة وتوقعات في «أفاتار 2» وسواه

من فيلم  «أفاتار: طريق الماء»
من فيلم «أفاتار: طريق الماء»
TT

أفلام الشهر على المحك... والحكم للجمهور

من فيلم  «أفاتار: طريق الماء»
من فيلم «أفاتار: طريق الماء»

بعد أسبوع واحد من الشهر الحالي، سيلملم «بلاك آدم» دولاراته ويتخلى عن المركز الأول في الولايات المتحدة وبقع كثيرة حول العالم، ليخلفه «بلاك بانثر 2» والجامع بينهما، عدا اللون الأسود، هو أنهما من تلك التي تستهدف الوصول إلى قمة الإيرادات حين إطلاقها وتنجز هدفها.
«بلاك بانثر» أنجز أسبوعه الثالث في «شباك التذاكر» الأسبوع الحالي، محققاً حتى الآن 137 مليون دولار (وبعض «الفكّة») في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وهي التي تعرف بسوق أميركا الشمالية، و319 مليون دولار في الأسواق العالمية. وهو نتاج شخصية كوميكس ظهرت لأول مرّة سنة 1945 على صفحات مجلات «DC» ليست كبطولة تنتمي إلى شخصيات مثل «فلاش غوردون» و«آيرون مان» أو شخصيات عائلة مارفل الشهيرة، بل كشرير في مواجهتها. رجل عملاق البنية لديه قوّة خارقة يواجه بها شخصيات مارفل الخيّرة التي آلت على نفسها حماية العالم حيث نعيش من القوى ذات القدرات الشريرة الفرطة، مثل «بلاك آدم».
وفي الفيلم، الذي أخرجه خوام كوليت - سيرا، نرى صراعاً دائماً من مطلعه (أو بعد نحو عشر دقائق منه تحديداً) حتى نهايته.
لكن ما لم يثر انتباه أحد، حتى الآن، الرمزية المستخدمة في شخصية آدم، وهي أنه فرعوني. هكذا ابتُكر على صفحات الكوميكس في الأربعينات ولا يزال. هو عبد سابق توارى عن الحياة لخمسة آلاف سنة قبل، ومن ثَم بعثت فيه الروح من جديد فخرج ناقماً يريد الانتقام من العالم كله. إنه كما لو أن أعداء الأرض وأبطالها يجب أن يأتي من عمق التاريخ المصري وليس من كوكب آخر مثل «سوبرمان» أو نتيجة تقدّم تقني معقد ومبهر مثل «آيرون مان».


من «هي قالت» عن وقائع التحرّش

محطات
في كل الأحوال قاد «بلاك آدم» الإيرادات الأميركية لثلاثة أسابيع، هذا الأسبوع هو آخرها، لأن الأعين الآن منتقلة إلى «بلاك بانثر: واكاندا للأبد» (كما هو عنوانه الكامل). على عكس سابقه، شخصيات «بلاك بانثر» التي قدّمت عام 2018 بنجاح واسع، معظمها من الأخيار ولديها رسالة قومية تخص بلدها الأفريقي، مفادها حماية ذلك البلد من تسلل الغرباء إليه أو من المؤامرات الداخلية التي قد تعصف به.
المختلف في هذا الجزء الثاني أن البطولة آلت إلى النساء، وهي ظاهرة شهدها الفيلم السابق على نحو واضح فهن عماد الجيش الذي قاده تتشالا (الراحل شادويك بوزمان)؛ في الفيلم الجديد هن البطولة الأساسية كما تؤديها كل من لتتيتا رايت ولوبيتا نيونغو وأنجليلا باسيت وسواهما.
وصول «بلاك بانثر: واكاندا للأبد» إلى القمّة أمر مفروغ منه وليس محط تكهنات. كذلك الحال مع الأفلام الكبيرة التي ترتسم على طول خط ما تبقى من أسابيع السنة الحالية، مثل محطات القطار المتوالية.
أهم تلك المحطات تلك التي سيتوقف عندها فيلم «Avatar‪:‬ The Way of Water» في 14 ديسمبر (كانون الأول) الشهر المقبل. الفيلم الترويجي تم إطلاقه قبل أسابيع قليلة وحمل مشاهد رائعة التصاميم من الخيال الفانتازيا والخيال. هو مختلف، كإنتاج ومناخ قصصي، عن أفلام «السوبرهيرو» ولا يتبع إلا الجزء الأول الذي حققه جيمس كاميرون سنة 1999. سيكون مثيراً متابعة ما إذا كان مرور كل هذه السنوات بين الجزأين سيؤثر على نتائج الجزء الثاني ولو أن هذا غير محتمل على نحو شبه مطلق وذلك لسببين:‬
الأول أن الجزء السابق كان أنجز قرابة 3 مليارات دولار في عروضه كافّة (تحديداً: ملياران و923 مليوناً و905 آلاف و528 دولاراً) وهو بذلك لديه ضمانة كبيرة.


أنجيلا باست في «بلاك بانثر 2»

الثاني، أن الفاصل الزمني البعيد بين «توب غن» الأول و«توب غن: مافيريك» بلغ 30 سنة، لكن هذا لم يمنع الفيلم الذي قام توم كروز ببطولته من إنجاز إيراد قدره ملياراً و486 مليوناً و657 ألفاً و763 دولاراً) والتربّع على قمّة إيرادات كل الأفلام التي عُرضت السنة الحالية.
لكن ما بين «بلاك بانثر 2» و«أفاتار 2»، عدد من الأفلام التي تتمنى أن تحدث خللاً في هذه الموازين أو على الأقل حصد أرباح عالية.
ففي 18 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، ينطلق فيلم «The Menu»، الذي يجمع بين الطرافة والرعب، ويدور حول صديقين ثريين (أنيا تايلور - جوي، ونيكولاس هولت) يسافران إلى جزيرة نائية لتناول أغلى وليمة في العالم يوفّرها «الشيف» راف فاينس. ماذا سيأكلان تماماً، أمر غير معروف، لكن المفاجآت كثيرة في الطعام وفي سواه. الفيلم من إخراج مارك ميلود الذي أخرج الحلقات التلفزيونية «Games of Thrones» لعامين (2015 - 2017).

آمال ضعيفة
فيلم آخر سيطل في الموعد نفسه، عنوانه «هي قالت» للمخرجة ماريا شرادر. هذا الفيلم دراما تشويقية تدور حول تبني صحيفة «نيويورك تايمز» قضية الكشف عن الاعتداءات الجنسية التي تقع، وعدم محاولة المعتدى عليهن الإعلان عن وقوعها إما خشية تشويه سمعتهن أو بسبب عمق الآثار النفسية والعاطفية التي ترتّبت بعد تلك الاعتداءات.
يستند الفيلم إلى تحقيقات فعلية قادت لاتهام هارفي وينستين بعشرات القضايا بعضها وصل لاحقاً إلى القضاء وانتهت بالمنتج السابق إلى السجن.
قبل نهاية الشهر ينطلق «Devotion» حول طيارين نفّذا خلال الحرب الكورية (التي تلت الحرب العالمية الثانية)، طلعات جوية موفقة فوق العدو الياباني. أحدهما أفرو - أميركي (جوناثن ماجورز)، والآخر أبيض (غلن باول) وهو بدوره مستحدث من وقائع، لكن من غير المعروف حالياً نسبة الحقيقة ونسبة الخيال في هذا الفيلم.
يستند الفيلم، الذي يوفّره المخرج ج. د. ديلارد (صاحب حفنة من الأفلام المستقلّة سابقاً)، إلى نموذج «توب غن: مافيريك» بأجوائه العسكرية والروح الوطنية وهو بالتأكيد يتمنى إنجاز نجاح مماثل أو أقل منه.
في المقابل، هناك أفلام تحشر نفسها في عروض هذا الشهر من باب «لعل وعسى». من بينها «The Fabelmans» لستيفن سبيلبرغ الذي يدور حول حياته صبياً، وصولاً إلى مطلع سنوات حياته المهنية. هذا الفيلم سيعرض على نحو محدود أملاً في دخول سباق الأوسكار كما تنص القوانين الخاصة بالجائزة، مما سيمنعه من تحقيق نجاح مالي كبير كما حال أفلام سبيلبرغ ذات التوجه التجاري.
وهناك فيلمان يشكلان معضلتان تسويقيّتان: الأول «عظام وكل شيء» للإيطالي لوكا غوادانينو الناطق بالإنجليزية الذي سيشهد عرضاً تجارياً محدوداً في الـ18 من الشهر الحالي، و«ضجة بيضاء لنواه بومباش الذي سيشهد العروض المحدودة نفسها والغرض نفسه في الـ25 من الشهر الحالي».
مظلتهما الحقيقية اسمها «نتفليكس» فكلاهما من إنتاج تلك المنصّة الشهيرة، بالتالي ليس هناك من أمل مطلقاً في تحقيقهما أي نجاحات في الصالات المحدودة، التي سيعرضان على شاشاتها. لكن يأمل كلاهما أيضاً في دخول سباق الأوسكار، ولا يبدو أنهما قادران على ذلك. «العظام وكل شيء» بسبب رداءته كمُنتج ونوعية حكايته الداكنة، و«ضجة بيضاء»، الذي ليس فيه أي ميزة تجعله من تلك المأمول لها بنجاح أوسكاري.
وحسب بعض المراقبين يفتقد «ضجة بيضاء» إلى الأهمية والقدرة على استحداث إعلام مشجع لمثل هذه الخطوة.


مقالات ذات صلة

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

يوميات الشرق جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

فوز الأفلام ذات الحضور السياسي في مهرجان «برلين» لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عكس موقفاً ضمنياً يدعو إلى حرية المبدع في مواجهة القيود.

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

لم يكن الفيلم الوثائقي «الجانب الآخر من الشمس» بالنسبة إلى المخرج السوري توفيق صابوني مجرد مشروع سينمائي...

أحمد عدلي (برلين)
سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ.

أحمد عدلي (برلين)

بيترو: سفينة اعترضتها واشنطن في الكاريبي كانت تحمل نفطاً كولومبياً

الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو (أ.ف.ب)
الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو (أ.ف.ب)
TT

بيترو: سفينة اعترضتها واشنطن في الكاريبي كانت تحمل نفطاً كولومبياً

الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو (أ.ف.ب)
الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو (أ.ف.ب)

أقرّ الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، الأحد، بأن ناقلة نفط اعترضتها الولايات المتحدة في منطقة البحر الكاريبي، كانت محملة بالنفط في بلاده، لكنه نفى ارتكاب أي مخالفة، في الوقت الذي تمنع واشنطن فيه إمدادات النفط عن كوبا.

وتُتهم سفينة «أوشن مارينر»، التي ترفع عَلم ليبيريا، بمحاولة الالتفاف على الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على كوبا، في أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي، وتوصيل النفط الكولومبي إلى الجزيرة.

وأقر بيترو بأن السفينة غادرت بلاده وعلى متنها شحنة من النفط، لكنه أكد أنه لم يكن هناك أي شيء غير قانوني.

وقال الرئيس الكولومبي، على «إكس»: «لا توجد مخالفات كولومبية، لا بالعلن ولا بالسر».

وأوضح أن «شركة خاصة هي التي حمّلت الشحنة على متن السفينة»، وأن وجهتها المعلَنة كانت جمهورية الدومينيكان.

واستشهد بيترو بخبر من صحيفة «إل تييمبو» يفيد بأن الناقلة جرى تفتيشها، كما يتوجّب من الجمارك قبل مغادرتها، وأن قيمة العقد تبلغ 6.9 مليون دولار.

وفي منشور سابق، أكد بيترو أنه «ليس هناك أي مخالفة في النقل الحر للنفط في منطقة البحر الكاريبي»، ودعا الولايات المتحدة إلى «تغيير سياستها تجاه كوبا».

وتعاني الجزيرة الشيوعية نقصاً حاداً في الوقود، وقد تفاقم مع توقف الإمدادات من فنزويلا، عقب القبض على نيكولاس مادورو، مطلع يناير الماضي، خلال عملية عسكرية أميركية في كراكاس.

وأظهر تحقيقٌ أجرته صحيفة «نيويورك تايمز»، استناداً إلى بيانات للتتبع البحري، أن سفينة «أوشن مارينر» أعلنت نيتها التوجّه إلى جمهورية الدومينيكان من كولومبيا.

إلا أن السفينة انحرفت مرتين عن مسارها، وحاولت التوجّه نحو كوبا، قبل أن يعترضها خفر السواحل الأميركيون، وفقاً للمصدر نفسه.

وفي وقت سابق من يناير، تمكنت «أوشن مارينر» من توصيل شحنة نفط إلى كوبا من المكسيك.


كالاس تدعو إلى «حل دبلوماسي» لملف إيران: لا نريد حرباً أخرى

مسؤولة الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس خلال حديث للصحافيين في بروكسل قبيل اجتماع وزراء خارجية التكتل (أ.ب)
مسؤولة الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس خلال حديث للصحافيين في بروكسل قبيل اجتماع وزراء خارجية التكتل (أ.ب)
TT

كالاس تدعو إلى «حل دبلوماسي» لملف إيران: لا نريد حرباً أخرى

مسؤولة الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس خلال حديث للصحافيين في بروكسل قبيل اجتماع وزراء خارجية التكتل (أ.ب)
مسؤولة الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس خلال حديث للصحافيين في بروكسل قبيل اجتماع وزراء خارجية التكتل (أ.ب)

دعت مسؤولة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، الاثنين، إلى «حل دبلوماسي» لملف إيران، قبل محادثات مرتقبة بين طهران وواشنطن، في وقتٍ يهدد فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتنفيذ ضربات ضد طهران.

وقالت كالاس، قبيل اجتماع لوزراء خارجية بلدان الاتحاد الأوروبي: «لا نحتاج إلى حرب أخرى في هذه المنطقة، لدينا في الأساس كثير من الحروب».

وأضافت، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «صحيح أن إيران تمر بأضعف مرحلة لها على الإطلاق. علينا أن نستغل هذا التوقيت لإيجاد حل دبلوماسي».

وأعلن وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي، الأحد، أن الجولة الجديدة من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران تقرَّر عقدها في جنيف، يوم الخميس المقبل، مؤكداً وجود «دفع إيجابي لبذل جهد إضافي» من أجل التوصل إلى اتفاق نهائي.

وتُطالب الولايات المتحدة إيران بالتخلي عن مخزونها من اليورانيوم المخصب الذي تقول واشنطن إنه يمكن استخدامه في صنع قنبلة، ووقف دعم مسلَّحين في الشرق الأوسط، والقبول بفرض قيود على برنامجها الصاروخي.

في المقابل، تؤكد طهران أن برنامجها النووي سلمي، لكنها تُبدي استعداداً لقبول بعض القيود عليه مقابل رفع العقوبات المالية، وترفض ربط الملف النووي بقضايا أخرى مثل الصواريخ أو دعم الجماعات المسلّحة.


«الأرض الحرام»: الإقامة في منطقة التعليق

الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)
الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)
TT

«الأرض الحرام»: الإقامة في منطقة التعليق

الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)
الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)

يفتتح علاء ميناوي مسرحية «الأرض الحرام» بجملة تُحدّد موقعه داخل العرض: «يجب ألا أكون هنا... انفجار مرفأ بيروت دفعني لأكون على خشبة المسرح (...). صعب أن نتكلّم، وصعب أكثر أن نسكت عمّا جرى».

منذ البداية، تضع هذه الجملة الجسد داخل مساحة لا تعترف بأحد. ميناوي، «لبناني لجهة الأب وفلسطيني لجهة الأم»، يقدّم نفسه على أنه يجمع «المجد من طرفيه»، ثم يترك هذا «المجد» يتصدَّع على الخشبة. يُعرّضه للتفكّك تحت شروط مكان لا يمنح استقراراً نهائياً.

«الأرض الحرام» لا تمنح الإنسان ما يكفي ليطمئن ولا ما يكفي ليغادر (الشرق الأوسط)

«الأرض الحرام» أو «No Man’s Land» ليست خريطة تُرسَم بحدود محسومة. هي مساحة تُفتَح حين تُغلَق المعابر، ويتحوَّل الحدّ إلى قَدَر، فيصبح الإنسان مضطرّاً إلى العيش بين أمرين لا يملكهما. يشرح ميناوي الفكرة بجملة تُشبه البوصلة المكسورة: «أبحثُ عن مكان في جهة لا تُشرق منها الشمس، وفي جهة لا تُغرب منها الشمس... لستُ أرغب في أن أكون هنا ولا هناك، ولا أستطيع أن أكون هنا ولا هناك».

بهذا المعنى، «الأرض الحرام» هي منفى داخل المنفى. منطقة يتعطَّل فيها القانون، وتغيب السيطرة، ثم تبقى الأجساد وحدها أمام مفهوم المكان؛ حيث يتوه المرء أين يضع نفسه حين تُحرَّم عليه الجهات كلّها.

على «مسرح المدينة» في بيروت، يُفتَح المسرح بلا حدود تفصل الخشبة عن الجمهور. هذا الخيار يدفع المتلقّي إلى ملامسة الفكرة جسدياً. فالفراغ الذي تتحدَّث عنه المسرحية يمتدّ إلى مساحة الرؤية، كأنَّ «الحدود» لم تعد خطاً على الأرض، وصارت علاقة قاسية بين عين تراقب وجسد يُجرَّب.

داخل هذا الانفتاح، يُمثّل وجدي خالد الجسد العربي الباحث عن مكانه في «الأرض الحرام». الجسد الذي لا ينسى. لا يُشار إلى «فلسطين» بالاسم دائماً، فتحضر عبر عناق قهري للرمال التي افترشت أرض المسرح، وتحوَّلت إلى جزء من السينوغرافيا كأنَّ القبور مفتوحة. وحين يُلَفّ الجسد بالأكياس بعد أن يصير جثة، تتوالد هذه الأكياس بلا نهاية، كأنّ الموت نفسه يتكاثر ولا يصل إلى خاتمة.

الخشبة المفتوحة تُسقِط الحدود وتترك الجسد أمام امتداد لا ينتهي (الشرق الأوسط)

الجسد في هذه «الأرض» غير المحدَّدة تماماً جغرافياً يراوح بين ثلاثة مصائر. هو جسد محارب، أو جسد هارب، أو جسد ينسحب من العالم إلى عالم آخر مُلتبس بين لا هنا ولا هناك. وجدي يُمثّل قصصاً عاشها الجسد المُثقل، واستحال نسيانها، ثم يضع ذاكرته على الرمل كما لو أنها مادة تُشكَّل.

ميناوي يقول إنّ السينوغرافيا ينبغي أن تكون منتهية قبل بدء العرض، فإذا بوجدي يُعيد تشكيلها خلاله بما يوحي للجمهور بأنَّ الزمن يتوقَّف ثم يُستأنف. تتحوَّل الخشبة إلى ورشة دفن وبناء، وكلّ حركة على الرمل تُعيد رسم المكان الذي لم يجده وجدي لبداية مُحتَملة.

تتوقَّف المسرحية عند كلمة «Amygdala»، وتُترجَم إلى «اللوزة الدماغية». إنها المنطقة الصغيرة التي تُدير خوف الإنسان واستجاباته الانفعالية، وتُخزّن أثر الصدمة في الجسد قبل أن تصير حكاية. حضور المفردة يوسِّع فكرة «الأرض الحرام» إلى داخل الرأس، ليقول العرض إنّ الحدود لا تمرّ على الخرائط وحدها، وإنما أيضاً في الدماغ، وفي ذاكرة الخطر التي تُبقي الجسد رهن حالة إنذار. يُلمح ميناوي لقوة الدماغ، وبأنه الحارس القاسي للحياة، والحارس القاسي للوجع معاً. الصدمة التي لا تُهضَم تتحوَّل إلى نظام، والخوف يصير بيتاً مؤقتاً، و«الأرض الحرام» حالة عصبية مزمنة يعيشها الإنسان وهو يبحث عن مكان يُهدِّئ روحه.

الجسد على الخشبة يختبر معنى أن يكون موجوداً في مكان لا يعترف به (الشرق الأوسط)

في مشهد النَّكْش بالرمل، تنخرط الحركة في طَقْس يُشبه نشوة داخل القهر، كأنّ الحَفْر محاولة للعثور على أثر، أو لاستحضار ما دُفن، أو للتصالح مع ألم لا ينتهي. وجدي ليس وحيداً، فـ«الموتى يُغنّون له». أصوات كارول عبود وعمر ضو وضنا مخايل تُسمَع وهو يتكوَّر على أرض المسرح مثل طفل، فتغدو الذاكرة جماعية، وتتحوَّل العزلة إلى جوقة.

ميناوي حكواتي أكثر منه ممثلاً. ينسج السرد ويقوده، ويقترح المعنى عبر خطاب مباشر أحياناً. قوة «الأرض الحرام» كانت لتتكثَّف لو ظلَّت رمزية، وأبقت الباب مفتوحاً لإسقاطات تمسّ كلّ إنسان معذَّب بالظلم في هذا العالم المتوحّش، الفلسطيني وغيره، خصوصاً مع الإشارة إلى السودان ودارفور. وبانزلاق بعض المقاطع إلى خطاب أقرب إلى التقريرية، مثل السخرية من الدور الأميركي الذي جاء و«معه الحرّية»، أو إدانة فنانين لم يُسجّلوا موقفاً مؤيّداً لفلسطين، أو إعادة طرح سؤال «ماذا فعلتَ أنت؟»، أو المرور على مَن اكتفوا برمز البطيخ في «إنستغرام»، ضاق هامش التأويل، واتّجه المعنى نحو أدلجة تُقيّد المتلقّي بدل أن تحرّره.

الكيس البلاستيكي يترك ملامح الجسد عالقة بين الحضور والغياب (الشرق الأوسط)

مع ذلك، حافظت السينوغرافيا (ميناوي بمساعدة حسن مراد) والإضاءة (ميناوي) واللمسة الإخراجية على قوة العرض ورمزيته، خصوصاً في مشهدَي الرمال والكيس البلاستيكي. هذا الجهاز البصري كان يكفي ليحمل العبء السياسي من دون أن يُقال مباشرة. وتبلغ الدرامية ذروتها مع وضع وجدي الكوفية على كتفيه وكتف ميناوي بختام العرض، في صورة تُعيد تثبيت موقع الجسد داخل هذا الفراغ الذي اشتغل عليه العمل منذ بدايته، حيث يبقى حاملاً لذاكرته، وماثلاً داخل مساحة لا تُعيده إلى نقطة سابقة ولا تنقله إلى موقع جديد، وتُبقيه في حالة حضور مستمرّ داخل هذا التعليق.